التحول من أجهزة أمنية للنظام الحاكم إلى مؤسسات أمنية لدولة حديثة

علاء قاعود

  

يحتاج المرء للتسلح بدرجة عالية من العزيمة والمصداقية لكي يستطيع مواصلة العمل على تحقيق غد عربي أفضل، فمع أن الثورات العربية -خلال العام الماضي- قد كسرت من ناحية حالة الجمود وأوضحت، بشكل قاطع، الرغبة العارمة في غد أفضل واستعداد العديدين للتضحية بالرخيص والغالي من أجل الخروج من الوضع المتردي الراهن. إلا أن ما صاحب هذه الثورات من الناحية الأخرى، كشف جانبا مستورا يخص طبيعة الأنظمة الحاكمة وأجهزتها على نحو شكل صدمة لكثير من المعارضين لتلك الأنظمة والذين ناضلوا من أجل إسقاطها. فقد بات واضحا للعيان أن هذه الأنظمة لم تعبث فقط بأبسط قواعد المحاسبة والشفافية وحرمة المال العام على نحو كانت فيه أقرب بهذا الخصوص إلى أنظمة الحكم في القرون الوسطى، بل أنها قد ارتدت أيضا في عدد من الحالات ببعض مؤسسات الدولة خاصة الأمنية والعسكرية إلى الهاوية. فباتت العديد من هذه المؤسسات -وإن بدرجات مختلفة- أجهزة للنظام الحاكم، ومارس العديد منها سلوك عصابات إجرامية تجاه الثورة فيما طالب البعض الآخر منها بالسمع والطاعة ورد الجميل لأنها لم ترتكب مجازر ضد الثورة، وذلك في قلب للمعايير والموازين وكأن السلوك الإجرامي بات هو الأصل وأن من لا يسلكه يستحق المكافأة وله حق السمع والطاعة. ومع التسليم بصعوبة التعميم واختلاف تفاصيل المشهد من دولة عربية إلى أخرى إلا أن ذلك لا ينفي أن طبيعة الأنظمة السابقة/ الحالية في معظم الدول العربية وثقل التركة وتعقيداتها يستلزم تركيز الجهود -الهادفة للتغيير- على القضايا الجوهرية مع الأخذ في الاعتبار ما يصاحب ذلك من إشكاليات ومخاطر.

فعلى سبيل المثال ومع التسليم بما يمكن أن تساهم به برامج توعية أفراد الشرطة بمعايير حقوق الإنسان -سواء عبر إدخالها في مقررات أكاديميات الشرطة أو عبر تنظيم دورات وورش عمل- من رفع درجة إلمامهم بتلك المعايير وهو ما يأمل معه أن ينعكس في احترامهم لتلك المعايير، إلا أنه لا توجد أية شواهد حقيقة على صدق هذه الفرضية. لقد تم خلال العقد الأخير تدريب عشرات الآلاف من أفراد الشرطة في عدد من أكثر الأنظمة العربية انتهاكا لحقوق الإنسان ولا يوجد أي مؤشر على انعكاس ذلك إيجابا على أداء أجهزة الشرطة في تلك الدول. ويمكن معه القول أنه في ظل غياب الإرادة السياسية للنهوض بحالة حقوق الإنسان بما في ذلك محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات فإن الجانب الأكبر من جهود رفع وعي العاملين بالأجهزة الأمنية هو بمثابة حرث في البحر.

وبالطبع يرجع غياب الإرادة السياسية للنهوض بحقوق الإنسان إلى العديد من العوامل، إلا أن تحليل الفهم السائد من جانب الأنظمة الحاكمة في الدول العربية للسلطة وطبيعتها يتيح لنا فهم مكامن الخلل الجوهرية بهذا الخصوص، فهناك فشل واضح على صعيد الدول العربية فيما يخص تبني وترسيخ ضمانات ممارسة السلطة وفقا للمبادئ الأساسية لبناء دولة حديثة.

فإذا ما كانت الدولة تمثل الصورة الأحدث للجماعة السياسية وإذا ما كان الأصل الثابت والعامل المشترك في جميع صور الجماعة السياسية هو وجود سلطة سياسية وانقسام المجتمع إلى حاكم ومحكوم أو آمر ومطيع أو راعي ورعية أو مؤسسات حاكمة ومواطنين، فإن أحد السمات التي يمكن التمييز عبرها بين الجماعات السياسية هو الرابطة التي تتشكل على أساسها الجماعة السياسية، والأساس الذي تستند إليه السلطة فيها، وشكل هذه السلطة وطبيعة تنظيمها، وطريقة تنظيم العلاقة بين هذه السلطة وأفراد الجماعة. إن قيام مؤسسات سياسية غير شخصية ومستقرة ودائمة نسبيا، ووجود موافقة جماعية على سلطة عليا ونزعة للولاء من قبل أفراد الجماعة السياسية لسلطتها واحتكار للعنف من قبل تلك السلطة هو أحد المقومات الرئيسية لنموذج الدولة الحديثة. أما فيما يتعلق بطبيعة السلطة في الدولة الحديثة، وانعكاس ذلك في إرادة سياسية للنهوض بحقوق الإنسان، يمكننا أن نشير إلى أن ما يميز نموذج الدولة الحديثة في هذا المجال هو استناد نظامها إلى عدد من المفاهيم والمبادئ المترابطة، من أهمها:

·        السلطة ملك للجماعة السياسية، تمارس لحسابها وعلى مقتضى نظام معين تضعه، وعليه فإن القائمين على السلطة هم ممثلين عنها وليسوا أصحابها، وعليهم الالتزام بقواعد معينة موضوعة من قبل الجماعة السياسية ومعروفة سلفا؛

·        السلطة في الدولة هي للمؤسسات، وهو ما يعني وجود تنظيم مستمر ضمن إطار قانوني، وأفراد يمارسون اختصاصات المؤسسة وفقا للإطار الذي تحدده القواعد المنشئة لها؛

·        تنشأ السلطات في الدولة الحديثة وفقا لقواعد قانونية سابقة تحدد كيفية إسناد السلطة إلى فرد أو أفراد معينين، وتحدد اختصاصاتهم تحديدا واضحا، وتؤسس آليات وقواعد محاسبة ومعاقبة للقائمين على السلطة  إذا ما ارتكبوا تجاوزات أو انتهاكات.

وبالطبع فهذه المبادئ والمفاهيم مترابطة، ويجب أن تنعكس في النظام القانوني للدولة الحديثة، على أن توضع الضمانات اللازمة التي تكفل إعمالها وفرض احترامها.

 

وعلى خلاف هذه المبادئ نجد أن الممسكين بالسلطة في الدول العربية وبعيدا عن الشعارات التي يطلقونها وما يسطرونه من قوانين، يعتبرون أنفسهم أصحاب السلطة وليسوا ممثلين لها مما يجعل رؤيتهم وأوامرهم الشخصية »قانونا فعليا« ينسف أبسط أسس الدولة الحديثة، ويضع مؤسسات الدولة في خدمتهم بحيث تتحول هذه المؤسسات إلى أجهزة للنظام الحاكم. وعلى طريقة »إني لا أكذب ولكني أتجمل«، قامت معظم هذه الأنظمة بتأسيس العديد من المؤسسات »الديكورية« أو التي يتسم أداءها بالضعف أو المصابة بالشلل خاصة فيما يتعلق بإعمال القانون والمحاسبة على انتهاكات حقوق الإنسان.

 

يحتاج وضع تصور متكامل وخطة واضحة لمعالجة هذا الخلل إلى جهد كبير ومشاورات وطنية جادة، وما نود أن نلفت الانتباه إليه هنا أن ترسيخ المبادئ المتعلقة بطبيعة الدولة الحديثة وضوابطها يستلزم العمل على معالجة الخلل الراهن في طبيعة وبنية الأجهزة الأمنية في الدول العربية. فمما لا شك فيه أن هذه الأجهزة تعاني من مشاكل بنيوية جوهرية، وتمثل بوضعها الراهن عبئا على الدولة والمجتمع معا. ويجب التسليم بأن أي جهد يهدف إلى النهوض بالحالة المتردية لحقوق الإنسان في بلادنا ينبغي له أن يشتمل على، بل ويرتكز إلى، القيام بعملية إعادة تقييم وهيكلة حقيقية لهذه الأجهزة ومراجعة مدى صلاحية العاملين بها وربما يستلزم الأمر إعادة بناء بعضها من نقطة الصفر. وهذا الأمر ليس بدعة بل لا مفر منه، كما توضح لنا تجارب مختلف الدول التي حققت نقلة حقيقية نحو بناء دولة مواطنة ديمقراطية، ترسخ لسيادة القانون بعد عقود من نظام مستبد، وكما توثق دراسات الحالة والخبرات والأدلة الإرشادية في هذا المجال. ويجب أن تشمل هذه المراجعة فلسفة بناء هذه الأجهزة، بحيث يتم كسر العوازل التي وضعت بين هذه الأجهزة والعاملين فيها وبين المجتمع لغاية تمكين الأنظمة الحاكمة من توجيه هذه الأجهزة على نحو يخدم مصالحها، حتى وإن تعارض ذلك مع مصلحة المجتمع والدولة.

 

وفيما يلي نتوقف، على سبيل المثال، عند مسألتين بالغتي الأهمية يمكن أن تشملهما هذه المراجعة.

 

أولا: ضرورة مراجعة ضوابط القبول في كليات الشرطة وفلسفة ومناهج إعداد وتأهيل أفراد الشرطة بما يسمح بتمثيل مختلف فئات المجتمع ويضمن عدم عزل أفراد الشرطة عن المجتمع. ومما يمكن الأخذ به في هذا الخصوص الاقتراح المتعلق بأن يقتصر الالتحاق بكليات الشرطة على من أتم تعليمه الجامعي لا الدراسة الثانوية فحسب. كما يمكن مراجعة نظام الدراسة بكليات الشرطة على قاعدة ألا تشكل فترة الدراسة مصدرا للعزلة بين طالب الشرطة والمجتمع. ومن إيجابيات هذا الاقتراح أن يأتي انضمام الطالب إلى كلية الشرطة بعد تشكل ملامح شخصيته إلى حد ما، بما يحد من طغيان التراث السلبي الراهن للعملية التعليمية في كليات الشرطة والأجهزة الأمنية بشكل عام، وهو ما أفرز لنا أجيالا من أفراد الشرطة منعزلة تماما عن المجتمع، ولديها فهم مغلوط لدورها وعلاقتها بالمجتمع.

 

ثانيا: يجب العمل على تأسيس آليات مراقبة فعالة لأداء الأجهزة الأمنية والعمل على مواجهة ظاهرة الإفلات من العقاب، إذ اتسم نهج بعض النظم العربية خلال العقود الأخيرة بالتغني باحترام حقوق الإنسان وسيادة القانون دون تحويل ذلك إلى واقع ملموس ينعكس على علاقتها مع المواطن. وعلى الرغم من أن العديد من الدول العربية قد أسست آليات بدعوى السعي للارتقاء بحقوق الإنسان، وتلقي الشكاوى المتعلقة بانتهاكها، والتحقيق فيها، إلا أن الواقع يكشف عن عدم جدية هذا التوجه، وطابعه الشكلي، وعدم فعالية هذه الخطوات. وبناء عليه، يقتضي الأمر القيام بعملية مراجعة جادة للآليات القائمة، سواء بمنحها صلاحيات حقيقية أو إعادة هيكلتها على نحو يكفل فعاليتها أو إلغاءها، وتأسيس آليات فعالة جديدة وكذلك مراجعة مدى أهلية العاملين بها. ولا ينبغي الاكتفاء هنا بالضمانات والمعايير الواردة في مبادئ باريس الخاصة بتأسيس اللجان الوطنية لحقوق الإنسان، إذ تشكل تلك الضمانات والمعايير الحد الأدنى ولا يمكن الاعتماد عليها فقط، خاصة في ظل غياب إرادة سياسية حقيقة للنهوض بحالة حقوق الإنسان. بل يجب العمل بشكل دائم على تطوير الضمانات والمعايير ذات الصلة.

 

وعلى سبيل المثال، يجب أن يرتكز العمل على مواجهة ظاهرة استشراء التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة في الدول العربية، والذي وصل إلى حد أن بعض أجهزتها الأمنية لم تعد تقوم بذلك لحساب أنظمتها الحاكمة فقط، بل أيضا لحساب أجهزة أمنية تابعة لبعض الدول الغربية في إطار ما أطلق عليه »الحرب على الإرهاب«. ويجب تأسيس آليات رقابة وقائية فعالة، مع الاستفادة بهذا الخصوص من التجارب الدولية المختلفة وكذلك المبادئ التوجيهية بشأن الآليات الوقائية الوطنية التي وضعتها اللجنة الفرعية لمنع التعذيب والتي تأسست بموجب البروتوكول الاختياري لاتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة. إذ يهدف هذا البروتوكول إلى إنشاء نظام قوامه القيام بزيارات منتظمة من قبل لجنة دولية وآلية وطنية مستقلة للأماكن التي يحرم فيها الأشخاص من حريتهم، بغية منع التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة. وبمقتضى هذا البروتوكول يجب على الدول الأطراف فيه أن تنشئ آلية وقائية وطنية مستقلة واحدة أو أكثر لمنع التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة على المستوى المحلي.

 

ونعرض في هذا السياق مقتطفات لبعض المبادئ التوجيهية بشأن الآليات الوقائية الوطنية وفقا لتوصيات اللجنة الفرعية لمنع التعذيب.

أولا: ينبغي تأسيس الآلية واختيار أعضائها وتعيينهم عن طريق عملية مفتوحة وشفافة وشاملة تشارك فيها مجموعة واسعة من الجهات المعنية، بما فيها المجتمع المدني. ويجب أن يتمتع أعضاء الآلية بالخبرة والتجربة اللازمتين لضمان فاعليتها، فضلا عن ضرورة الامتناع عن تعيين أعضاء يشغلون مناصب تثير تساؤلات عن تضارب المصالح.

ثانيا: ينبغي مراعاة التنوع في خلفيات الموظفين (في الآلية)، وأن تكون لديهم القدرة والدراية المهنية اللازمة بما يمكنها من الاضطلاع بولايتها على نحو سليم. وينبغي أن يشمل ذلك في جملة ما يشمله الخبرات ذات الصلة في مجالي القانون والرعاية الصحية. ويجب توفير الموارد الكافية ليتسنى للآلية العمل بفعالية، على أن تتمتع باستقلال مالي وتنفيذي لدى الاضطلاع بمهامها.

ثالثا: ينبغي أن تحدد ولاية الآلية وصلاحياتها بوضوح في نص دستوري أو تشريعي، وأن تتوفر الضمانات لاستقلاليتها، وأن يحدد التشريع ذو الصلة فترة ولاية عضو الآلية أو أعضائها وأي سبب من أسباب فصلهم. وألا يتعرض الأشخاص الذين يعملون على تنفيذ مهام الآلية أو الذين تعمل معهم الآلية لتنفيذ مهامها لأي شكل من أشكال العقوبة أو الانتقام أو أي عائق آخر نتيجة لعملهم.

رابعا: ينبغي للدولة أن تسمح للآلية بزيارة جميع ما يخضع لولاية الدولة من أماكن الحرمان من الحرية أو أي من الأماكن التي يشتبه في كونها كذلك، كما ينبغي للدولة أن تكفل قدرة الآلية على إجراء زيارات بالطريقة والوتيرة اللتين تقررهما الآلية بنفسها. ويشمل ذلك القدرة على إجراء مقابلات خاصة مع الأشخاص المحرومين من الحرية، والحق في القيام بزيارات غير معلنة، في جميع الأوقات ولجميع أماكن الحرمان من الحرية.

خامسا: ينبغي أن تشرع سلطات الدولة في عملية متابعة مع الآلية بغية تنفيذ أية توصيات قد تقدمها الآلية. كما ينبغي للدولة أن تخبر الآلية بأي مشروع تشريع قد يكون قيد النظر وتكون له صلة بولاية الآلية، وأن تسمح لها بتقديم اقتراحات أو ملاحظات بشأن أي سياسة أو تشريع قائمين أو مشروع سياسة أو تشريع. وينبغي للدولة أن تراعي أي اقتراحات أو ملاحظات تقدمها الآلية بشأن ذلك التشريع.

سادسا: ينبغي أن يتسم عمل الآلية بالشفافية وأن تخضع وسائل وآليات عملها للمراجعة والتقييم المستمر بغية تعزيز الآلية وتفعليها، وأن تنشر تقاريرها وتوزع على نطاق واسع بما يساهم في تفعيل التوصيات التي تقدمها من أجل الاضطلاع بولايتها.

 

للاتصال بكاتب المقال: kaoudmail@gmail.com

 




شارك هذه الصفحة: