الحماية الدولية لحقوق الإنسان أثناء مرحلة التحقيق

المحامي الدكتور ليث كمال نصراوين*

                                      

إن ارتباط جهاز الشرطة بحقوق الإنسان هو ارتباط ضمير ودين وقانون، ذلك أن الشرطة تعد حلقة الاتصال المباشر بين السلطة الإدارية والفرد في الدولة حيث توضع حقوقه الإنسانية أمام ذلك الجهاز موضع اختبار حقيقي إما إهدارا أو احتراما. من هنا تأتي أهمية توفير الحماية الكافية لحقوق الأفراد أثناء تعاملهم مع رجال الشرطة والتي لم تعد مقصورة على الحماية الداخلية التي توفرها القوانين الوطنية، بل تعدتها إلى إيجاد منظومة من المعايير الدولية لحقوق الإنسان والتي تهدف بشكل رئيسي إلى توفير حماية دولية للأفراد أثناء تعاملهم مع رجال الشرطة وخصوصا في مرحلة التحقيق والتي قد تشمل التوقيف والاحتجاز كمظهرين من مظاهر تقييد الحرية الشخصية.

يشكل التحقيق في الجريمة الخطوة الأساسية الأولى على طريق إقامة العدالة، والغرض منه جمع الأدلة وتحديد مرتكب الجريمة المفترض وعرض الأدلة على المحكمة حتى يتسنى لها البت في الإدانة أو البراءة. وقد يمارس رجال الشرطة أثناء سير التحقيق صلاحيات التوقيف وحجز الحرية المخولة لهم تجاه الأشخاص المشتبه في ارتكابهم الجريمة موضوع التحقيق، وهو ما قد يلزم أحيانا استخدام القوة لإلقاء القبض عليهم واحتجازهم. لذلك ولكي تسير عملية التحقيق في الجريمة وفقا للمبادئ الأخلاقية فلا بد من ضمان احترام حقوق المشتبه بهم وكرامتهم الإنسانية، وذلك من خلال مراعاة مجموعة من المبادئ الأساسية المتعلقة بعمل الشرطة الأخلاقي أثناء التحقيق والمستمدة من صكوك حقوق الإنسان الدولية والتي نعرض لها فيما يلي .

 

1- الحق في الحرية

يعد هذا المبدأ من أهم المبادئ التي احتوى عليها »الإعلان العالمي لحقوق الإنسان «حيث نصت المادة الثالثة منه على أن »لكل فرد الحق في الحياة والحرية والأمان على شخصه « ،[1] وهو ما مفاده أن لكل إنسان الحق في الحرية الشخصية، وأن توقيف الشخص كقاعدة عامة يتعارض مع هذا المبدأ. لذا يجب أن يكون التوقيف لأسباب محدده في القانون بعيدا عن التعسف ووفقا لإجراءات مشروعة، وهو ما نصت عليه المادة التاسعة من »الإعلان العالمي لحقوق الإنسان «بقولها أنه »لا يجوز اعتقال أي إنسان أو حجزه أو نفيه تعسفيا « .

ويتفرع عن الحق في الحرية مبدأ آخر هو الحق في إخلاء سبيل المتهم المحتجز إلى أن تتم محاكمته، إذ لا يجب بشكل عام الاستمرار في احتجاز المتهم بارتكاب جريمة جنائية إلى حين محاكمته إلا في حالات معينة يجوز فيها للسلطات الأمنية أن تقيد حرية المتهم حتى المحاكمة وذلك عندما يكون ذلك ضروريا لمنعه من الهرب خارج البلاد أو منعه من التأثير على الشهود أو إذا كان إطلاق سراحه يشكل خطرا على الغير، وهو ما أكدت عليه الفقرة الثالثة من المادة التاسعة من »العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية « والتي تنص على أنه »لا يجوز أن يكون توقيف الأشخاص الذين ينتظرون المحاكمة هو القاعدة العامة، ولكن من الجائز تعليق الإفراج عنهم على ضمانات لكفالة حضورهم في أي مرحلة أخرى من مراحل الإجراءات القضائية ولكفالة تنفيذ الحكم « .[2]    

2- الحق في افتراض براءة المتهم

إن المبدأ القانوني المستقر عليه في القضايا الجزائية بأن المتهم برئ حتى تثبت إدانته بحكم قضائي قطعي قد تم تكريسه في الفقرة الأولى من المادة الحادية عشر من »الإعلان العالمي لحقوق الإنسان « والتي تنص على أن »كل شخص متهم بجريمة يعتبر بريئاً إلى أن تثبت إدانته قانوناً بمحاكمة علنية تؤمن له فيها الضمانات الضرورية للدفاع عنه « ، وكذلك في الفقرة الثانية من المادة الرابعة عشر من »العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية « والتي تنص على أنه »من حق كل متهم بارتكاب جريمة أن يعتبر بريئا إلى أن يثبت عليه الجرم قانونا « .

ويترتب على ثبوت الحق في افتراض براءة المتهم النتائج التالية:

•    أنه لا يمكن أن تتحدد الإدانة أو البراءة إلا من خلال جهة قضائية مشكلة تشكيلا قانونيا وبعد اتباع إجراءات المحاكمة العادلة المنصوص عليها في التشريعات الوطنية ذات الصلة؛
•    أنه لا يمكن أن يدان أي شخص من جراء أداء عمل أو الامتناع عن أداء عمل إلا إذا كان ذلك الفعل يعتبر جرماً وفقاً للقانون الوطني أو الدولي وقت ارتكاب الفعل؛
•    أنه يجب أن تتم معاملة جميع الأشخاص الجاري التحقيق معهم باعتبارهم أبرياء سواء كانوا قيد التوقيف والاحتجاز أو أطلق سراحهم بكفالة أثناء التحقيق.


3- الحق في المعاملة الكريمة

إن من حق المتهم أن يعامل معاملة حسنة وإنسانية، ذلك بهدف صون كرامته وسلامته البدنية والعقلية معا، وهو الواجب الملقى على عاتق الدولة بتوفيره لكل شخص من الأشخاص المحرومين من حريتهم، وهذا ما أكدت عليه المادة العاشرة من »العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية « بالنص على أن »يعامل جميع المحرومين من حريتهم معاملة إنسانية تحترم الكرامة الأصيلة في الشخص الإنساني « . كما نصت الفقرة الثانية من المادة العاشرة من العهد نفسه على ضرورة »أن يفصل المتهمون عن المدانين، إلا في ظروف استثنائية، ويكونون محل معاملة على حدا على اعتبار أنهم لم يدانوا « .

4- الحق في إجراء التحقيق بطريقة منصفة وعادلة

إن إجراء التحقيق مع المتهم بطريقة منصفة وعادلة يتطلب قيام رجال الشرطة بكافة إجراءات التحقيق بطريقة أخلاقية ووفقا لقواعد قانونية مقررة، وأن يتم توفير ضمانات دنيا نعرضها أدناه. أولا: أن يتم إبلاغ المتهم سريعا وبالتفصيل بالتهمة الموجه إليه، إذ يتوجب على رجال الشرطة إعلام أي شخص عند توقيفه بأسباب احتجازه وبالتهم المنسوبة إليه بلغة واضحة يفهمها تخلو من التهديد والوعيد بالانتقام والمجازاة، وذلك تطبيقا لأحكام الفقرة الثانية من المادة التاسعة من »العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية « التي تنص على أنه »يتوجب إبلاغ أي شخص يتم توقيفه بأسباب هذا التوقيف لدى وقوعه كما يتوجب إبلاغه سريعا بأية تهمة توجه إليه « .

إن طبيعة التحقيق قد تؤثر حتما على المدة الزمنية التي يمكن إبلاغ الشخص فيها بالتهمة المسندة إليه إذ أن ذلك قد يستغرق وقتا أطول في حالات الجرائم الخطرة، إلا أن على رجال الشرطة إعلام صاحب الشأن بوصف دقيق بالتهم المسندة إليه في أسرع وقت ممكن حتى يتمكن من ممارسة الضمانات الدولية الأخرى لحماية حقوقه الإنسانية.

ثانيا: أن يتم منح المتهم الوقت الكافي والتسهيلات المناسبة لإعداد دفاعه واختيار من يمثله قانونيا. فلكل متهم الحق في أن يدافع عن نفسه إما بنفسه أو بواسطة محام من اختياره. فإذا لم تكن لديه إمكانيات مالية كافية لدفع تكاليف الاستعانة بمحام، فيجب أن تقوم السلطات القضائية بتوفيرها له مجاناً كلما تطلبت العدالة ذلك. وهو ما أكدت عليه الفقرة الثالثة من المادة الرابعة عشر من   »العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية « بالنص على أنه »لكل متهم بجريمة أن يدافع عن نفسه بشخصه أو بواسطة محام من اختياره، وأن يخطر بحقه في وجود من يدافع عنه إذا لم يكن له من يدافع عنه، وأن تزوده المحكمة حكما، كلما كانت مصلحة العدالة تقتضي ذلك، بمحام يدافع عنه دون تحميله أجرا على ذلك إذا كان لا يملك الوسائل الكافية لدفع هذا الأجر « . كما أكدت على هذا الحق المادة السابعة من المبادئ الأساسية للأمم المتحدة بشأن دور المحامين بالقول على أنه »تكفل الحكومات أيضا لجميع الأشخاص المقبوض عليهم أو المحتجزين بتهمة جنائية أو بدون تهمة جنائية، إمكانية الاستعانة بمحام فورا، وبأي حال خلال مهلة لا تزيد عن ثمان وأربعين ساعة من وقت القبض عليهم أو احتجازهم « .[3]

ويرتبط بحق الشخص المحتجز في توفير المساعدة القانونية له أن يتاح له الوقت الكافي للاتصال مع محاميه والتشاور معه بحرية تامة في أي وقت وبشكل سري، بحيث يجوز أن تكون المقابلات بين الشخص المحتجز ومحاميه على مرأى من أحد موظفي إنفاذ القوانين، ولكن لا يجوز أن تكون على مسمع منه. كما يجب أن لا تكون أية اتصالات بين الشخص المحتجز ومحاميه مقبولة كدليل ضد الشخص المحتجز ما لم تكن ذات صلة بجريمة مستمرة أو بجريمة تدبر وذلك تطبيقا لما جاء في المبدأ الثامن عشر من »مجموعة المبادئ المتعلقة بحماية جميع الأشخاص الذين يتعرضون لأي شكل من أشكال الاحتجاز أو السجن « 1988.[4]

ثالثا: أن يكون للمتهم الحق في أن يمثل أمام المحكمة المختصة دون إبطاء، والتي يجب أن تكون جهة قضائية مستقلة وغير متحيزة تأسست قبل وقوع الجريمة وفق أحكام القانون. وهو ما أكدت عليه المادة العاشرة من   »الإعلان العالمي لحقوق الإنسان «والتي تنص على أن »لكل إنسان الحق، على قدم المساواة التامة مع الآخرين، في أن تنظر قضيته أمام محكمة مستقلة نزيهة نظراً عادلاً علنياً للفصل في حقوقه والتزاماته وأية تهمة جنائية توجه إليه « . كما جاء في الفقرة الأولى من المادة الرابعة عشر من »العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية « أن »الناس جميعا سواء أمام القضاء وأن من حق كل فرد لدى الفصل في أية تهمة جزائية توجه إليه أو في حقوقه والتزاماته في أية دعوى مدنية أن تكون قضيته محل نظر منصف وعلني من قبل محكمة مختصة مستقلة حيادية منشأة بحكم القانون « .

لذا لا يجوز استبقاء أي شخص محتجز دون أن تتاح له فرصة المحاكمة العادلة في أسرع وقت ممكن أمام السلطة القضائية المختصة، ذلك أن ضمانة محاكمة المتهم بسرعة دون تأخير ترتبط بحقه في الحرية والأمن على شخصه وفقا للمعايير الدولية التي قررتها المادة الثالثة من   »الإعلان العالمي لحقوق الإنسان « ، وكذلك الفقرة الأولى من المادة التاسعة من »العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية « والتي تنص على أن »لكل فرد حق في الحرية وفي الأمان على شخصه ولا يجوز توقيف أحد أو اعتقاله تعسفا ولا يجوز حرمان أحد من حريته إلا لأسباب ينص عليها القانون وطبقا للإجراء المقرر فيه « . كما ينص المبدأ السابع والثلاثين من »مجموعة المبادئ المتعلقة بحماية جميع الأشخاص الذين يتعرضون لأي شكل من أشكال الاحتجاز أو السجن « لعام 1988 على ضرورة أن يتم إحضار الشخص المحتجز المتهم بتهمة جنائية أمام السلطة القضائية التي يحددها القانون وذلك على وجه السرعة عقب إلقاء القبض عليه على أن تبت هذه السلطة دون تأخير في قانونية وضرورة الاحتجاز بحيث لا يجوز إبقاء أي شخص محتجزا على ذمة التحقيق أو المحاكمة إلا بناء على أمر مكتوب من هذه السلطة، وأن يكون للشخص المحتجز الحق عند مثوله أمام هذه السلطة في الإدلاء بأقواله بشأن المعاملة التي تلقاها أثناء احتجازه.

إن من الطبيعي أن تؤثر درجة تعقيد القضية وجسامتها على الوقت الفعلي الذي يستغرقه تقديم المتهم إلى المحاكمة، بالإضافة إلى أن طول مدة التحقيق قد يتأثر بعوامل أخرى كتوافر الشهود ومدى تعاون الشخص الذي يتم التحقيق معه. إلا أن ذلك يجب أن لا يكون مبررا لرجال الشرطة لعدم إجراء التحقيق بسرعة وفعالية لكي يتم عرض المتهم على المحكمة المختصة في أسرع وقت ممكن، وذلك تطبيقا لما جاء في الفقرة الثالثة من المادة الرابعة عشر من »العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية « والتي تنص على حق المتهم في أن »تجري محاكمته دون تأخير زائد عن المعقول « .

رابعا: أن يكون للمتهم الحق في مناقشة شهود الاتهام بنفسه أو بواسطة ممثله القانوني، وأن يثبت له الحق في استدعاء شهود الدفاع بذات الشروط المطبقة في حالة شهود الاتهام. فمن أهم الضمانات الدنيا المتعلقة بالتحقيق والمحاكمة العادلة أن يكون للمتهم الحق في أن يناقش شهود النيابة العامة سواء بنفسه أو من خلال محاميه، وأن يدحض اتهاماتهم من خلال شهود النفي الذين يجب أن لا يتم إبطاء أو عرقلة دعوتهم إلى المحكمة.

كما يتصل بحق المتهم في مناقشة ودعوة الشهود حقه في أن يزود مجانا بترجمان إذا كان لا يفهم أو لا يتكلم اللغة المستخدمة في المحكمة، وأن لا يكره على الشهادة ضد نفسه أو على الاعتراف بذنب وذلك كما جاء في الفقرة الثالثة من المادة الرابعة عشر من »العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية « . كما يتصل بهذا الحق ضمانة أخرى هي ضرورة أن يتم إجراءات محاكمة أي متهم بشكل علني وأمام وسائل الإعلام، وأن لا يتم إجراء أية محاكمة سرا إلا في الحالات المحددة حصرا في القوانين الوضعية وبشكل استثنائي لا يجوز التوسع في تفسيره أو تطبيقه وذلك لما تقتضيه حماية مصلحة العدالة.

 

5-الحق في احترام كرامة الأشخاص المتهمين وشرفهم وخصوصياتهم

لقد أضفى »الإعلان العالمي لحقوق الإنسان «حماية خاصة على خصوصيات الأفراد وكرامتهم وشرفهم وسمعتهم أثناء التحقيق معهم وذلك في المادة الثانية عشر منه والتي تنص على أن »لا يعرض أحد لتدخل تعسفي في حياته الخاصة أو أسرته أو مسكنه أو مراسلاته أو لحملات على شرفه وسمعته، ولكل شخص الحق في حماية القانون من مثل هذا التدخل أو تلك الحملات « . كما لا يجوز إخضاع أي متهم موقوف إلى أي شكل من أشكال التعذيب أو غيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة وهو ما أكدت عليه »مجموعة المبادئ المتعلقة بحماية جميع الأشخاص الذين يتعرضون لأي شكل من أشكال الاحتجاز أو السجن « لعام 1988 والتي تنص في المبدأ الأول على ضرورة أن »يعامل جميع الأشخاص الذين يتعرضون لأي شكل من أشكال الاحتجاز أو السجن معاملة إنسانية وباحترام لكرامة الشخص الإنساني الأصيلة « . وكذلك جاء في المبدأ الأول من »أكدت المبادئ الأساسية لمعاملة السجناء « لعام 1990 بأنه يجب أن »يعامل كل السجناء بما يلزم من الاحترام لكرامتهم المتأصلة وقيمتهم كبشر « .[5]

ومن مظاهر احترام كرامة وآدمية الأشخاص المحتجزين وشرفهم عمليات التفتيش التي تتم سواء على الأفراد شخصيا أو على منازلهم أو ممتلكاتهم الخاصة، واعتراض ومراقبة مراسلاتهم ورسائلهم واتصالاتهم الهاتفية الخاصة والتي يجب أن تتم بصورة قانونية وبالقدر اللازم فقط الذي تقتضيه مصلحة التحقيق ووفقا للأصول المنصوص عليها في التشريعات الوطنية ذات الصلة. فلكل إنسان حق احترام حياته الخاصة والعائلية ومسكنه ومراسلاته، ولا يجوز للسلطة العامة أن تتعرض لممارسة هذا الحق إلا وفقاً للقانون وبما تمليه الضرورة في مجتمع ديمقراطي لصالح الأمن القومي وحفظ النظام ومنع الجريمة، أو حماية الصحة العامة والآداب، أو حماية حقوق الآخرين وحرياتهم.

ومن المظاهر الأخرى ذات الصلة بكرامة الأشخاص وشرفهم أثناء التحقيق والتي تتمتع بحماية دولية التوقيف وذلك من حيث الأسلوب المتبع وأماكن ممارسته. فلا يجوز توقيف الأشخاص المحتجزين إلا في أماكن توقيف معترف بها رسميا، وأن يتم على الفور تقديم معلومات دقيقة عن أماكن احتجاز الأشخاص وحركة نقلهم من مكان إلى آخر لأفراد أسرهم أو محاميهم أو أي شخص آخر له مصلحة مشروعة في الإحاطة بهذه المعلومات، وأن يتم الاحتفاظ بسجل رسمي يجري تحديثه باستمرار بأسماء جميع الأشخاص المحرومين من حريتهم في كل مكان من أمكنة التوقيف وذلك عملا بأحكام المادة العاشرة من »إعلان حماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري « لعام 1992.[6] وإذا كان الشخص المحتجز أو الموقوف أجنبيـا، فيجب أن يتم تعريفه فورا بحقه في أن يتصل بأحد المراكز القنصلية أو بالبعثة الدبلوماسية للدولة التي يكون من رعاياها أو التي يحق لها بوجه آخر تلقى هذا الاتصال طبقـا للقانون الدولي. كما يجب أن يثبت له الحق في الاتصال بأية منظمة دولية مختصة إذا كان لاجئا أو كان على أي وجه آخر مشمولا بحماية منظمة حكومية دولية.

ومن الضمانات الأخرى ذات الصلة بإجراءات التوقيف والاحتجاز التي تتمتع بحماية دولية ضرورة عزل الأشخاص الموقوفين على ذمة التحقيق في أية قضية جزائية عن المتهمين المدانين بحكم قضائي قطعي، وأن تتم معاملتهم بطريقة مختلفة تتفق مع كونهم أشخاص غير مدانين. كما يجب أن يتم فصل الأحداث القاصرين عن البالغين، على أن تتم محاكمتهم أمام محكمة خاصة بهم بأسرع وقت ممكن، وأن يتم إخطار أولياء أمور الحدث أو الوصي عليه فورا بعد التوقيف وذلك تطبيقا للقاعدة العاشرة من »قواعد الأمم المتحدة النموذجية الدنيا لإدارة شؤون قضاء الأحداث « لعام 1985.[7]  كما يجب اتخاذ جميع التدابير الضرورية لحماية النساء ولا سيما الحوامل والأمهات والمرضعات منهم، وأن يتم توفير ضمانات خاصة للأطفال والمسنين والمرضى والمعوقين وذلك تطبيقا لما جاء في المبدأ الخامس من »مجموعة المبادئ المتعلقة بحماية جميع الأشخاص الذين يتعرضون لأي شكل من أشكال الاحتجاز أو السجن «  لعام 1988.

          وأخيرا، ومن مظاهر الحفاظ على الكرامة الإنسانية للمتهمين المحتجزين أثناء التحقيق حماية خصوصيات الأفراد وعدم إفشاء أية معلومات سرية قد تضر بسمعتهم ومركزهم الاجتماعي إلا ضمن الأسس والضوابط التي ينص عليها القانون. فرجال الشرطة باعتبارهم من فئة الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين قد يحصلون بحكم عملهم على معلومات تتعلق بالحياة الخاصة للأفراد المتهمين، لذلك ينبغي عليهم توخي الحرص الشديد في الحفاظ على سرية تلك المعلومات وأن لا يتم إفشاؤها إلا بحكم أداء الواجب أو خدمة العدالة، وذلك تطبيقا للمادة الرابعة من »مدونة قواعد سلوك الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين « لعام 1979 والتي تنص على ضرورة أن »يحافظ الموظفون المكلفون بإنفاذ القوانين على سرية ما في حوزتهم من أمور ذات طبيعة سرية ما لم يقتض خلاف ذلك كل الاقتضاء أداء الواجب أو متطلبات العدالة « .[8]

 

6-الحق في عدم التعرض للتعذيب

لقد نصت جميع المعاهدات والاتفاقيات الدولية على حظر التعذيب أثناء الإجراءات الجزائية ابتداء من التحقيق والمحاكمة وانتهاء بتنفيذ العقوبة في السجن. فقد نصت المادة الخامسة من »الإعلان العالمي لحقوق الإنسان «على أنه »لا يجوز إخضاع أحد للتعذيب ولا المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية « ، كما نصت المادة السابعة من »العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية « على أنه »لا يجوز إخضاع أحد للتعذيب أو المعاملة اللاإنسانية أو الحاطة للكرامة « . أما »اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة « لعام 1984 فقد نصت في المادة الثانية منها على أن »تتخذ كل دولة طرف إجراءات تشريعية أو إدارية أو قضائية فعالة أو أية إجراءات أخرى لمنع أعمال التعذيب في أي إقليم يخضع لاختصاصها القضائي « .[9] كما نصت المادة الرابعة من ذات الاتفاقية على أن »تضمن كل دولة طرف أن تكون جميع أعمال التعذيب جرائم بموجب قانونها الجنائى، وينطبق الأمر ذاته على قيام أي شخص بأيه محاولة لممارسة التعذيب وعلى قيامه بأي عمل آخر يشكل تواطؤا ومشاركة في التعذيب « .

 

7- حظر الحبس الانفرادي لمدة طويلة والحق في العناية الصحية

إن احتجاز المتهم المحتجز حريته لمدة طويلة في أماكن مخصصة للحبس الانفرادي يندرج تحت الأفعال المحظورة أثناء فترة التحقيق كونها تعد صورة من صور المعاملة القاسية أو اللإإنسانية التي حظرتها المادة السابعة من   »العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية « .  

أما بخصوص الحق في العناية الصحية، فقد تضمنت »مدونة الأمم المتحدة لقواعد سلوك الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين « لعام 1979 في المادة السادسة منها على حماية صحة المحتجزين بالنص على أن »يسهر الموظفون المكلفون بإنفاذ القوانين على الحماية التامة لصحة الأشخاص المحتجزين في عهدتهم، وعليهم، بوجه خاص، اتخاذ التدابير الفورية لتوفير العناية الطبية لهم كلما لزم ذلك « . كما تضمنت »مبادئ الأمم المتحدة الخاصة بآداب مهنة الطب المتصلة بدور الموظفين الصحيين « ، ولا سيما الأطباء، في حماية المسجونين والمحتجزين من التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهنية لعام 1982 في المبدأ الأول على أن »من واجب الموظفين الصحيين المكلفين بالرعاية الطبية للمسجونين والمحتجزين ولا سيما الأطباء من هؤلاء الموظفين، أن يوفروا لهم حماية لصحتهم البدنية والعقلية ومعالجة لأمراضهم تكونان من نفس النوعية والمستوى المتاحين لغير المسجونين أو المحتجزين « .[10] كما نص المبدأ الرابع من المبادئ ذاتها على أنه »يمثل مخالفة لآداب مهنة الطب أن يقوم الموظفون الصحيون ولا سيما الأطباء باستخدام معارفهم ومهاراتهم للمساعدة في استجواب السجناء والمحتجزين على نحو قد يضر بالصحة أو الحالة البدنية أو العقلية لهؤلاء المسجونين أو المحتجزين، ويتنافى مع الصكوك الدولية ذات الصلة « .

 

8- دور النيابة العامة في حماية حقوق المتهم أثناء فترة التوقيف أو الاحتجاز

إن النيابة العامة تضطلع بدور أساسي أثناء مرحلة التحقيق في حماية حقوق الأشخاص المحتجزين وذلك من خلال افتراض قرينة البراءة للأشخاص الذين لم تتم إدانتهم بالجريمة التي وجهت إليهم التهم بارتكابها، واعتماد الأدلة الجنائية التي تم الحصول عليها بشكل قانوني سليم، ورفض تلك التي يتم الحصول عليها تحت وطأة التعذيب والمعاملة القاسية كونها تشكل انتهاكا لحقوق الإنسان الخاصة بالمتهم. كما يظهر دور النيابة العامة في محاسبة المسؤولين عن استخدام وسائل التعذيب والمعاملة القاسية بحق الأشخاص المحتجزين بهدف منع تكرار حدوث مثل هذه الأمور في قضايا مستقبلية. 

الخلاصة

إن على الرغم من اهتمام الأمم المتحدة بعد تأسيسها بأمد قصير بسن معايير دولية لحقوق الأشخاص المتهمين بارتكاب جرائم و/أو الذين حرمتهم حكوماتهم من حريتهم وذلك من خلال إصدار صكين دوليين بشأن حقوق الإنسان هما »الإعلان العالمي لحقوق الإنسان «و »العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية « ، إلا أنه لم يتوافر حتى الآن مجموعة شاملة من المعايير الدولية لحماية الأشخاص المحتجزين رهن المحاكمة أو الخاضعين لاحتجاز على ذمة التحقيق، وهو ما من شأنه أن يؤثر سلبا على حقوق المتهمين المحتجزين لدى رجال الشرطة أثناء فترة التحقيق. فحقوق هؤلاء الفئة من الأشخاص ليست هبة أو عطية من الدولة، بالتالي يتعين على الأخيرة – ممثلة في رجال الضابطة العدلية – حماية حقوق هذه الفئة من الأفراد ضمانا لكرامتهم الإنسانية وتحقيقا لمبدأ افتراض البراءة وأن المتهم برئ حتى يصدر بحقه حكما نهائيا قطعيا من المحكمة المختصة قانونا.

 

* حائز على شهادة دكتوراه في القانون الدستوري من جامعة مانشستر في بريطانيا ويعمل حاليا أستاذ مساعد في القانون الدستوري وحقوق الإنسان في كلية الحقوق في الجامعة الأردنية.

البريد الإلكتروني: l.nasrawin@ju.edu.jo

 



[1] اعتمد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بموجب قرار الجمعية العامة رقم 217 ألف (د-3) المؤرخ في 10 ديسمبر/كانون الأول 1948.

[2] اعتمد هذا العهد وعرض للتوقيع والتصديق والانضمام بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 2200 ألف (د-21) المؤرخ في 16 ديسمبر/كانون الأول 1966. تاريخ بدء النفاذ: 23 مارس/آذار 1976.

[3] اعتمدت هذه المبادئ في مؤتمر الأمم المتحدة الثامن لمنع الجريمة ومعاملة المجرمين المعقود في هافانا من 27 آب/أغسطس إلى 7 أيلول/سبتمبر 1990.

[4] اعتمدت هذه المبادئ ونشرت على الملأ بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 43/173 المؤرخ في 9 ديسمبر/كانون الأول 1988.

[5] اعتمدت هذه المبادئ ونشرت على الملأ بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 45/111 المؤرخ في 14 ديسمبر/كانون الأول 1990.

[6] اعتمد هذا الإعلان ونشر على الملأ بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 47/133 المؤرخ في 18 ديسمبر/كانون الأول 1992.

[7] تم إقرار هذه القواعد في 29 نوفمبر/تشرين الثاني 1985 والتي تعرف بقواعد بكين لعام 1985.

[8] اعتمدت هذه المدونة ونشرت على الملأ بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 34/169 المؤرخ في 17 ديسمبر/كانون الأول 1979.

[9] اعتمدت هذه الاتفاقية من الجمعية العامة وفتحت باب التوقيع والتصديق عليها والانضمام اليها في القرار 39/46 المؤرخ في 10 كانون الأول / ديسمبر 1984، تاريخ بدء النفاذ: 26 حزيران/ يونيه 1987.

[10] اعتمدت هذه المبادئ ونشرت على الملأ بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 37/194 المؤرخ في 18 كانون الأول/ديسمبر 1982.

 




شارك هذه الصفحة: