مأساة النزوح الداخلي في سوريا

علاء الدين رشوان*

 

منذ انطلاق الحراك الثوري في سوريا منتصف مارس 2011، ومن ثم احتدام الوضعين الأمني والعسكري، بدأ السوريون رحلة النزوح القسري من مناطقهم إلى مناطق أكثر أمناً واستقراراً داخل سوريا، بينما توجه آخرون إلى خارج الأراضي السورية هرباً من ويلات الحرب التي تشهدها بلادهم، سواءً إلى تركيا أو الأردن أو لبنان وهي دول الجوار التي استقبلت العدد الأكبر من اللاجئين السوريين فضلاً عن مصر والعراق ودول أخرى في أوروبا وصلها من تيسر لهم وفق ما تسمح به الشروط والأعداد الخجولة التي وافقت تلك الدول على استضافتها. وقد عملت العديد من المنظمات المعنية بحقوق الإنسان والمنظمات الإنسانية في محاولة للتخفيف من معاناتهم ومعالجة أوضاعهم وتقديم توصيات تعود إيجاباً بالنفع لصالح اللاجئين عامة والنازحين داخليا خاصة والذين باتت حالتهم مزرية ويفتقدون إلى أبسط مقومات الحياة.

وحيث أن الأشخاص المهجرين داخلياً يجب أن يتمتعوا بكامل حقوقهم إلى جانب المساعدة الإنسانية والحماية وهو ما يقع على عاتق الدولة، تصبح المساعدة والحماية الدولية[i] ضرورة عندما تكون السلطات الوطنية غير قادرة أو غير راغبة في الوفاء بالتزاماتها، أسوة بحماية حقوق اللاجئين والتزامات الدول المنصوص عليها ضمن أحكام المعاهدة الدولية الخاصة باللاجئين لعام 1951، والتي تشتمل على المساعدة في توفير الطعام، والمأوى الملائم، والرعاية الصحية والتعليم، وحق اللجوء وتوفير وثائق سفر وتزويد اللاجئين بها وضمان الحقوق الإنسان الأساسية، وتسهيل تطبيق الحلول الدائمة الطوعية المتمثلة في العودة إلى الديار الأصلية، أو الاندماج في المجتمعات المضيفة، أو إعادة التوطين في بلد ثالث.

 

خارطة النزوح 

تصدرت قائمة النزوح منطقة ريف دمشق، حيث تجاوز عدد النازحين عتبة 2.2 مليون نسمة، معظمهم من أحياء العاصمة الجنوبية التي كان لها النسبة الأعلى في النزوح بسبب الدمار الواسع والمنهجي الذي طال تلك الأحياء، ومن مدينة داريا والغوطة الشرقية في كل من دوما وحرستا وجوبر والقابون وبرزة على نحو خاص، والتي تعتبر مناطق شبه خالية نتيجة محاصرتها من قبل قوات النظام واستهدافها بشكل مباشر.

أما حمص فهناك العديد من أحيائها ما زالت تخلو من السكان بشكل كامل مثل أحياء القصور وبابا عمرو والإنشاءات التي تدمرت بشكل شبه كامل.

وتعتبر محافظة الرقة من أكثر المحافظات احتضانا للنازحين، حيث يتواجد فيها ما لا يقل عن 1.4 مليون نازح، معظمهم من حلب وإدلب، تليها مدينة دمشق باحتضان ما لا يقل عن 1.2 مليون نازح، معظمهم نزحوا من الأحياء الجنوبية ومن مدن الغوطة الشرقية وداريا ودوما وجوبر والقابون وبرزة، ومن منطقة القلمون مؤخراً بسبب المعارك التي تشهدها هذه المنطقة، واستقروا بدايةً، على وجه الخصوص، في منطقة التل ومساكن برزة، وضاحية قدسيا، وجرمانا، وصحنايا، ومخيم اليرموك، والشاغور، ومشروع دمر، والمزة، تليها محافظة حماة التي تحتضن ما لا يقل عن 650 ألف نازح، أغلبهم من محافظة حمص ومن مدينتي الرستن وتلبيسة وأحياء حمص المدمرة بشكل شبه كامل، تليها محافظة السويداء التي تحتضن ما لا يقل عن 300 ألف نازح أغلبهم من محافظة درعا، وبعضهم من غوطة دمشق الغربية.

وبطبيعة الحال، فإن هذه الأرقام الميدانية، التي استندت إلى موفدين مباشرين، لم يُقدر لها أن تعكس الواقع بكافة تفاصيله المعقدة، لكنها تقدم صورة عامة للشكل الذي كان عليه هذا الواقع وخاصة لجهة التوزيع الجغرافي للنازحين.

 

أعداد السكان النازحين حسب المحافظات السورية وفق آخر دراسة استقصائية للشبكة السورية لحقوق الإنسان

الرقم

المحافظة

الرقم

1

ريف دمشق

2.2 مليون نازح

2

حلب

1.7 مليون نازح

3

حمص

1.210 مليون نازح

4

دير الزور

390 ألف نازح

5

اللاذقية

300 ألف نازح

6

درعا

245 ألف نازح

7

حماة

235 ألف نازح

8

إدلب

200 ألف نازح

9

دمشق

180 ألف نازح

10

الحسكة

140 ألف نازح

 

المجموع

6.8 مليون نازح

 

مأساة النزوح

 وبموازاة ما يمكن إثارته من نقاش حول القوانين المنطبقة على النزاع المسلح الدائر في سوريا، ثمة نقاش لا يقل جوهرية حول النزوح الداخلي الكبير الذي يمثل أحد أبرز التحديات المتعلقة بكارثة حقوق الإنسان المغيبة في سوريا، حيث ارتفع عدد النازحين في الداخل بشكل ملحوظ وتعدى حدود الاستجابة والدعم والمواكبة من قبل المنظمات واللجان المحلية السورية، فقد بلغ عدد النازحين بحسب إحصائية صدرت بدايات شهر أكتوبر من عام 2012 إلى 4 مليون نازح وفقا لإحصاءات اللجنة العربية لحقوق الإنسان، ليصل العدد أواخر شهر سبتمبر 2013 إلى ما لا يقل عن 6.800 مليون نازح وفق آخر إحصائية للشبكة السورية لحقوق الإنسان، فيما بلغت نسبة الأطفال 45% من النازحين، أي ما يقارب الـ 2.9 مليون طفل نازح، يعيش عدد كبير منهم في المدارس والمباني الرسمية المهجورة، أما اللاجئون الفلسطينيون الذين يبلغ عددهم قرابة الـ 550 ألف، فقد نزح منهم داخل الأراضي السورية وخارجها قرابة الـ350 ألف شخص.

وكان أغلب النازحين في الأشهر الماضية من مناطق ريف دمشق وحلب وحمص، بسبب توسع عمليات القصف العشوائي بصواريخ سكود والبراميل المتفجرة التي تلقيها الطائرات الحربية، ووصلت نسبة تواجد الأهالي في المناطق المعرضة للقصف حوالي الـ4% من عدد السكان، أما باقي السكان فقد نزحوا خوفاً على أنفسهم وعلى أطفالهم من الموت المتوقع في أي لحظة نتيجة الاشتباكات العنيفة الدائرة في مناطق سكنهم.

لم يلاقي النازحين السوريين أي نوع من الحماية من قبل الدولة المنشغلة في الحرب الدائرة أو من المنظمات الإنسانية الدولية التي تعمل على تقديم المساعدات للاجئين وذلك لصعوبة دخولها إلى سوريا في ظل الحرب الدائرة حيث لا يمكن ضمان سلامة دخولها أو خروجها أو تنقلها بحرية بين أماكن تواجد النازحين. وحُرِمَ المواطنون النازحون من التمتع بأي من الحقوق المكفولة بالقانون الدولي الإنساني أو في المبادئ التوجيهية للنازحين الداخليين. فالمخيمات التي تتوزع فيها العائلات المشردة لا تتوفر فيها شروط المتانة والأمان والحماية أو أي من المستلزمات الضرورية حيث يعاني المهجرين من نقص حاد في المواد الأساسية كالطعام والماء والوجبات المتاحة لهم خالية من أي معايير غذائية أو صحية.

 يعاني النازحون يوميا أوضاعا معيشية وظروفا إنسانية بالغة الصعوبة. وبعد عدة لقاءات واتصالات عبر السكايب، والهاتف، مع عدد من الأهالي النازحين، عبّر العديد منهم عن سخطهم الشديد لتردي الاهتمام والمساعدة العربية والدولية، وخصوصاً أن النسبة العظمى منهم قد تدمرت منازلهم بشكل شبه كامل، وفقدوا وظائفهم، وأعمالهم، وأصبحوا عالةً على غيرهم، حيث أن هناك الآلاف من العائلات فقدت من يعيلها إثر مقتل ، أو اعتقال من يعيليها على يد قوات النظام، وبالتالي فقدت مصدر رزقها الوحيد. فحي الحجر الأسود على سبيل المثال هو أحد أحياء دمشق الجنوبية ويضم نحو 4800 عائلة أغلبهم من النازحين ويتشاركون سكان الحي الأصليين بأقسى الظروف الإنسانية حيث الانقطاع التام للكهرباء وانعدام الوقود للتدفئة ونفاذ جميع المواد الغذائية فيما تستمر قوات النظام بمنع الدخول والخروج من الحي منذ أكثر من عام. ومع هذا الحصار الخانق الذي يعيشه الحي، خرجت العائلات في الحجر الأسود إلى الحقول بحثا عن الطعام وتم تسجيل حالات وفاة عديدة من الأطفال بسبب الجوع والبرد في المنطقة بحسب تقارير الهيئة العامة للثورة.

وبعد إحدى الزيارات الميدانية لمنظمة العفو الدولية عام 2013، أوردت المنظمة في تقرير مقتضب أن ملايين النساء والأطفال والرجال الذين نزحوا داخل سوريا، هم جميعاً لاجئون من الناحية الفعلية، ولكنهم لا يتلقون مساعدات دولية تُذكر. فقد نزح معظمهم عدة مرات- يحدوهم الأمل في كل مرة في أن يجدوا ملاذاً آمناً، ليجدوا أنفسهم تحت النار مرة تلو الأخرى. وبالفعل، فقد قُتل العديد من الرجال والنساء والأطفال في الأشهر الأخيرة في الأماكن التي نزحوا إليها طلبا للسلامة.
وفي كل مدينة وقرية سوريا زارها مندوبو منظمة العفو الدولية  رأوا أعداداً كبيرة من النازحين داخلياً. ولم يشأ أي منهم مغادرة منـزله، والابتعاد عن أحبائه ووسائل عيشه. ولكن بسبب استمرار القصف الجوي وتغير الخطوط الأمامية في القتال المستمر، فإنه لم يتبقَّ لهم خيار آخر.

 

 

 

 

 

 

 

 

وفي شهادة حية قالت أم حسام وهي إحدى النساء اللواتي نزحن: "لم أشأ أن أغادر منـزلي وأن أصبح نازحة، كان لنا بيت جميل وأرض واسعة منحتْنا حياة رغيدة، وحتى عندما اشتد القصف وبدأ أقرباؤنا وجيراننا بالفرار، مكثنا في بيتنا. ولكن البقاء أصبح مستحيلاً بعد ذلك، ولم يتبقَّ مكان آخر أحافظ فيه على حياة أطفالي. كنت مستعدة للبقاء والموت في بيتي، ولكنني يجب أن أُنقذ حياة أطفالي".

 

خلاصة

في الوقت نفسه وتماشياً مع الالتزامات الدولية، يجب على المجتمع الدولي أن يساهم بشكل فعال في التخفيف من معاناة النازحين واللاجئين وذلك من خلال:

المبادرة إلى إعادة توطين أعداد أكبر من اللاجئين السوريين؛

توفير الدعم المالي والتقني لدول الجوار التي تستضيف أعدادا كبيرة ممن تمكنوا من الفرار من ويلات النزاع في سوريا؛

التدخل الفعال لمعالجة أوضاع النازحين داخلياً وتوفير سبل المعيشة لهم عبر تسهيل دخول ووصول المنظمات الدولية المعنية بالأساس كمفوضية اللاجئين واللجنة الدولية للصليب الأحمر، فضلا عن منظمات حقوق الإنسان والمنظمات الإنسانية؛

التوافق بالحد الأدنى للتغلب على الخلافات الدولية لإنهاء حالة الشلل الدولي الذي يسمح للنزاع المسلح في سوريا بالتفاقم والتحول إلى دوامة مفزعة من العنف الذي لا يستثني أحدا من المدنيين؛

والإتفاق على تدابير فعالة للضغط على أطراف النزاع، كمحاسبة جميع مرتكبي الجرائم في سوريا وإحالة الوضع إلى المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية وبالتالي توجيه رسالة واضحة إلى جميع أطراف النزاع مفادها أن أي شخص يرتكب أو يأمر بارتكاب جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية سوف تتم محاسبته.

 

* ناشط حقوقي سوري، البريد الإلكتروني: arshwan@schr-sy.org

 



 مسؤولية الحماية : هو مبدأ أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2005 على خلفية أحداث يوغوسلافيا السابقة ورواندا والكونغو والصومال i وكوسوفو وغيرها، ولا يعترف المبدأ بحق السيادة منفصلاً، وإنما يربط هذا الحق بمسؤولية الدولة في حماية السكان.

 




شارك هذه الصفحة: