إضاءة على أوضاع اللاجئات السوريات في إقليم كردستان العراق

عبد الله خالد*

بعد أكثر من عشرين سنة على لجوئهم المليوني إلى إيران وتركيا، أصبح إقليم كردستان العراق منطقة آمنة، تنزح وتلجأ إليها الألاف من النازحين داخل العراق، والألاف من الأكراد والقوميات الأخرى، من دول الجوار كإيران وتركيا وحتى سوريا، قبل الموجة الأخيرة من اللجوء. فوفق الإحصائيات - غير الرسمية - المنشورة في الإقليم حتى سنة 2011، بلغ عدد مخيمات اللاجئين أكثر من عشرة مخيمات، وما يقارب الألف عائلة لاجئة من تركيا، إيران وسوريا، توزعت كالآتي:

القومية

البلد الاصل

عدد العائلات

المخيم

المحافظة

أكراد

إيران

20

كردةجال

أربيل

أكراد

تركيا

219

مخمور

 

أكراد

إيران

264

كاوة

 

 

 

503

3

المجموع

أكراد

سوريا

93

روميت

دهوك

أكراد

تركيا

23

ملا بروان

 

أكراد

سوريا + تركيا

41 + 80

موقبل

 

أكراد

تركيا

81

معسكر موقبل

 

أكراد

تركيا

94

دارةتوو قسروك

 

أكراد

تركيا

22

باقوس

 

 

 

434

6

المجموع

أكراد

إيران

80

كلار

سليمانية

 

 

 

 

 

 

 

80

1

المجموع

 

 

 

 

 

 

 

1017

10

المجموع الكلي

 

إلى جانب ذلك، ومنذ سنة 2006، وبعد موجة العنف المسلح التي طالت العديد من المحافظات العراقية، وحملات التهجير والتشريد الداخلي؛ لجأت عشرات الألاف من مختلف القوميات والمكونات العراقية إلى محافظات الإقليم، حيث - وبحسب الإحصائيات المنشورة - وصل عدد النازحين الداخليين إلى إقليم كردستان ل350.000 نازح عراقي.

بعد تزايد أعمال العنف والقتل والصراعات المسلحة في سوريا، لجأ - وبحسب التقارير - أكثر من 210.000 لاجئ سوري إلى محافظات الإقليم، توزعوا على مخيمات في دهوك، سليمانية وأربيل. كذلك يعيش الكثير من اللاجئين خارج المخيمات، خصوصاً في محافظة أربيل، فوفق المفوضية السامية لشؤون اللاجئين ثمة أكثر من 60% من اللاجئين في أربيل، يعيشون في المجتمع خارج المخيمات.

الموجة الأخيرة من اللجوء وأعداد اللاجئات في إقليم كردستان العراق

أغلب اللاجئين السوريين في إقليم كردستان العراق هم من النساء والأطفال، وبحسب التقارير غير الرسمية فإن أكثر من 60% من اللاجئين السوريين في مخيمات دهوك تقل أعمارهم عن 18 سنة. وبحسب بعض الإحصائيات غير الرسمية المنشورة، يبين - مثلاً - أحد تقارير ‘منظمة المسلة لتنمية الموارد البشرية’، والذي نشر حديثاً، أن نسبة الرجال والنساء في مخيمات أربيل هي كالآتي:

اسم المخيم

المحافظة

عدد اللاجئين القاطنين في المخيم

نسبة النساء

"قوشتةبة"

أربيل

4000

60%

كوركوسك

أربيل

16000

55%

باسرمة

أربيل

3000

60%

 

واقع اللاجئات السوريات في مخيمات إقليم كردستان

بيريفان، لاجئة سورية، يقل عمرها عن عشرين سنة، لجأت مع عائلتها إلى أربيل. وبسبب الأوضاع الاقتصادية الصعبة للعائلة، قررت أن تخرج من البيت وتعمل لمساعدة أهلها، لكنها تعرضت إلى المنع والتهديد من قبل إخوانها، لعدم موافقتهم على عمل بيريفان. لذا اضطرت للفرار من البيت، وقررت أن تخرج بغير رضا أهلها كي تعمل مستقلة. لكنها بعد خروجها إلى الواقع الاجتماعي والاقتصادي، أدركت أنها لن تستطيع العمل والكسب، لأنها غير قادرة على استئجار مسكن، فاقتصادياً هي لا تملك المال الكافي، واجتماعياً هي غير قادرة على ذلك أيضا، لأن تأجير مسكن لفتاة عازبة ليس بالأمر السهل في إقليم كردستان! وبعد توسط منظمة محلية ومفاوضة أهل بيريفان، وتدخل مديريات متابعة العنف ضد المرأة، عادت بيريفان إلى أهلها دون عمل!

هذا مثال على معاناة اللاجئات السوريات في إقليم كردستان، واصطدامهن بواقع جديد، أهلهن يمنعنهن من العمل، وإن جازفن وتركن البيت، فلن يحصلن على مسكن للإقامة، بسبب الواقع الاجتماعي في كردستان الذي لا يتقبل العيش الفردي للبنات!

تبدو قصة بيريفان طبيعية، على الأقل لأنها قادرة على أن تجازف وتغادر منزلها، لكن عمل البنات والمرأة عموماً في المخيمات لا يبدو يسيراً، بل كما قالت إحداهن: "أبواب المخيم موصدة في وجه النساء". لا يمكن للمرأة أن تتجاوز باب المخيم بمفردها، حتى وإن امتلكت إقامة، فإن عمل المرأة - كما الرجل - يجب أن يكون بكفالة، ووفق شروط لا يحبذها الكثيرون!

مشكلة حرية العمل واستقلالية الفتاة والمرأة السورية اللاجئة في الإقليم، ليست الوحيدة، بل هناك مشكلة أخرى ضمن مخيمات اللاجئين في الإقليم، وهي ظاهرة زواج أو تزويج القاصرات. فهناك العديد من الفتيات الصغار اللواتي تم تزويجهن من قبل آبائهن، وهن لم يتجاوزن 12 سنة. ووفق تقارير حقوقية وإعلامية، فإن هناك العشرات من حالات تزويج القاصرات في مخيمات الإقليم، وبعض القاصرات حوامل، وهناك مخاطر على حملهن وحياتهن!

ووفق القوانين النافذة في إقليم كردستان، لا يجوز الزواج قبل السن القانوني - 18 سنة - إلا في حالات قليلة، ووفق ضوابط محددة. وكذلك يمنع القانون في إقليم كردستان العراق، الزواج خارج المحاكم.

 في المقابل، ووفق اعترافات بعض الرجال والشباب السوريين في إقليم كردستان، فإنهم مارسوا العنف ضد نسائهم وبناتهم وأخواتهم وأمهاتهم، وذلك بسبب الوضع النفسي الذي يعيشون فيه، وبسبب الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يعيشونها، ولتفريغ ضغوطاتهم لجؤوا إلى ممارسة العنف في إطار العائلة، ولا سيما ضد النساء!

(ح)، امرأة تتعرض للتعنيف يومياً من قبل زوجها، يضربها ويسحلها من شعرها، ويهينها ويجرها خارج الخيمة أمام أعين الناس في المخيم، ويطلقها يومياً، ومن ثم يرجعها. وهناك العشرات من حالات العنف ضد المرأة مسجلة لدى الجهات المعنية، في المخيمات وخارجها.

يأتي العنف ضد المرأة اللاجئة في إقليم كردستان العراق، متوائماً مع ما تعانيه النساء في الإقليم، فسنوياً هناك العشرات من النساء، من أهالي الإقليم، يقتلن ويحرقن بحجة ‘غسل العار’، أو بسبب مشاكل عائلية واجتماعية. وقد سجلت في السنوات الخمسة الماضية أكثر من 16.000 شكوى لدى محاكم الإقليم، على خلفية العنف ضد المرأة والعنف في إطار العائلة.

في مواجهة ذلك، عملت السلطات المحلية في إقليم كردستان العراق، على تعديل القوانين العراقية النافذة في الإقليم، حيث انتهت عن تلك القوانين المساندة والمخففة للرجال في حالات ممارسة العنف والقتل بحجة ‘غسل العار’، وكذلك تم تشريع قانون مكافحة العنف الأسري، وتشكيل محاكم خاصة لهذه الغاية، إلى جانب تشكيل مديرية متابعة العنف ضد المرأة، وتشكيل الشرطة المجتمعية الخاصة لمناهضة العنف ضد المرأة. لكن ذلك كله لم يحمِ المرأة من العنف، فحتى الآن، ووفق التقارير الرسمية لحكومة إقليم كردستان، نجد العنف ضد المرأة في تزايد، برغم انخفاض أعداد القتلى!

والنساء الحوامل من اللاجئات في المخيمات، لديهن معاناتهن أيضاً، فبالإضافة إلى المشاكل الصحية ورداءة الخدمات الطبية في المخيمات على ندرتها، ووفق التقارير الصادرة في الإقليم، فإن الكثير من النساء الحوامل لا يأكلن بما يشبع أجنتهن، وبعد الولادة لا يستطعن إرضاع أطفالهن لقلة إفرازهن للحليب بسبب سوء التغذية. وقد مات - قبل فترة زمنية - طفل رضيع في مخيم (كةوركوسك) لأن أمه لم تتمكن من إرضاعه بالحليب الكافي، فيما لم يتوفر الحليب البديل في المخيمات بشكل كافٍ!

 

الصورة: امرأة لاجئة في أحد مخيمات أربيل بإقليم كردستان

كما أن مشكلة التحرش الجنسي هي الأخرى مشكلة قائمة، حتى إن لم يتم الإفصاح عنها، وذلك لجملة أسباب اجتماعية، اقتصادية، تاريخية وثقافية وحتى لأسباب سياسية وقومية. فخلال عملنا مع اللاجئين، التقينا بأكثر من حالة، تعرضت فيها نساء للتحرش الجنسي، سواء في المخيمات أو خارجها، فالكثير من الشباب في إقليم كردستان، كانوا قبل اندلاع العنف والاقتتال في سوريا، يسافرون إلى سوريا بحثاً عن الجنس، ويذكر أحد الباحثين الاجتماعيين في الإقليم، أن "تلك الصورة النمطية، ما زالت قائمة" وهذا بدوره سوف يؤثر على زيادة ظاهرة التحرش الجنسي لاحقاً في الإقليم، تجاه البنات والنساء اللاجئات!

العمل على مناهضة العنف ضد المرأة اللاجئة في إقليم كردستان

وكالات الأمم المتحدة، والمنظمات الدولية والمحلية والجهات المعنية في حكومة إقليم كردستان، تعمل معاً من أجل مناهضة العنف ضد المرأة. وهناك برامج متنوعة تهدف لمناهضة العنف ضد المرأة، منها برامج مشتركة تعمل على تقديم الخدمات الآتية:

1.          الاستماع والاستشارة: حيث يتم الاستماع للناجيات من العنف، وتقدم لهن الاستشارات المطلوبة.

2.         خدمة الإحالة: تتم إحالة الناجيات والمعنفات إلى الجهات المعنية بتقديم الخدمات.

3.         أنشطة ترفيهية، اجتماعية وتعليمية للنساء: في المخيمات وخارجها، هناك العديد من الوكالات والجمعيات العاملة في مجال مكافحة العنف ضد المرأة، تقدم الخدمات والحماية والتوعية، ولصندوق السكان للأمم المتحدة دور بارز في العمل مع المرأة، بالشراكة مع المنظمات والجمعيات المحلية. ومن جانبها، فإن حكومة إقليم كردستان توفر التسهيلات اللازمة لإنجاح تلك الأعمال.

 

الصورة: أحد أنشطة مركز(نيركز) للمرأة، في مخيم (باسرمة) بأربيل

يواجه العمل لمناهضة العنف ضد المرأة تحديات كثيرة تحد من تأثيره في إقليم كردستان، لجملة من الأسباب، أهمها:

1.          أغلب أنواع العنف ضد المرأة يرتكب داخل الأسرة؛ لذا فالعمل لمناهضته يكون في زاوية ضيقة جداً؛

2.         هناك الكثير من أنواع العنف والانتهاكات ضد المرأة يرتكبها المجتمع، وبعضها ترتكب من قبل فئة كبيرة من الإناث، لا تنبذ الحالة؛

3.         رغم التعديلات الجيدة على القوانين ووضع تشريعات جديدة لصالح المرأة في الإقليم ووضع آليات تنفيذية إلا أن القانون لا ينفذ حتى الآن كما يجب وخاصة فيما يتعلق بقضية العنف ضد المرأة والقضايا الاجتماعية الأخرى.

مقترحات لعمل دائم من أجل مناهضة العنف ضد المرأة اللاجئة

ندرج تالياً بعض المقترحات العامة، التي من شأنها أن يكون لها دور في تحسين حقوق المرأة في مخيمات اللاجئين، في إقليم كردستان، والبلدان الأخرى:

1.          تتحدث الاتفاقيات والمعاهدات والبروتوكولات الخاصة باللاجئين - حتى الآن - عن اللاجئين بشكل عام، ولا تتطرق إلى معانات المرأة اللاجئة وخصوصيتها؛ لذا يجب على المنظمات العاملة في حقوق الإنسان واللاجئين، أن تتحرك بحملات ضغط ومطالبة، لوضع اتفاقيات وبنود خاصة لحماية حقوق المرأة اللاجئة؛

2.         في كثير من الأحيان، تبتعد البلدان والأقاليم المضيفة للاجئين عن تنفيذ القوانين الوطنية الخاصة بحماية حقوق المرأة اللاجئة. فمن الضروري أن يتحرك نشطاء ومنظمات حقوق الإنسان في هذا الصدد، وأن يضغطوا لإنفاذ القوانين الوطنية لحماية حقوق المرأة اللاجئة في بلدانهم؛

3.         تدريب وحدات حماية وإدارة المخيمات على حقوق المرأة، لأن هناك العديد من الشكاوى ضد إدارة المخيمات، ووحدات حماية المخيمات؛

4.         أهمية وجود ومشاركة المرأة في تصميم وإدارة شؤون المخيمات، لكي يتم الاهتمام باحتياجات النساء والفتيات، ويتم تصميم المخيمات بشكل يناسب واحتياجات المرأة وبما يلائم الاحتياجات الصحية والجسدية والنفسية للنساء، وهو ما لم يتم الاهتمام به في الكثير من المخيمات؛

5.         فتح مراكز خاصة لمديريات متابعة العنف ضد المرأة، في المخيمات، وتخصيص أماكن آمنة لإيواء المرأة اللاجئة المهددة؛

6.         توفير وتفعيل الخدمات القانونية، الصحية، الاجتماعية، النفسية والترفيهية للنساء في المخيمات؛

7.         تفعيل التنسيق بين الجهات العاملة في مجال تقديم الخدمات والحماية للمرأة اللاجئة، ووضع برامج مشتركة تكميلية، ووضع نظام موحد لتوثيق الحالات والإحالة، وما إلى ذلك؛

8.         إشراك المنظمات المحلية، وبناء قدراتها في مجال العمل داخل المخيمات، والعمل مع الناجيات من العنف.

* مدير منظمة المسلة لتنمية الموارد البشرية. المسلة منظمة غير حكومية مسجلة في بغداد وأربيل، تعمل على المستوى الوطني في مجال التنمية وحقوق الإنسان، وتراقب أوضاع حقوق الإنسان.

البريد الإلكتروني:

abdullaxalid@yahoo.com




شارك هذه الصفحة: