موقف منظمة العفو الدولية: النفي القسري وحق العودة

 

تماشياً مع القانون الدولي، تعارض منظمة العفو الدولية النفي القسري، وهو عندما تجبر حكومة ما أفراداً على مغادرة بلدهم بسبب معتقداتهم السياسية أو الدينية أو غيرها من المعتقدات النابعة من ضمائرهم، أو بسبب أصلهم العرقي أو جنسهم أو لونهم أو لغتهم أو أصلهم القومي أو الاجتماعي أو وضعهم الاقتصادي أو مولدهم أو أي وضع آخر، ثم تمنعهم من العودة، أو إذا كانوا أصلاً خارج بلادهم، تمنعهم من العودة إليها للأسباب ذاتها. كما تعارض منظمة العفو الدولية عمليات الإبعاد من الأراضي الواقعة تحت الاحتلال العسكري في جميع الحالات.

 

وتبعاً لذلك، تدعو منظمة العفو الدولية إلى الاعتراف بحق أولئك الذين يتم نفيهم قسراً بالعودة إلى ديارهم. ويرتكز حق عودة المرء إلى بلده على القانون الدولي ويشكل الطريقة الأكثر بداهة لتصحيح أوضاع الموجودين في المنفى. وتنادي منظمة العفو الدولية بحق العودة بصرف النظر عن الظروف التي تم فيها نفي الأشخاص، سواء جاء نتيجة قرار يتعلق بفرد مثلاً أو كان وليد عمليات طرد جماعية، كما يحدث عند ممارسة"التطهير العرقي".

 

ومن المبادئ المهمة لحقوق الإنسان المكرسة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان حق العودة. فالمادة 13 من الإعلان المذكور تنص على أنه"يحق لكل فرد أن يغادر أية بلد، بما في ذلك بلده، كما يحق له العودة إليها."

 

ويُقنن العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وهو المعاهدة التي تمنح المفعول القانوني للعديد من الحقوق المعلنة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، حق العودة حيث ينص في المادة 14 (2) على أنه " لا يجوز حرمان أي شخص بصورة تعسفية من حق الدخول إلى بلاده."

 

وأعطت لجنة حقوق الإنسان، التي ترصد تنفيذ العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، تفسيراً موثوقاً به لمعنى لفظة"بلده"، يوضح من هو الذي يحق له ممارسة حق العودة. وتؤكد اللجنة أن الحق ينطبق حتى فيما يتعلق بالأراضي المتنازع عليها أو الأراضي التي انتقلت السيطرة عليها من طرف إلى آخر. وفي التعليق العام رقم 27، (1999، الفقرة 20)، قررت لجنة حقوق الإنسان بأن :

 

"نطاق لفظة  "بلده"  أوسع من مفهوم البلد الذي يحمل جنسيته.‘ فهو لا يقتصر على الجنسية بالمعنى الرسمي، أي الجنسية التي يكتسبها بالمولد أو المنح؛ بل يشمل على أقل تقدير الفرد الذي لا يمكن اعتباره مجرد أجنبي، بسبب صلاته الخاصة ببلد معين أو مطالبه المتعلقة به. وهذه مثلاً هي حالة مواطني بلد جرى تجريدهم من جنسيتهم في انتهاك للقانون الدولي، وأفراد جرى ضم البلد الذي يحملون جنسيته أو نقله إلى كيان وطني آخر، يحرمهم من جنسيته".

تعتقد منظمة العفو الدولية أن حق العودة لا ينطبق فقط على أولئك الذين طُردوا مباشرة وعائلاتهم المباشرة، بل أيضاً على أولئك المنحدرين من صلبهم الذين حافظوا على ما تطلق عليه لجنة حقوق الإنسان"روابط وثيقة ودائمة" مع المنطقة. ويجوز للروابط الدائمة بين الأفراد والأراضي أن تكون قائمة بصورة مستقلة عن التحديد الرسمي للجنسية (من عدمه) التي يحملها الأفراد. ويوضح التعليق العام رقم 27 (الفقرة 19) أن:

 

"حق الشخص في دخول بلده يُقر بالعلاقة الخاصة للشخص مع ذلك البلد. ولا يتضمن فقط حق العودة بعد أن غادر بلده؛ وقد يعطي للشخص الحق في المجيء إلى البلد للمرة الأولى إذا كان قد وُلد خارجه (مثلاً إذا كان ذلك البلد هو الدولة التي يحمل جنسيتها)."

 

ينص القانون الدولي على معيار لقياس وجود “روابط وثيقة ودائمة" بين الشخص و"بلده" من خلال مجموعة من المعايير التي حددتها محكمة العدل الدولية في العام 1955.  ففي قضية نوتيبوم التاريخية، والتي ركزت على تحديد الجنسية، قضت المحكمة أن الصلات "الحقيقية" و"الفعالة" بين الفرد والدولة ترتكز على "حقيقة التعلق الاجتماعي، وعلى صلة وجود حقيقية، ومصالح وعواطف ..." كما لاحظت المحكمة: "أخذ عوامل مختلفة بعين الاعتبار، وتتفاوت أهميتها من حالة إلى أخرى: فهناك الإقامة المعتادة للفرد المعني، لكن أيضاً مركز اهتماماته، وروابطه العائلية، ومشاركته في الحياة العامة، والتعلق الذي يبديه ببلد معين والمغروس في أذهان أطفاله الخ".

 وتتضمن المعايير الأخرى التي أشارت إليها المحكمة التقاليد الثقافية وطريقة الحياة والأنشطة والنوايا في المستقبل القريب.  وبالمثل تنطبق المعايير التي حددتها المحكمة عند تحديد "بلد" الشخص من حيث اعتبارها مقياساً نموذجياً للوجود الفعال للروابط بين الفرد والدولة.

 

تؤيد منظمة العفو الدولية عودة المنفيين إلى ديارهم أو إلى جوارها، إذا كان هذا ممكنا. كما يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار حقوق الأطراف الثالثة الأبرياء الذين يجوز أن يكونوا يشغلون منازل أو أراضي المنفيين، ويستحق المنفيون الذين يقررون عدم العودة تعويضاً عن خسارة ممتلكاتهم؛ ويجب تعويض العائدين أيضاً عن الممتلكات التي خسروها.

 

تقر منظمة العفو الدولية أن تسوية النـزاعات المزمنة التي تنطوي على تهجير السكان قد تتطلب حلولاً دائمة بديلة لممارسة حق العودة، مثل الاندماج في مجتمع الدولة المضيفة والتوطين في بلد ثالث. بيد أن قرار ممارسة حق العودة أو الاستفادة من الحلول البديلة يجب أن يكون قراراً حراً ومستنيراً يتخذه الأفراد المعنيون. وحق العودة هو حق إنساني فردي، وبالتالي لا يجوز لأي من الأطراف المشاركة في التوصل إلى تسوية عن طريق المفاوضات أن تستخدمه كورقة للمساومة.

 

لقد أيدت منظمة العفو الدولية حق العودة لأشخاص ينتمون إلى دول في جميع مناطق العالم، من بينها بوتان والبوسنة والهرسك، وكرواتيا وتيمور الشرقية والسلفادور وغواتيمالا وكوسوفو ورواندا.

 

 

قضية الفلسطينيين

فيما يتعلق بالقضية المحددة للمنفيين الفلسطينيين، تعتقد منظمة العفو الدولية أنه يجب أن تتوفر لهم الحلول الدائمة التي تحترم حقوقهم الإنسانية في أي اتفاقية سلام نهائية. وقد اعترفت الأمم المتحدة بحقهم في العودة منذ أن أصدرت الجمعية العامة القرار 194 (3) بتاريخ 11 ديسمبر/ كانون  الأول 1948 الذي ينص على أنه:

 

"يجب السماح للاجئين الراغبين في العودة إلى ديارهم والعيش بسلام مع جيرانهم بأن يفعلوا ذلك في أقرب تاريخ ممكن عملياً وأنه يجب دفع تعويض عن ممتلكات أولئك الذين يقررون عدم العودة وعن ضياع الممتلكات أو تضررها، من جانب الحكومات أو السلطات المسؤولة عن ذلك بموجب مبادئ القانون الدولي أو العدالة."

 

وتظل الهيئات المختصة داخل نظام الأمم المتحدة المعنية بحماية حقوق الإنسان تعترف بحق الفلسطينيين في العودة. ففي مارس/آذار 1998 نظرت لجنة القضاء على التمييز العنصري في التقرير الذين قدمته إسرائيل.  وفي ملاحظاتها الختامية (أنظر إسرائيل 30/03/98، CERD/C/304/Add.45)، وكانت اللجنة صريحة وجازمة حول الالتزامات المترتبة على إسرائيل فيما يتعلق بحق عودة الفلسطينيين.  فقد قالت إن :

 

"حق العديد من الفلسطينيين في العودة وحيازة ممتلكاتهم في إسرائيل يُنكَر عليهم حاليا. وعلى الدولة الطرف أن تعطي أولوية قصوى لتصحيح هذا الوضع. فالذين لا يستطيعون حيازة منازلهم من جديد يجب أن يقدم لهم تعويضاً."

 

كما تؤكد الجمعية العامة للأمم المتحدة في قرارها رقم A/RES/51/129 الصادر في ديسمبر/كانون الأول 1996 بأن  "اللاجئين العرب الفلسطينيين يستحقون ممتلكاتهم والدخل المحقق منها، بما يتماشى مع مبادئ العدالة والحق".  و"طلبت من الأمين العام اتخاذ كافة الخطوات المناسبةلحماية ممتلكات العرب وأصولهم وحقوق الملكية الخاصة بهم في إسرائيل والحفاظ على السجلات الحالية وتحديثها". وفيما يتعلق بالفلسطينيين الموجودين في المنفى منذ حرب العام1967، قررت الجمعية العامة في القرار رقم A/RES/52/59  الصادر في ديسمبر/كانون الأول 1997 أنها: "تعيد تأكيد حق جميع الأشخاص المهجرين نتيجة حرب يونيو/حزيران 1967 والعمليات العسكرية التي أعقبتها في العودة إلى ديارهم أو أماكن سكنهم السابقة في الأراضي التي احتلتها إسرائيل منذ العام1967".

 

أن أي اتفاقية سلام يتم التوصل إليها يجب أن تحل قضية الشتات الفلسطيني عبر وسائل تحترم الحقوق الإنسانية للأفراد وتحميها. وتدرك منظمة العفو الدولية أن هناك اعتبارات أخرى يجب التعامل معها في المفاوضات - مثل بواعث القلق الأمنية للجانبينلكن يجب تسوية هذه القضايا في إطار لا يعطي الأولوية للمصالح السياسية على حساب التضحية بالحقوق الإنسانية للأفراد.

 

وتبعاً لذلك تدعو منظمة العفو الدولية إلى تمكين الفلسطينيين الذين فروا من إسرائيل أو الضفة الغربية أو قطاع غزة أو طُردوا منها، كذلك الأشخاص المنحدرين منهم الذين حافظوا على روابط حقيقية مع المنطقة، من أن يمارسوا حقهم في العودة.  وقد يستطيع الفلسطينيون، الذين طُردا مما يشكل الآن إسرائيل، ثم من الضفة الغربية أو قطاع غزة، أن يبينوا بأن لديهم روابط حقيقية بكلي المكانين. وإذا كان الأمر كذلك، يجب أن يكونوا أحراراً في الاختيار بين العودة إلى إسرائيل أو الضفة الغربية أو قطاع غزة.

 

كذلك قد يكون للفلسطينيين الذين لديهم روابط حقيقية بإسرائيل أو الضفة الغربية أو قطاع غزة، لكنهم يعيشون حالياً في دول مضيفة أخرى، روابط حقيقية بالدول التي تستضيفهم.  ولا يجوز أن يقلل هذا أو ينتقص من حقهم في العودة إلى إسرائيل أو الضفة الغربية أو قطاع غزة.

 

لكن المنفيين الفلسطينيين لا يودون جميعهم العودة إلى "بلدهم"، وأولئك الذين يرغبون في البقاء في الدول المضيفة ـ أو في الضفة الغربية أو قطاع غزة ـ  يجب أن يمنحوا الخيار في الاندماج المحلي الكامل.  كذلك يجب على المجتمع الدولي أن يضع تحت تصرف المنفيين الفلسطينيين الخيار في الاستيطان في بلد ثالث.  وأياً كان الحل الذي يختاره الأفراد يجب أن يكون طوعياً تماماً، ولا يجوز تحت أي ظرف إكراههم على القبول بخيار معين.

 

كلما أمكن، يجب أن يتمكن الفلسطينيون من العودة إلى منازلهم أو أراضيهم الأصلية.  وإذا تعذر ذلكلأنها لم تعد قائمة، أو حُولت لاستخدامات أخرى، أو بسبب مطالبة مضادة صحيحةيجب السماح لهم بالعودة إلى جوار منـزلهم الأصلي.

 

كما يجب أن يحصل الفلسطينيون الذين يقررون عدم ممارسة حقهم في العودة على تعويض عن خسارة ممتلكاتهم، وفق مبادئ القانون الدولي.  وبالمثل يجب تعويض العائدين عن أي ممتلكات خسروها.

 

وتدعو منظمة العفو الدولية جميع أطراف المفاوضات إلى الاتفاق على شروط إنشاء هيئة دولية مستقلة، تتولى من جملة أشياء، الإشراف على تنفيذ عملية العودة، ووضع المعايير للمطالبات الفردية، ودراسة والبت في المطالبات والمنازعات ووضع برنامج لمنح التعويضات.

 

كما تدعو منظمة العفو الدولية المجتمع الدولي إلى تقديم كل المساعدة الضرورية، بما في ذلك التمويل، لتنفيذ برنامج العودة هذا.

 

تنطبق المبادئ ذاتها على المواطنين الإسرائيليين الذين كانوا يوماً ما مواطنين في دول عربية أو سواها وفروا أو طُردوا من تلك الدول. وإذا حافظوا على روابط حقيقية مع تلك الدول ويودون العودة إليها، يجب السماح لهم بذلك. ويجب أن يحق لهم تعويض عن خسارة أي ممتلكات.

 

وثيقة رقم: MDE 15/013/2001




شارك هذه الصفحة: