السياسات الإسرائيلية تجاه طالبي اللجوء: الاعتقال والترحيل بديلا عن الحقوق والاعتراف

دانييل سوتسكي*

ترجمة: فابيولا دينا

 

"الجميع مكتئب حاليا من سياسة الاعتقال الجديدة التي أخذت منحى أسوأ. الوضع هنا سيء وقد مضى وقت طويل وما والت الأمور تزداد سوءا." أحمد النور، لاجئ من دارفور ناشط في منظمة العفو الدولية ومقيم في إسرائيل.

يعيش اليوم ما يقارب 53.000 طالب لجوء في إسرائيل، ثلثاهم من إريتريا والثلث الآخر من السودان. ويتم احتجاز حوالي 1000 من طالبي اللجوء هؤلاء في سجون نائية في الجزء الإسرائيلي من صحراء النجف بالقرب من الحدود مع مصر. ويفتقر طالبو اللجوء في إسرائيل إلى إمكانية الحصول على تراخيص عمل والاستفادة من الإعانات الاجتماعية والصحية، وإلى إجراءات تحديد وضعية لاجئ على نحو شفاف وعادل.

وفي معظم الأحيان لا يتمكن الإريتريون والسودانيون من تقديم طلبات اللجوء خلال الفترة التي يمضونها في إسرائيل، وتمنح الحكومة الإسرائيلية الإريتريين والسودانيين بدلا من ذلك وضع عدم الترحيل – أي تعترف إسرائيل أن ترحيلهم بالقوة إلى بلدهم الأصلي يعتبر انتهاكا للقانون الدولي، ولكنها لا تحترم في الوقت نفسه حقوقهم الأساسية.

وصل أحمد النور وهو طالب لجوء سوداني إلى إسرائيل قبل خمس سنوات وكلّه أمل. وهرب أحمد، الذي ينحدر أصلا من منطقة أم بادا، من بلده الأم السودان بعد تعرضّه لمضايقات مطولة من الجيش السوداني الذي جندّه ليقود دبابة  خلال النزاع العرقي في دارفور. ولكنه عوضا عن القتال أو التعرض للقتل، هرب ليخلص نفسه. وتشبث بأمل متابعة دراسته يوما ما في مجال علوم الحاسوب.

وسافر أحمد إلى إسرائيل في نهاية العام 2008، وفي الليلة التي سبقت عبوره الحدود المصرية الإسرائيلية مع آخرين من مجموعته، قامت القوات المصرية بقتل ثلاثة طالبي لجوء ممن حاولوا العبور إلى إسرائيل. ويقول أحمد "لقد حالفني الحظ". وأمضى الآلاف من طالبي اللجوء ممن عبروا إلى إسرائيل أشهرا في مخيمات التعذيب في سيناء حيث اعتقلهم المتاجرون بالبشر إلى أن تمكنوا من دفع فدية، غالبا ما ترتفع قيمتها إلى عشرات الآلاف من الدولارات الأميركية.[1]

وبعد قضاء ستة أشهر في سجن سهارونيم، وهو مركز احتجاز لطالبي اللجوء في إسرائيل، إطلق سراح أحمد في شهر تموز/يوليو 2009. واستقر في إيلات حيث يعمل في فندق، بعد إقامة قصيرة في بير شبعة وتل أبيب. ويلحظ أحمد، والابتسامة ترتسم على وجهه، "لقد كانت الحياة وقتها جميلة، كنت أعيش في مستوطنة بالقرب من الفندق حيث كنت أعمل،  وأظهر الإسرائيليون الكثير من الدعم لنا".

ويصف أحمد أيضا كيف بدأت الأمور تتغير في العامين 2010 و2011 مع عبور الكثير من اللاجئين الإريتريين والسودانيين الحدود الإسرائيلية مع سيناء هربا من الديكتاتورية العسكرية في إريتريا ومن الحرب وعمليات القتل الجماعي في السودان. ومارس المسؤولون الحكوميون الإسرائيليون، وعلى أعلى المستويات، تحريضا كان سببا في العداء العام ومشاعر الكراهية للأجانب وحتى  الهجمات القائمة على دوافع عنصرية ضد طالبي اللجوء. وبشكل عام، يشير المسؤولون الإسرائيليون والعامة اليوم إلى اللاجئين باعتبارهم "مندسّين" وينكرون أساسا أن الكثير من هؤلاء الأفراد يستحقون الحماية الدولية.

وبتاريخ 13 كانون الأول/ يناير 2011، وبالحديث عن التهديد المزعوم الذي يشكلّه طالبو اللجوء ضد إسرائيل، حذّر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو من "موجة لاجئين تهدد بجرف انجازات وتقويض وجود الدولة اليهودية الديمقراطية". وبقي كل خطاب مشابه من قبل رئيس الوزراء نتنياهو وغيره من وزراء الحكومة شائعا.

وفي تشرين الأول 2010، بدأت وزارة الداخلية الإسرائيلية بطباعة عبارة "لا يشكّل هذا (المستند) إجازة عمل" على مستندات طالبي اللجوء. وقد خسر غالبية طالبي اللجوء عملهم وغرقوا أكثر في الفقر. ولم تقدّم الحكومة الإسرائيلية أي أشكال بديلة لطالبي اللجوء تتيح لهم البقاء على قيد الحياة.

وعقب طعنٍ قانوني بهذه السياسة الجديدة، في كانون الثاني/ يناير 2011، قضت المحكمة العليا في إسرائيل أن الدولة لن تفرض أي غرامات على  الإسرائيليين الذين سبق ووظّفوا اللاجئين إذ سيتم نقلهم إلى مراكز الاحتجاز، حيث ستتوفر لهم احتياجاتهم الأساسية وبالتالي لن يحتاجوا إلى العمل. وعلى الرغم من قرار المحكمة بعدم تنفيذ الحظر على التوظيف، تواصل وزارة الداخلية ختم الوثائق التي يحصل عليها طالبو اللجوء على أنها لا تشكل تصاريح عمل. وتعني مثل هذه السياسة أن معظم اللاجئين يعملون بشكل غير رسمي، الأمر الذي يتحول أرضا خصبة للاستغلال – ولم يتلق الكثير من طالبي اللجوء رواتبهم كاملة كما ويحرمون من حقوقهم الأخرى كعمال.

وتتابع الحكومة الإسرائيلية ضغوطاتها المستمرة على طالبي اللجوء ليوافقوا على ترحيل ’اختياري‘ إلى دولهم الأصلية أو إلى دول أخرى بما يشكل انتهاكا لمبدأ عدم الإعادة القسرية في القانون  الدولي للاجئين. ويتم الضغط بصورة خاصة على طالبي اللجوء في مراكز الاحتجاز حيث يقال لهم أن الوسيلة الوحيدة لإطلاق سراحهم من السجن هي الموافقة على الترحيل.  وتؤكد التقارير التي يوجهها طالبو اللجوء من المرحلين الإريتريين والسودانيين إلى مجموعات اللاجئين في إسرائيل، تعرضهم للاعتقال المطول والتعذيب والمعاملة اللاإنسانية عقب ترحيلهم.

وبتاريخ 3 حزيران / يونيو 2012، باشرت إسرائيل في تنفيذ التعديلات على قانون الوقاية من التسلل، الذي يسمح للسلطات الاعتقال الإداري التلقائي لأي شخص يدخل إسرائيل بصفة غير قانونية لمدة 3 سنوات أو أكثر. وفي حال قدم هذا الشخص من دولة عدوة لإسرائيل، على غرار السودان مثلا، قد يتم احتجازه/ها إلى أجل غير مسمى. وقد ترافقت هذه التعديلات مع بروتوكول جنائي يسمح للشرطة الإسرائيلية، تنفيذا لقانون  الوقاية من التسلل، باعتقال واحتجاز أي ‘متسلل’ يتم الإشتباه بنيّته ارتكاب جريمة حتى لو لم تتوفر للدولة البراهين الكافية لإدانتهم.

وبتاريخ 16 أيلول/سبتمبر 2013، وبعد مضي 15 شهرا على تنفيذ هذا القانون الذي أدى إلى احتجاز المئات من طالبي اللجوء لفترات طويلة، أبطلت محكمة العدل العليا هذه التعديلات على قانون الوقاية من التسلل، معتبرة إياها "غير دستورية" وتنتهك القوانين الأساسية لإسرائيل. وأمرت المحكمة الدولة إعادة النظر في قضايا قرابة 1.700 لاجئ وطالب لجوء ومهاجر تم احتجازهم في السجون الإسرائيلية، وصدرت أوامر بإطلاق جميع الذين اعتقلوا بصورة غير قانونية في غضون 90 يوما من تاريخ الحكم.

إلا أنه خلال شهر كانون الأول/ديسمبر 2013، وعوضا عن الامتثال لقرار المحكمة، أصدرت إسرائيل تعديلات جديدة على قانون الوقاية من التسلل تسمح بتمديد الاحتجاز الإداري لمدة سنة يليها احتجاز إلى أجل غير مسمى في مركز اعتقال ‘مفتوح‘ يسمى هولوت. وعلى الرغم من أن أبواب هذا المركز تبقى مفتوحة خلال النهار، يتم تعداد المحتجزين ثلاث مرات يوميا ولا يسمح لهم بالعمل. أما الأفراد الذين يتأخرون على تفقد الطابور الخاص بهم، أو يعملون خارج المركز أو يتم اتهامهم حتى بنيتهم انتهاك شروط المركز ‘المفتوح‘، يتم نقلهم إلى السجن لمدة ثلاثة أشهر.  وتضمن الحكومة الإسرائيلية تقديم الخدمات الصحية والرعاية الاجتماعية والتعليم والتدريب المهني في هذه المنشأة. والويسلة الوحيدة المتاحة للمعتقلين لمغادرة هذه المنشأة هي الموافقة على الترحيل ‘الاختياري‘ إلى بلدهم الأم.

وكذلك رفض المئات من المساجين الذين نقلوا إلى مركز الاعتقال ’المفتوح’ سياسة إسرائيل الهادفة لإخفاء قضيتهم عن الرأي العام الإسرائيلي وإجبارهم على قبول الترحيل. وبعد فترة وجيزة من نقلهم شارك حوالي  150 طالب لجوء على مدى يومين في "مسيرة الحرية" وهي التي انطلقت من منشأة هولوت إلى مدينة القدس، متحدّين قواعد المركز ‘المفتوح‘ للتظاهر أمام الكنيست. وقد قوبلت هتافات "الحرية" و"لا مزيد من السجن" بالاعتقالات وسجن المتظاهرين في سجن ساهارونيم، السجن القائم في الشارع المقابل لمركز هولوت.

وقد ردّ مجتمع اللاجئين والناشطين الإسرائيليين بمسيرة حرية خاصة بهم في الطرق الرئيسية في تل أبيب، وقال إيمانويل يمانيه وهو طالب لجوء إريتري أمام 2.000 متظاهر في منتزه ليفينسكي، "حضرة رئيس الوزراء، لقد كانت عائلتك أيضا من اللاجئين في ما مضى، وكنت أنت أيضا لاجئ، فلماذا تعاملنا على هذا النحو؟"

وكان أحمد النور من بين المشاركين في المسيرة في تلك الليلة. وقال مبتهجا، "هذا أمر لا يصدق. هذه فرصتنا للحصول على اهتمام الحكومة الإسرائيلية والعالم. نحن لاجئون، ولسنا متسللون. لا ينبغي لنا أن نكون في الاحتجاز أو يتم ترحيلنا إلى البلدان التي هربنا منها. لقد حان الوقت لحقوق الإنسان". وما تزال "مسيرة الحرية" مستمرة.

 

* نائب المسؤول عن حملات اللاجئين في منظمة العفو الدولية- إسرائيل



[1]  نشرت منظمة العفو الدولية مؤخرا تقريرا يصف الانتهاكات التي يتعرض لها المهاجرين واللاجئين وطالبي اللجوء في صحراء سيناء. للاطلاع على هذا التقرير الرجاء مراجعة الرابط:  http://www.amnesty.org/en/library/info/AFR04/001/2013/en




شارك هذه الصفحة: