النـزوح الداخلي في ليبيا: النضال الطويل لأهالي تاورغاء من أجل العدالة

مجدولينا المغربي*

بعد مرور سنتين على انتهاء النـزاع المسلح في ليبيا، لا يزال نحو 40,000 من أهالي تاورغاء، وهم ليبيون من ذوي البشرة السوداء، محرومين من العودة إلى منازلهم. وكانوا قد هُجِّروا قسراً في أغسطس/آب 2011، على أيدي مليشيات مناهِضة للقذافي، بهدف الانتقام منهم على ارتكابهم جرائم في مدينة مصراته. وقد اتهمت المليشيات أهالي تاورغاء جميعاً بدعم الزعيم الليبي الذي أُطيح به والتصرف نيابةً عنه، وعاقبتهم على ذلك بطرد الجماعة بأسرها من المدينة، مما يعتبر انتهاكاً للقانون الإنساني الدولي.

ومنذ انتهاء النـزاع، ظلت محاولات أهالي تاورغاء العودة إلى منازلهم تواجَه بتهديدات متكررة من قبل المليشيات. كما حذرتهم الحكومة من التصرف من طرف واحد ودعتهم إلى إلغاء خطط العودة، ولكنها لم تقدم لهم أية بدائل. وفي الحقيقة لم تفعل السلطات الليبية شيئاً يُذكر لتحسين الظروف المعيشية لجماعة تاورغاء وغيرها من جماعات النازحين داخلياً- أو إيجاد حل دائم لمحنتهم. وبدلاً من ذلك اتَّبعت سياسة الاسترضاء تجاه المليشيات نفسها التي كانت مسؤولة عن التهجير القسري لأهالي تاورغاء وعن ارتكاب انتهاكات أخرى لحقوقهم الإنسانية، من قبيل التعذيب وغيره من ضروب إساءة المعاملة والاختفاء القسري والاعتقال التعسفي إبان النـزاع وبعد انتهائه.

إن عدم اتخاذ السلطات إجراءات بناءة على مدى عامين أفاد مرتكبي انتهاكات حقوق الإنسان وشجَّعهم على ارتكابها كما أدى إلى نشوء وضع طُلب فيه من ضحايا الانتهاكات التخلي عن حقوقهم وأن يكونوا عقلانيين’ في الوقت الذي ظل أفراد المليشيات وغيرهم، ممن كانوا يهددونهم، بلا حساب أو عقاب.

واليوم تقدر السلطات الليبية العدد الإجمالي للنازحين داخلياً بنحو 65,000 شخص. وبالإضافة إلى أهالي تاورغاء، فإن من بين النازحين داخلياً سكان منطقة جبل نفوسة، وبشكل رئيسي قبيلة الشاشية التي يُقدر عددها بنحو 10,000 شخص وسكان سرت وبني وليد والطوارق من غدامس.

وبعد مرور عامين لا يزال أهالي تاورغاء مشتتين في مختلف أنحاء البلاد بين بنغازي في الشرق وطرابلس في الغرب وفي مدينة سبها في الجنوب. وقد أُرغمت الأغلبية العظمى من التاورغيين النازحين على العيش في مخيمات مؤقتة فقيرة الموارد عقب هدم منازلهم وتخريبها وحرقها عل أيدي المليشيات المناهضة للقذافي. وقد استقروا في حاويات معدنية كانت تُستخدم في السابق لسكن عمال بناء المنازل، وبنوا بيوتهم من الأنابيب البلاستيكية أو سكنوا في مبان إدارية غير مكتملة. ولاحظ باحثو منظمة العفو الدولية الذين زاروا بعض مخيمات النازحين داخلياً أنها تفتقر إلى الخدمات الأساسية من قبيل أنظمة المجاري أو جمع النفايات الفعالة.

وعلى مدى عدة أشهر بعد نزوح أهالي تاورغاء، دأبت المليشيات على مطادرتهم واعتقالهم عند نقاط التفتيش وفي المخيمات والمنـازل التي لجأوا إليها. وبعد اعتقالهم كان الرجال منهم، وأحياناً الفتيان الذين تصل أعمارهم إلى 15 سنة، يتعرضون للتعذيب وغيره من ضروب إساءة المعاملة في تجمعات المليشيات في طرابلس وغيرها من مدن غرب ليبيا قبل نقلهم إلى مصراته. وقد لقي بعضهم حتفه تحت وطأة التعذيب، ويُحتجز المئات منهم في مصراته حتى هذا اليوم في مراكز اعتقال تتفاوت درجة إشراف الدولة عليها. وعلى الرغم من تحسُّن المعاملة في بعض مراكز الاعتقال منذ عام 2011، فإن مئات المعتقلين وعائلاتهم ما زالوا يعانون من نتائج تلك الانتهاكات حتى الآن بدون أن يتمكنوا من المطالبة بالإنصاف. ومن ناحية أخرى ظلت جرائم المليشيات تمر بلا عقاب أو حساب، وظلت الهجمات الانتقامية ضد مخيمات التاورغيين للنازحين داخلياً، بما فيها عمليات إطلاق النار بصورة عشوائية، والاعتقالات التعسفية مستمرة حتى يومنا هذا.

كان علي أبو القاسم عمر في السادسة عشرة من العمر عندما قبضت عليه كتيبة بدر في مصراته في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2011. وعندما رآه مندوبو منظمة العفو الدولية في سجن الوحدة في مصراته في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، كان قد بلغ الثانية عشرة من العمر. وقال أنه اقتيد من منـزل خاص في سرت كان قد لجأ إليه مع عائلته المؤلفة من 13 فرداً، عقب فرارهم من تاورغاء في أغسطس/آب 2011. وتحدث علي لمنظمة العفو الدولية عن التعذيب الذي تعرَّض له مع أشقائه قائلاً: "قُبض عليَّ مع اثنين من أشقائي الأكبر سناً، واقتادونا إلى مركز اعتقال يقع عند نقطة تفتيش بالقرب من سرت، حيث تعرضنا جميعاً للضرب. وقد قضى شقيقي صالح نحبه نتيجة للتعذيب. كان عمره 37 عاماً في ذلك الوقت. وقد شاهدته وهم يضربونه بالقضبان المعدنية والعصي، كما تعرَّض للصعق بالصدمات الكهربائية."

وعندما زار وفد منظمة العفو الدولية ليبيا في نوفمبر/تشرين الثاني 2013، لم يكن علي قد أُحيل إلى المحاكمة بعد. وكان واحداً من مجموعة مؤلفة من أحد عشر معتقلاً ممن كانوا دون سن الثامنة عشرة في وقت ارتكاب الجريمة المزعومة.

ويقدر ممثلو مجتمع تاورغاء أن أكثر من 1300 شخص منهم مازالوا مفقودين أو معتقلين. وخلال زيارات تقصي الحقائق التي قامت بها منظمة العفو الدولية إلى ليبيا عام 2013، قابل مندوبوها عشرات الأمهات اليائسات والأقرباء الذين طلبوا المساعدة لمعرفة مصائر أو أماكن وجود أفراد عائلاتهم الذين فُقدوا إبان النـزاع أو اختفوا عقب انتهاء الأعمال الحربية. وكانوا جميعاً يطلبون جواباً على السؤال نفسه :"هل هو حي أم ميت؟" وكان بعضهم يأمل في العثور على أحبائهم في مراكز الاعتقال بمصراته، وطلبوا تدخل منظمة العفو الدولية. ومع أن زيارة مركز الاعتقال في مصراته مسموح بها من حيث المبدأ، فإن عدداً قليلاً جداً من العائلات تقرر زيارة أبنائها المعتقلين في الممارسة العملية، وذلك خوفاً من التعرض لأعمال انتقامية. وعلى الرغم من الجهود المستمرة التي بُذلت، فإن الحكومة الليبية لم تتمكن من التفاوض بشأن تسليم مراكز الاعتقال إلى السلطات بشكل تام، ولا يزال العديد من السجون، ومنها سجون في مصراته، يخضع للإدارة الفعلية للمليشيات بدون إشراف قضائي يذُكر. وقد سعت السلطات جاهدةً إلى تنفيذ حكم القانون، وذلك بسبب الأوضاع الأمنية المتردية بشكل رئيسي.

وغالباً ما لا يتم تنفيذ أوامر الادعاء العام، وفي بعض الحالات قُبض على المعتلقين التاورغيين مرة ثانية عقب إطلاق سراحهم من السجون. كما واجهت عائلات المعتقلين أو المفقودين من أهالي تاورغاء تحديات تتعلق بإمكانية أن تعيش حياة طبيعية. فهي بعد أن فقدت معيليها، تصارع من أجل تدبُّر احتياجاتها المالية بنفسها. وقال العديد من أفراد عائلات المفقودين من أهالي تاورغاء إنهم يواجهون تمييزاً عند محاولة التسجيل لدى وزارة رعاية أُسر الشهداء والمفقودين لتلقي المساعدات المالية التي يستحقونها. وتزعم هذه العائلات أن سبب ذلك التمييز هو ولاؤها المتصوَّر للعقيد القذافي.[1]

كما كان للنـزوح القسري لأهالي تاورغاء عواقب عكسية على حقهم في التعليم وفي العمل. فقبل اندلاع النـزاع كان العديد من أهالي تاورغاء يعملون ويدرسون ويتعاملون مع المصارف في مصراته. وعقب نزوحهم القسري، لم يتمكن مئات الطلبة من مواصلة دراستهم الجامعية بسبب عدم حصولهم على كشوف علاماتهم وشهاداتهم من المؤسسات الأكاديمية السابقة في مصراته. وكانت عائلات بأكملها تخشى السفر إلى مصراته للوصول إلى المصارف، وبالتالي لم يتمكنوا من سحب رواتبهم. وفي حين أن السلطات بذلت مزيداً من الجهود في الآونة الأخيرة بهدف إيجاد حلول للمشاكل الإدارية مع السلطات المحلية في مصراته، فإنها لم تفعل شيئاً يُذكر في سبيل وضع حد لنـزوح أهالي تاورغاء.

وبموجب القانون الدولي فإن تهجير المدنيين خلال النـزاع المسلح الداخلي لا يجوز إلا من أجل المحافظة على أمنهم أو لأسباب عسكرية قاهرة. وفي حالة أهالي تاورغاء، فإن نـزوحهم قسراً كان إجراء عقابياً، ولذلك فإنه محظور بموجب المعايير الدولية، التي تنص على أن "النـزوح القسري يجب ألا يستمر لفترة أطول مما تقتضيه الظروف." ولكن على الرغم من انتهاء الأعمال الحربية في عام 2011، فإن معظم المجتمعات النازحة داخلياً التي ينُظر إليها على أنها مؤيدة للقذافي، لم تحصل على مساعدات من الحكومة، ولم يُسمح لها بالعودة إلى ديارها وتفقُّد ممتلكاتها وحق استعادتها وإعادة  بناء وسائل معيشتها.

واليوم ليس ثمة من مبرر لاستمرار النـزوح الداخلي في ليبيا. ويتعين على السلطات أن تتخذ المزيد من الإجراءات لإيجاد حلول لاحتياجات المجتمعات النازحة وحقوقها وبواعث قلقها المشروعة. كما أن من واجبها توفير حلول دائمة للأشخاص النازحين داخلياً والسماح لهم باتخاذ الخيار المتبصِّر والطوعي بشأن الحل الذي يبتغونه. بيد أنه من المثير للقلق أن تجعل السلطات الليبية والرأي العام حق أهالي تاورغاء في العودة مشروطاً بتحقيق العدالة وجبر الضرر لضحايا الانتهاكات في عهد القذافي.

وما لا يمكن إنكاره أن جرائم حرب ارتُكبت في مصراته خلال النـزاع المسلح الذي نشب في عام 2011. وقد استخدمت قوات القذافي منطقة تاورغاء، الواقعة على بعد 40 كيلومتراً جنوب شرق مصراته، كقاعدة لفرض الحصار على مصراته في عام 2011. وعلى مدى ثلاثة أشهر قُطعت الكهرباء والماء عن سكان مصراته، التي أصبحت مسرحاً لواحدة من أعنف الأعمال القتالية في النـزاع. فقد لقي مئات المدنيين حتفهم في الضربات الجوية والهجمات الصاروخية، وأُصيب عدد آخر بجروح.

يمكنكم تنزيل الوثيقة على الوصلة التالية:  http://ow.ly/rSsZT

وأدى تفشي مزاعم الاغتصاب وإساءة المعاملة الجنسية على أيدي قوات القذافي في مصراته إلى تفاقم التوتر بين المدن المجاورة. ويحق لضحايا الانتهاكات في مصراته المطالبة بالحقيقة وجبر الضرر.

 وإذا كان أفراد من مجتمع تاورغاء ضالعين في ارتكاب جرائم حرب إبان النـزاع، فإنهم يجب أن يخضعوا للمساءلة وفقاً لإجراءات محاكمة عادلة شأنهم شأن الأفراد الآخرين المتهمين بارتكاب مثل تلك الجرائم. بيد أن العدالة يجب ألا تكون انتقائية؛ إذ أن العديد من الهجمات التي وثَّقتها منظمة العفو الدولية والتي ارتُكبت ضد المدنيين التاورغيين على أيدي مليشيات مصراته خلال النـزاع المسلح في عام 2011، تشكل جرائم حرب كذلك. وإذا أخذنا بعين الاعتبار أن المليشيات اقترفت أفعالاً محظورة، من قبيل القتل العمد والترحيل القسري والتعذيب والاختفاء القسري، أثناء النـزاع وبعده، كجزء من هجوم منظم وواسع النطاق موجَّه ضد السكان المدنيين لتاورغاء وهي تعلم ذلك، فإنه يبدو أن تلك الأفعال شكلت جرائم ضد الإنسانية.

إن قانون العدالة الانتقالية الذي اعتُمد مؤخراً يمكن أن يوفر لمجتمع تاورغاء وغيره من المجتمعات النازحة أول سبيل حقيقي للمطالبة بجبر الضرر وتحقيق العدالة. وينص القانون على إنشاء آليات لضمان المساءلة وجبر الضرر لضحايا انتهاكات حقوق الإنسان التي ارتُكبت خلال 42 عاماً من حُكم القذافي وفي الفترة الانتقالية التي أعقبت سقوطه. وكجزء من عملية المطالبة الحقيقة، فإن القانون ينص على إنشاء لجنة لتقصي الحقائق والمصالحة مع رسم صورة كاملة لطبيعة وأسباب ونطاق انتهاكات حقوق الإنسان خلال تلك الفترة. ومن الجدير بالذكر أن القانون يقضي بإنشاء دائرة لشؤون النازحين داخلياً تتمتع بصلاحيات فحص الظروف الراهنة للنازحين داخلياً وتمكينهم من التمتع بحقوقهم ومنع التمييز ضدهم. كما يكلف الدائرة بمهمة إيجاد حل لمشكلة النـزوح الداخلي.    

ويتعين على السلطات الليبية الآن أن تكفل تنفيذ قانون العدالة الانتقالية بصور عاجلة. وينبغي تزويد لجنة تقصي الحقائق والمصالحة بالموارد الضرورية وتوفير الحماية لها لأداء عملها بصورة محايدة، وبدون التعرض للتهديدات والضغوط الشعبية وهجمات المليشيات. وينبغي التشاور مع أهالي تاورغاء وغيرهم من النازحين داخلياً في أية مناقشات لإيجاد حل دائم. وإن عدم القيام بذلك يمكن أن يعرِّض المكتسبات المتواضعة للضحايا في نضالهم من أجل الكشف عن الحقيقة وتحقيق العدالة للخطر وأن يحول القانون إلى مبادرة فاشلة أخرى.

* باحثة في شؤون شمال أفريقيا بمنظمة العفو الدولية



[1]  للاطلاع على مزيد من المعلومات أنظر: منظمة العفو الدولية، ليبيا: محرومون من بيوتهم، استمرار تهجير واضطهاد مجتمع تاورغاء وغيره من المجتمعات في ليبيا، رقم الوثيقة: (MDE 19/011/2013)




شارك هذه الصفحة: