النازحون داخليا : أية حماية؟

باليغ تسلاكيان* وعدنان نسيم**

 

من خلال لمحة تاريخية سريعة على الحروب والنزاعات في العقود الأخيرة يتبين لنا أن العدد الأكبر من الضحايا يتألف من المدنيين العزل، وبنسبة كبيرة من النساء والأطفال والعجز على وجه الخصوص. ومن هنا تبرز الحاجة إلى الإضاءة على القواعد أو المفاهيم التي تميز بين الفئات المقاتلة والفئات غير المشاركة في القتال أي المدنيين. وفي الإطار عينه لا بد من الإضاءة على القانون الدولي لحقوق الإنسان الذي تطور تباعا مع بدء الشعوب بإدراك حقوق وحريات لم يكن معترف لهم بها. فأصبح قانون حقوق الإنسان يقدس حقوق وحريات الأفراد ويقدم لها حماية قانونية كبيرة لمنع المساس بها، وقد تطور هذا القانون ليطال كافة الفئات والأطياف والأعراق واضعا مبادئ للحماية ولتأمين حياة كريمة لكل شعوب الأرض بالإضافة إلى آليات لإنفاذها.

برزت قوانين حقوق الإنسان بشكل موثق وتطورت وتبلورت مع الاتفاقيات المشددة على ضرورة حمايتها وذلك منذ منتصف القرن الماضي وحتى يومنا هذا وبعد المآسي التي شهدها العالم مع بدايات ومنتصف القرن العشرين على وجه الخصوص.

 وعلى الرغم من أن هذه القوانين لم تستطع أن تضع نهاية للحروب والقتل العشوائي الذي يطال المدنيين، لا بد من النظر في القوانين المنطبقة على حالات النزاعات المسلحة - الدولية وغير الدولية -  والمبادئ الأساسية الواجب على أطراف النزاع احترامها وصولا إلى حماية الفئات المستضعفة في زمن الحرب بهدف حماية حقوقها وتحييدها عن الصراعات وتأمين حد معين من الأمن والطمأنينة لها . ويمكن النظر إلى هذه القوانين بكونها مقتبسة عن القانون الدولي العرفي وعلى أنها ترسي مبادئ وتكرسً حقوقا غير قابلة للتفاوض وبالتالي لا يمكن إسقاطها أو التنازل عنها أو المس بها ومنها على سبيل المثال:  حظر التعذيب أو أي نوع من المعاملة السيئة؛ منع تنفيذ عقوبة الإعدام لمن هم دون 18 ؛ احترام حرية الفكر والمعتقد والدين (علماً أنه يسمح بتوجيه كيفية ممارسة هذه الحقوق). كما تضمن هذه المبادئ الحق في الحصول على محاكمة عادلة وتضمن مبدأ القرينة ببراءة المتهم حتى ثبوت إدانته.

وينظم القانون الدولي الإنساني - والقانون الإنساني الدولي العرفي - وسائل القتال ويضع قواعد تهدف لتحييد الأطراف غير المقاتلة وأسسا لحمايتها وفرض احترام بعض حقوقها الأساسية. إن اتفاقيات جينيف الأربعة لعام 1949 والبروتوكولان الإضافيان واجبة الإتباع كأساس موثق للقانون الإنساني الدولي. فالاتفاقيات الأربعة والبرتوكول الأول تشكل إطارا لحماية المدنيين في النزاعات المسلحة الدولية. أما بالنسبة للنزاعات المسلحة الداخلية فتنطبق عليها المادة الثالثة المشتركة من الاتفاقيات الأربعة والبرتوكول الثاني لحماية المدنيين. إلا أن الواقع يبقى مختلفاً فالحروب الناشئة ما زالت تطال المدن والأحياء والقرى وأماكن السكن المكتظة مما يجبر المدنيين على مغادرة منازلهم وترك ممتلكاتهم بحثاً عن ملجئ آمن.

ولأن اللاجئ بحاجة إلى اهتمام ورعاية خاصة، توصل المجتمع الدولي عام 1951 إلى وضع اتفاقية خاصة بأوضاع اللاجئين. تعتبر هذه الاتفاقية الأكثر تطبيقاً واعترافاً فيما يختص بحقوق اللاجئين. وقد عرفت الاتفاقية اللاجئ وحرصت على تأمين حياة لائقة وآمنة له خلال فترة لجوئه واضعة مجموعة من الحقوق وأسس الحماية الواجب تأمينها. وجاء تعريف اللاجئ كالتالي: "كل شخص يوجد، بنتيجة أحداث وقعت قبل 1 كانون الثاني/يناير 1951، وبسبب خوف له ما يبرره من التعرض للاضطهاد بسبب عرقه أو دينه أو جنسيته أو انتمائه إلي فئة اجتماعية معينة أو آرائه السياسية، خارج بلد جنسيته، ولا يستطيع، أو لا يريد بسبب ذلك الخوف، أن يستظل بحماية ذلك البلد، أو كل شخص لا يملك جنسية ويوجد خارج بلد إقامته المعتادة السابق بنتيجة مثل تلك الأحداث ولا يستطيع، أو لا يريد بسبب ذلك الخوف، أن يعود إلي ذلك البلد.

فإذا كان الشخص يحمل أكثر من جنسية، تعني عبارة "بلد جنسيته" كلا من البلدان التي يحمل جنسيتها. ولا يعتبر محروما من حماية بلد جنسيته إذا كان، دون أي سبب مقبول يستند إلى خوف له ما يبرره، لم يطلب الاستظلال بحماية واحد من البلدان التي يحمل جنسيتها."  ثم أنشأت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين وجاء البروتوكول الإضافي لاتفاقية اللاجئين عام 1967 لجعل الاتفاقية أكثر اتساعاً وشمولا في إطار تعريف اللاجئ بحيث ألغى القيود الجغرافية والزمنية الواردة في الاتفاقية.

وقد استثنى التعريف – الاتفاقية والبروتوكول - الأشخاص الذين هجروا من منازلهم ولم يغادروا البلد الذي يحملون جنسيته أو يقيمون فيه، وبقيت هذه الفئة أي أولئك الذين نزحوا داخل أوطانهم دون إعطائها أي حماية أو تحديد لطرق التعامل معها من خلال الاتفاقية والبروتوكول.

والنازحين داخليا هم غالبا بين المجموعات الأكثر ضعفا والتي هي بأمس الحاجة إلى الحماية والمساعدة، ففي أغلب الحالات يفتقر هؤلاء إلى المأوى ويتوزعون بمخيمات كبيرة ومزدحمة ما يشكل تهديداً لهم على الصعيد الصحي حيث تنتشر الأمراض بشكل سريع بالإضافة إلى النقص الغذائي الذي يتعرضون له والنقص الحاد في مستلزمات الحياة الأساسية من ملبس ومأكل وسكن لائق وتعليم وطبابة، فضلا عن ظاهرة البطالة نظرا لكونهم نزحوا عن مدنهم التي تتمركز فيها أماكن عملهم وبالتالي لا تتوفر لهم في كثير من الأحيان فرص العمل أو أي مجال إنتاجي أو مصدر رزق. ويزداد الوضع المأساوي للعائلات التي تتعرض للتفكك جراء عدم القدرة على النزوح المشترك، الأمر الذي يزيد في ضعف البنية الاجتماعية. كما تظهر حالات الاستغلال الاجتماعي لهذه الفئة التي تكون أكثر عرضة للاعتداءات الجسدية من ضرب وقتل بالإضافة إلى الاغتصاب وغيره من وسائل التعنيف الجسدي والمعنوي الذي يظهر أحيانا من خلال رفضهم وعدم قبولهم وإقصاءهم عن الحياة الاجتماعية، ناهيك عن المعاناة التي يتعرضون لها في حالات النزاع المسلح.

ولعل هذه الواقع كان خلف صدور المبادئ التوجيهية بشأن النزوح الداخلي في العام 1997 والتي عرفت النازح داخليا كالتالي: "يقصد بالمشردين داخليا الأشخاص أو جماعات الأشخاص الذين أُكرهوا على الهرب أو على ترك منازلهم أو أماكن إقامتهم المعتادة أو اضطروا إلى ذلك، ولاسيما نتيجة أو سعيا لتفادي آثار نزاع مسلح أو حالات عنف عام الأثر أو انتهاكات حقوق الإنسان أو كوارث طبيعية أو كوارث من فعل البشر ولم يعبروا الحدود الدولية المعترف بها للدولة." وعلى الرغم من أن هذه المبادئ لم تصل إلى مصاف الاتفاقية إلا أنها بمضمونها وسياقها لا تأتي من فراغ، بل تقوم بالأساس على القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني بما ينطبق على النازحين داخليا ومن هنا تكتسب قوتها.

إن اتفاقيات جنيف الأربعة والبرتوكولين الإضافيين المبنيين على قواعد القانون الدولي الإنساني العرفي تشدد على ضرورة حماية المدنيين أثناء النزاعات المسلحة سواء كان النزاع ذو طابع دولي أو داخلي، وتشدد على ضرورة تحييد المدنيين عن أي اعتداء عسكري، فهي تحرم توجيه أي أعمال عنفية تجاههم وتفرض تجنيبهم النزوح إلا في حالات الضرورة ولحمايتهم أو لأسباب عسكرية قسرية. كما أنها تمنع الاعتداء على حياتهم وتعذيبهم وأخذهم كرهائن والمعاملة المهينة أو المذلة وغيرها من الاعتداءات المهينة لكرامة الإنسان.

إن التزايد المستمر لنسبة النازحين داخليا والمأساة التي يظهرها هذا المشهد في العالم المعاصر وازدياد وعي المجتمع الدولي حول الصعوبات التي يواجهها هؤلاء، أدت إلى إصدار المبادئ التوجيهية بشأن النزوح الداخلي حيث رسمت إطارا للأسس التي تؤمن حمايتهم وحقوقهم كما توجب تحييدهم من قبل الأطراف المتقاتلة أثناء النزاعات خاصة وأن الحروب غالبا ما تكون المسبب الرئيسي للنزوح الداخلي ومعاناة النازحين. إلا أن تطبيق هذه القوانين – المبادئ ومصادرها- لا يقضي بتجاهل القوانين والتشريعات الداخلية الواجب تطبيقها والتي لا تنال من حقوق وحريات الأفراد أو تميز بينهم. فنرى أن المبادئ التوجيهية بشأن النزوح الداخلي قد استخرجت الأسس الأولية لكيفية التعامل مع حالات النزوح الداخلي مرتكزة على القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني ومن هنا تكتسب الصفة الإلزامية للتطبيق كونها مستخرجة من روح ومبادئ هذين القانونين الدوليين. بالإضافة إلى ذلك فإن هذه المبادئ التوجيهية لاقت احتراما وقبولا واسعا من مختلف الدول الأمر الذي أعطاها الصفة الإلزامية دوليا، لذلك فإن القوانين والتشريعات المحلية المتعارضة مع هذه المبادئ لا يمكن الأخذ بها لتعارضها مع المبادئ التوجيهية للنازحين داخليا إذا كانت تنتقص من الحقوق والحريات والسلامة الواجب تأمينها لهم بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني.

إن بقاء النازحين داخليا في البلد التي ينتمون إليه يعني مساواتهم مع باقي المواطنين في هذا البلد ولذلك فإن مسؤولية حمايتهم تقع على عاتق الدولة التي ينتمون إليها والتي يتوجب عليها أن تعاملهم بشكل متساو مع باقي المواطنين، حيث تطبق عليهم القواعد والقوانين المرعية بشكل منصف وعلى قدر من المساواة بين الفئات النازحة قسرا والفئات الساكنة أصلا في تلك المناطق، هذا طبعا ما لم تكن الدولة هي المسؤولة عن نزوحهم القسري من خلال ممارسات تمييزية وعنفية بحقهم.

تطبق المبادئ التوجيهية هذه دون أي تمييز بسبب العرق أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو المعتقد أو الرأي السياسي أو أي نوع من الاختلافات الإثنية أو القومية أو الاجتماعية أو أي معيار آخر كالإعاقة أو السن أو الملكية، حيث تكون الحماية واجبة لكل فرد أيا كان وضعه. وترعى هذه المبادئ بوجه خاص الفئات المستضعفة اجتماعيا كالأطفال والإناث والحوامل وكبار السن والقاصرين.

إنطلاقا من مبدأ الحق في الحياة لكل فرد والذي تقدسه كافة القوانين والنظم، تحرص المبادئ التوجيهية على تقديم الحماية الجسدية للنازحين داخليا فتمنع وقوع اعتداءات عليهم كالقتل أو الإبادة الجماعية أو الإعدام خارج نطاق القانون أو إخفائهم قسرا أو حجزهم على أسس تمييزية أو اعتقالهم أو اختطافهم وتهديد حياتهم بالموت أو أخذهم كرهائن. وتحظر كذلك القيام بأي اعتداء أو أعمال عنفية ضد كل من لا يشارك بالأعمال العدائية وذلك لكونهم فئات ضعيفة غير قادرة على تأمين الحماية اللازمة ضد أعمال العنف من قبيل الاغتصاب أو التشويه أو التعذيب أو أي عقوبة قاسية لاإنسانية مهينة تمثل اعتداء على الكرامة الإنسانية أو هتك العرض والإكراه على البغاء وغيرها من أنواع الاستغلال الجنسي الذي يطال الفتيات والنساء وكذلك أساليب الاعتداء على الكرامة الشخصية المتمثلة بالرق الذي يأخذ أشكال مختلفة ومستحدثة مثل سخرة الأطفال وما شابهها. وتُحظر المبادئ التوجيهية بث الرعب بين هذه الفئات المهمشة، وتعتبر من الممنوعات أي عمل يهدف إلى تجنيد الأطفال النازحين أو إجبارهم على القيام بأعمال عنفية بأي شكل كان.

بالإضافة إلى هذه الحماية لسلامة الأفراد النازحين، حرصت المبادئ على تقديم الرعاية والحماية الفكرية وحماية الحريات الشخصية، بدءا من الحق في التفكير والوجدان والدين والمعتقد والرأي وحق التعبير بالإضافة إلى تأمين الحقوق الاقتصادية كالحق في العمل والحرية في البحث عن عمل وبالمشاركة في المجتمع بشكل مساو لمختلف الأطياف الأخرى. هذا ويضمن القانون لهم حقوقا سياسية كالتصويت والمشاركة في الشؤون الحكومية بالإضافة إلى الحقوق الأساسية للفرد كالحق في التعليم المجاني على أن يكون التعليم منسجما وغير متناقضا لتعاليمهم الدينية منها أو اللغوية أو الثقافية أو الحضارية، فلهم الحق في تعلم لغتهم ودينهم دون التعرض لهم ويكون التعليم مؤمن لهم ومجاني وإلزامي على المستوى الابتدائي.

كما واهتمت المبادئ التوجيهية بتأمين الحماية الاقتصادية و المالية للنازحين قسرا ليس فقط على صعيد العمل وإنما أيضا على ضمان حقهم في حماية أموالهم وممتلكاتهم وتوفير الحماية لهذه الممتلكات للحول دون سرقتها أو نهبها أو تدميرها أو الاستيلاء عليها بأي شكل كان ومنع استخدامها لأهداف عسكرية أو استخدامها كدروع أو للقيام بعمليات عسكرية معينة. ويجب أن تبقى الأموال والممتلكات التي يتركها النازحين داخليا وراءهم  محمية بشكل كامل من كافة أنواع الاعتداءات التي يمكن أن تمارسها الأطراف المتقاتلة (أو التعويض عليهم إذا ما جرى خلاف ذلك).

إن تطبيق هذه المبادئ وإظهار مفعولها بشكل صحيح وفعال يقتضي احترامها بشكل كامل من قبل الأطراف المتنازعة، ولعل وجود نازحين قسريين ما هو إلا دليل على عدم احترام الأطراف المتنازعة للحقوق التي يكفلها القانون الدولي لحقوق الإنسان خاصة تلك غير القابلة للتعطيل والحماية الإضافية التي يؤمنها القانون الدولي الإنساني للمدنيين وممتلكاتهم في زمن الحرب كما ورد في تقرير اللجنة الدولية للصليب الأحمر الدولي لعام 2007.

هذه المبادئ ليست المرجع الأولي الوحيد فيما يختص بالمهجرين داخليا إذ جاءت اتفاقية الاتحاد الإفريقي لحماية و مساعدة النازحين داخليا عام 2009 أو ما يعرف باتفاقية كمبالا والتي دخلت حيز التنفيذ لتشكل أول اتفاقية ملزمة قانونا – على الصعيدين الدولي والإقليمي- ومختصة في شؤون النازحين داخل بلدانهم . وشكلت هذه الاتفاقية الإطار القانوني لحماية النازحين داخليا على صعيد الدول الإفريقية. إن ابرز الموجبات الواردة في هذه الاتفاقية هي الحيلولة دون النزوح. فمبدأ الوقاية من النزوح  يجب أن يكون المبدأ التوجيهي للجهات الحكومية وغير الحكومية، بالإضافة إلى وجوب ترجمة القانون على أرض الواقع، أي تبني سياسة تطبيقية للقانون..

تكمن قوة هذه الاتفاقية في تمكنها من تأمين الحماية القانونية الإلزامية للنازحين داخليا. وعملا بهذه الاتفاقية تقع مسؤولية حماية هذه الفئة المستضعفة على عاتق الدولة التي يتوجب عليها معاملتهم على قدم المساواة مع باقي المواطنين، وتطبيق القوانين والقواعد المرعية بشكل منصف بينها وبين الفئات الساكنة أصلا في مناطق النزوح، ما لم تكن الدولة هي المسؤولة عن نزوحهم القسري من خلال ممارسات تمييزية أو عنفية بحقهم.   

وتوجب المبادئ التوجيهية المذكورة سابقاً على السلطات تقديم الحماية للنازحين داخليا، ولعل الحماية الاستباقية للمدنيين هي أفضل أنواع الحماية التي يجب العمل عليها لمنع حدوث مأساة نزوحهم، إلا أنه عند حدوث النزوح الداخلي يجب تقديم الحماية من خلال تأمين المناطق التي يتم النزوح إليها والتوزع فيها. ويقتضي أولا تولي السلطة المحلية صاحبة السيطرة مسؤولية سلامة الأشخاص من الأعمال الحربية بالإضافة إلى توفير الأمان، وكذلك سعيها إلى الحفاظ على حالة معيشية وصحية جيدة لهؤلاء خصوصا الذين توزعوا منهم على المخيمات بحيث يتم تقديم المساعدات الصحية والمادية من طعام وشراب وشتى ضرورات الحياة التي حرمتهم منها الحرب.

ولأن لكل إنسان الحق في الحماية من الإخلاء القسري من مسكنه، يقتضي على السلطات المعنية أن تعمل على تجنب الإخلاء القسري من خلال استطلاع كافة البدائل الممكنة فيتخذ القرار بإخلاء الأشخاص فقط عند انتفاء أي بديل وتعمل حينها السلطة الوطنية المعنية على التقليل إلى أقصى حد من الآثار الضارة للإخلاء. ويقع على السلطات التي تقوم بالإخلاء أن تحرص على تأمين مأوى مناسب لهؤلاء النازحين، فيتم النزوح في ظروف مرضية من حيث السلامة والتغذية والصحة والنظافة وعدم تشتيت أفراد الأسرة الواحدة. ويحظر الإخلاء القسري الهادف إلى التطهير العرقي أو الممارسات المشابهة المؤدية إلى تغيير في التركيبة الإثنية أو الدينية أو العرقية للسكان ويحظر في حال الحرب إن لم يكن الهدف منه أمن المدنيين والمصلحة العليا لهذه الجماعات.    

ولا تقع المسؤولية فقط على السلطات بل تتعداها لتوجب تدخل المنظمات الدولية الإنسانية التي تساعد النازحين في التأقلم مع وضعهم الجديد وفي تقديم النصائح والإرشادات للنازحين وكذلك من خلال المساعدات الطبية والمساعدات العينية والتعليمية والتثقيفية والترفيهية. إن تواجد هذا النوع من المنظمات ضروري ويقع على عاتق السلطات المحلية الرسمية المساعدة في دخولهم وفي تسهيل عملهم وكذلك فانه يتوجب على الأطراف المتنازعة السماح بدخول المساعدات الإنسانية إلى المخيمات وأماكن وجود النازحين قسراً.

بالإضافة إلى المساعدات العينية المذكورة فان المنظمات الدولية تلعب دورا فاعلا في نشر الوعي بين النازحين داخليا خصوصا الأطفال والنساء من خلال تعريفهم على حقوقهم وواجباتهم وطرق الحماية الواجب إتباعها وتساعدهم أيضا في الاندماج مع محيطهم الجديد خصوصا أن الحرب قد تستمر لسنين عديدة ما يعني اضطرارهم للبقاء في الأماكن التي نزحوا إليها مدة طويلة.

إن حق كل إنسان بأن يعترف بشخصه أمام القانون في كل مكان يوجب على السلطات المعنية إصدار كل ما يلزم من الوثائق للتمتع بالحقوق القانونية وممارستها، ويدخل في هذا الإطار جميع الوثائق من جوازات سفر وهوية شخصية وشهادات ميلاد وزواج، وعلى السلطات تيسير إصدار مثل هذه الوثائق للنازحين دون وضع شروط غير معقولة مثل عودة النازح إلى مكان إقامته الأصلي للحصول على وثائق معينة. كما يقع على عاتق السلطة المحلية والفئات المتقاتلة تأمين معبر آمن للنازحين في حال أرادوا مغادرة البلاد دون التعرض لهم من أي طرف أو قيام أي طرف بالحد من حريتهم بالتنقل أو إعاقة عملية مغادرتهم البلاد.

عليه يكون الوضع القانوني الراعي لهذه الفئة من الأشخاص بحاجة إلى المزيد من التعزيز على المستوى الدولي وعلى المجتمع الدولي تقديم المزيد من الدعم للنازحين داخليا فلا يمكن الوصول إلى الحماية الكاملة المرجوة والواجبة لهم إلا من خلال اتفاقية دولية تكون هي السند الأساسي والمعتمد على الصعيد الدولي . وفي هذا الإطار تعتبر اتفاقية كمبالا- أو المبادئ التوجيهية- نموذجا ايجابيا يمكن الاسترشاد به للوصول إلى حماية قانونية فعالة لمسألة النزوح القسري وحقوق النازحين داخليا على المستوى الدولي أو الإقليمي.

 

* محامية دولية مهتمة بقضايا اللاجئين

** باحث قانوني مهتم بقضايا حقوق الإنسان

 




شارك هذه الصفحة: