منسيون في صحراء تونس

عبير بشوال*

  في 24 شباط/فبراير 2011، وأثناء النزاع في ليبيا ،أنشأ مخيم شوشة للاجئين في تونس، تحت إشراف المفوضية السامية لحقوق اللاجئين. ومن الجدير بالذكر أن هذه كانت أولى تجارب تونس، و أنه ليس هناك أي قانون وطني يحمي اللاجئين في تونس. وفي آذار/مارس 2012، كان المخيم قد استضاف ما يقارب 4000 لاجئ من جنسيات إفريقية مختلفة، كان أكثرها من دول جنوب الصحراء، فضلا عن فلسطينيين وآسيويين.

وفي مطلع عام 2013 كان عدد المقيمين في المخيم 1375 توزعوا بين 1145 لاجئ وطالب لجوء و212 من المهاجرين رفضت طلباتهم ولم يحصلوا على صفة لاجئ من طرف المفوضية العليا لشؤون اللاجئين. وينحدر هؤلاء ممن رفضت طلباتهم من 13 بلد، نذكر منها الصومال، السودان، إريتريا، أثيوبيا وتشاد.

وقد نظم المهاجرون -المرفوضون كما يلقبون أنفسهم- اعتصاما لمدة 5 أيام في كانون الثاني/يناير في تونس أمام مقر المفوضية العليا لشؤون اللاجئين، وأمضوا رجالا ونساء و أطفالا 5 ليال باردة مطالبين بإعادة فتح ملفاتهم كي يحظوا بنفس الحقوق كبقية اللاجئين لأن أسباب الهجرة واحدة لكل اللاجئين. إلا أن أبواب المفوضية ظلت مقفلة بوجههم طوال مدة اعتصامهم، كما أن التحرك لم يلق أي مساندة تذكر من قبل المجتمع المدني التونسي. ولم تطل المدة حتى أعلنت المفوضية في آذار/مارس 2013، أن المخيم سيتم إغلاقه في شهر حزيران/يونيو 2013.

وأثناء انعقاد المنتدى العالمي الاجتماعي، جالت مجموعة من اللاجئين تونس العاصمة معلنة حالة الطوارئ والخوف التي يعيشها المخيم أمام المئات من الجمعيات والمنظمات الحاضرة، ولكن دون نتيجة. تبع ذلك إقدام 20 منهم على إضراب عن الطعام لمدة شهر بغية التعبير عن رفضهم الاندماج في تونس، ثم تنظيم العديد من التظاهرات في تونس، جرجيس وأمام مقرات سفارات أوروبية.

وكان قرار المفوضية عند إغلاق المخيم يوم 06/06/2013 قد اقتضى إعادة المهاجرين دون صفة لاجئ (212 مهاجر) لأوطانهم وهؤلاء أعربوا عن عدم قبولهم الرجوع لأن حياتهم معرضة للخطر؛ و برنامج إدماج في تونس (بلد في وضع انتقالي) للاجئين (حوالي 500 لاجئ) يشرف عليه الهلال الأحمر التونسي في ما يخص الرعاية الصحية وجمعية التعاون الإسلامي في ما يخص التعليم، إضافة إلى منحة مالية. واستنادا لزيارة للجنوب التونسي قمت بها في حزيران/يونيو 2013 بهدف تقييم حالة اللاجئين بعد إغلاق المخيم، يمكنني القول أن برنامج الإدماج المقترح من قبل المفوضية السامية لحقوق اللاجئين لم يكن عمليا.

فالمنحة المقدمة لا تكفي لتأمين مسكن لمدة أقصاها ستة أشهر، أما بالنسبة للدروس المقدمة فتصعب على اللاجئين المواظبة عليها، إذ تبعد عن مقر سكنهم ويصعب عليهم تسديد تكاليف التنقل، و أخيراً فإن الرعاية الصحية لا تبلغ جميع اللاجئين، إذ أننا خلال الزيارة للمخيم عاينا العديد من الحالات الخطيرة من أمراض تتسبب بها الأوساخ المتراكمة فضلا عن عدم توفر الماء.  

 كما يرفض غالبية اللاجئون هذا الحل لرفضهم مبدأ البقاء في تونس كبلد غير مستقر، عرفوا فيه اعتداءات بوليسية وكانوا فيه ضحية للعنصرية.

ومن الملاحظ أن البعض ممن قبلوا برنامج الإدماج، يعانون مشاكل جمة في حين تتراكم الديون على العديد منهم.

 وإثر إغلاق المخيم، جدد اللاجئون التعبير عن غضبهم ورفضهم الاندماج في تونس ببقائهم لأشهر في المخيم بعد إغلاقه وذلك رغم حرارة الجنوب التونسي أو بالأحرى الصحراء حيث تركوا من دون مأكل أو مشرب أو أي عناية صحية.

وكان موقف الحكومة التونسية إيجابياً بعد إغلاق المخيم إذ وعدت بمنح بطاقات إقامة لجميع اللاجئين (المعترف بهم و غير المعترف) لمنحهم حق البقاء داخل الحدود التونسية. وكان الشرط الوحيد أن يقدم اللاجئين بصماتهم في مراكز الأمن التونسية، هذه العملية التي لم تفعل حتى الآن. وتجدر الإشارة إلى أن أحد المسؤولين الحكوميين أعلن مؤخراً أنه سيصار لاعتقال كل من لم يسو وضعه القانوني في تونس.

والآن يعتصم بعض من اللاجئين في تونس العاصمة. إذ يقطن 115  لاجئ و352 طالب لجوء في العاصمة، وما يقارب 600 لاجئ وطالب لجوء أغلبهم من السودان، الصومال وإريتريا يمكثون في الجنوب التونسي في بن قردان، مدنين، جرجيس وشوشة في أنقاض المخيم. 

يحاول بعضهم  أن يجمع قوته من عمل يومي شاق في مجال البناء طامحين أن تتاح لهم فرصة وضع أفضل، بينما تعود آخرون العيش في تونس رغم غياب المساعدة والمساندة وخوفهم من السجن بسبب وضعهم غير القانوني. كما تجدر الإشارة إلى أن عددا من اللاجئين والمهاجرين حاول في غير مرة الهجرة بطريقة غير شرعية في رحلة محفوفة بالمخاطر إلى إيطاليا.

* ناشطة في مجال حقوق الإنسان




شارك هذه الصفحة: