نزوح لا ينتهي: عقدٌ من الفرار والبحث عن الأمان في دارفور

ألكس نيڤ*

ترجمة: فابيولا دينا

 

"لقد تركت الجحيم خلفي في المرة الأولى التي هربت فيها من دارفور غير أن الجحيم لم يتركني ولحق بي إلى أفريقيا الوسطى. ولكنه لم يترك دارفور أيضا. ماذا سيحصل لي في تشاد؟ هل سأجد الجحيم هنا أيضا؟"

"إننا في أمان الآن في مخيم اللاجئين. لكننا اعتقدنا أيضا أننا في أمان في كل مرة انتقلنا فيها إلى قرية أو مخيّم آخر للأشخاص النازحين داخليا. وفي كلّ مرة يحدث أمر يدفعنا إلى الفرار مرة أخرى." 

 

تصادف سنة 2013 الذكرى السنوية العاشرة للنزاع المسلح وللانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان والأزمة الإنسانية المتواصلة في إقليم دارفور- السودان. وللأسف الشديد وبعد مضي 10 سنوات، شهد الوضع في دارفور تدهورا مأساويا هذه السنة، بدأ مع تجدد الاقتتال في شمال دارفور خلال شهر كانون الثاني/يناير واستمر خلال نيسان/أبريل مع تصاعد حدة الاقتتال بين القبائل والانتهاكات الفادحة لحقوق الإنسان بحق المدنيين في ولاية دارفور الوسطى. ولم تخّف وتيرة الاقتتال حتى الآن.  

 

لا بل شهدت دارفور بعضا من أسوأ أعمال العنف خلال سنوات. ومن المثير للقلق أن الحلول المستدامة للأزمة ليست فقط بعيدة عن متناول أهل دارفور والمجتمع الدولي، لا بل أن فصلا جديدا من القتل والاغتصاب والتهجير الجماعي يكتب اليوم.

 

وبحسب تقديرات الأمم المتحدّة، أدى العنف الدائر في دارفور إلى تهجير حوالي 460 ألف شخص في سنة 2013، كما وصل 30.000 ألف من اللاجئين على الأقل إلى المناطق المعزولة في شرق تشاد في نفس العام وانضمّوا بذلك إلى 250.000 لاجئ  سبق وقطنوا هذه المنطقة خلال العقد السابق، مسجّلين بذلك أكبر نسبة نزوح خارج دارفور منذ العام 2006.

 

كما نزح عام 2013 عدد أكبر داخل دارفور وما من أحد يعرف الأعداد الحقيقية. وينضّم النازحون هؤلاء إلى مليونين من سكان دارفور ممن نزحوا داخليًا وأمضوا سنوات يبحثون عن الأمان والمأوى في شبكة شاسعة من المخيمات للأشخاص النازحين داخليًا تنشر عبر دارفور، وهي مخيمات غالبا ما تحوّلت نفسها إلى أهداف للهجمات.

 

خلال شهر تشرين الثاني/نوفمبر 2013، أمضيت مع فريق تابع لمنظمة العفو الدولية ما يفوق الأسبوعين في تشاد وكنا نعمل على توثيق هذا الفصل الأخير من الرواية المأساوية التي تدور رحاها في دارفور. وقد ركزنا على جمع المعلومات من اللاجئين الواصلين حديثا من دارفور حول أنماط العنف والانتهاكات التي دفعتهم إلى الهروب. كما أردنا أن نُحقق في التحديات والصعوبات التي يواجهها اللاجئون في تشاد، وبصورة خاصة في المخيم الجديد الذي أُقيم لاستقبالهم والقريب جدا من واحد من المثلثات الأكثر تقلبا في العالم: نقطة تلاقي حدود السودان وتشاد وجمهورية أفريقيا الوسطى.

 

وكان من المؤلم والمؤثر على وجه التحديد تلك الوتيرة التي شاركَنا فيها اللاجئون قصص نزوحهم، أفراد وعائلات طوال العقد الماضي. وكأن ما عانوه من الخوف ومشقة الهرب من منازلهم خلال شهر نيسان/أبريل 2013 لم يكن محزنا بما فيه الكفاية، فكان بالنسبة للأغلبية العظمى منهم مجرد محطّة إضافية من محطات الهرب والفرار التي مروا بها طوال سنوات عديدة مضت. 

 

وتبدأ القصة بالنسبة للعديد منهم في قرية تعرّضت للهجوم والتدمير على يد مقاتلي الجنجويد في دارفور في العام  2003 أو 2004، حين خسروا كثرا من أحبتهم، وأحرقت منازلهم وخسروا كل شيء. وقد هرب بعضهم إلى قرى وبلدات مجاورة، ليتعرضوا مجدداً للهجمات بعد بضعة أسابيع أو أشهر. وقد وصل العديد ممن قابلناهم إلى بلدة أبو جراديل الدارفورية بعد محاولتهم إيجاد الأمان في 3 أو 4 بلدات أخرى عبر السنوات الماضية. وتعرضت بلدة أبو جراديل بدورها لهجوم وتم تدميرها بالكامل في بداية شهر نيسان/أبريل 2013.

 

ووصل بعض أخر، ممن فر من الهجمات وبشكل خاص من الشبان، إلى الخرطوم أو غيرها من المدن السودانية الكبيرة حيث عاشوا لسنوات قبل أن تطلهم عمليات الاعتقال الجماعية بحق الدارفوريين بتهمة الانتماء إلى مجموعات معارضة  مسلحة. وفور إطلاق سراحهم، عادوا إلى رحلة البحث عن الأمان بطبيعة الحال.

 

وبالطبع، فإن أعدادا كبيرة كانت قد احتمت في إحدى المخيمات المتعددة للأشخاص النازحين داخلياً في دارفور، حيث ما تزال الظروف غير مستقرة وخطرة، وبصورة خاصة بالنسبة للنساء اللواتي يخرجن من المخيم بحثا عن الحطب، وهو ما دفع كثرا منهم مجددا إلى مغادرة هذه المخيمات بحثا عن أماكن أكثر أمنا.

 

وقد قام العديد منهم بعبور الحدود تكرارا في منطقة تستضيف اضطرابات دارفور وجمهورية أفريقيا الوسطى وشرق تشاد مجتمعة. وقد هرب الدارفوريون إلى أفريقيا الوسطى ثم غادروا أفريقيا الوسطى حين انتشرت الفوضى، واندلعت أعمال العنف لم يكن بالإمكان تصورها، وعادوا إلى دارفور. كما هرب التشاديون إلى دارفور ثم عادوا إلى تشاد، أما مواطنو أفريقيا الوسطى فقد فروا عبر حدود البلدين.

 

وبالنسبة لأحد الرجال ممن قابلنا، فإن الدورات اللامتناهية من الهرب وإيجاد الأمان ثم التعرّض للهجمات مجددًا أمست متجذرة في نفسه لدرجة أنه أمسى يتوقع في كل مرة يجد ملاذا آمنا أن يتحول هذا الملاذ إلى "جحيم" في نهاية المطاف.

 

وحدثني رجل آخر وهو يشهق بالبكاء عن عمله الشاق لبناء حياة كريمة لعائلته ليرى بعدها انهيار ما بناه في الهجوم الأول للجنجويد عام 2004 والذي أجبره على الهرب إلى مخيم للأشخاص المهجرين داخليا في البدء ثم إلى بلدة أبو جراديل. وفي هذه البلدة، وبعدما عمل مع شقيقه وتمكن من فتح محل صغير ساعدهما في الإنفاق على عائلتيهما الكبيرتين، عاد ليشهد دمار كل شيء بعدما تعرضت البلدة للهجوم وأحرقت جميع مبانيها خلال شهر نيسان/أبريل 2013. ثم قال لي: "لم يسرقوا أي شيء بل أضرموا النار في المكان. كان واضحا أنهم يحاولون تدمير حياتنا وليس سرقة أغراضنا".

 

وأخبرتني امرأة عن ابنها الذي لا تراه سوى مرة كل عامين إذ ما زال يهرب من مكان إلى آخر، وعبرت عن قلقها إزاء جيل كامل من الشباب الذي "لا يعرف معنى أن يكون للمرء منزلا". فقد اعتاد اللاجئون الدارفوريون هذا النزوح الذي لا ينتهي، حتى أن العديد منهم أعربوا عن شكهم في بقاء وضع مخيم اللاجئين آمنا فيما قال لي أحدهم: "سيحدث أمر ما وسيدفعنا إلى الفرار مجددا". 

 

لا يمكن الحديث هنا عن ضمان السلامة والأمن في تشاد، حيث يقيم أغلبية النازحين الجدد الواصلين إلى تشاد في مخيم جديد أنشئ لهم خلال شهر حزيران/يونيو الماضي وهو مخيّم أبغدام. ويقع المخيم المذكور في الزاوية الجنوبية الشرقية لتشاد، ويبعد قرابة ال20 كيلومترا عن الحدود مع السودان من جهة، وأقل من 5 كيلومترات عن الحدود مع جمهورية أفريقيا الوسطى من الجهة الأخرى. ولا يمكن اعتبار إنشاء مخيم للاجئين بالقرب من الحدود من الممارسات الحسنة وذلك حتى في أفضل الظروف. ومن الواضح أن تواجد هذا المخيم على قاب قوس من الحدود مع بلدين تمزق كل منهما النزاعات المسلحة يشكل مصدرا للقلق الشديد.

 

وما يزيد من هذه المخاوف ديموغرافية المخيم المقلقة، وبصورة خاصة النقص الملحوظ في الرجال. إذ أن الأغلبية الساحقة من المقيمين في مخيم أبغدام تتألف من النساء والأطفال والعجزة وهو أمر ليس بمعتاد. فهل يعود مرد ذلك إلى أن معظم الرجال قد قضوا في المجتمعات التي تم الاعتداء عليها؟ هذا جزء من الإجابة ولكن ليس الإجابة كاملة. وما يزيد من حدة القلق أن بعضا من الرجال لم يغادر وآثر البقاء للقتال والدفاع عن المنازل والقرى. وفي هذه الحالة، يبقى خطر استخدام مخيم أبغدام كقاعدة خلفية وارد في نظر كثر، ولكن هذه الأمور لا تتعدى حتى الآن كونها تخمينات وإشاعات.

 

وليس مستغربا أن يتم الحديث عن نقل المخيم لمسافة 250 كيلومترا داخل الأراضي التشادية أو على الأقل إرسال اللاجئين الواصلين حديثا إلى موقع جديد. لكن الأمر ليس بهذه السهولة، وإن إمكانية تحول أي حل لموقع مخيم أبغدام الخطير إلى مصدر إضافي لعدم الاستقرار وانتهاك حقوق الإنسان هو أمر حقيقي. لقد أكد لنا جميع اللاجئين الذين تحدّثنا إليهم بوضوح أنهم لا يريدون الانتقال، فهم يريدون البقاء على مقربة من الحدود إذ يأملون في العودة قريبا إلى منازلهم. وإن أي جهود رامية إلى إجبار اللاجئين على المغادرة بالقوة أو بالإقناع قد تؤدي إلى رد عكسي، فقد يقرر البعض منهم العودة إلى مخاطر درافور عوضا عن التنقل مجددا.

 

لقد قال لنا أحد الشيوخ بكل وضوح، "أنا عجوز ولم يعد عمري يسمح بنقلي إلى مكان لا أصدقاء لي فيه. لن أرحل. أفضل العودة والموت في دارفور أو حتى الموت هنا." فيما قالت امرأة: "سأكون شديدة الخوف هناك، كيف تراني أخرج لإحضار الحطب والكل من حولي من الأعداء المحتملين الذين قد يهاجمونني ويغتصبونني. دعونا نبقى هنا حيث نشعر بالأمان، ولا تأخذوننا إلى مكان آخر حيث سنشعر فيه دوما أننا في خطر". وأشار رجل آخر إلى أن نقل الناس من مكان لآخر قد يكون الشرارة التي تولد مشاكل أكبر، ثم قال: "يبدو دوما وكأن شيئا ما على وشك الانفجار. إن إجبار الناس على الانتقال قد يكون هذا الانفجار. فهم سيرفضون الانتقال ولكن البقاء هنا لن يكون متاحا، لذا سيختارون العودة مما سيزيد من حدة الاقتتال ويؤدي دون أي شك إلى المزيد من القتلى من الجهتين."

 

وفي الوقت نفسه، وفيما كنا نجمع المعلومات من اللاجئين الذين نجحوا في عبور الحدود، لم يسعنا سوى التفكير والقلق على الآلاف من النساء والرجال والأطفال الذين هربوا من منازلهم نتيجة هذه الهجمات نفسها وما زالوا نازحين داخل دارفور. وقد شدد عدد كبير من اللاجئين الذين قابلناهم على أن كثيرين بقوا خلفهم. وقد يكون البعض منهم محاصرين وعاجزين عن الوصول إلى الحدود بأمان. و قد يفضل بعض منهم البقاء على أقرب مسافة من منازلهم. إلا أننا ندرك أن المخاطر التي يواجهونها أكبر بكثير.

 

وفي وقت تستمر حكومة السودان بتقييد ومنع الدخول إلى دارفور، يبقى من المستحيل تحديد عدد لأشخاص النازحين داخليا هناك أو حتى أماكن تواجدهم، ناهيك عن محنتهم وحاجاتهم الإنسانية. ولا يسمح لمنظمات حقوق الإنسان المستقلة على غرار منظمة العفو الدولية بإجراء أي تحقيق في دارفور أو أي منطقة أخرى من السودان. كما وأن وصول وكالات الأمم المتحدة الإنسانية إلى مناطق النزاع ما زال يخضع لقيود صارمة. وتستمر القوات السودانية بإبقاء قوة السلام المختلطة للاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة في دارفور بعيدة عن المناطق الحساسة. كما وقامت حكومة السودان قبل بضع سنوات بطرد عدد كبير من المنظمات الإنسانية الدولية من درافور ردا على مذكرات التوقيف التي أصدرتها المحكمة الجنائية الدولية.

 

في غياب هذه الآذان والعيون المستقلة والموثوقة، وفي غياب هذه الأقدام والأيادي العاملة في الميدان وفي المناطق التي تشتد فيها الحاجة، هناك قلق حقيقي على سلامة ورفاه هذه الموجة الأخيرة من الأشخاص النازحين داخليا في دارفور.

 

مما لا شك فيه أن حلا ذو مغزى لأزمة دارفور ولعشر سنوات مؤلمة من النزوح القسري لم يعرف نهاية حتى اليوم، يتطلب بطبيعة الحال معالجة أزمة حقوق الإنسان والأزمة الإنسانية التي تكمن خلفها، ووضع حد لظاهرة الإفلات من العقاب السائدة في المنطقة. ويجب على المجتمع الدولي بعد مضي عشر سنوات أن يجدد هذه الجهود ويكثف الضغوط على السودان.

 

وفي الوقت نفسه، لا بد من بذل المزيد من الجهد لضمان حماية أفضل لحقوق اللاجئين والنازحين داخليا، وهو ما يترجم في دارفور بتسهيل المرور والوصول إليها. ويجب على السودان تليين موقفها والسماح بوصول المساعدات الإنسانية دون أي عائق، والموافقة على دخول البعثات المستقلة لمراقبة حقوق الإنسان إلى جميع أرجاء المنطقة. كما ويجب على السودان السماح لقوة السلام المختلطة للاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة في دارفور بالقيام بالدوريات ونشر قواتها أينما كان ومتى طلبت.

 

وفي ما خص اللاجئين في تشاد، الأمر المقلق في هذه المرحلة هو افتقار منظمات الأمم المتحدة إلى الأموال الضرورية التي تحتاجها لتأمين الخدمات الأساسية وتقديم المساعدة الضرورية لحماية حقوق اللاجئين الأساسية في المأكل والماء والمسكن المناسب والتعليم والرعاية الصحية. صحيح أن هناك الكثير من الحاجات الملحة في العالم اليوم؛ ومما لا شك فيه أن أزمة النازحين السوريين المروعة تتصدر هذه اللائحة. لكن هذا لا يقلل من حاجات اللاجئين في تشاد، وليس هذا هو الوقت الذي نشيح فيه بنظرنا عن اللاجئين في تشاد. ومما لا شك فيه أنه بعد عشر سنوات على الأزمة، فإن التزامنا بإيجاد حلول مجدية تحمي حقوقهم بات أكثر إلحاحا من أي وقت مضى. ولا يمكننا أن نتابع كتابة فصول إضافية من رواية نزوح لا ينتهي.

 

* أمين عام منظمة العفو الدولية- كندا

 




شارك هذه الصفحة: