النازحون قسرا: عالقون بين مطرقة النزاع المسلح وسندان التقاعس الدولي

 

نسمع كل يوم عن موجة نزوح قسري ضمن حدود بلد ما أو خارجه  أو غرق قارب مزدحم بطالبي اللجوء أو اعتقال مجموعة من طالبي اللجوء أو ردهم إلى مصيرهم! وأيا كانت وسيلة النقل أو الطريق والوجهة، فلعلها دائما أفضل الأسوأ، اختارها بشر لا لنزهة بل قسرا، بعدما أُنكرت عليهم حقوقهم الأساسية ولم يتبقى لهم سوى أن يتشبثوا بحقهم في الحياة. ورحلة النزوح القسري محفوفة بالمخاطر على الدوام، وكثر ممن يفرون من ويلات النزاعات لا يصل بهم المطاف إلى بر الأمان.

 

وهكذا دخل عام 2013 قائمة الأعوام الأسوأ من حيث وتيرة النزوح وأعداد النازحين حول العالم والأعلى منذ أوائل التسعينات. وأجبر أكثر من 6 مليون من البشر على ترك ممتلكاتهم ومنازلهم، ولجأ قرابة ثلثهم لبلدان أخرى بينما نزح الباقون داخل حدود أوطانهم وفق إحصاءات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين عن الأشهر الستة الأولى من عام 2013. ومع بداية العام الحالي وفي ظل استمرار النزاع المسلح في سوريا وضعف احتمال انحساره، تجاوز إجمالي الأشخاص الذين نزحوا داخل البلاد أو فروا خارجها منذ بداية النزاع ال 9.3 مليون، في حين كان يقدر تعداد سكان سوريا ب 22.4 مليون.

 

وكانت سوريا قد استضافت مئات الآلاف من اللاجئين على مدار العقود الماضية قبل بدء النزاع عام 2011 وقبل أن تضيق مساحاتها بهم وبمواطنيها. وتأتي موجات النزوح القسري الحالية في الشرق الأوسط، لتضاف إلى مشكلة اللاجئين الفلسطينيين المزمنة - والتي لم تجد طريقها للحل الدائم بعد مضي أكثر من 60 عاما – ولتؤثر وتتأثر بها.

 

فاللاجئون الفلسطينيون في سوريا والذين يفوق عددهم ال 550,000، نزح أكثر من نصفهم داخل سوريا بينما لجأ للخارج أكثر من 100,000 وفق إحصاءات وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى، علما أن العديد من اللاجئين الفلسطينيين واجهوا صعوبات جمة في الدخول إلى بلدان الجوار- خاصة تلك التي تستضيف أصلا لاجئين فلسطينيين- أو البقاء في هذه البلدان. ولعله من السخرية بمكان أن يكون التشبث بحق العودة حجر أساس في المبررات التي ساقتها بعض الحكومات في إطار تقييد دخول الفلسطينيين.

 

إن الاستجابة لمتطلبات النازحين واللاجئين تتطلب موقفا دوليا إزاء معاناة ملايين البشر العالقين في دائرة النزاع في الداخل السوري أو الجوار، وعملا جادا من أجل حماية حقوقهم في وقت فاق عدد القتلى ال 100,000؛ وهو موقف ما زال قاصرا حتى عن توجيه رسالة واضحة وجدية لأطراف النزاع بوجوب احترام أدنى معايير حقوق الإنسان والتزام الكف عن استهداف المدنيين أو فرض الحصار على مناطق برمتها بهدف تجويع السكان بما يشكل من عقاب جماعي أو اللجوء إلى أساليب من قبيل التهجير القسري والإخفاء القسري والإعدام خارج نطاق القانون، كما كان قاصرا في الاستجابة لأكبر نداء استغاثة إنساني وجهته الأمم المتحدة في تاريخها والذي لم يصل تمويله إلى 70% نهاية 2013.

 

وفي غياب المعالجة الفعالة لمسببات النزاع في إقليم دارفور بالسودان، ووضع حد لانتهاكات حقوق الإنسان وظاهرة الإفلات من العقاب، تجدد الاقتتال هناك في مطلع عام 2013 في موجة عنف هي الأسوأ منذ سنوات. ولجأ أكثر من 30,000 شخص إلى شرق تشاد وانظموا إلى ما يقارب 250,000 لاجئ دارفوري سبق أن قضوا العقد الماضي هناك هربا من ويلات النزاع وفي ظل شح مستمر في الموارد الضرورية لتأمين حاجاتهم وحقوقهم الأساسية كلاجئين. ويزداد الوضع مأساوية داخل الإقليم، الذي فاق عدد النازحين داخله منذ بداية النزاع عتبة المليونين، في ظل المعوقات التي تفرضها السودان لتقييد الوصول إليه.

 

يهدف هذا العدد من موارد إلى الإضاءة على حقوق اللاجئين والنازحين داخليا. كما يعرض العدد لأوضاع ومعاناة اللاجئين والنازحين الداخليين في بلدان متعددة: من النازحين في سوريا واللاجئين السوريين والفلسطينيين في دول الجوار، إلى السياسات التي تنتهجها إسرائيل بحق اللاجئين والنازحين الفلسطينيين، إلى النازحين في دارفور ورحلة اللجوء إلى تشاد، إلى اللاجئين في إسرائيل وإيران وليبيا ومصر. كما يقدم العدد مجموعة مختارة من الوثائق القانونية والموارد الإلكترونية الخاصة بموضوع اللاجئين والنازحين داخليا.

 

مازن جابر

مسؤول المعلومات للتربية على حقوق الإنسان

المكتب الإقليمي للشرق الأوسط وشمال أفريقيا- منظمة العفو الدولية




شارك هذه الصفحة: