المنطقة العربية تتغير، فهل يتغير المجتمع المدني؟ حالة مصر

يسرى مصطفي*

تسعى هذه المقالة للإجابة على تساؤلات قد تسهم في فهم موقع منظمات المجتمع المدني في إطار التطورات الحاصلة الآن. وانطلاقا من الحالة المصرية بالأساس، سوف تركز هذه المداخلة على ثلاثة محددات رئيسية وهي:

أولا: العلاقة بين المجتمع المدني ممثلا بالمنظمات غير الحكومية، والمجتمع السياسي والذي يبدو وكأنه يتسع ويستقطب فاعلين جدد في إطار حركية جديدة تستهدف كسر القيود التي كبلت العمل السياسي لعقود طويلة؛

ثانيا: العلاقة بين الشارع والذي تجلى باعتباره مجتمعا مدنيا وسياسيا ولو للحظة وبين المجتمع المدني كمنظومة مؤسسات؛

ثالثا: العلاقة بين المجتمع المدني "الافتراضي" البازغ والذي يسمح بقدر كبير من المشاركة والمجتمع المدني "الواقعي" والذي يعانى من قصور هيكلي في قدراته الإستيعابية.

وفي ضوء هذا سيجرى طرح مجموعة من الافتراضات والتساؤلات ذات الصلة ليس فقط بالدور المتوقع من المجتمع المدني للمساهمة في عمليات التغيير السياسي والاجتماعي وبناء الدولة المدنية، وما يرتبط بذلك من تحديات تتعلق ببنية واستراتيجيات عمل المجتمع المدني خلال هذه المرحلة الحرجة.

 

مدخل

في يوم 9 نوفمبر عام 1989 تم الإعلان عن انهيار سور برلين ليبدأ تاريخ جديد لأوروبا الشرقية بل والعالم أجمع، فقد انتهت معادلة الحرب الباردة التي حكمت العلاقات الدولية لعقود من الزمان، كما تم الإعلان عن انتهاء نمط معين من الدولة، وهي الدولة التي مارست سطوتها على الشعوب باسم الاشتراكية. وبكلمات أخرى فقد انتهت آخر مظاهر تقديس "الدولة" لتبدأ مرحلة يمكن وصفها بمرحلة تقديس "المجتمع المدني". ومع انهيار هذا النمط من الدول برز مصطلح "المجتمع المدني" أو تم إعادة إنتاجه بوصفه الحيز النقيض للدولة أو على الأقل معادلها السياسي والاجتماعي، ومنذ ذلك الحين اتسعت التنظيمات والمجالات التي يجرى التعبير عنها باسم المجتمع المدني ليصبح ظاهرة كونية. وقد تعددت أشكال العلاقة بين الدولة والمجتمع المدني ما بين تناقض وشراكة، تواصل وانقطاع. وكما تزايد أنصار المجتمع المدني محليا ودوليا، فقد نشط بالمقابل أنصار الدولة في مواجهة ما اعتبروه استراتيجيات جديدة لإضعاف وتفكيك الدولة. فالعداء للدولة قابله عداء للمجتمع المدني، ولعل منطقتنا العربية هي الساحة التي شهدت أكثر العداوات وأقساها إزاء المجتمع المدني. وفي كل الأحوال فقد ظلت العلاقة بين الدولة والمجتمع المدني مسار جدل لم يتوقف حتى الآن.

وعلى الرغم من أن مصطلح المجتمع المدني يشير إلى حيز كبير من التنظيمات الاجتماعية، كالنقابات والنوادي والاعلام المستقل وغيرها. إلا أن تعريف المجتمع المدني، لحد كبير، بات يركز على المنظمات غير الحكومية الحقوقية والتنموية والإنسانية والتي نمت بشكل سريع خلال العقدين الماضيين. وفي سياق تدويله، دخل مصطلح المجتمع المدني القاموس العربي في الثمانينيات من القرن الماضي. وفور دخوله المجال الفكري والسياسي العربي، سعت مختلف الاتجاهات السياسية والفكرية للتعامل معه بالقبول أو الرفض، كما سعت كل الاتجاهات إلى التنظير للمفهوم وإضفاء دلالات أيديولوجية عليه ليكون لدينا محاولات لإضفاء مدلولات ماركسية وليبرالية وإسلامية للمجتمع المدني.

والآن وبعد مرور ما يزيد عن العقدين من الزمن على أحداث أوروبا الشرقية، شهدت تونس ومصر وبلدان عربية أخرى عواصف احتجاجية، أطاحت بمجموعات أمسكت بزمام الحكم لعقود. وعلى العكس من مجتمعات أوروبا الشرقية حيث جاء المجتمع المدني كنتيجة لانهيار أنظمة استبدادية، فإن المجتمع المدني في العديد من البلدان العربية، باستثناء مجتمعات لم تعرف نظام المجتمع المدني مثل ليبيا، كان قد تشكل في إطار أنظمة استبدادية ناصبته العداء في كثير من الأحيان، وفرضت عليه الكثير من القيود بدرجات متفاوتة، فكان جزء من العمليات السياسية والاجتماعية مقاوما لمساوئها ومتكيفا مع ضغوطها السياسية والاجتماعية والثقافية. وبما أنه كذلك فإن المجتمع المدني في المنطقة ليس نتاجا لعملية ثورية أو نتيجة لسقوط أو انهيار أنظمة استبدادية، بل ينبغي النظر إليه بوصفه عنصرا فاعلا نشأ في ظل  أنظمة سياسية كان المطلوب تغييرها أو إصلاحها. وكما حفزت هذه الأنظمة بعض مؤسسات المجتمع المدني على لعب أدوار للمطالبة بالإصلاح، فقد أثرت كذلك بالسلب على حيويته المجتمعية والسياسية وبنيته التنظيمية. وكما شهدت الساحة منظمات تحدت ممارسات السلطة بشكل معلن، فقد شهدت الساحة كذلك كثير من منظمات المجتمع المدني التي تأسست ودرات في فلك الدولة من خلال مشاريع أو برامج إصلاحية قامت بها هذه الدولة وغالبا بالتعاون مع هيئات دولية.

وفي ظل التطورات الراهنة فقد يبقى الوضع كما كان بالنسبة للعديد من المنظمات، ولكن من المؤكد أن الصورة في مجملها قد تتغير مع ظهور شروط ومعطيات جديدة حيث يكون على المجتمع المدني مهمة مزدوجة وهي أن يغير وأن يتغير. وقبل أن نطرح السؤال حول المجتمع المدني ذاته، علينا أن نطرح سؤالا حول طبيعة التغيير الحاصل الآن وإلى أي حد ستشهد مصر وغيرها من البلدان العربية تحولات على مستوى الدولة والمجتمع؟

إن الإجابة عن هذا السؤال على درجة كبيرة من الأهمية، فما يحدث في المنطقة قد لا يؤدى بالضرورة أو بطريقة مباشرة إلى مجتمع ديمقراطي، فثمة سيناريوهات عديدة محتملة، فساحة الصراع مفتوحة من أجل بناء الدولة المدنية والعدالة الاجتماعية وصيانة الحقوق والحريات الفردية والعامة. وبما أن بناء الدولة المدنية يشكل تحديا، فهذا يعنى أن احتمالات الإبقاء على أنظمة استبدادية بالمعنى السياسي أو الديني مازالت قائمة. ولا يمكن أن ينفصل المجتمع المدني عن حلبات الصراع هذه، ولكن الجديد أن المنظمات غير الحكومية محاطة الآن بديناميات سياسية واجتماعية تختلف وتفوق ما عهدته في السابق، وهذه الديناميات تسير في أكثر من اتجاه، فمنها ما يتفق مع رؤى وتوقعات منظمات المجتمع المدني، ومنها ما يشكل تحديات كبرى بسبب ما تطرحه من أفكار ورؤى تتناقض مع توجهات العديد من منظمات المجتمع المدني. ومنها كذلك ما يفرض شروطا جديدة للفعل السياسي والاجتماعي قد تؤدى إلى تحولات ذات دلالة في بنية ومفهوم المجتمع المدني. وهذا ما سنحاول التطرق إليه في السطور التالية.

 

تقاطعات المجتمعين المدني والسياسي

لا شك أن التطورات الراهنة تقودنا شئنا أم أبينا نحو منعطفات فائقة التسييس، فنحن بصدد إعادة صياغة المشهد السياسي والذي سيتحدد بموجبه طبيعة علاقات السلطة في المنطقة العربية. وقد نختلف في تقديرنا لطبيعة هذا المشهد وفق المؤشرات الحالية، فثمة قوى منظمة وهي على وجه الحصر المؤسسات العسكرية وجماعات دينية منظمة أهمهما جماعة الإخوان المسلمين في مصر، مع حزمة من القوى والأحزاب التقليدية والتي إما أنها فقدت زخمهما السياسي على مدار السنوات الماضية وإما أنها محدودة بحكم طبيعة نشأتها. وبالمقابل ثمة حركية جديدة، كما هو الحال في مصر وتونس، تؤشر على بزوغ أحزاب جديدة لا زالت في طور التشكل ويصعب الآن الحكم على مدى قدرتها على تغيير المشهد السياسي، ولكن البعض منها يجتذب الآن آلاف المواطنين وخاصة من الأجيال الشابة ممن يتطلعون إلى المشاركة السياسية ولعب دور في عمليات التغيير المحتملة. وهناك كذلك مجموعات غير معرفة سياسيا أو أيديولوجيا أو مؤسساتيا، وكما نعرف عنها أنها مجموعات لديها الرغبة في تغيير ما ويمكنها أن تتواصل بسبل غير تقليدية.

إذا افترضنا أن مفهوم المجتمع المدني يشير إلى المنظمات غير الحكومية (الحقوقية والتنموية والخيرية)، والنقابات والإعلام المستقل، فيمكن الإجابة عن هذا التساؤل من منظورين أساسيين: الأول يتعلق بمدى قدرة المجتمع المدني على التفاعل مع الحراك السياسي والاجتماعي الحاصل الآن، والثاني يتعلق بقدرة المجتمع المدني على خلق حيز خاص به بالمعنى الحقوقي والتنموي والمطلب يمكنه من اجتذاب مجموعات غير حزبية ويشكل بهذا حيزا للفعل الاجتماعي غير الحزبي. أو بالمقابل، مدى قدرة المجتمع المدني على التفاعل مع المجتمع السياسي بدون الاندماج أو الذوبان فيه.

يمكن القول، من ناحية أولى، أن تماس منظمات وهيئات المجتمع المدني مع المجتمع السياسي تختلف بدرجة قد تكون كبيرة بحكم مجال العمل أو الانتماء السياسي والأيديولوجي للقائمين عليها. وسوف يظل الأمر كذلك نظرا للتنوع الكبير في طبيعة وتوجهات منظمات المجتمع المدني. فعلى الرغم من أن الغالبية العظمى من منظمات المجتمع المدني لم تلعب دورا قياديا في تحريك الشارع في مصر قبل 25 يناير أو بعد هذا التاريخ، إلا أن العدد القليل الذي نشط سابقا للمطالبة بالإصلاح والتغيير، هو الذي برز منه عدد أقل التحق بهذا الحراك خلال الأحداث، قبل أن يعود ممثلو هذه المنظمات إلى الظهور على الساحة في سياق الجدل القانوني والسياسي الإعلامي بشأن قضايا مثل والتعديلات الدستورية والانتخابات، وبالطبع الجدل بشأن الدولة المدنية والدينية. وبشكل متواتر بدأت دائرة أوسع من منظمات المجتمع المدني في المشاركة بأنشطتها التقليدية من أجل رفع الوعي بقضايا الإصلاح السياسي والديمقراطي. وفي كل الأحوال فقد أثبتت الأحداث أن إسهامات المجتمع المدني كانت محدودة، وأن وجود المجتمع المدني ظل مشروطا بدرجة اقتراب ممثليه من القوى السياسية أو ارتباطهم بالإعلام. وهو ما ينطبق كذلك على مجموعات أخرى ثقافية وأكاديمية.

وفي هذا السياق يمكن القول أن العديد من منظمات المجتمع المدني تفتقر إلى القدرة الاستيعابية، وبالتالي فهي لم تكن ذات ثقل مجتمعي وليست في وضع يسمح لأعضائها بتمثيل قوى أو فئات اجتماعية بعينها. كما أكدت الأحداث الأخيرة على ضعف العمل الجماعي بين منظمات المجتمع المدني، ففي سياق هذه التطورات تبين ويتبين ضعف التنسيق داخل قطاعات المجتمع المدني سواء الحقوقية أو التنموية. فقد كان سؤال "ما العمل؟"، بشكل صريح أو ضمني، مواكبا للأحداث وما بعدها.

وبغض النظر عن درجة مشاركة المجتمع المدني في الأحداث التي تمت بالفعل، إلا أن السؤال يتعلق بمدى قدرة هذه المنظمات على المشاركة في الحراك الحاصل الآن. فثمة منظمات هي الأكثر قدرة على التماس بدرجات مختلفة مع المجتمع السياسي، بداية من المشاركة في تأسيس أحزاب سياسية، أو الانخراط في نوع من الأنشطة الدفاعية والتربوية التي هي جزء لا يتجزأ من العملية السياسية مثل الإصلاحات القانونية والدستورية، ورفع الوعي السياسي، ومراقبة الانتخابات، والدفاع عن المعتقلين السياسيين الخ. ولكن ثمة منظمات أخرى (مثل المنظمات التنموية) لا تدخل في تماس مباشر مع العمليات السياسية الجارية ومازالت تباشر مشاريع وبرامج إصلاحية في مجالات نوعية مثل الصحة والتعليم والإعاقة والتخفيف من حدة الفقر. وليس واضحا حتى الآن كيف يمكن لهذه المنظمات أن تكون طرفا فاعلا في عمليات الانتقال نحو مجتمع أكثر عدالة وديمقراطية. والجيد في الأمر أن هذا السؤال ليس غائبا عن العديد من قيادات هذه المنظمات.

وفي الحقيقة أن المسألة لا تتعلق فقط بنوع القضايا التي تتناولها منظمات المجتمع المدني، ولكن بمنهجيات العمل ومدى ملاءمتها للتطورات الراهنة وقدرتها على التأثير في علاقات السلطة. فليس مطلوبا من منظمات المجتمع المدني أن تلتحم بالتنظيمات السياسية الحزبية ولكن المطلوب منها أن تؤثر في العمليات السياسية من خلال البشر سواء المجموعات الناشطة في العمليات الاجتماعية والسياسية أو الفئات الضعيفة والمهمشة، وهذا لن يتحقق إلا من خلال منهجيات تعزز العلاقة بين منظمات المجتمع المدني ودوائر المناصرين والمستفيدين من رسالتها. وهنا مازالت أفكار مثل التعليم والتمكين وبناء التحالفات أفكارا صالحة، ولكنها لن تتحقق إلا من خلال زيادة القدرة التنظيمية والاستيعابية لمنظمات المجتمع المدني. فعلى هذا المنظمات أن تتغير حتى تكون قادرة على أن تغير.

ربما تشهد المرحلة المقبلة مزيدا من التساؤلات حول رؤية المجتمع المدني للإصلاح، بمعنى إلى أي حد سيجرى الربط بين الإصلاح السياسي والعدالة الاجتماعية. وهذا التساؤل وإن كان مثارا من الناحية النظرية، إلا أن الواقع الجديد يتطلب تقديم إجابات عملية عليه. ولاشك أن الواقع المصري والعربي كان قد شهد مبادرات تتعلق بتبني النهج الحقوقي من قبل عدد من المنظمات التنموية، إلا أن هذه المبادرات جاءت ضمن سياقات تختلف عن السياقات الحالية. ويمكن القول أن عددا من المنظمات التنموية قدمت تجارب ملفتة للنظر لأنها تحمل بذور إمكانيات جديدة في العمل التنموي والحقوقي. وما نعنيه بذلك هو العمل مع المجتمعات الفقيرة من أجل تبنى مطالب تنموية من منظور حقوقي، بما يتضمنه ذلك من تمكين لهذه الفئات ورفع وعيها وتحفيزها على المشاركة.

وعلى المستوى الثقافي، أتصور أنه مع ظهور فاعلين جدد على الساحة، واتساع رقعة التعبير وذوبان الحدود بين المدني والسياسي، فقد برز على الساحة وبقوة سؤال المرجعية، وسوف يتواصل التوتر بين أفكار مثل عالمية حقوق الإنسان، وما يسمى بالخصوصيات الثقافية. ومع ذلك فثمة مؤشرات على أن تيارات الإسلام السياسي لعبت دورا محوريا في التطورات الراهنة. وبالتالي فإن أسلمة المناخ العام هو من الأمور شديدة الاحتمال وهي عملية بدأت فعليا وربما تتفاقم في المرحلة القادمة. وكما هو معروف فإن تيارات الإسلام السياسي تسعى لفرض رؤى للعالم متشابهة ولكن متفاوتة في حدتها، بداية من رفض أي شكل من أشكال الحداثة، وحتى القبول بها ضمن مساومات تضمن بقاء الشريعة كمرجعية.

 ولا شك أن منظمات المجتمع المدني واجهت وستواجه مثل هذه التحديات، فقد كانت الاتجاهات المحافظة في تناقض تام أو جزئي مع الأفكار الكونية، ولكن الجديد هو ربما أسلمة جزء من المجتمع المدني ذاته. فمن ناحية توجد التيارات السلفية المحافظة والتي تهاجم وبشدة الأقكار الكونية، ولكن هناك كذلك تيار الإخوان المسلمين بتنوعه، والذي يضم شبابا متعلما يؤمن بأفكار حقوقية ولكنه يتمسك بهويته الدينية. فهذا الشباب مؤثر داخل العديد من منظمات المجتمع المدني، وقد يسعى البعض منهم إلى تأسيس منظمات حقوقية أو تنموية وفق رؤية دينية. وفي هذه الحالة قد يفقد المجتمع المدني قدرا من تماسكه المرجعي.

ومن هذا المنطلق فإن أحد التحديات الكبرى التي على منظمات المجتمع أن تعيها تتمثل في أن عملية بناء الدولة المدنية تتطلب الآن وربما أكثر ممما سبق جهودا مكثفة من أجل الدفاع عن قيم الحداثة والحقوق العامة والفردية، وكذلك الوعي بأن الإصلاح الثقافي القيمي هو جزء لا يتجزأ من عملية الإصلاح بشكل عام.

 

المجتمع المدني بين الشارع والمؤسسة

لعل أبرز مظاهر التطورات الراهنة، أن "الشارع" كان للحظة سيد الموقف، ففيه ومنه تفاعلت الأمور وتوالت الأحداث بالمعنى الإيجابي والسلبي. وعلى الرغم من أن زخم الشارع قد اتخذ مسارات عدة، إلا أن الرهان عليه بات أكبر بكثير من الرهان على قوة وقدرة المؤسسات. وإذا كان الشارع قد برز كمجتمع سياسي بامتياز، فقد برز كذلك، ولو لفترة محدودة كمجتمع مدني. وعلى الرغم من زخم الشارع وفعاليته في عملية الاحتجاج والرفض، إلا ان البناء يحتاج إلى قوة وزخم المؤسسات. وأتذكر في هذا الصدد ما كان قد ذكره مبكرا الكاتب التونسي عبد القادر الزغل في ندوة عقدت بالقاهرة عام 1990 حيث أشار إلى أن تونس والجزائر (آنذاك) هما الدولتان العربيتان الوحيدتان اللتان تفاعلتا مع هذا المفهوم للمجتمع المدني من أجل التفكير في ظروف التحول من نظام الحزب الواحد إلى التعددية الحزبية، أما في الدول العربية الأخرى تحديدا مصر ولبنان فقد اتجه المثقفون فيهما إلى استعمال كلمة "شارع" للتعبير عن رأي العامة. فما هي العلاقة بين الشارع والمجتمع المدني؟

لكلمة "شارع" أهمية نسبية وخاصة في السابق وأكثر في ظل التطورات الراهنة. فقد شهدت مصر حراكا سياسيا سعى للتعبير عن ذاته من خلال الشارع أكثر من ارتباطه بأطر مؤسساتية واضحة المعالم أو منظمة. وبالتالي فإن الديناميات التي تشكلت قبل "الثورة" وأثناءها هي عمليات ارتبطت أكثر بالشارع وليس المؤسسات. ففي الأحداث الأخيرة، بدا الشارع وكأنه مؤسسة للعمل السياسي، وهذا ما شهدناه في عدد من الميادين كحال ميدان التحرير في مصر. فقد أضحى الشارع أكثر من مجرد مسرح للاحتجاج السياسي، بل مجالا لممارسة المواطنة على الأقل لفترة زمنية محدودة. لقد أصبح ميدان التحرير للحظة مجتمعا مدنيا وسياسيا في آن واحد، وبدا وكأنه يؤسس ذاته، وتشكل على مدار 18 يوما عقدا اجتماعيا ضمنيا سمح لكل الأطياف أن تتواجد وتتفاعل بداية من السياسي المحترف إلى المواطن العادي. وخارج هذه الساحة كان المجتمع العادي بمؤسساته يعيش حالة من الترقب، أو التضامن، أو حتى الخوف من العنف الاجتماعي والمجهول. ولكن ما حدث في ميدان التحرير كان مجرد لحظة وقتية وجدت تماسكها في إجماع لحظي عضد التوافق بين الفرقاء. وفي هذا المسرح لم تكن هناك مشكلة تمثيل Representation كما لم تكن هناك مؤسسة، فمن يدخل الميدان عليه أن يترك مؤسسته خارج حدود الميدان وأن يأخذ مشروعيته من الحشود غير المعرفة سياسيا. ولكن سرعان ما انتهت اللحظة وخرجت الجموع المتوافقة لتعود المؤسسات بتوجهاتها ومصالحها وتناقضاتها وبشكل سريع برزت مشكلة التمثيل، من يمثل الثورة؟ ومن يمثل الرابحين ومن يمثل الخاسرين؟

وفي حين حدث توافق بين الشارع كفضاء للفعل والاحتجاج، والفضاء الإلكتروني كفضاء للتواصل والحشد، فإن العلاقة بين الشارع والمؤسسات بما في ذلك السياسية لم تكن على نفس المنوال، ربما مع استثناء القوى المنظمة فعليا مثل جماعة الإخوان المسلمين. وحتى هذه القوى الأكثر تنظيما كانت قد أخفت مؤسساتها وشعاراتها خلال الزخم الجماهيري، فلم تجرؤ على رفع شعار "الإسلام هو الحل" مثلا، ولم يكن الأمر بسبب احترام الإجماع ولكن خوفا من الاستبعاد وعدم الاعتراف.

وفي الحقيقة أن غياب المؤسسات، حتى ولو لأسباب تكتيكية، كان أمرا مؤقتا، وهو ما جعل من حالة ميدان التحرير تبدو وكأنها لحظة إجماع وتوافق، وبمعنى آخر لحظة تأسيسية بالمعنى الديني، ولأسباب سياسية تم حماية الميدان ومسرحته ليكون حيز الثورة ورمزها. ومع ذلك فقد تركت الجموع الميدان بحلم العودة إليه دائما واستقاء المشروعية منه، وليس من مؤسساتهم بما في ذلك مؤسسات المجتمع المدني، ونشطاء الفضاء الافتراضي ذاته. ولكن عندما عادوا كانوا يعودون مثقلين بالواقع المؤسسي وعلاقات القوى. فلم يعد الميدان مجتمعا مدنيا، بل مجتمعا سياسيا بامتياز بكل تناقضات السياسة وصراعتها. وفي هذا الصدد نلاحظ أنه وبشكل سريع بدأ الحديث عن أخلاق وقيم ميدان التحرير، والرغبة الدائمة في العودة إلى الميدان.

 

سؤال الواقعي والافتراضي

من القضايا التي تفرضها علينا التطورات الجديدة تتمثل في طبيعة علاقة المجتمع المدني بالفئات الاجتماعية المختلفة وأعنى بذلك مسألة التمثيل. فما هي الفئات التي تمثلها أو تعبر عنها منظمات المجتمع المدني؟ نظريا يمكن القول أن هذه المنظمات تعبر عن قضايا تتعلق بفئات بعينها مثل ضحايا انتهاكات، مجموعات فقيرة أو مهمشة، فئات ضعيفة الخ. وكما نلاحظ فإنها تعبر عن قضايا هذه الفئات أكثر من كونها تمثل هذه الفئات، وبالتالي فإنها تتبنى قضايا أكثر مما تمثل بشرا. وقد كانت الأحداث الأخيرة كاشفة لحد كبير عن فجوة ما بين منظمات المجتمع المدني والفئات الاجتماعية المختلفة، ليس فقط لأن الجموع التي خرجت لتمثل نفسها لم تكن في حاجة إلى من يمثلها، ولكن بسبب أن الغالبية العظمى من منظمات المجتمع المدني لم تجد مكانا لها لتمثل ذاتها وقضاياها.

وفي حين يجرى الحديث غالبا عن المشاركة، أي مشاركة المواطنين في منظمات المجتمع المدني، أو مشاركة هذه الأخيرة في عمليات التغيير، إلا أن مشكلة التمثيل لم تحظ بقدر كبير من الاهتمام، وربما تدفعنا المعطيات الجديدة إلى إعادة التفكير في استراتيجيات التمثيل والتواصل.

وإذا كانت عملية التمثيل سيعاد صياغتها بالمعنى السياسي، حيث سيكون على القيادات السياسية أن تمثل جماعات سياسية أو حزبية، إلا أنه من الملاحظ أن ثمة فاعلون جدد على الساحة، وعلى الرغم من أن بعض الفاعلين هم من جماعات معرفة سياسيا كأحزاب أو حركات، إلا أن هناك أعدادا كبيرة، خاصة من الأجيال الشابة، خارج الأطر المؤسساتية أو التنظيمية المعروفة. كما أن العديد من هذه المجموعات تبحث عن أطر واقعية للمشاركة وفق رؤى مختلفة. وعلى ما يبدو أن كثيرين منهم يلجئون إلى الفضاء الافتراضي للتعبير عن أنفسهم وعن قضاياهم بطريقة مباشرة. فثمة مجموعات وتجمعات إلكترونية بشأن كل القضايا تقريبا، وهي مجموعات ديناميكية لا تريد عضوية بل تواصل فقط. وكأن لسان حال الكثيرين من الشباب يقول لا أريد من يمثلني بقدر ما أريد من أتواصل معه.

وعلى الرغم من أن هناك أراء عديدة ترى أن الفضاء الافتراضي ليس بديلا عن الوجود الفعلي في الساحة الاجتماعية والسياسية، إلا أن المعادلة الآن هي كيف يمكن تحقيق التواصل بين الافتراضي والواقعي. أعتقد أن هذا مرهون بقدرة المنظمات المدنية والسياسية على خلق فضاءات واقعية للمشاركة تلبى تطلعات واحتياجات وتوقعات المجموعات الشبابية الجديدة. وهذا التحدي لا يواجه منظمات المجتمع المدني فقط، بل المؤسسات السياسية كذلك. فقد أثبتت التجربة الأخيرة أن العلاقة بين الفضاء الافتراضي والشارع (ميدان التحرير مثلا) هي علاقة ممكنة، فماذا عن العلاقة بين الفضاء الافتراضي والمؤسسات المدنية والسياسية؟

وبالإضافة إلى أهمية توافر قنوات تواصل واتصال بين المجتمع المدني والشباب الناشط في الفضاء الافتراضي وهو الأمر الذي يجرى التفكير فيه الآن، إلا أننا يمكن أن نذهب أبعد من ذلك ونتساءل إذا ما كنا بصدد ظاهرة جديدة، أي خلق مجتمعات مدنية وسياسية إلكترونية موازية. إن ظهور ما يمكن أن نطلق عليه "المجتمع المدني الافتراضي" والذي سيجمع بشكل عفوي بين المدني والسياسي، وكذلك بين العلماني والديني. وهو الساحة الجديدة التي تتشكل بوتيرة وسرعة أكبر بكثير من سرعة تطور كل من المجتمعين المدني والسياسي الواقعيين. وبمرور الوقت فقد يتحول الافتراضي إلى واقعي والواقعي إلى افتراضي. ومن هنا فقد تتغير قواعد اللعبة، فالتشكيلات الجديدة قد لا تقوم على النمط التقليدي للعضوية، بل على أنماط جديدة من التواصل.

وهنا يحق لنا أن نطرح  سؤال: هل نحن بصدد تعاظم ظاهرة جديدة هي "المجتمع المدني الافتراضي"، مجتمع لا يقوم على العضوية بل التواصل، مجتمع خفيف الكثافة ومنخفض التكلفة، مجتمع يتمتع بقدرة أكبر على الحشد والتعبئة، فضلا عن كونه متحرر من المرجعيات الثابتة، والالتزامات المؤسساتية. لا أعتقد أنه في مقدورنا الآن تأكيد أو نفي ذلك. فالمجتمع المدني الواقعي هو بطريقة أو بأخرى لا يزال يسعى لتحقيق مصالح ملموسة، ولكن المجتمع المدني الافتراضي قد يحقق ذلك أيضا من خلال حملات المناصرة، وربما التوعية، والحشد والتنظيم من أجل مهام محددة. فقد أثبتت التجربة إنه فضاء حيوي إلى حد كبير.

ومع ذلك فإن التعرف على ملامح هذا النوع من العلاقات قد يكون له بالغ الأثر على فهمنا لطبيعة ودور المجتمع المدني في عمليات التغيير في عصر التواصل والاتصال. 

 

ختام:

لقد شهدت الفترة ما بين يناير/كانون الثاني 2011 وحتى تاريخنا هذا تحولات كبرى كان وسيكون لها بالغ الأثر على بنى وتوجهات منظمات المجتمع المدني في مصر والمنطقة العربية بشكل عام. فهذه الفترة الزمنية القصيرة تعطينا المزيد من المعطيات والدروس، وفى مقدمها صعود وهبوط قوى الإسلام السياسي في مصر، وأثر ذلك في الشارع الذي أصبح نشطا إلى حد كبير. فالميدان الذي تصورنا أنه معين شعبي متجانس، وصل به الحال في 2013 ليكون مجموعة من الميادين المتناحرة سياسيا، كما أن تركيبة المجتمع المدني اختلفت بفعل تأسيس العديد من المنظمات والتي مازال الكثير منها غير معروف أو محدد الهوية. ولا يجب أن نتغاضى عن الدور الهائل للإعلام والذي برز على الساحة كسلطة فعلية وطرف رئيسي في العملية السياسية، ولا نتحدث هنا فقط عن الإعلام الرسمي بل كذلك الإعلام الإقليمي والدولي. 

وفى هذا السياق فإن تغير أنماط العلاقات بين الهياكل المختلفة، وتغير أدوار الفاعلين تعد من القضايا المحورية التي تحتاج إلى مزيد من البحث والدراسة. وقد ترك المقال مجموعة من التساؤلات المفتوحة والتي لن يكون في مقدورنا الإجابة عليها بشكل نظري، لأن الإجابات ستأتي من الواقع الذي أصبح أكثر تعقيدا وأكثر حركية. ولكن ما يمكن استخلاصه هو أن المرحلة الراهنة فهي تفرض شروطا جديدة، فهي مرحلة انتقالية بكل معنى الكلمة تفرض فرصا وتحديات جديدة، ومما لا شك فيه أنه لم يعد من المنطقي أن يتم التعامل مع مقتضيات واستحقاقات هذه المرحلة الانتقالية بأسلوب الماضي. وهنا تحديدا يبرز التحدي الأكبر، فثمة منظمات ستسعى إلى مواصلة عملها بذات الأساليب القديمة، وثمة منظمات أخرى ستتعامل بشكل انتهازي مع المعطيات الجديدة، وهناك منظمات ستعمل على تطوير رؤاها وأساليب عملها وفقا لما تشهده الساحة من تطورات. والمسألة تتوقف على مدى تأثير التطورات الراهنة على مفهوم ومشروعية منظمات المجتمع المدني، وعلى قدرة القائمين على هذه المنظمات على الاستجابة للتحديات الجديدة. ولعل أهم ما يمكن التفكير فيه في هذا الصدد هو مجموعة من النقاط الرئيسية: رؤية المجتمع المدني لدوره كفاعل في عملية للتحول نحو مجتمع الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، قدرة المجتمع المدني على تطوير هياكله وأساليب عمله من أجل تحقيق قدر أكبر من التواصل واستيعاب الفئات الاجتماعية الحيوية الجديدة.

 

*خبير مصري في مجال حقوق الإنسان، البريد الإلكتروني: y_moustafa@yahoo.com




شارك هذه الصفحة: