حملة المليون توقيع في إيران: جهد وليد الشوارع

سوزان تحماسيبي*، ترجمة: فابيولا دينا

إن حملة ‘المليون توقيع’ هي جهد يهدف إلى زيادة الوعي بين العامة من خلال نقاشات دارت وجها لوجه في الشارع وتواقيع جمعت من المواطنين الإيرانيين على عريضة كانت قد وجهت إلى البرلمان الإيراني للمطالبة بإصلاح القوانين التي تميز ضد المرأة بحيث تتماشى والمعايير الدولية لحقوق الإنسان، وقد تم تدشين هذه الحملة بعد ظهر يوم صيف حار في أواخر شهر آب/أغسطس من العام 2006 في شوارع طهران. وكنا قد خططنا إطلاق الحملة وتدشينها في قاعة ‘رائد’ للمؤتمرات، مع مشاركة متحدثين  ومتحدثات، وحضور عدد من المشاهير الداعمين للحملة ومؤسسيها لشرح أهداف هذا الجهد، ولكننا منعنا من ذلك. ولكن عوضا عن عقد الندوة الافتتاحية قمنا بجمع التواقيع حينها، أمام قاعة المؤتمر، وفي الشوارع من جمهور حضر للمشاركة في هذا الحدث. وشرحنا لهم أهدافنا ونجحنا في استقطاب متطوعين ومتطوعات للحملة. ولربما كانت هذه الوسيلة المناسبة لبدء حملتنا، باعتبار أن أحد أهداف الحملة الرئيسية كان الوصول إلى الأشخاص العاديين في الشارع، وفي الأماكن العامة، وفي المترو، وفي الحافلات، وفي الحدائق، وأينما كان ممكنا الوصول إليهم. ولطالما ناقشت الحركة النسائية الحاجة إلى الوصول إلى الناس في ‘الشوارع’ وفي الفضاء العام. وعلى الرغم من بعض المحاولات لتحقيق هذا الهدف، لم تخرج أنشطة الحركة النسائية في إيران في معظمها من بين حيطان قاعات المؤتمرات والحلقات الدراسية والدورات التدريبية، وضم حضورها في أغلب الأحيان ناشطين وناشطات آخرين. أما ‘الحملة’، فعلى الرغم من الضغوط الخطيرة والقمع الكبير، تحولت إلى أول جهد يتمتع بحضور مستمر في الشوارع والأماكن العامة. فهذا كان هدفنا في نهاية المطاف، ولكن الشارع أصبح المكان الوحيد الذي ما فتئ مفتوحا لنا إذ منعنا منذ ذلك الحين وبشكل منهجي من الحصول  على مساحات للاجتماع ومن استخدام قاعات المؤتمرات.

 

الحاجة إلى تغيير القوانين

إن المدونة القانونية في إيران تستند إلى تفسير محافظ للغاية للشريعة الإسلامية وتتضمن بذلك التمييز ضد المرأة، والذي تجد مبررا له في أساس ‘الإنصاف’ و ‘التكامل’. فوفقا لواضعي القوانين والمسؤولين الإيرانيين الذين أطاحوا ببعض المكاسب القانونية للمرأة التي تحققت ما قبل الثورة الإسلامية عام 1979، فإن الإسلام يحدد أدوارا ومسؤوليات مختلفة للنساء وللرجال الأمر الذي يتأتى عنه حقوقا مختلفة لكل منهما. وفي نفس الوقت فإن الواقع الاجتماعي لحياة المرأة لم يرق أبدا إلى مستوى الحقائق القانونية للجمهورية الإسلامية فالنساء الإيرانيات على سبيل المثال يشكلن اليوم أكثر من 60٪ من المتخرجين الجامعيين – مما يعني أن النساء يتفوقن على نظراءهن الذكور علما، كما وتتزوج النساء بسن 25 كمعدل وسطي في حين أن السن القانونية للزواج قد حددت ب 13 سنة. ومعدل المواليد في إيران منخفض جدا وهو على قدم المساواة مع العديد من البلدان الأوروبية. وبالإضافة إلى ذلك، فإن المرأة الإيرانية اليوم، هي طبيبة ومحامية وصحافية ومهندسة ومدرسة وبرلمانية وحتى سائقة شاحنة، ولكنها ما فتئت في نظر القانون بحاجة إلى وصاية دائمة من قبل الأب أو الزوج، وقدرها في نظر القانون أيضا نصف قدر الرجل. وسعت الحملة إلى معالجة بعضا من هذه التناقضات. وهي تسعى على وجه التحديد إلى ضمان حقوق متساوية للمرأة في الزواج، وحقوق متساوية للمرأة في الطلاق، ووضع حد لتعدد الزوجات والزواج المؤقت، ورفع سن المسؤولية الجنائية إلى 18 سنة للفتيات والفتيان، وحق المرأة في إعطاء الجنسية إلى أطفالها، والمساواة في الدية (التعويض عن إصابات جسدية أو وفاة) بين المرأة والرجل، وحقوق المساواة في الميراث، وإصلاح القوانين التي تخفض عقوبة مرتكبي جرائم الشرف، وحقوق متساوية في الشهادة أمام المحاكم للرجال والنساء، وغيرها من القوانين التي تميز ضد المرأة.[1]


 

مقاربة مزدوجة، ردود فعل متعددة

اعتمد نشطاء وناشطات الحملة على مقاربة المقابلات وجها لوجه لزيادة الوعي لدى الجمهور الإيراني إذا يقوم نشطاء وناشطات عادة بالتحدث إلى الجمهور ويقدمون لهم شرحا حول هذه القوانين وعواقبها السلبية على المجتمع الإيراني. وفي حال أعرب المواطنون عن تأييدهم لضرورة تغيير هذه القوانين يقومون عندها بتوقيع العريضة المطالبة بهذه التغييرات والموجهة إلى البرلمان الإيراني. ولكن قبل المباشرة بجمع التواقيع يتلقى النشطاء تدريبا في المسائل القانونية، وفي كيفية التوجه إلى العامة وكيفية التعامل مع مسائل الأمن والسلامة. وعندئذ فقط يصبحون قادرون على جمع التواقيع على العريضة. وكانت الحاجة إلى تغيير القوانين قضية أثارتها مختلف أطياف التيارات النسائية الإيرانية الناشطة عبر سنوات. وشغلت هذه المطالب لدى البعض أهمية متدنية في حين كانت بين المطالب الأكثر أهمية للبعض الآخر، ولكن مطلب تعديل القوانين هذا بقي دوما قاسمً مشتركا اجتمعت حوله النساء من وجهات نظر مختلفة، ومن أجيال متعددة ومن خلفيات مختلفة. أما مطالب الحملة، وانفتاحها والطريقة التي شجعت فيها مشاركة المواطنين (من توقيع العريضة إلى جمع التواقيع إلى مشاركة مكثفة) فقد تجلت بوضوح من خلال استجابة أكثر من 1000 شخص في أكثر من 20 مقاطعة في دورات التدريب حول الحملة، بهدف المباشرة في جمع التواقيع.

كما وعرض على الناشطين والناشطات الكتابة عن تجاربهم في جمع التواقيع في قسم ‘وجها لوجه’ على الموقع الإلكتروني "التغيير من أجل المساواة".[2] وبهذه الطريقة، تمكن النشطاء من مشاركة تجاربهم مع الجمهور بشكل مباشر. وعند قراءة هذه الروايات، يرى القارئ أن النشطاء غالبا ما جمعوا التواقيع من أصدقائهم وعائلاتهم في البدء، ثم انتقلوا إلى دوائر اجتماعية أوسع، قبل أن ينتقلوا في نهاية المطاف إلى الشوارع والأماكن العامة. كما وتشير هذه الروايات إلى ردود فعل متعددة ومختلفة من قبل الجمهور على جهود الحملة. فهناك الذين يوافقون على موضوع العريضة ويوقعونها، وهناك الذين يحتاجون إلى إقناعهم بأن هذا التعديل هو الشيء الصحيح الذي ينبغي عمله، وأن مشاركتهم وقوتهم يمكن أن تحقق تأثيرا حقيقيا. ثم هناك الذين لا يمكن إقناعهم بالتوقيع، إما لعدم اقتناعهم بمبدأ المساواة بين المرأة والرجل أو لشعورهم أن المسؤولين سيضربون عرض الحائط بتواقيعهم ومطالبهم، الأمر الذي يعزز ضرورة التوعية بكونها لا تزال إستراتيجية ملائمة في إيران.

 

رد فعل أمني على جهودنا السلمية

ظننا أن جهودنا في الحملة كانت على درجة من السلمية والقانونية لن تولد أي رد فعل أمني. ومع ذلك قررنا اعتماد عضوية تقوم على أساس الأفراد بدلا من المنظمات. كنا نعرف أن المنظمات التي تواجه ضغوطا متزايدة تحت قبضة أحمدي نجاد ستكون ضعيفة، أما الأفراد فيمكنهم الانسحاب وتبقى الشبكة السليمة. علاوة على ذلك، كنا ندرك أنه من غير الممكن لفرد أو مجموعة واحدة قيادة الحملة بل يجب أن تقوم لجان مختلفة بتحريك عمل الحملة قدما وبالتالي تتناوب المسؤوليات. وكنا ندرك أنه من الأساسي التأكيد في مواد الحملة السهلة القراءة على أننا لا نعمل ضد الإسلام.[3] لذلك أشرنا إلى وجود تفسيرات مختلفة للشريعة، وإلى أن المطالبة بالتغييرات في القانون الحالي تماشيا مع التزامات إيران الدولية لن تتناقض مع تعاليم الإسلام.

وعلى الرغم من كل هذا لم نتوقع حجم القمع الأمني الذي رافق انطلاقنا بالحملة. وعندما ألقي القبض على الناشطة الأولى، لم نكن نعتقد أنها كانت حملة منهجية بل شككنا في نهج الناشطة نفسها. وعندما منعوا أعضاءنا من السفر، كنا نظن أن المنع كان مرتبطا بقضايا أخرى. لكن حملة القمع الأمني استمرت وأدركنا عندها أنها مقاربة منهجية إذ منعنا من عقد الاجتماعات والمؤتمرات وحتى الاجتماعات الصغيرة في بيوتنا انقطعت، ومنعت الصحف عن الكتابة حول الحملة، وبدأت الاعتقالات في صفوف النشطاء خلال جمعهم للتواقيع. وبالتالي اضطررنا أن نكون خلاقين في جهودنا وإلا واجهنا خطر الانسحاب من الشوارع.

من أجل صون إمكانية الوصول إلى الجمهور والحفاظ على أمن نشطاء الحملة، باشرنا تنظيم حملات جمع تواقيع جماعية ومتحركة، بحيث تتوجه المجموعات إلى الجبال خلال عطلة نهاية الأسبوع وتتحدث مع العامة مفسرة مطالبنا. ويقوم البعض منهم بالتحدث إلى المتنزهين، بينما يراقب البعض الآخر التخوم لضمان السلامة وتفادي الاعتقال. وقد استخدمنا نفس المقاربة في الأماكن العامة الأخرى.

وفي محاولة لإيصال رسالتنا إلى جمهور أكبر استخدمنا المسرح الهزلي حيث يتم أداء مسرحية حول المسائل القانونية التي نعمل على تغييرها. ويجتمع جمهور من 200 إلى 300 شخص حول الممثلين والممثلات معتقدين أنهم يشهدون حدثا حقيقيا. ثم يغادرون الحديقة حاملين هذه المسألة إلى منازلهم للمزيد من المناقشة والتساؤل.

أودعت الناشطات في حال تم اعتقالهن في الجناح العام من سجن ‘إيفين’ مع السجينات الأخريات. وسرعان ما لاحظت الناشطات أن العديد من السجينات هن في الواقع من بين الأفراد الأكثر تأثرا سلبا من القوانين التمييزية. فباشرت الناشطات بتدوين قصصهن[4]: حكايات عن الزواج القسري، والزواج في سن مبكرة، عدم إمكانية تطليق أزواج عنيفين. قامت ناشطات بعد ذلك بإعادة سرد قصص السجينات على موقع الحملة لتبيان عمق التأثير المدمر للقوانين التمييزية فضلا عن قيام ناشطات أخريات بالكتابة عن نظرائهن في السجن.[5]

 

تأثيرنا وأثرنا

في حين لم نتمكن من جمع المليون التوقيع كما خططنا إلا أننا نجحنا في تحقيق إنجازات هامة أخرى. لقد نجحنا أولا في خلق خطاب حول حقوق المرأة على أعلى مستويات الحكومة وضمن الشعب عموما. وحتى مع الاعتقالات التي تعرضنا لها والتي خلقت حالة من الخوف بين العامة من حيث الانضمام إلى جهدنا أو حتى التوقيع على العريضة، بقيت الأسئلة المزعجة: ما الذي طالبوا به حتى استحقوا رد الفعل المتطرف هذا؟ أليس ما يطالبون به عادلا؟ ألا تمثل مطالبهم مطالب غالبية الشعب؟ حتى المجموعات الأكثر تحفظا التي تحدثنا إليها اعتبرت أن مطالبنا كانت عادلة وأوضحت أنها لن تقبل بأي شيء أقل لبناتهن!

وحتى النساء المحافظات اللواتي سبق وشاركن في حشد التأييد خلف الأبواب المغلقة تقدمن أيضا إلى الواجهة وأصبحن يطالبن ببعض من هذه التغييرات. وقد تحققت بالفعل بعض التغييرات الطفيفة في القوانين، كتلك التغييرات في قانون الإرث والتغييرات في الأحكام التي تطالب شركات التأمين بتعويضات متساوية للرجال والنساء في حالات الحوادث والتغييرات في قوانين الجنسية التي تتيح للنساء منح جنسيتهن إلى أطفالهن (وإن بطريقة محدودة) وأتت هذه التغييرات استجابة لواقع المجتمع الإيراني ولجهود الحملة في آن معا، ولكن هذه الإصلاحات باتت ممكنة عندما شعر المشرعين بصعوبة تفاديها مع تعاظم الضغط على المستوى الشعبي.

وتشديدا على هذه النقطة الرئيسية، فمن المهم أن نذكر أن الحملات الانتخابية الخاصة بثلاثة من المرشحين الأربعة للرئاسة في عام 2009 تحسست أهمية معالجة أوضاع المرأة.[6] فقام اثنان من المرشحين الإصلاحيين وهما مير حسين موسوي ومهدي كروبي بعرض خطط تقدمية لمعالجة وضع المرأة شملت مراجعة للقوانين. كما ذكر المرشح المحافظ محسن رضائي أن القوانين يجب أن تتغير لضمان ‘المساواة’ للمرأة في الفضاء الاجتماعي. ومصطلح ‘المساواة’ ينتمي إلى الحركة النسائية الإيرانية، وكانت هذه ربما المرة الأولى التي يستخدم فيها مرشحا محافظا هذا المصطلح بدلا عن ‘الإنصاف’. أما أحمدي نجاد الذي أصبح رئيسا كنتيجة للانتخابات المتنازع عليها لعام 2009، فقد قام بوعود رجعية للحملة فيما خص المرأة وهي وعود دفع بها خلال رئاسته الأولى والثانية.

أما الآن وفي العام 2013، فإن رئيسا جديدا تسلم مهامه في إيران. وتتوقع المجموعات النسائية أن يعتمد روحاني مقاربة أكثر إيجابية تجاه مطالبهن. ومن أهم وعود حملته الانتخابية هو إطلاق العمل على مراجعة القوانين التي تنطوي على تمييز ضد المرأة، وهو مطلب رئيسي للحركة النسائية أيضا. ومن غير الواضح بعد ما إذا كانت حملة المليون توقيع ستظهر مرة أخرى، والحملة كانت قد شهدت على غرار العديد من الحركات الاجتماعية الأخرى ثغرات نتيجة الاضطرابات التي أعقبت انتخابات 2009، ولكن ما هو مؤكد هو أن مطالب الحملة ستبقى مطلبا رئيسيا وأساسيا للحركة النسائية الإيرانية وللشعب الإيراني، إلى أن تتمتع المرأة بالمساواة في ظل القانون، وإن الحركة النسائية المستقلة ستواصل التحدث مع الشعب والعامة في الشارع وأينما وجدوا.

* مديرة برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في شبكة تحرك المجتمع المدني الدولي (ICAN)



 [1]تحماسيبي، سوزان، " حملة المليون توقيع: إجابات على الأسئلة الأكثر شيوعا"، شباط/فبراير 2008،  http://we-change.org/english/spip.php?article226

[3]  أنظر: تأثير القوانين على حياة المرأة، http://we-change.org/english/spip.php?article41

[4]  أنظر مثلا حسين زاده، مهدوبه: كل النساء ضحايا، وليس فقط النساء في السجن، نيسان/أبريل 2007، http://we-change.org/english/spip.php?article62

[5]  مثلا: آزاد، نفيسة – تكتب مهرنوش، الحقيقة هي خلاصك!، كانون الأول / ديسمبر 2009، http://we-change.org/english/spip.php?article610

[6]  أردلان، دافار إيران، النساء الإيرانيات يطالبن بالتغيير: صندوق الصابون، حزيران/يونيو 2009




شارك هذه الصفحة: