‘كرامة’ تجربة أردنية رائدة في مناهضة التعذيب

المحامي الدكتور ليث كمال نصراوين*

تولي الدولة الأردنية اهتماما متزايدا بالحق في حظر التعذيب والمعاملة القاسية أو اللاإنسانية للسجناء والموقوفين في دور الإصلاح والتأهيل ومراكز التوقيف، حيث خطا الأردن خطوات واسعة في هذا المجال ابتدأت بالموافقة على ‘اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة’ التي أبرمت عام 1984، إذ قام بالتصديق عليها بتاريخ 15/6/2006 ،[i] وبالتالي أصبحت جزء لا يتجزأ من منظومة التشريع القانوني الأردني، ويمكن التمسك بها أمام المحاكم الأردنية على اختلاف درجاتها وأنواعها. ومنذ ذلك التاريخ والأردن يعمل على تطبيق بنود تلك الاتفاقية التي صادق عليها، فجاءت التشريعات القانونية لتؤكد على الحق في مناهضة التعذيب وتجريم أي فعل من شأنه تعريض أي موقوف أو مسجون لأي نوع من أنواع المعاملة التي تحط من كرامته وآدميته.

وعلى صعيد الدستور الأردني الحالي لعام 1952 الذي وإن كان قد غفل عن حظر التعذيب والمعاملة اللاإنسانية عند صدوره، إلا أنه قد تدارك ذلك الأمر في التعديلات الدستورية الأخيرة التي خضع لها عام 2011، حيث أفرد المشرع الدستوري نصا صريحا يحظر التعذيب وذلك في المادة (8) منه والتي تنص على أنه: "1- لا يجوز أن يقبض على أحد أو يوقف أو يحبس أو تقيد حريته إلا وفق أحكام القانون.

2- كل من يقبض عليه أو يوقف أو يحبس أو تقيد حريته تجب معاملته بما يحفظ عليه كرامة الإنسان، ولا يجوز تعذيبه، بأي شكل من الأشكال، أو إيذاؤه بدنياً أو معنوياً، كما لا يجوز حجزه في غير الأماكن التي تجيزها القوانين، وكل قول يصدر عن أي شخص تحت وطأة أي تعذيب أو إيذاء أو تهديد لا يعتد به."

وعلى صعيد القانون الجزائي، فقد جرَّمت المادة (208) من قانون العقوبات الأردني فعل انتزاع الإقرار والمعلومات من أي شخص بالقول "كل من سام شخصا أي نوع من أنواع التعذيب التي لا يجيزها القانون بقصد الحصول على إقرار بجريمة أو على معلومات بشأنها عوقب بالحبس من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات، وأنه إذا أفضى التعذيب إلى مرض وجرح بليغ كانت العقوبة الأشغال الشاقة المؤقتة، ولا يجوز للمحكمة وقف تنفيذ العقوبة المحكوم بها في هذه الجرائم الواردة في هذه المادة كما لا يجوز لها الأخذ بالأسباب المخففة".

وقد رافقت جهود الدولة الأردنية الرسمية لمناهضة التعذيب جهودا أخرى قادتها مؤسسات المجتمع المدني والمراكز الوطنية لتكثيف العمل الوطني للقضاء على هذه الظاهرة التي تمتد آثارها السلبية على سجل الدولة في احترام حقوق الأفراد وحرياتهم الدستورية. فانطلقت المبادرات والأعمال الفردية والمؤسسية التي تندد بالتعذيب وتدعو إلى مراقبة السجون ودور التوقيف في الأردن، حيث كان من أهم تلك المبادرات وأكثرها نجاحا تشكيل فريق وطني لمراقبة التعذيب في السجون ودور التوقيف الأردنية سمي بفريق ‘كرامة’ والذي أعتز شخصيا أن أكون عضوا فيه.

لقد بزغت فكرة تأسيس هذا الفريق الوطني من مشروع أوسع يعنى بتحسين أوضاع المحرومين من حقوقهم وحرياتهم الأساسية والذي بدأ تطبيقه في الأردن عام 2008 وذلك بالشراكة مع المركز الوطني لحقوق الإنسان.[ii] ومن خلال هذا المشروع وتجسيدا لرؤى المركز الوطني لحقوق الإنسان في الدفاع عن حقوق الأفراد وصونها على أرض الواقع بعيدا عن مجرد تنظيم الدورات والأنشطة والمهرجانات الخطابية، فقد تقرر تشكيل فريق وطني متخصص يضم أشخاصا ذوي خبرة ودراية في موضوعات ذات صلة بمناهضة التعذيب بشكل خاص وحقوق الإنسان وحرياته بشكل عام، حيث أسند إليه مهام القيام بزيارات دورية ومنتظمة وغير معلن عنها للسجون وأماكن التوقيف والحجز في الأردن بهدف الوقوف على حالات التعذيب التي تجرى فيها، والإطلاع على الإجراءات الرسمية والحكومية في السجون الأردنية ذات الصلة بحظر التعذيب وأي صورة من صور المعاملة اللاإنسانية أو اللاأخلاقية وذلك تكريسا للاتفاقية الدولية الخاصة بمناهضة التعذيب التي انضم إليها الأردن.

ويعمل  فريق ‘كرامة’ حاليا تحت مظلة المركز الوطني لحقوق الإنسان استناداً للولاية القانونية التي يتمتع بها المركز بموجب أحكام المادة (10) من قانونه رقم (51) لسنة 2006 والتي منحته صلاحية زيارة مراكز الإصلاح والتأهيل وأماكن التوقيف ودور رعاية الأحداث وزيارة أي مكان عام تجري أو جرت فيه تجاوزات على حقوق الإنسان. ويتكون الفريق، الذي تترأسه الناشطة في حقوق الإنسان المحامية نسرين زريقات، من (40) عضوا تم اختيارهم مع مراعاة التوازن بين الجنسين ومن تخصصات مختلفة، حيث يضم الفريق بين صفوفه محامين ونشطاء في مجال حقوق الإنسان، وأطباء نفسيين وشرعيين، وأخصائيين اجتماعيين ونفسيين، وصحفيين، ومختصين في إدارة السجون.

ويتمتع أعضاء فريق ‘كرامة’ بالاستقلال الوظيفي والذاتي الكامل عن أي جهة حكومية أو غير حكومية تجسيدا لأحكام المادة (18) من ‘البروتوكول الاختياري لاتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة’ لعام 2002. وقد تم إخضاع أأأعضاء الفريق إلى دورات تدريبية مكثفة ومتخصصة على أيدي خبراء دوليين ووطنيين في مجالات مختلفة تتعلق برصد وتوثيق حالات التعذيب في السجون ودور التوقيف، وإجراء المقابلات مع السجناء والمحتجزين والكشف عن انتهاكات التعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة، بالإضافة إلى إطلاعهم على الآليات الدولية الخاصة بالرقابة والإشراف على تنفيذ اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب، بما في ذلك زيارة أماكن الاحتجاز وتقصي الحقائق بشأن التعذيب والمعاملة اللاإنسانية، ودور الأطباء في منع ارتكاب جرائم التعذيب والكشف عنها، وتقنيات إجراء المقابلات وكتابة التقرير وذلك بهدف تأهيلهم لمباشرة مهام عملهم في الفريق. ويشرف على فريق ‘كرامة’ هيئة إدارية منتخبة من الأعضاء بالإضافة إلى هيئة استشارية يرأسها المفوض العام للمركز الوطني لحقوق الإنسان، وتكون معنية برسم السياسة العامة للفريق، ودراسة التقارير، ورفع توصيات للجهات الحكومية المختصة.

ومنذ إنشائه عام 2008، قام فريق ‘كرامة’ برصد أوضاع السجناء والمحرومين من حرياتهم في جميع مراكز الإصلاح والتأهيل المدنية في الأردن والبالغ وعددها (14) مركزا، حيث قام بتنظيم زيارات لجميع تلك المراكز، اعتبرت زيارات رصدية شهرية بواقع مرتين في الشهر لمركزين مختلفين. وقد بلغت مجموع الزيارات التي قام فريق ‘كرامة’ بتنفيذها خلال الأعوام 2008 وحتى عام 2013 ما مجموعه (57) زيارة لجميع مراكز الإصلاح والتأهيل  في الأردن، قام الفريق على أثرها بإعداد (57) تقريرا متخصصا حول تلك الزيارات مستندا في كتابته على المعايير الدولية المتخصصة في إعداد التقارير وخاصة القواعد النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء، وبإشراف فريق من الخبراء والمتخصصين. وقد قام فريق ‘كرامة’ مؤخرا بالتوسع في زياراته الميدانية لتشمل أماكن التوقيف المؤقت كالمراكز الأمنية، وأماكن التوقيف لدى الإدارات الأمنية، ودور رعاية الأحداث وذلك بعد أن تم إخضاع أعضائه لدورات متخصصة حول آليات الرصد في تلك الأماكن وإعداد التقارير حول واقع الحال في تلك المراكز.  

أما الأهداف بعيدة المدى التي يسعى فريق ‘كرامة’ تحقيقها فتتمثل في اعتباره نواة آلية وطنية وقائية لمناهضة التعذيب تطبيقا ل‘لبرتوكول الاختياري الملحق باتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة’ لعام 2002 والذي لم يصادق الأردن عليه بعد.[iii]  ويهدف هذا البروتوكول إلى إنشاء نظام وطني ودولي قوامه زيارات منتظمة تضطلع بها هيئات دولية ووطنية مستقلة للأماكن التي يحرم فيها الأشخاص من حرياتهم وذلك بغية مراقبة التعذيب ومنعه، بحيث يكون من حق هذه الهيئات الحصول على جميع المعلومات المتعلقة بعدد الأشخاص المحرومين من حرياتهم، والوصول إلى جميع أماكن الاحتجاز ومنشآتها ومرافقها، وإجراء مقابلات خاصة مع الأشخاص المحرومين من حرياتهم دون وجود أحد، والحصول على جميع المعلومات التي تشير إلى معاملة هؤلاء الأشخاص فضلاً عن ظروف احتجازهم.

ويسعى ‘البروتوكول الاختياري لاتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة’ إلى الانتقال بالآليات الوطنية من مرحلة ‘المناهضة’ التي جاءت في مقتضيات الاتفاقية الدولية لمناهضة التعذيب إلى مرحلة ‘الوقاية’، وذلك بتكريس آليات وقائية تتجسد في الزيارات الميدانية لأماكن الاعتقال والاحتجاز أو أي مركز آخر قد يتواجد فيها أشخاص محرومون من حرياتهم، وتقديم تقارير عن ظروف الاعتقال بها وشهادات المعتقلين عن المعاملة بداخلها.

وقد ألزم البرتوكول الاختياري الدول الأطراف باحترام مجموعة من المعايير الدولية ذات الصلة بعمل الآليات الوطنية لمناهضة التعذيب أهمها تسهيل زيارة أعضاء الآليات الوطنية لأماكن الاحتجاز ومراكز الاعتقال، فلا يجوز لأي دولة طرف في البروتوكول أن تختبئ وراء أي مبرر لرفض أو عدم تقديم التسهيلات الضرورية لزيارات لمراكز الاعتقال وأماكن الاحتجاز، إلا في حالة واحدة فقط إذا كانت الأماكن المراد زيارتها تندرج في إطار المجال المحفوظ للدولة كالدفاع الوطني.

كما يفرض البروتوكول على الدول الأعضاء تقديم كافة التسهيلات اللازمة لتمكين أعضاء الآلية الوطنية من عقد لقاءات فردية مع جميع الأشخاص المتواجدين داخل السجون أو مراكز الاعتقال بشكل مباشر وبدون حضور أي طرف آخر، إلا في حالة فقط إذا ما كانت الضرورة تستدعي وجود مترجم. كما يجب على كل دولة عضو في البروتوكول أن تقدم لأعضاء الفريق جميع المعلومات المتعلقة بوضعية الأشخاص المحرومين من حرياتهم داخل السجون ومراكز الاعتقال، والتي تتعلق بأعدادهم وأماكن اعتقالهم أو احتجازهم وملفاتهم الطبية، وغير ذلك من الإفادات التي تعتبر ضرورية من أجل دراسة وتقييم أوضاعهم داخل السجون والمعتقلات.

وعن الشروط الواجب توافرها في الآليات الوطنية لمراقبة السجون والتي أشار إليها البروتوكول فتتمثل في ضرورة توفر الاستقلال الوظيفي عن كافة السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية والمؤسسات العمومية باعتباره العنصر الأساسي لتمكين أعضاء الفريق من القيام بمهامه بكل موضوعية واستقلالية عن سلطات الدولة، وأن يتم تطبيق إجراءات شفافة في مسالة تعيين أعضاء الفريق تقوم على مراعاة توفر عناصر الكفاءة والخبرة والمعرفة المهنية. كما يجب مراعاة تحقيق التوازن في النوع الاجتماعي وتمثيل التعددية في الآلية الوطنية وذلك من خلال تشكيل الهيئة الوطنية من فعاليات تنتمي إلى حقول معرفية ومجالات مختلفة ذات صلة بمناهضة التعذيب كالمحامين، والأطباء في مختلف التخصصات كالطب الشرعي والطب النفسي، والأساتذة المتخصصين في  قانون حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، والمهنيين المكلفين بإنفاذ القانون، والمسؤولين عن السجون، وممثلي المجتمع المدني.

خلاصة القول إن الهدف الأساسي من التجربة الأردنية الرائدة في مناهضة التعذيب التي تمثلت في إنشاء آلية وطنية لمناهضة التعذيب ‘كرامة’ هو نشر الوعي القانوني بالمعايير الدولية لحقوق الإنسان لدى المكلفين بإنفاذ القانون كمرجعية أساسية لرقابة مدى امتثال السلطات الحكومية المعنية بالمبادئ القانونية والقيم الأخلاقية لمجموعة من الحقوق التي تتمتع بها الفئات المحرومة من الحرية كالحق في الحياة والسلامة الجسدية والكرامة الإنسانية.

*حائز على شهادة دكتوراه في القانون الدستوري من جامعة مانشستر في بريطانيا ويعمل حاليا أستاذ مساعد في القانون الدستوري وحقوق الإنسان في كلية الحقوق في الجامعة الأردنية، البريد الإلكتروني: l.nasrawin@ju.edu.jo


1 تم نشر هذه الاتفاقية على الصفحة رقم 2246 من عدد الجريدة الرسمية رقم 4764 الصادر بتاريخ 15/6/2006.

[ii] يعتبر المركز الوطني لحقوق الإنسان في الأردن مؤسسة وطنية مستقلة ذات نفع عام تتمتع بموجب القانون الذي أنشأه رقم (51) لسنة 2006 بشخصية اعتبارية ذات استقلال مالي وإداري واستقلال تام للقيام بكافة ممارسة الأنشطة والفعاليات الفكرية والسياسية والإنسانية المتعلقة بحقوق الإنسان، وقد باشر المركز أعماله في الأول من حزيران عام 2003.

[iii] جاء اعتماد البروتوكول الاختياري لاتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة في دسيمبر 2002، في سياق برنامج عمل فيينا في المؤتمر العالمي لحقوق الإنسان لعام 1993، حيث أكدت الجمعية العامة للأمم المتحدة على أهمية البروتوكول الاختياري لاتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة في إحدى توصياتها بتاريخ 8 يناير 2002.




شارك هذه الصفحة: