ثورات المعلومات و‘الشبكات الاجتماعية’

أحمد كرعود*

شهدت  منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تحولات سياسية كبيرة في العامين 2011- 2012، فقد أجبر عدد من الرؤساء في تونس ومصر وليبيا واليمن على  ترك السلطة، ليس نتيجة للتداول السلمي للحكم ولكن بفعل ‘ثورات’ أو ‘انتفاضات’ شعبية  شارك فيها ملايين البشر من كل الأعمار والفئات الاجتماعية.

لقد توحدت هذه الجماهير حول شعارات بسيطة في كلماتها ولكنها عميقة في مدلولاتها، ‘إرحل’ و‘حرية .. كرامة’ و‘العمل استحقاق يا عصابة السراق’ كانت  عينة من شعارات دوت في ساحات ‘التحرير’ بالقاهرة و‘شارع الحبيب بورقيبة’ في تونس و‘سلمية ..سلمية’ في درعا بسوريا، وقد كانت لها دور مهم في تعبئة الملايين في حركة احتجاجية سلمية، نتج عنها تغيرات هامة في الخريطة السياسية في المنطقة.

الجديد في هذه التحركات الاحتجاجية الجماهيرية، هو بروز الدور الحاسم الذي لعبته تقنيات  التواصل  الحديثة في نقل أخبار المسيرات والإعتصامات والمواجهات وأيضا الانتهاكات التي قامت بها أجهزة القمع على اختلافها. وكان لهذه التقنيات دور مبدع في مجال تعبئة وتجييش الجماهير. ولا نبالغ إن قلنا أن اغلب الشعارات التي دوت في الميادين والساحات وتسمية ‘جمعات’ الاحتجاجات كانت من إنتاج وترويج شبكات التواصل الاجتماعية من ‘فيسبوك’ و‘تويتر’ و‘يوتيوب’.

 وفي هذا المجال من المهم التوقف عند الدور المحوري الذي قام به المدونون والمدونات لكسر الحصار الإعلامي الذي فرضه النظام منذ عقود والتعتيم على إيصال المعلومات للناس ولوسائل الإعلام الجماهيرية. فالمدونون والمدونات لم يكتفوا بالجلوس أمام الحاسوب بل نزلوا إلى الميدان لأخذ الصور وإنتاج الأفلام وجمع الشهادات من الناس  ثم نقل أخبار المظاهرات والاشتباكات مع أجهزة الأمن وتوزيع صور القتلى والجرحى أولا بأول عبر شبكات التواصل الاجتماعي، خاصة الفيسبوك الذي أصبح المصدر الأساسي للمعلومات بالنسبة  للفضائيات ووسائل الإعلام العالمية وفي المقدمة محطة الجزيرة ثم  محطة فرنسا 24. وهنا لا بدّ من الـتأكيد على دور تكنولوجيا المعلومات في تأجيج الحماس بين المحتجين والمنتفضين. وتعدّ تونس مثلا، بالرغم من المراقبة الصارمة لشبكة الإنترنت، من البلدان العربية التي شهدت نموا كبيرا في عدد مستعملي الفيسبوك في فترة قصيرة، وفي حين كان عدد حسابات التونسيين على الفيسبوك حوالي 860.000 سنة 2009، تخطى ال2.400.000 عشية ‘هروب الرئيس’ في يناير/كانون الأول 2011.

 

شبكات التواصل الإجتماعي تمهّد للثورة

لقد قامت هذه الشبكات بدور مهم  منذ سنة 2008 -قبل ظهور ‘وثائق’ وكيليكس- في فضح الفساد المستشري في ‘العائلات’ الحاكمة في تونس ومصر وليبيا واليمن. كما لعبت نفس الشبكات دورا لافتا في حركات التضامن مع المضطهدين وضحايا الانتهاكات وبرز هذا في الحملات المناصرة  لعمال ‘المحلة’ في مصر ( 6 أبريل/نيسان 2008 ) وللمنتفضين في إيران عقب انتخابات سنة 2009 أو تحركات العمال في ‘الحوض المنجمي’ في تونس و في التضامن مع التحركات في المناطق الداخلية لتونس في نهاية 2010.

إن الانتشار السريع والمذهل لاستخدام شبكات التواصل الاجتماعي في البلدان العربية هو أحد الأسباب التي تفسر الدور الحاسم الذي قامت به هذه الوسائل الحديثة في تعبئة الجماهير وهو ما ميز هذه ‘الثورات’ الحديثة. فقد تطور عدد المدونين في هذه البلدان من ثلاثين ألف سنة 2005 إلى نصف مليون مدون ومدونة سنة 2011. كما أن عدد أصحاب الحسابات في موقع الفيسبوك مثلا يشمل نسبة كبيرة من سكان البلد الواحد، ففي تونس يصل عدد المستخدمين إلى 20 % من السكان وفي مصر 16.5 %، بينما لا تتعدى النسبة 1% في اليمن.

لقد شكل هذا الانتشار السريع  والاستخدام الواسع لوسائل الاتصال عاملا ضاغطا على السلطات، صعب عليها مواجهتها  مثلما كانت تواجه سابقا موزعي الصحف و‘المناشير’ السرية أو صحف المعارضة بالمنع والحبس أو كما كانت تواجه ‘ثورة الفضائيات’ التلفزيونية عبر احتكارها للوسائل  السمعية والبصرية أو امتلاكها من قبل مقربين منها. إن سجن مدونين  أثناء التحركات في يناير/كانون الأول 2011 (مثل سليم عمامو في تونس  أو وائل غنيم من  مصر)  لم يمنع مئات الآلاف من متابعة الأخبار على الشبكة وتبادل المعلومات عن زمن وأمكنة التحركات الجماهيرية وأيضا الشعارات التي ترفع فيها.

وفي إيران كانت البداية،حيث خرج المحتجون على نتائج الانتخابات الرئاسية سنة 2009، وفي ظل الرقابة على وسائل الإعلام التقليدية ومنع المراسلين من دخول البلاد، لعب ‘تويتر’ الدور الحاسم في نقل أخبار التحركات للعالم أجمع وللإيرانيين أولا.

 وفي عام 2010 في تونس، نظم المدونون حملة مناهضة للرقابة أطلقوا عليها إسم ‘كفى عمار 404" وعمار  هو الاسم الرسمي للرقيب على الإنترنت في تونس إبان حكم بن علي.

وفي مصر وتضامنا مع العمال المضربين في مدينة المحلة، أنشأ عدد من المدونين والمدونات صفحة على الفيسبوك ونادوا للتظاهر في الشارع، ما أصبح يعرف فيما بعد ب‘حركة 6 أبريل’ والتي نشطت بعد ذلك في ‘ثورة 25 يناير‘. ومن المهم التأكيد على أن هذا التاريخ هو تاريخ الدعوة لمظاهرات دعت إليها صفحة ‘كلنا سعيد’ على الفيسبوك تلك الصفحة التي كان يديرها وائل غنيم. وجاءت تلك الدعوة احتجاجا على موت الشاب المصري خالد سعيد جراء التعذيب في أحد أقسام الشرطة المصرية. وبعد 18 يوما من هذه الدعوة، اضطر الرئيس السابق إلى التنحي عن الحكم.

وفي المغرب ومنذ سنة 2007، قام عدد من المدونين باستخدام المواقع الإلكترونية لفضح حالة فساد، والتي انتهت إلى محاكمة عدد من عناصر من الشرطة المرتشين. وقد استعمل العربي، أحد أشهر المدونين عبارة ‘ثورة اليوتيوب’ منذ سنة 2007 حيث قال في مدونته "نحن نعيش الآن ثورة،  نراقب بدايتها ولكننا لا يمكننا تحديد نتائجها في المستقبل." 

وتفاعلا مع الأحداث التي جرت في تونس ومصر، تنادى المدونون في المغرب وأعلنوا يوم 20 فبراير/شباط 2011 يوما للتحرك من أجل القيام بإصلاحات سياسية واقتصادية ودستورية. فقامت مظاهرات واعتصامات في خمسين مدينة مغربية وأنشأ موقع مامفكنش  (لا تنازل) الذي  جاء جوابا على التعتيم الإعلامي الذي طبع وسائل الإعلام الرسمية والتقليدية في تغطيتها لأخبار تحركات 20 فبراير/شباط 2011.

إن المراقب لتطورات الأوضاع في المنطقة وما شهدته من تغيرات سياسية، يقر بأهمية تقنيات التواصل الحديثة ودورها المحورّي في تعبئة الملايين من البشر وتنظيم تحركاتهم من أجل تغيير أوضاعهم السياسية والاجتماعية ومحاربة الفقر والفساد.

لقد تمكن الشباب خاصة من  خلق الأحداث وتنظيمها بغية الإطاحة بمنظومة إعلامية وسياسية مبنية على الإقصاء والتهميش لفئات واسعة من المجتمعات في المنطقة. كما كان لاستخدام مواقع ‘الفيسبوك’ و‘تويتر’ و‘يوتيوب’ الفضل الكبير في إدماج ملايين البشر في الفعل الاجتماعي والسياسي بعد عقود من القمع وانتهاك حقوق الناس وما نتج عنها من ابتعاد عن كل ما يمّت بصلة للشأن العام.

ولا يمكن أن ننسى هنا الثمن الذي دفعه وما زال يدفعه المدونون، نساء ورجالا، في المنطقة من اعتقال وسجن ومحاكمات جائرة جراء جرأتهم وشجاعتهم في خوض غمار النضال من أجل الحرية والكرامة.

* مدافع عن حقوق الإنسان من تونس، البريد الإلكتروني: akaroud1@yahoo.fr




شارك هذه الصفحة: