مواجهة التحرش الجنسي في مصر

ياسمين البرماوي*

 ظاهرة التحرش الجنسي

تتعرض نساء وفتيات مصر للتحرش الجنسي على نحو يومي في مرافق المواصلات والجامعات والشارع وأماكن العمل وفي بيوتهن أحيانا. وحتى زمن ليس ببعيد كانت تنصح المرأة بتجنب المناطق النائية أو السير في وقت متأخر بمفردها أو ارتداء ملابس كاشفة حتى تنأى بنفسها عن أي مضايقات إلا أن التحرش الجنسي طال الجميع بلا استثناء: الطفلة والتلميذة والمرأة العاملة وفي بعض الأحيان كبيرات السن، ولم يعد هناك سبيل تحمي المرأة بموجبه نفسها أو تتجنب هذا الانتهاك.

كما شهدنا منذ عام 2007 ظاهرة جديدة وهي التحرش الجماعي ونسبة ضحاياها آخذة بالازدياد وترتبط دائما بالأماكن المزدحمة كالحفلات والحدائق ومؤخرا بالتظاهرات حيث رصدت على سبيل المثال وعلى مدى أربعة أيام 186 حالة تحرش جماعي في ميدان التحرير وذلك بين 30 يونيو/حزيران و3 يوليو/تموز 2013.

وكان التحرش قد استعمل كسلاح ضد النساء في عصر مبارك ليظهر لأول مرة ضد المتظاهرات اللواتي اعترضن على الدستور على سلم نقابة الصحفيين في عام 2005 بما عرف بالأربعاء الأسود، وأيضا أمام اللجان الانتخابية في المحافظات لمنعهن من الإدلاء بأصواتهم، ثم عاد ليظهر بصورة أخرى في عهد حكم المجلس العسكري 2011 وتحديدا في كشوف العذرية الجبرية على المتظاهرات، وأخيرا في عهد مرسي في التظاهرات المناهضة لدستوره وحكمه ولكن دون دليل على المرتكبين فالتحقيقات مازالت جارية حتى وقت كتابة هذا المقال.

وتجدر الإشارة إلى اختلاف هذه الظاهرة الجديدة والتي باتت تعرف بالتحرش السياسي المنهجي عن ظاهرة التحرش الجماعي وكي لا تصبح ظاهرة التحرش الجماعي شماعة يختبئ خلفها المتورطين في أعمال الارتكاب المنهجي. وعندما نتحدث عن التحرش السياسي المنهجي، نتحدث عن جريمة تصل إلى مرحلة اغتصاب يطال على سبيل المثال أسرة بأكملها من أب وأم وجدة وطفل وطفلة لم تتعدى سنواتها الأربعة،ورضيع (وهو ما حدث بالفعل)، تحدث بكثافة وعامل مفاجئة وتهدف لإثارة البلبلة والرعب، وتحدث لسيدات فوق الخمسة والستين من العمر، وتحدث لناشطات وجدن أنفسهن وسط الغاز المسيل للدموع. ويستخدم المرتكبون في هذه الحالات الأدوات الحادة وفي بعض الحالات الموثقة وصلت فتحة شرج إحدى الضحايا إلى فتحة المهبل وفي حالة أخرى كان لا بد من استئصال الرحم. إن جريمة بهذا المستوى ليست صدفة، وهي بالطبع ليست بيئة طبيعية لأي منحرف يفكر في متعته الجنسية ناهيك عن أن يجد 15 شخص حوله يشاركونه هذه الرغبة في نفس المكان متناسيين خطر الرمي بالرصاص أو الخرطوش فضلا عن الدخان والتنفس بصعوبة واحتراق الأعين. هذا الشكل من التحرش لا يحدث في حالات التحرش الجماعي الذي يغلب عليه طابع الهوس الجنسي والاحتفال أو العنف بل الاستمتاع بتعرية فتاة كأحد ألعاب العيد على وقع المفرقعات وتعاطي المخدرات فوق مركب على النيل.

 أسبابه

مما لا شك فيه أن النظرة الدونية للمرأة يترافق معها عدم احترام حقها في التعليم والعمل والمطالبة بأبسط حقوقها.فالحق في حرية التنقل على سبيل المثال، حق المطالبة بالسير في الشارع في أمان ودون مس أو مهانة تحول شكلا من أشكال النضال يتطلب الكثير من الجهد لإنهاء التقبل المجتمعي للتحرش ولتوعية المجتمع أولا بحدوثه وثانيا بكونه جريمة يجب أن يعاقب عليها القانون. كما أن انحدار مستوى القيم والأخلاق في المجتمع وتأثير الفساد وانهيار التعليم وازدياد نسبة البطالة وتدني مستوى الخطاب الديني الذي اختزل المرأة في فكرة الجسد فضلا عن ختان الإناث رسخ في عقول كثير من النسوة فكرة أن أجسادهن سبب لمعاناتهن بما يحمل ذلك في طياته من تبرير وتقبل لهذه الظاهرة وما ينتج عنه من صمت المعتدى عليهن عن الإفصاح بما حدث واختباءهن خوفا من الفضيحة.

 علاجه

إن وضع قوانين رادعة لمن يرتكب هذا الفعل المشين وتوعية المجتمع بحجم هذه الظاهرة وخطورتها وبالتالي وسم الفاعل بالعار وليس الضحية هو الوسيلة الفعالة الوحيدة للتصدي للتحرش الجنسي. ويجب ألا نغفل على المدى المتوسط والبعيد وفي إطار تربية وتنشئة الشباب عن  استثمار طاقتهم خصوصا في مرحلة المراهقة عن طريق تشجيع وصقل المواهب سواء كانت فنية أو رياضية أو علمية بما يعزز الشعور بتحقيق الذات ويوفر لهم مجالات أخرى للتباري والتنافس عوضا عن إعمال الغرائز.

 النشاط الحقوقي في مواجهة التحرش

تكونت مجموعة ‘قوة ضد التحرش’ في ديسمبر 2012 إثر الاعتداءات العنيفة على النساء في ميدان التحرير والتي بلغت حدا لم يظهر من قبل فأضحى العنف والتحرش والاغتصاب سلاح أساسي يستخدم ضد النساء ومن يحاول إنقاذهن. واعتمدت ‘قوة ضد التحرش’ على المتطوعين فقط بغية تكوين فرق إنقاذ من الاعتداء ثم توفير الرعاية الطبية للنساء الضحايا خاصة إن احتجن إلى الحفاظ على سرية بياناتهم الشخصية ناهيك عن تدريب الفتيات على بعض الفنون القتالية لمساعدتهن في حماية أنفسهن.

لقد ساهم في تنظيم هذه القوة عدة حركات ومراكز وحملات ك‘خريطة التحرش’ و‘شفت تحرش’ و‘المبادرة المصرية للحقوق الشخصية’ ومبادرة ‘نفسي’ ومركز ‘نظرة للدراسات النسوية’ وحركة ‘بهية يا مصر’ ومبادرة ‘فؤادة ووتش’ ومشروع ‘بصي’  وتعاونية‘مصرين’ للإعلام الشعبي و‘المصري الحر’. كما تقوم العديد من المراكز بتوفير الرعاية الطبية والنفسية والقانونية للناجيات من حوادث التحرش والاغتصاب نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر مركز ‘النديم لتأهيل ضحايا العنف’ مؤسسة ‘المرأة الجديدة’ و‘الشبكة العربية’ و‘الجماعة الوطنية’ ومركز ‘أكت’. إلا أن هذه المراكز التي اهتمت بهذه القضية هي بغالبيتها مراكز نسويه بالأساس ولعل في هذا مؤشر إلى عمق التحديات ويندرج تحت بند تهميش المرأة حتى من بعض الحقوقيين أنفسهم. أما الأحزاب السياسية فقد بدأ تدخلها فقط عندما أخذت القضية ضجة إعلامية واقتصر دورهم على الوقوف بلافتاتهم في بعض المسيرات.

وتعمل ‘خريطة التحرش’ على الإعداد لحملة كبيرة للتوعية بخطورة هذه الظاهرة وانتشارها والحث على محاربتها ولتحقيق ذلك قاموا بتدشين حملة كبيرة لجمع التبرعات لتوفير ما يلزم لطبع ملصقات وكتيبات توعية وتصميم ونشر إعلانات على وسائل الإعلام ومراكز المواصلات. وعلى شبكات التواصل الاجتماعي كانت صفحة ‘انتفاضة المرأة في العالم العربي’على الفيسبوك من أكثر الصفحات اهتماما بهذه القضية وبسائر قضايا المرأة، وقام المشرفون عليها بجهد كبير لتنظيم وقفة عالمية احتجاجية في أكثر من 35 دولة ضد الإرهاب الجنسي للنساء في مصر وسوريا بتاريخ 12 فبراير 2012.

 دور الدولة

بعد وقوع أكثر من 20 حالة تحرش واغتصاب جماعي للنساء في ميدان التحرير يوم 25 يناير/كانون الثاني 2013 وأثناء إحياء الذكرى الثانية للثورة وبعدما سلط الإعلام الضوء على هذه الظاهرة وأصبحت قضية رأي عام قرأت مقالا عن حوار مع رئيس الوزراء السابق هشام قنديل عبر فيه عن عزمه طرح قانون لمواجهة التحرش للتشريع في مجلس الشورى ولكني فوجئت بانتهاك أشد فظاعة، انتهاك الدولة للمرأة بطريقة رسمية ومباشرة وعلى يد الممثل الوحيد للشعب وقتها ألا وهو الشورى وذلك من عبر إدانته للناجيات وتحميلهن مسؤولية ما أصابهن بنسبة 100% بل وتوصيفهن كداعرات يذهبن لميدان التحرير لممارسة الرذيلة في الخيام.

في أبريل/نيسان 2013 تم أنشاء ما يعرف بالشرطة النسائية بغية مساعدة الفتيات إلا أن واقع حال هذه الشرطة لا يعكس نية حقيقية في وقف هذه الظاهرة. ففرق هذه الشرطة تتكون من 4 ضابطات فقط ويقتصر دورهن على المساعدة النفسية لضحايا التحرش فقط وكأن هناك تجاهل وتناسي لدور الشرطة في الحفاظ على الأمن في الشارع ومنع وقوع الجريمة إن أمكن والقبض على مرتكبيها وكأن مسؤولية القبض على الجاني تقع على كاهل الضحية أو أن قدرها أن تمر بكل وسائل الاستعطاف أو المهانة في طريقها من مكان وقوع الحادث إلى باب قسم الشرطة وأحيانا بداخلة إلى أن تأتي ضابطة لتؤهلها نفسيا!

ويبقى أن نتساءل عن الدور الذي يمكن لمنظمات وهيئات حقوق الإنسان العالمية لعبه حيال تلك الجريمة إلى جانب الرصد والتوثيق؟ وأن نرصد ما يلزم الدول على سن قوانين لمواجهة جرائم يتم تجاهلها في هذه الدولة؟

التحرش ظاهرة 99.3% من النساء تعرضن لها على درجات مختلفة فيما يبقى الصمت والنكران عاملين أساسيين لاستمرار تفشيها. إن التحرش ليس جريمة من الدرجة الثانية أو الثالثة، إنها سرطان يتفشى ويستطيع تغيير هوية مجتمع بالتدريج إلى أن ينزلق به إلى أدنى درجات التخلف الحضاري. إنه سلاح ناعم للقمع والاستبداد والقهر، فماذا يمكن أن ننتظر من جيل تربيه أمهات ينظرن وراء ظهورهن أثناء سيرهن في الطريق؟!

*موسيقية وناشطة حقوقية




شارك هذه الصفحة: