تظاهرة فنية في العالم الافتراضي من أجل حقوق الإنسان في إيران

أمير سلطاني*، ترجمة: فابيولا دينا

ما زلت أذكر اليوم الذي أصبحت فيه ناشطا في مجال حقوق الإنسان. كان عمري 12 سنة. يومها أخذني والدي من المدرسة، اشترى لي المثلجات ثم أخبرني بتأن عن عمليات الإعدام. وكان جد إحدى أعز صديقاتي بين القتلى. أصابته 13 رصاصة، قتل بدون محاكمة، وأعدم على سطح مدرسة ‘ألافي’، مقر إقامة الإمام الخميني المؤقت. رميت المثلجات من شباك السيارة. كان الشيء الوحيد الذي استطعت القيام به، حركة عاجزة  - لحظة غضب.

وكانت صديقتي طمأنتني قبل بضعة أيام أنه سيتم إطلاق سراح جدها. وكانت المسألة مسألة وقت فقط. وصلت إلى البيت وفتحت الصحيفة وها هو، وجه لا يحدق ينا بل في الموت نفسه. اختفت صديقتي وبقيت لسنوات طويلة متمسكا بالأسئلة. أدركت أن تلك الرصاصات لم تستقر في جسد جدها بل كانت مدفونة فيها وتنزف في داخلها، كل رصاصة منها.

وكانت هناك خسائر أخرى، وكان والدي واحدا منها، والدي الذي خذلني وخذل صديقتي. هو لم يتدخل، ولم يقاطع الإعدامات. إذا كنا لا نستطيع أن نوقف الموت – الرصاص – بقوة إيماننا وبعائلتنا، فكيف يستطيع والدي أن يدعي أنه رجل؟ وكيف نستطيع أن ندعي أن لدينا إيمانا؟ وكيف أستطيع أن أكبر لأصبح مثل والدي؟ وكيف أستطيع أن أقبل إيمان والدي، هذا الإيمان الذي لم يفعل سوى القليل ليحفظ ثمن صداقاتي؟

شكلت عملية الإعدام هذه لقائي الأول مع الموت، مع شحنة من الوصايا والمشاعر وتاريخ اختصر سعرها على مسار 13 رصاصة حفرت نفسها صدمة في نسيج الوقت وأسسه. وفي ذلك الحين أيضا، برز إخفاق فاق الذي سبقه: فالثورة تبعتها الحرب. ومرة أخرى، نجوت من فرشاة الحرب، فقد تم إرسالي إلى مدرسة في إنكلترا، لكن الهروب من هول مذابح الحرب الإيرانية - العراقية كان مستحيلا.

حتى في إنكلترا، وعلى بعد آلاف الأميال عن الشرق الأوسط، غرقت صفحات الصحف بدم جيل كامل من الأولاد الإيرانيين والعراقيين. وبدا كأن صدى قصائد الشاعر ويلفريد أوين حول الحرب العالمية الأولى يتردد عبر الزمن. حقول القتل انتقلت من أوروبا إلى الشرق الأوسط، غير أن عقليتنا كما كانت من قبل، بقيت عالقة في إطار القتل المتسلسل والجماعي ولم تتغير. وحولت الخطوط الأمامية أجساد الأولاد إلى وجوه قبائل وأقطار. وامتص باطن الأرض الدماء ومن باطن الأرض ضخ البترول. وفي أكبر مدفن في إيران، ‘بهشت زهرا’ أو ‘جنة زهرا’، وقف ينبوع الدماء رمزا إلى التضحيات المتدفقة من الأولاد. ولم يبقى من الأولاد الذين طحنوا في الحرب سوى صفوف متراصة من صور تحدق في العالم. وانعكس ثمن موتهم وغيابهم في كل شيء، في نسيج الوقت وفي اللغة، وفي القبيلة والقطر وفي ذاتي بالتأكيد.

لم تشكل الأرض الرابط الوحيد لتحول الدم إلى أسعار عقارات. ففرص الحصول على المال توزعت في كل زاوية من غرفة الموت والمشرحة: كان يمكن للتجار أن يقدروا سعر النفط وتحركات سعر الذهب وبيع الأسلحة؛ كان من الممكن إعادة إحياء أية صناعة وسلعة واقتصاد من خلال تخمين أعداد القتلى من الأطفال الإيرانيين والعراقيين؛ كما كان ممكنا في حروب سابقة مزقت دولا أخرى وقارات.

ومع ذلك، بدا لي عندها ويظهر لي اليوم، لا بل خصوصا اليوم، بعد مضي ثلاثين عاما ونيف، عندما يستفيد المرء من إدراك متأخر، عندما ينظر المرء إلى أطفال دول أخرى متعددة يجري إسقاطها في هاوية الحرب، أننا ما زلنا أبعد ما يكون عن إلغاء ويلات الحرب. من سوريا إلى أفغانستان ومن الولايات المتحدة إلى روسيا، تجر أجيال وأجيال من الأطفال إلى حقول القتل في الشرق الأوسط. وما من نهاية لهذه ‘اللعبة الكبرى’، ولا نهاية للتخمينات التي تطال جثث الأحياء كما الأموات. وما من شيء يوقف إعادة تدوير الأطفال في أسعار النفط والأسلحة، وفي وجه المادة والأسواق، وفي أصنام القبيلة والقطر المنصبة فوق مشرحة الزمن. ودور هؤلاء الأطفال الوحيد، في الأمس كما اليوم، يقتصر على التحول إلى سلعة يتم تداولها في سعر عملات سرطانية واقتصاد مميت يحول الجسد إلى مال والألم إلى أرباح من خلال تحويل الوقت أداة تضمن معدلات الموتى والديون.

جميع هذه القبائل والأقطار التي خلقت على صورة الإنسان تحولت إلى ظلال وأضرحة للموت. ولذا فهي لا تتعدى كونها، في هذا القرن وفي القرون التي سبقت، جثثا ونعوشا تعيد تدوير الأطفال في مشرحة الوقت. ولا نهاية لهذه الاعتداءات على هيكل الحياة والمحبة والقانون الذي يجب أن يحمي جميع أطفال الله كأنهم واحد. وما من جدران أو حواجز أو قوانين أو مرايا تحرس قيمة أجسادهم أو إيمانهم. ولا يعرف الأطفال بالطبع أن ألقابهم وقبائلهم وأقطارهم ستخونهم وأن المخرج الوحيد من الحرب هو التخلص من كل موت يحول جلدهم البشري إلى سلعة.

وها أنا ما زلت ذلك  الناشط في مجال حقوق الإنسان الذي لم يتجاوز ال12 سنة؛ ما زلت عاجزا أمام الموت؛ وما زلت غاضبا في وجه الحرب؛ وما زلت أبحث عن طريقة أمنع فيها 13 رصاصة من تمزيق عالم صديقتي؛ وما زلت أرجو أن أكبر يوما لأصبح رجلا حقيقيا؛ وما زلت أتساءل ما إذا كان بمقدور الإنسان أن يعيد تشكيل الوقت فلا يعود وسيلة أو مرآة تحمي صورة القبائل والأقطار المولودة من الموت والملازمة له. وحتى ذلك اليوم، أتخيل يوما نوقف فيه عمليات الإعدام، ونصلي من أجل وقت نستعيد فيه إيماننا: نسحب أرصدتنا من دوامات الحروب ونعوش الديون ونعيد استثمارها حيث تنتمي: في هياكل المحبة والحياة. لتتفتح الحياة وتزدهر الإنسانية، نحتاج إلى روايات أفضل، وطرق لعوبة ومقنعة لتخيل بدائل للقتل، فرديا كان أم متسلسلا. والله يعلم أننا قد دفننا ما يكفي من الأطفال على هذه الأرض – وربما حان الوقت لنحول مقبرة الوقت هذه إلى ما يفترض عليه أن تكون: جنة الفردوس.   

 

رواية مصورة

تستقي جنة زهرا’ إلهامها من وعد الربيع الإيراني. على غرار الملايين من الناس في جميع أنحاء العالم، تحركت مشاعري إبان احتجاجات عام 2009 ضد الانتخابات الرئاسية المزورة، أمام عاطفة الشعب الإيراني وكرامته وشجاعته وإبداعه؛ وعلى وقع سؤال بسيط: "أين صوتي؟" كان هذا السؤال يزعزع أُسس دولة ثيوقراطية تقوم على الخوف والغش والقوة. وإننا نشهد مخاض ولادة إيران جديدة، وجه الجيل الجديد الذي تجرأ على تحقيق حلمه في الحرية، حلم من أجل المساواة والكرامة والعدالة التي لطالما ناضل الإيرانيون من أجلها منذ الثورة الدستورية عام 1906.

ثم جاءت حملة القمع التي شنها آية الله ومعها الصورة المؤرقة لامرأة شابة جميلة، ندا، تموت في أحد شوارع طهران. ثم ظهر على موقع يوتيوب فيلم أم إيرانية على وشك دفن محتج آخر- ابنها ‘سهراب’- في "بهشت زهرا"، أكبر مقبرة في طهران. وعبر وجهها عن معاناة وحزن أمة بأكملها. بحثت عن ابنها في جميع أنحاء طهران، في المستشفيات والمشارح والسجون والمحاكم، ولم تحصل على إجابة صريحة واحدة. لم تستطع تقبل وفاة ابنها فانتفضت رافضة دفن ابنها الذي لم يتجاوز ال19 سنة. هناك، في جنة زهرا’، منتصبة فوق جثمان ابنها، تكلمت الأم الثكلى من خلال حزنها الخاص ولكن أيضا من خلال حزن أمة بأكملها، حزن أحرق قلوب نساء من كافة الأعمار وفي مختلف الأقطار. وفي ذلك الزمان والمكان وإذ كنت أنظر إلى الفيلم على موقع يوتيوب، شعرت أن الكيل قد طفح. لم يكن علينا أن نقبل واقع آية الله – أن ننظر إلى إيران كجثة وإلى الإسلام نعشًا لها – كواقعنا. ولم يكن علينا أن نضحي بجيل آخر من الشباب الإيراني لندفن أحلامه في "الغبار والقذارة". وكان لا بد من إيجاد طريقة لتحويل كل هذا الموت إلى حياة، وكان لا بد من طريقة لتحدي قوة الجاذبية وإعادة عقارب الساعة. أن أخبر قصة دفن في جنة زهرا’، أن أبحث أين تقع هذه الوفيات في المقابر أم في قلوبنا، هذه كانت الطريق الذي وجدتها.

 

حملة افتراضية

إن العلاقة بين الفن والاحتجاج والتكنولوجيا حولت احتمال إطلاق حملة افتراضية حقيقة. وكانت الفكرة وراء جنة زهرا’ فتح جبهة جديدة في معركة من أجل حقوق الإنسان في إيران، وذلك للاستفادة من قوة الرواية المصورة كوسيلة احتجاج ونضال. والرواية المصورة على غرار المناشير أثناء الثورة الفرنسية مثلا هي الوسيلة الديمقراطية القصوى: فكلفتها متدنية وهي سريعة ويسهل الوصول إليها. أما لجهة إنتاج محتوى للرواية، فكل ما يحتاجه المرء لتجسيد الرؤية هو قلم رصاص وقليل من الخيال.

وفي حالتنا، لم نكن نحتاج إلى الكثير من الخيال وذلك بفضل شباب إيران البارعين في التكنولوجيا. ففي احتجاجات عام 2009، حول هؤلاء الشباب هواتفهم المحمولة ومدونتاهم إلى أدوات مواطن صحفي. لم يعد أولئك مجموعة من الناشطين المسجونين خلف شاشات آية الله ومسارحه بل تحولوا إلى مدونين متمكنين من وسائل التمثيل، وبالتالي، أصبحوا منتجين ومحررين وموزعين لواقعهم الخاص. ولم يكن بمقدور الجمهورية الإسلامية أن تمحو هذه الحقيقة. فوفاة ‘ندا’ حقيقة شاهدها العالم بأسره، وكذلك جنازة ‘سهراب’. وبرزت هذه الوقائع كأجزاء، لمحة في مرآة الوقت عكست وجه الشعب الإيراني الحقيقي. وما قمنا به هو جمع هذه الأجزاء في رواية واحدة: سيل من صور حقيقية وذكريات ولحظات تم تنسيقها في مدونة وعرضها كواقعٍ افتراض، وبالتالي جنة زهرا’ من حيث وصفها إنتاجا لحملة شكلت حلقة في سلسلة متصلة، وامتدادا للاحتجاجات في إيران وتعبيرا عنها.

 

مساهمة زهرة

بات النظام يشكل تهديدا على نفسه وعلى الشعب الإيراني بعد وضع رئيس الوزراء السابق، مير حسين موسوي، وعضو البرلمان السابق مهدي كروبي قيد الإقامة الجبرية، وبعدما تم إعلان عدم أهلية الرئيس السابق علي أكبر رفسنجاني، وهو الذي توج علي خامنئي مرشدا أعلى للثورة. وبالتالي فإن كان أحد في ورطة فهو المرشد الأعلى، بما يعني ذلك من أن المؤسسة الثورية الإيرانية آخذة بالتهاوي. وليس لدينا بالتالي ما نخشاه لوقوفنا من أجل حقوق الإنسان، من أجل ‘إيراننا’، من أجل إيران المحبة والحياة والضحك.

‘زهرا’ هي قوة الخيال، تذكر الشعب الإيراني بأن له كل الحق في تحدي الواقع، خاصة عندما نعتبر أن الجمهورية الإسلامية نفسها لا تتعدى كونها مجرد خيال يقف فوق مزيج من الغش والقوة. ‘زهرا’ هي قوة الشعب الإيراني في أن يحلم بمستقبل آخر وفي أن يعيش في إيران أخرى، إيران ديمقراطية وفرحة يكون لأصواتهم فيها وزنا ولحياتهم أهمية. وهي المرأة الوحيدة المرشحة في السباق إلى رئاسة الجمهورية- وإن إفتراضية- وهي المرشحة الوحيد التي تخوض الانتخابات على أساس برنامج لحقوق الإنسان.

‘زهرا’ هي المرشح الوحيد الذي طعن في شرعية مكتب سياسي ديني – يتألف من 13 رجل مسن غير منتخب منهم، 12 عضوا في مجلس صيانة الدستور، وواحد هو المرشد الأعلى – في حكم أمة من 70 مليون نسمة، 70٪ منهم دون عمر 35. وفي لحظة من تاريخ إيران حينما نظر القادة إلى الشعب الإيراني على أنه ‘غبار وقذارة’، كان منطقيا جدا أن تدخل ‘زهرا’ السباق إلى الرئاسة كمرشح إفتراضي. وقد لا يرى قادة إيران في ‘زهرا’ سوى وهما يتحدث إلى ‘غبار وقذارة’، ولكن دموع ‘زهرا’ حقيقية. من يدري أي سحر يكمن في دموعها وأيّ معجزات يمكن أن ترتفع من حفنة ‘غبار وقذارة’؟! فإيران، في النهاية وعلى رغم المفارقة، أرض يمكن أن تطغى فيها قوة الافتراضي على الحقيقي، الأمر الذي تدركه ‘زهرا’ جيدا.

من الطبيعي أن يجد المواطنون داخل إيران صعوبة قصوى في التصويت لصالح ‘زهرا’. فهي لا ترد على لوائح الاقتراع، إلا أن ذلك لم يمنع المئات من الناس الذين استجابوا لدعوة ‘زهرا’ إلى ‘انتخابات حرة ونزيهة’ من إرسال صورهم دعما للحملة. وسجلت صفحتنا على موقعي الفيسبوك وتويتر زيارات تعدت زيارات صفحات المرشحين الرئاسيين الثمانية الآخرين، لذلك كانت ‘زهرا’ بالتأكيد المرشح الأوفر حظا. ولكن الأهم من ذلك هو أن المبادئ التي ترمز لها ‘زهرا’ ألا وهي مبادئ حقوق الإنسان، والمطالبة بإلغاء عقوبة الإعدام، وإطلاق سراح السجناء السياسيين، والمساواة بين المرأة والرجل، وحماية الطلاب والعلماء، واحترام إرادة الشعب الإيراني وصوته، تتمتع بدعم متجذر وعميق داخل إيران وخارجها. وهذه المبادئ هي الأساس، ونحن قد أوصلنا رسالتنا والجميع بات يعرف أنه من الممكن لنا أن نعيش في إيران أفضل.

والحقيقة هي أنه على مدى السنوات الثلاثين الماضية، أجبرت الجمهورية الإسلامية الملايين من الإيرانيين على مغادرة بلدهم، ولكن القوة والغش والوقت والمسافة لا يمكن أن تخمد نار حبنا لإيران وثقافتها وشعبها. وإن ما نمر به اليوم يتشابه وإن جزئيا بما مرّت به فرنسا خلال الحرب العالمية الثانية، إذ يبدو للوهلة الأولى أن آية الله هو من يحكم إلا أن مقاومة عميقة تنمو في جميع أنحاء البلاد ضد ديكتاتورية لا أساس لها في التاريخ أو الثقافة الإيرانية.

يمكنكم زيارة صفحة الرواية المصورة على الوصلة أدناه:

www.zahrasparadise.com

* فنان، كاتب، وناشط حقوقي إيراني




شارك هذه الصفحة: