أزمة حكم أم مأزق ثقافة؟

مازن جابر

 مدخل

لعل ما تشهده المنطقة العربية من حراك شعبي وصل في بعض البلدان إلى ما عرف ب‘ثورة’ و‘ثورة مضادة’ وما يرافقه من مشاعر خيبة لدى قطاعات عريضة ممن كان لهم دور طليعي في هذا الحراك وأقصد هنا النساء والشباب على وجه الخصوص، وما يشوب كثير من هذه البلدان من تفش لظاهرة العنف والفوضى وخطاب الحض على الكراهية، يعكس عمق وتنوع المشكلات المتراكمة وأبعادها وانعكاساتها والتي لا يمكن اختصارها في شخص حاكم أو شكل سلطة ونظام سياسي أو تسطيحها وصولا إلى تظهيرها على أنها نتاج كم هائل من صراعات نفوذ محلية أو تداخل لمصالح إقليمية أو دولية. إن حالة عدم الاستقرار وحتى الفوضى المعممة  والتي باتت تدور في ما يشبه الحلقة المفرغة- والمقلقة إلى حد كبير- لا تؤشر إلى أيادي خفية أو مؤامرات خارجية بقدر ما هي تجليات لمأزق ثقافي بالدرجة الأولى. إن عملية تغيير السلطة أو إعادة إنتاجها على شكل يؤدي إلى تغيير فعلي في أنماط الحكم وما يرجى منه من ارتقاء في رسم السياسات الاقتصادية والاجتماعية بما يكفل العدل والمساواة وكرامة ورفاه الإنسان ومساهمته الفعالة في صناعة السلطة وبالتالي صناعة القرار، وبغض النظر عن شكل النظام السياسي، ليست وليدة أو نتاج لحظة تاريخية أو ثورة غضب بل هي عملية تراكمية تعكس تطور ثقافي وهي بالتالي، ليست انقلابا نصبح عليه أو ظاهرة يمكن استنساخها أو استيرادها وهي ليست حدثا بحد ذاتها بل عملية متواصلة. إن شكل السلطة وطريقة أداءها وآليات إنتاجها يعكس إلى حد بعيد واقع المجتمع والثقافة السائدة وأنماط السلطة فيه ومراحل تطورها لا العكس. وإن عكست ‘الثورات’ ما يكمن وراءها من غضب شعبي من الحالة الاجتماعية والاقتصادية البالغة السوء والتعقيد، فهذا لا يعني بأي حال من الأحوال نهضة أو ارتفاعا بنسبة الوعي الحقوقي أو المطالبة بالحقوق أو في الحد الأدنى ما قد يعكس فهما وتفاهما على مبدأ الحق للجميع. ولعل ما يجري في الساحات المختلفة على اختلاف أشكال الصراع يعكس بصورة واضحة الهوة الآخذة بالاتساع بين مكونات مجتمعاتنا على اختلافها. إلا أن هذا لا يعني بشكل من الأشكال أن حركة حقوق الإنسان والمجتمع المدني التي هي جزء منه والذي هو بدوره آخذ بالتشكل قد فشلت في تأدية دورها. إلا أن اللحظة الحالية تتطلب إعادة تحليل للمشهد العام- واستطرادا، هذا المشهد الذي لا تشوبه اختلافات أو تفاوت كبير بين البلدان(!) على الرغم من احتمال وجود اختلافات في تطور المشهد أو بنية وأشكال التدخل المحتملة وصولا لهذه الغاية- وبالتالي تحديد الطرق والوسائل الواجب استخدامها لكسر الحلقة المفرغة وإعادة تشكيل المنظومة الثقافية بما يكفل نهضة حقيقية لهذه المجتمعات بكافة أطيافها ومكوناتها.

 وانطلاقا من هذا المدخل، فإن كم التحديات التي تترافق مع هذا العمل ونوعها لا يمكن حصرها بالسياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي بمفهومه أو أفقه المتداول حاليا، بل يتخطاه ليشمل منظومة القيم التي تحكم العلاقة بين الأفراد في المجتمع (وتعيد إنتاج هياكل السلطة القائمة)، بمختلف تجليات تلك العلاقة وليس فقط على مستوى السلطة الحاكمة. كما أن وضع الدساتير والقوانين أو عملية إصلاحها- على أهميتها- لا تكفل تحقيق التغيير المنشود إذا لم تترافق إعادة بناء المؤسسات ومع تغيير في الممارسات والاتجاهات ومفهوم السلطة والمنفعة العامة وعقلية الحكم. والتغيير المنشود في الممارسات والاتجاهات لا يتحقق من خلال شخص الحاكم أو الحكومة، بل من خلال مؤسسات تتبنى معايير شفافة وترعى نماء المجتمع وإدارة شؤونه على شكل يكفل تمتع جميع الأفراد بجميع حقوقهم. وفي هذا السياق يقتضي أن نوضح أن منظومة حقوق الإنسان لم تكن يوما ولا يمكن أن تكون أيديولوجية أو بديلا عن أيديولوجية وهي بالتالي لا يجب أن تكون مطية فريق، طامح لسلطة أو مصالح ضيقة، كما لا يمكن أن تكون شماعة تستخدمها الحكومات للتغطية عن عجزها أو تبييض صفحتها عن طريق إدخالها صوريا في بازار السياسات الضيقة وازدواجية المعايير.  وانطلاقا من هذا التوضيح، فإن حقوق الإنسان والمطالبة بها والدعوة لها ليست وكالة حصرية لفئة أو سلطة بقدر ما هي فضاء تشاوري تشاركي مفتوح تتلاقى فيه مكونات المجتمع على منظومة قيم وعقد اجتماعي يعكس هذه القيم ويكفل احترامها. وبناء عليه فإن حركة حقوق الإنسان ليست بالضرورة على نقيض من السلطة أو يجب أن تكون، ولا هي حركة معارضة سياسية أو مشروع سلطة بديلة. والنضال الحقوقي بالتالي هو مجموع تلك الأنشطة والتدخلات- وشبكة العلاقات ووسائل وتقنيات التعبئة الضرورية- التي يقوم بها أفراد من مشارب مختلفة أو جماعات أو تحالفات ضمن سياق ورؤية واضحة (تجمعهم) تنتج أو تسهم في خلق واقع جديد يعكس تغييرا في سلوكيات وممارسات الأفراد فيما بينهم وفي  المجتمع الأوسع وتأثيرا في عملية صنع القرار ورسم السياسات بما يؤدي إلى التزام السلطة مسؤولياتها وواجباتها في حماية واحترام حقوق الإنسان. وتجدر الإشارة إلى أن حقوق الإنسان بطبيعتها ونشأتها وجدت لتؤسس لبناء مجتمعات أفضل ولحالة استقرار وسلام بين هذه المجتمعات، لا لصراعات وحروب وفوضى متنقلة داخل المجتمعات أو فيما بينها. كما أن النضال الحقوقي على تنوعه والتربية على حقوق الإنسان تحديدا كشكل من أشكال النضال الحقوقي أو كعنصر أو مكون داعم له وعلى اختلاف الوسائل المستخدمة والفئات الفاعلة- مجموع المشاركين في عملية التعلم- تهدف ببساطة للتوعية بهذه الحقوق وتمكين أصحاب الحقوق- كل البشر- من المطالبة والتمتع بحقوقهم واحترام حقوق الآخرين. إلا أن هذا التبسيط لا يجب أن يقودنا بأي شكل من الأشكال إلى الاستنتاج بوجود وصفة واضحة وجاهزة لمسار يمكن تعميمه لتحقيق هذه الأهداف.

 

خلفية

في 10 كانون الأول/ديسمبر 1948، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان فكان أول وثيقة تشكل اعترافا دوليا بقيمة الإنسان والكرامة المتأصلة فيه، وشكل الإعلان كما جاء في نداء الجمعية العامة بديباجته "المستوى المشترك الذي ينبغي أن تستهدفه كافة الشعوب والأمم حتى يسعى كل فرد وهيئة في المجتمع، واضعين على الدوام هذا الإعلان نصب أعينهم، إلى توطيد احترام هذه الحقوق والحريات عن طريق التعليم والتربية واتخاذ إجراءات مطردة، قومية وعالمية، لضمان الاعتراف بها ومراعاتها بصورة عالمية فعالة بين الدول الأعضاء ذاتها وشعوب البقاع الخاضعة لسلطانها." وحدد الإعلان في مادته السادسة والعشرين (حول الحق في التعلم) واحدا من أغراض التربية وهو تعزيز احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية". وقد كرر‘العهد الدولي الخاص بالحقوق الاجتماعية والاقتصادية والثقافية’ الذي اعتمد في عام 1966 ودخل حيز النفاذ في عام 1976 هذه الدعوة كما نص ‘العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية’، على أنه لا يمكن لحكومة ما أن تقف في طريق تعلم الناس حقوقهم.

وفي 10 كانون الأول/ديسمبر عام 2004، أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة البرنامج العالمي للتربية في مجال حقوق الإنسان للمضي قدما في تنفيذ برامج التربية في مجال حقوق الإنسان في جميع القطاعات، وتمحور برنامج العمل العالمي حول زيادة وتركيز جهود التربية في مجال حقوق الإنسان الوطنية على قطاعات وقضايا محددة.  وركز العقد الأول (2005-2009) على التربية في مجال حقوق الإنسان في المدارس الابتدائية والثانوية فيما يركز العقد الثاني (2010-2014) على التربية في مجال حقوق الإنسان للتعليم العالي وعلى برامج التدريب في مجال حقوق الإنسان للمدرسين والمربين والموظفين المدنيين والموظفين المكلفين بإنفاذ القانون والعسكريين.

وبعد جهود مضنية بذلتها مجموعة كبيرة من المنظمات الدولية العاملة في مجال حقوق الإنسان والمؤسسات والمعاهد التربوية وفعاليات المجتمع المدني في العديد من البلدان، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة في 19 كانون الأول/ديسمبر 2011 ‘إعلان الأمم المتحدة للتربية والتدريب في ميدان حقوق الإنسان’. ولا يحتوي ‘إعلان الأمم المتحدة للتربية والتدريب في ميدان حقوق الإنسان’ على أي حقوق جديدة ولكنه يدل على التزام المجتمع الدولي بحق الإنسان في تعلم حقوقه. يتألف الإعلان من 14 مادة تغطي مجموعة واسعة من الأنشطة التدريبية التي تهدف إلى مساعدة الناس على فهم الحقوق الأساسية والحريات على نحو أفضل. ويوضح الإعلان أن التربية في مجال حقوق الإنسان ينبغي أن تستند إلى مبادئ الإعلان العالمي، وأن تشمل العملية التعليمية:

·        التربية حول حقوق الإنسان بمعنى تعليم قواعد حقوق الإنسان؛

·        التربية من خلال حقوق الإنسان بمعنى أن تمارس عملية التعليم بطريقة تحترم حقوق المربين والطلاب؛

·        التربية من أجل حقوق الإنسان بمعنى أنه عملية تمكين للأفراد للتمتع بحقوقهم واحترام حقوق الآخرين.

 

وبناء على ما سلف فإن الولاية المكفولة للتربية على حقوق الإنسان لا لبس فيها: لكل إنسان الحق في تعلم حقوقه وعلى الحكومات أن تحترم هذا الحق وأن تتخذ كافة التدابير اللازمة لتسهيل إنفاذه.

تهدف التربية على حقوق الإنسان بموجب الإعلان العالمي لحقوق الإنسان إلى "إنماء شخصية الإنسان إنماء كاملاً، وإلى تعزيز احترام الإنسان والحريات الأساسية وتنمية التفاهم والتسامح والصداقة بين جميع الشعوب والجماعات العنصرية أو الدينية".

وتشمل التربية والتدريب بناء على تعريف ‘إعلان الأمم المتحدة للتربية والتدريب في ميدان حقوق الإنسان’جميع مجالات التعليم والتدريب والمعلومات والتوعية والأنشطة التعليمية الرامية إلى تعزيز الاحترام العالمي ومراعاة حقوق الإنسان والحريات الأساسية.

وتعرف منظمة العفو الدولية بدورها التربية على حقوق الإنسان على أنها '' ممارسة مدروسة تقوم على المشاركة وتهدف إلى تمكين الأفراد والمجموعات والمجتمعات من خلال تنمية المعارف والمهارات والمواقف المتسقة مع مبادئ حقوق الإنسان المعترف بها دوليا''، وعلى أنها "تسعى إلى تنمية وإدماج الأبعاد الخاصة بالمعرفة والفعالية والمواقف لدى الأشخاص، بما فيها التفكير النقدي، فيما يتعلق بحقوق الإنسان وتهدف إلى خلق ثقافة تساعد على تنمية احترام مبدأ حقوق الإنسان للجميع والدفاع عنه وتعزيزه".

 

واقع التربية على حقوق الإنسان في البلدان العربية

وعلى مستوى المنطقة العربية، أقر مجلس الجامعة العربية في قمته التي انعقدت في دمشق في 30 آذار/مارس 2008 ‘الخطة العربية النموذجية للتربية على مبادئ حقوق الإنسان’ للفترة 2009-2014.

إلا أن الطبيعة القمعية والانتهازية لمعظم الحكومات في المنطقة، وسيادة سياسة الكيل بمكيالين وطغيان الأجندات السياسية على حساب تطوير البرامج والسياسات التربوية- ناهيك عن السياسات الاجتماعية والاقتصادية التي لها كبير الأثر على التعليم على حد سواء- فضلا عن تحديات أخرى، كان لها أثر سلبي كبير على إنفاذ الخطة على مستوى التعليم النظامي بقطاعيه العام والخاص وكذلك التعليم غير النظامي. لكن قلة من الحكومات انتهزت فرصة برنامج الأمم المتحدة العالمي لتعليم حقوق الإنسان والالتزامات ذات الصلة في الميثاق العربي لحقوق الإنسان والخطة العربية، فضمنت حقوق الإنسان في بعض المواد الدراسية كالتربية المدنية والدينية (مثل المغرب، الأردن، تونس، الكويت) ولكنها لم تقم بتنقيح الكتب المدرسية ومراجعة المناهج بغية إدماج حقوق الإنسان فيها. وأظهرت قلة أخرى من الحكومات الأخرى نية في مراجعة المناهج وإدماج حقوق الإنسان فيها (مثل: عمان، البحرين، الإمارات والعراق).
وتشكل الانتقائية والتجزئة مصدر قلق كبير، فعلى سبيل المثال، وعوضا عن التفكير في القيم العامة في الديانات المختلفة والتي يمكن أن تشجع على فهم طبيعة وتطور قيم حقوق الإنسان، يتم التركيز أساسا على القيم الدينية فحسب.  وحيثما لا يكون الحال كذلك، يستخدم أسلوب التلقين وتبقى حقوق الإنسان ذلك المفهوم المجرد، مفصولة عن الواقع، فتغيب علاقتها بالقانون سواء على المستوى الوطني أو التزامات الدول بما يحمل في طياته من استهتار بروحية التربية على حقوق الإنسان وأهدافها وبالتزام حماية الحقوق وتعزيزها أو التحفيز على المطالبة بها.

وتجدر الإشارة إلى أن الخطة العربية ارتكزت على مبادئ عامة أبرزها:

            "(أ)       العالمية والكونية: جميع الناس يتمتعون بالحقوق نفسها وأنه لا أساس للتمييز بينهم؛

            (ب)     الشمولية والتكاملية: حقوق الإنسان وحدة متماسكة وغير قابلة للتجزئة؛

            (ج)       المساواة وعدم التمييز: حقوق الإنسان هي حق كل فرد يتمتع بها بدون أي شكل من أشكال التمييز على أساس العنصر أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي السياسي وغير السياسي أو الأصل العرقي أو الوطني أو الاجتماعي أو الثروة أو المولد أو أي وضع آخر؛

            (د)       المشاركة: كل الأفراد والشعوب لها الحق في المشاركة الفعلية والفاعلة في التنمية الاجتماعية والاقتصادية؛

 

ولم تقم الحكومات العربية بوضع خطط وطنية لتعليم لحقوق الإنسان (باستثناء الأردن) بما يتماشى مع عقد الأمم المتحدة للتثقيف في مجال حقوق الإنسان كما تخلفت (باستثناء المغرب) عن إنشاء لجان الخبراء من موظفين حكوميين وقطاعات المجتمع المدني المعنية تكون مهمتها القيام بمهمة مراجعة المناهج المدرسية ودراسة الإمكانيات والاحتياجات ورسم السياسات أو إصدار التوصيات لتأهيل الكوادر البشرية ذات الصلة.

ولتبيان مدى تقاعس الدول العربية في احترام التزاماتها على المستوى الدولي كما الإقليمي وأمام شعوبها والشباب بشكل خاص، من المفيد عرض أهداف الخطة العربية والتي جاءت كما يلي:

"(أ)       إدماج حقوق الإنسان في المنظومة التربوية في مختلف المراحل التعليمية؛

(ب)     تأهيل الكوادر البشرية وتدريبها في مجال التربية على حقوق الإنسان؛

(ج)       تهيئة البيئة التعليمية للتربية على حقوق الإنسان؛

(د)       توسيع المشاركة المجتمعية في نشر ثقافة حقوق الإنسان؛

وعلى مستوى التعليم العالي أو الجامعي يتم تعليم حقوق الإنسان في بعض الجامعات الحكومية والخاصة في المنطقة من خلال المقررات الاختيارية في مجال حقوق الإنسان، فيما تقدم قلة من الجامعات الدبلومات الجامعية في حين توفر أخرى شهادات الدراسات العليا. وقد أنشئت مراكز لحقوق الإنسان في بعض الجامعات إلا أن القليل منها استطاع- إلى جانب تنظيم الفعاليات والأنشطة- إطلاق أو تنشيط عمليات البحوث والدراسات في مجال حقوق الإنسان في غياب وجود مراكز بحوث ودراسات متخصصة بحقوق الإنسان بما يشكل تحديا مشتركا للقطاعين الأكاديمي والمنظمات العاملة في مجال حقوق الإنسان على حد سواء. ولا شك أن ذلك يشكل مؤشرا إلى ضعف الرؤية أو ضيق مساحات النقاش بين الأكاديميين المتخصصين والناشطين في مجال التربية على تعليم حقوق الإنسان بشكل عام بما يضعف القدرة على تطوير وتفعيل دور تعليم حقوق الإنسان في الجامعات والمدارس بشكل خاص وربطه بالواقع المحلي على شكل يساهم في التغيير الاجتماعي والتنمية والتمتع بالحقوق وحمايتها والمطالبة بها.

ويختلف المشهد بين البلدان العربية في مجال التربية على حقوق الإنسان في التعليم غير النظامي أو ما يعرف بالتعليم اللاصفي وغيره من فعاليات التدريب وبناء القدرات و إنتاج الموارد والمواد التدريبية. وتتنوع الفئات المستهدفة لتشمل الشباب والمدافعين والمدافعات عن حقوق الإنسان فضلا عن جمهور من قطاعات مهنية مختلفة مثل الصحفيين والمحامين والموظفين حكوميين. ويقوم هذا العمل بالأساس على جهود عدد كبير من المنظمات غير الحكومية العالمة في مجال حقوق الإنسان و المنظمات والشبكات الإقليمية والدولية العاملة في مجال حقوق الإنسان. وتعمل عدة منها في ظروف صعبة للغاية، فلا تلقى تسهيلا أو دعما من الحكومات بل تضييقا وملاحقة في بعض الأحيان تحت ذرائع متنوعة. ويتمحور التدريب على طائفة واسعة من الحقوق ويهدف بناء القدرات لتطوير المهارات المتنوعة التي تمكن النشطاء والمدافعين والعاملين في منظمات حقوق الإنسان أنفسهم أو الموظفين الحكوميين على أداء عملهم.

وما زالت أنشطة حقوق الإنسان- على أهميتها- بحاجة إلى المزيد من الجهود لناحية تحليل احتياج الفئات المستهدفة ورصد وتقييم الأثر والقيام بعملية المتابعة وهو ما يجب أن يدخل في صلب عملية التخطيط ويساهم في تأطير الأنشطة ووضعها في شكل مشاريع مكتملة. كما تجدر الإشارة إلى أن منهجيات التعليم ما زالت تعتمد إلى حد بعيد الأساليب التقليدية من حيث المحاضرات وأسلوب التلقين عوضا عن المنهجيات الجديدة التي تشجع المتعلم على المشاركة والتفاعل ليصبح شريكا في العملية التعليمية. وبشكل عام، فإن الكثير من العمل ما زال ينتظر الفاعلين في مجال التربية على حقوق الإنسان والفئات أو الكوادر التي تم استهدافها من حيث مراجعة الأولويات وتعزيز العمل القاعدي والتواصل المباشر مع أصحاب الحقوق المنتهكة والمهشمين. كما أن التواصل المباشر مع هذه الفئات يخدم بالدرجة الأولى غاية إشراكها في صياغة الأولويات بما يعزز مساهمتها الفعالة في عملية التعلم وربطها بالواقع المعاش ورسم أشكال التحرك المطلوب وصولا إلى تمكين أصحاب الحقوق من معرفة حقوقهم والمطالبة بها. وينطبق هذا التوجه بشكل خاص على المناطق الفقيرة وأحزمة الفقر والحرمان المنتشرة داخل المدن الرئيسية أو في المناطق البعيدة عن المركز. كما أن هذا التوجه والذي يمكننا القول أنه حديث نسبيا تعزز إثر نتاج تجارب ناجحة أفضت إلى قناعة مفادها أن أصحاب الحقوق هم الأولى والأقدر على تحديد أولوياتهم ومناصرة حقوقهم والمطالبة بها عندما تتم توعيتهم بهذه الحقوق وتدعيمهم وتمكينهم في المهارات والوسائل المناسبة. ولا نغفل في هذا السياق الدور الرئيسي الذي يمكن أن يلعبه الشباب في هذا المجال وخاصة تلك المجموعات التي ساهمت إلى حد بعيد في الحراك الشعبي مؤخرا في عدد من بلدان المنطقة.

 

ختاما، بصرف النظر عن الخلاف والاختلاف بين مكونات المجتمع وفعالياته، وبين جمهور غاضب أو جماهير متقابلة، ونحن على أبوب الألفية الثالثة، أصبح لزاما علينا أن ندرك أن عدم احترام الكرامة الإنسانية المتأصلة في كل فرد من أفراد المجتمع وبالتالي عدم احترام مبدأ جميع الحقوق لجميع البشر لا يمكن أن ينتج مجتمعا مستقرا، وأن انتهاك حقوق الإنسان تحت أي ذريعة وفي أي مجتمع كان (وبصرف النظر عن وجود اختلافات أيديولوجية أو عقائدية أو تنوع إثني أو ديني أو مذهبي) سوف يؤدي إلى فرز وتهميش يكون بدوره سببا في انعدام الاستقرار. نحن إذا بأمس الحاجة لخطوة جريئة تقودنا إلى إعادة النظر بقيمنا التربوية وأهدافها، وبالأسس التي تقوم عليها تربيتنا ومفاهيمها ومنهجياتها ووسائلها، وبالتالي تلك الأسس التي تشكل مجتمعاتنا كما نطمح أن تكون.  نحن مطالبون اليوم- نشطاء وخبراء تربويين وطلبة ومهنيون وكوادر حكوميون- بالتمعن في مناهجنا التربوية ومنهجياتها ونقدها بما يمكننا من مراجعتها والنظر في الطرق الفضلى لإدماج معايير حقوق الإنسان فيها. ويجب ألا نغفل عن أن تحقيق أهداف التدريب والتربية على حقوق الإنسان لا تقتصر على كتاب مدرسي أو مادة جامعية اختيارية حول حق محدد أو اتفاقية أو آلية حقوق إنسان (التربية على حقوق الإنسان)، بل تعتمد أيضا على ممارسة ومنهجية تؤسس للعلاقات بين الأفراد- داخل المؤسسة وفي بيئتها المحلية- فتكون نموذجا لاحترام الحقوق (التربية من خلال حقوق الإنسان)، وهو ما يتطلب تأهيل كوادر تعليمية في القطاعين العام والخاص وفي المجالين الصفي واللاصفي بما يكفل إشراك المتعلم في العملية التعليمية، فضلا عن العمل على توسيع إطار العملية التعليمية لتشمل البيئة المحلية بمختلف مكوناتها والعمل مع أصحاب الحقوق لتمكينهم من التمتع بحقوقهم والدفاع عنها وعن حقوق الآخرين (التربية من أجل حقوق الإنسان). كما علينا أن نستفيد من التطور المنقطع النظير في مجال تكنولوجيا الاتصالات وأساليب التعلم عن بعد وتسخيرها حيثما أمكن لتسهيل عملية التعلم والتواصل وتبادل الخبرات والموارد فضلا عن استهداف جمهور أوسع. ويجب ألا نغفل دور الفنون على تنوعها في تطوير قدرات الشباب وإبداعه وخلق فضاء لحرية التعبير ومساحات النقاش، فضلا عن كونه إحدى وسائل التمكين- المسرح مثالا- التي يمكن استخدامها بجدوى اثبت فعاليتها في العديد من التجارب.

إن هذا العملية الطويلة الأمد تحتاج بلا شك إلى تحليل معمق للواقع وتحديد واضح للأولويات وللاحتياجات، وتتطلب البناء على والاستفادة من التجارب والممارسات الجيدة في المنطقة أو خارجها، وتضافر جميع الجهود وتوفير الموارد وتطوير شراكات فعالة وطويلة الأمد- محلية كانت أو إقليمية أو دولية- مبنية على أسس واضحة من التفاهم والأهداف البعيدة المدى والتي تتجلى بخلق ثقافة لحقوق الإنسان. وعلى الحكومات، بالطبع، وبالحد الأدنى أن تسهل وتحمي هذه العملية، إن كانت عاجزة حتى الآن عن إدراك أهمية تحديث السياسات التربوية بشكل عام وتلك المتعلقة بالتربية على حقوق الإنسان بشكل خاص وموقعها المفترض في سلم أولوياتها والموارد التي يجب أن تخصص لها،  أو كانت قاصرة عن النهوض بالتزاماتها في هذا السياق.




شارك هذه الصفحة: