الأيزيديون في العراق: كوتا تسرق أصواتهم وقوانين تنتهك حقوقهم

غسان سالم*

يشعر الأيزيديون، وبقية الأقليات وخاصة الدينية، بخوف كبير تجاه مستقبلهم في العراق، رغم أنهم تأملوا خيرا في التغيير في نظام الحكم إبان عام 2003، خاصة وأن هذا التغيير رفع شعار الديمقراطية ومبادئ حقوق الإنسان طريقا لتحقيق العدالة الاجتماعية المفقودة في هذا البلد منذ تأسيسه في بداية القرن الماضي.

هذا التفاؤل في بداية التغيير، انقلب إلى توتر وشعور بالقلق من انتهاء وجودهم في هذا البلد، هذا الوجود الذي يعود إلى آلاف السنين.

والأيزيديون مجموعة دينية لها طقوسها وتقاليدها الخاصة، ويتمركز معظمهم في محافظة نينوى فيما يقطن بعضا منهم في محافظة دهوك ويبلغ عددهم بحسب إحصائيات غير رسمية بين 400 و 600 ألف نسمة، حيث لا يوجد إحصاء دقيق لعددهم، وهم ممثلون في مجلس النواب العراقي (البرلمان) بسبعة مقاعد، ستة على قائمة التحالف الكردستاني والسابع على قائمة الحركة الأيزيدية من أجل الإصلاح والتقدم ضمن مقعد الكوتا المخصص لهم.

لقد اندفع الأيزيديون بقوة لقول نعم للدستور العراقي الجديد، رغما عن تناقضاته، لأنه أول دستور يذكرهم ويعترف بهم كديانة، وكان لأصواتهم في استفتاء 2005، التأثير الواضح لتمرير هذا الدستور، بعد أن راهنت القوى المعارضة لإسقاطه (دستور 2005) في المحافظات السنية الثلاث (نينوى، الأنبار، صلاح الدين) بالحصول على ثلثي الأصوات القائلة (لا للدستور)، لكن أصوات الأقليات في محافظة نينوى أفشلت تلك المحاولة.

واليوم، وبعد عشر سنوات من التغيير الذي تأملوا أن ينصفهم، يشعرون بخوف متزايد من التوجه العام للسلطة، خاصة التأثير الواضح للقوى الدينية والمذهبية التي تدفع العراق باتجاه يتعارض ومفهوم المواطنة القائمة على أساس العدالة الاجتماعية وحقوق الأقليات والإنسان بشكل عام.

في هذا الاستعراض الموجز نشخص أهم الإشكاليات التي يعاني منها الأيزيديون في عراق ما بعد 2003، حيث يرى الأيزيديون أن العديد من القوانين النافذة تنتهك حقوقهم المدنية، وهي بالتأكيد قوانين وممارسات تنتهك الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والإعلان بشأن حقوق الأشخاص المنتمين إلى أقليات قومية أو إثنيه وإلى أقليات دينية ولغوية، فضلا عن ممارسات من قبل السلطة التنفيذية وحتى التشريعية تتعارض والدستور العراقي أصلا.

الكوتا تسرق أصوات الأيزيديين

أقر مجلس النواب العراقي (البرلمان) تعديلات على قانون الانتخابات لمجالس المحافظات والأقضية والنواحي بغية التهيئة لإجراء انتخابات هذا العام، وتضمن التعديل منح الأيزيديين أربع مقاعد كوتا لهم في مجلس محافظة نينوى، حيث يتمركز أغلب الأيزيديون، واعتبر الأيزيديون تحديد أربع مقاعد إجحافا بحقهم، واعترض أمير الأيزيدية في العراق والعالم (تحسين سعيد بك) في تصريح صحفي على عدد المقاعد، واعتبر العدد غبنا واضحا لأبناء الديانة الأيزيدية، وانتقدت أغلب الأوساط الأيزيدية هذا التعديل كون العدد لا يتناسب والثقل السكاني لهم، حيث يبلغ عددهم 600 ألف نسمة بحسب قول أمير الأيزيدية.

وكان الأيزيديون قد حصلوا في الانتخابات الماضية على ثمانية مقاعد في محافظة نينوى (خمسة مقاعد للحزب الديمقراطي الكردستاني، واثنين للإتحاد الوطني الكردستاني، ومقعد واحد على الكوتا للحركة الأيزيدية من أجل الإصلاح والتقدم).

ويرى الحقوقي والناشط الأيزيدي دلوفان حسون أن فرض أربع مقاعد على الأيزيدية كي يتنافسوا عليها في نينوى سيجعلهم يخسرون مقاعد كان من الممكن أن يحصلوا عليها ضمن ترشحهم على لوائح الأحزاب الوطنية، خاصة أنهم ناشطون فاعلون ضمن هذه الأحزاب وبالأخص العلمانية منها.

أوقاف الأيزيديين

ما تزال معظم أوقاف الديانة الأزيدية (معابد ومزارات) غير مثبتة في السجلات العقارية،  والمسجلة منها في دائرة التسجيل العراقي وضعت تحت عبارة (وقف غير صحيح) وبمساحات لا تتوافق وحجمها الحقيقي على الأرض، والبعض منها مسجل باسم أشخاص، كون الدولة في حينها كانت ترفض تسجيل المنشآت الوقفية الجديدة وكون الديانة غير معترف بها في حينها، بما يعني من إشكاليات قانونية عديدة، لم تقم الحكومة الحالية أو سابقتها بمعالجتها حتى اليوم.

نعم اعترف الدستور العراقي الجديد بالديانة الأيزيدية، وأعطاها الحق بإدارة الشؤون الدينية، ونتيجة لذلك تم تأسيس ديوان أوقاف خاص بالأقليات الدينية (ديوان أوقاف المسيحيين والديانات الأخرى) ومجرد إطلاق هكذا تسمية على ديوان أوقاف الأقليات الدينية يعد انتقاصا بحق الأيزيديين والصابئة المندائيين المشاركين في هذا الديوان، وانتهاكا واضحا لحقوق الأقليات الدينية بحسب الدستور العراقي، ولحقوق الإنسان بشكل عام والأقليات بشكل خاص.

وخلال هذا العام (2012) ونتيجة لضغط البرلمانيين الأيزيديين وممثل الصابئة المندائيين في البرلمان، ومناصري حقوق الأقليات، تم تشريع قانون جديد من قبل البرلمان العراقي تضمن صراحة اسم الديانات الثلاث (ديوان أوقاف المسيحيين والأيزيديين والصابئة المندائية) علما أن طموح الأقليات الدينية وخاصة الأيزيدية كان تأسيس ديوان أوقاف خاص بهم، علما أن الدستور أعطى هذا الحق لأتباع الديانات والمذاهب، لكن لم يتحقق ذلك بسبب التوجه العام الحالي المسيطر على الدولة العراقية.

قوانين تنتهك حقوق الأقليات الدينية

»لم يعد لي أمل سوى الهجرة من العراق، أنا أيزيدي مسجل مسلم، ولا أعلم ماذا أفعل؟» هكذا وصف (س.ن) حالته بيأس، فهو أيزيدي تم تسجيله مسلم عندما كان صغيرا بسبب اعتناق والدته الإسلام، حيث عاش هو وإخوته الأربعة في كنف عمه منذ رحيل والدته مع أحد المسلمين.

وتفرض القوانين العراقية تسجيل الأبناء القاصرين مسلمين في حالة إسلام أحد الأبوين، بحسب قاعدة »أفضل الأديان».

وشخص الناشط في قضايا الأقليات الدينية صائب خدر في بحثه المقدم لمؤتمر الأكاديميين الأيزيديين الذي عقد في ألمانيا شهر حزيران 2012، (الأقليات الدينية في بعض القوانين العراقية، الأيزيدية نموذجا) قوانين تنتهك حقوق الأقليات الدينية ومنها المادة (21) الفقرة (3) من قانون الأحوال المدنية رقم 65 لسنة 1972، والتي تنص (يتبع الأولاد القاصرين في الدين من اعتنق الدين الإسلامي من الأبوين) ويذكر الناشط خدر »هناك الكثير من العوائل في المناطق الأيزيدية أسلم الأب أو الأم في فترة زمنية بدون علم الأهل أو العائلة أو بعلمهم مما أدى إلى أن تبعت العائلة كلها دين الأب أو الأم المسلمة، رغما عن تمسك العائلة من الأبناء بالأيزيدية ممارسة وطقوسا وفكرا».

ويضيف الناشط في بحثه »واستنادا إلى قانون الأحوال المدنية تم تغيير أو تحويل ديانة كل العائلة بالتبعية إلى مسلمين في الجنسية العراقية وهوية الأحوال المدنية عنوة».

ويذكر الناشط صائب خدر أنه بنتيجة للضغوط التي مارسها المسيحيين في زمن النظام السابق استطاعوا الحصول على بيان صادر من ديوان رئاسة الجمهورية (السابق) بموجب كتاب ديوان الرئاسة رقم (ب/9/33963 في 25/9/1988) والذي نص على أنه »للقاصرين، الذين تم تغيير دينهم إلى مسلم تبعا لإسلام أحد أبويهم والذين يريدون العودة إلى الدين المسيحي، الحق في إقامة دعوى على مديرية الأحوال المدنية العامة خلال سنة من تاريخ بلوغهم سن الرشد». واستفاد بعض المسيحيين من هذا النص، لكنه لم يشمل الأيزيديين وقتها، لكن في عام 1994 صدر كتاب من ديوان الرئاسة بالرقم (10777 في 8/5/1994) ألغى الكتاب السابق ونص الكتاب الجديد على: »يعتمد في تغيير ديانة الصغير غير المسلم تبعا لإسلام والديه على ما تقرره الأحكام الشرعية».

ولدى الرجوع إلى الأحكام الشرعية تبين أن هناك قاعدتين بحسب البحث أعلاه:

1-      أنه إذا أسلم الأب أو الأم صار الأولاد القاصرين مسلمين بالتبعية؛

2-     أن من أصبح مسلما، سواء كان إسلامه أصيلا أو بالتبعية، لا يجوز له الرجوع عنه لأن تلك ردة تمنعها أحكام الإسلام وتعاقب عليها.

ويذكر (س.ن.) الأيزيدي المسجل مسلم في الوثائق الرسمية أنه خائف على حياته فهو غير قادر حتى على رفع دعوة قضائية لتصحيح وثائقه، ولا يستطيع تأسيس عائلة والعيش بشكل طبيعي داخل المجتمع الأيزيدي لذلك قرر الهجرة إلى ألمانيا.

* المنسق العام لرابطة التآخي والتضامن الأيزيدية.





شارك هذه الصفحة: