عديمو الجنسية: كرامة مهدورة

مازن جابر*

التعريف

عديمو الجنسية هم أطفال ونساء ورجال وكبار سن يفوق عددهم بحسب الإحصاءات الرسمية 6.6 مليون نسمة، في أكثر من 65 بلدا، بينما تقدر مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين عددهم ب15 مليون نسمة. ويقصد بعديم الجنسية أي شخص لا تعتبره أي دولة مواطنا بمقتضى تشريعها، كما جاء في التعريف الذي اعتمدته الاتفاقية بشأن وضع الأشخاص عديمي الجنسية لعام 1954.[1] ونصت الاتفاقية أن تعريف عديمي الجنسية لا ينطبق على »الأشخاص الذين يتمتعون حاليا بحماية أو مساعدة توفرها لهم هيئة من هيئات الأمم المتحدة أو وكالة من وكالاتها غير مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، ما استمروا يتمتعون بالحماية أو المساعدة المذكورة«. [2]

أسباب انعدام الجنسية

تتنوع أسباب انعدام الجنسية إلا أن أكثرها شيوعا يتصل بسياسات الإقصاء كالتشريعات التمييزية التي تستهدف فئات معينة كأقلية دينية أو أثنية على سبيل المثال أو تلك التي تمنع المرأة من منح الجنسية لأطفالها أو اختلاف التشريعات بين دولة وأخرى (أو أخطاء تقنية ناتجة عن قوانين معقدة) أو ببساطة توارث انعدام الجنسية! كما يؤدي زوال كيان واستحداث آخر (في سياق تعاقب الدول) أو حصول نزاع بين دولة وأخرى في بعض الأحيان إلى نزوح مجموعات وإسقاط جنسيتها أو وقوعها فيما يشبه فراغ قانوني ينتج عنه لاحقا انعدام الجنسية. وعلى الرغم من أن مشكلات اللاجئين والنازحين داخليا وعديمي الجنسية تتشابه أحيانا فضلا عن تداخل بين هذه الفئات - أو مسببات معاناتها - في ظروف أخرى، إلا أنها فئات متباينة.

الولاية

وسعت قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة تفويض[3] مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين ليشمل الأشخاص الذين تنطبق عليهم المادة 11 والمادة 20 من اتفاقية الحد من انعدام الجنسية لعام 1961، كما تبنت الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1995 استنتاجات الهيئة التنفيذية[4] لمفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. وفي العام 2006، تبنت الجمعة العامة في قرارها 137/61 استنتاج الهيئة التنفيذية رقم 106 الذي حدد مسؤولية المفوضية بأربع مجالات تتضمن تحديد، ومنع، وخفض  حالات انعدام الجنسية، وحماية عديمي الجنسية. وفي عام 2010، أصدرت مفوضية شؤون اللاجئين مذكرة إستراتيجية[5] بشأن التدابير التي تتخذها للتصدي لحالات انعدام الجنسية .وتطرح هذه المذكرة إطارًا للعمل يرمي إلى التصدي لحالات انعدام الجنسية، حيث تُبرز المسائل الرئيسية التي ينبغي تناولها على المستوى الميداني والتي قد تثبت فائدﺗﻬا للشركاء من الحكومات وهيئات الأمم المتحدة واﻟﻤﺠتمع المدني، فضلا عن المنظمات الإقليمية.

الإطار القانوني

وكانت الاتفاقية بشأن وضع الأشخاص عديمي الجنسية لعام 1954 قد صدرت أساسا على شكل برتوكول ملحق باتفاقية جنيف لعام 1951 للاجئين يعنى بانعدام الجنسية ثم تحولت لاتفاقية قائمة بذاتها عام 1954. وتطالب الاتفاقية الدول الأطراف بتوفير الوثائق لعديمي الجنسية ومنحهم إقامة قانونية في الحالات الملائمة، وهي تحدد بالتالي المعايير الدنيا لمعاملة الأشخاص عديمي الجنسية، بينما أقرت اتفاقية 1951 المتعلقة بوضع اللاجئين مع تأجيل إقرار البروتوكول الخاص بعديمي الجنسية ولكنها قضت بمعاملة اللاجئين من عديمي الجنسية بصفتهم لاجئين. ونظرا لأن مشكلة انعدام الجنسية تشكل ظاهرة متفاقمة بحيث يؤدي عدم التوصل لحلول جذرية لها إلى تفاقمها، جاءت اتفاقية 1961 بشأن الحد من انعدام الجنسية لتوفر إطارا لتجنب حدوث انعدام الجنسية للأطفال المولودين فضلا عن تجنب انعدام الجنسية في وقت لاحق من الحياة، وكذلك وسيلة لمنع انعدام الجنسية إثر تعاقب الدول.

لقد نص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على حق كل فرد في التمتع بجنسية وعلى أنه»لا يجوز حرمان أي شخص تعسفا من جنسيته، أو إنكار حقه في تغييرها«[6]، وبأن من حق كل إنسان التمتع بشخصية قانونية.[7]

وتتعهد الدول الأطرف بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية »باحترام الحقوق المعترف بها فيه، وبكفالة هذه الحقوق لجميع الأفراد الموجودين في إقليمها والداخلين في ولايتها، دون أي تمييز بسبب العرق، أو اللون، أو الجنس، أو اللغة، أو الدين، أو الرأي سياسياً أو غير سياسي، أو الأصل القومي أو الاجتماعي، أو الثروة، أو النسب، أو غير ذلك من الأسباب.«[8] وتنص المادة 16 من العهد على أنه »لكل إنسان، في كل مكان، الحق بأن يعترف له بالشخصية القانونية.« وتؤكد المادة 26 على أن »جميع الأشخاص متساوون أمام القانون، ولهم الحق، دون أي تمييز، في الحماية المتكافئة للقانون.« وفي هذا السياق، تلزم الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري الدول بأن تكفل »حق كل إنسان، دون تمييز بسبب العرق أو اللون أو الأصل القومي أو الإثني، في المساواة أمام القانون، لا سيما بصدد التمتع بالحقوق" بما في ذلك الحق في الجنسية.[9]

وحتى تاريخنا هذا، هناك 65 دولة طرف في اتفاقية عام 1954 و37 دولة موقعة على اتفاقية عام 1961. ولا تشكل هذه الأرقام سوى دليلا إضافيا على تعقيد مسألة انعدام الجنسية وضرورة العمل على استراتيجيات موازية لمكافحة هذه الظاهرة على مستوى العالم عامة وعلى المستوى الإقليمي بشكل خاص. إلا أن هذا الواقع لا يعفي الدول من التزاماتها بموجب الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان، وبالتالي إعمال اتفاقيات حقوق الإنسان القائمة في سبيل الحد من انعدام الجنسية وحماية حقوق الأشخاص عديمي الجنسية وضمان تمتعهم بحقوقهم كبشر واحترام كرامتهم الإنسانية دون تمييز بحقهم بما في ذلك التمييز ضد المرأة. فمن البديهي أن يعرض انعدام الجنسية النساء لمخاطر إضافية ويجعلهن أكثر عرضة لسوء المعاملة كما يؤدي أيضا إلى حرمان الأطفال من التمتع بحقوقهم والحصول على فرصة لمستقبل أفضل.

وبموجب المادة 24 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، يجب أن يسجل كل طفل فور ولادته وأن يعطى إسما، كما تنص المادة على حق كل طفل في اكتساب جنسية، وهو ما أكدت عليه أيضا اتفاقية 1989 بشأن حقوق الطفل في مادتها السابعة. 

وتلزم اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة بأن:

»1- تمنح الدول الأطراف المرأة حقوقا مساوية لحقوق الرجل في اكتساب جنسيتها أو تغييرها أو الاحتفاظ بها. وتضمن بوجه خاص ألا يترتب على الزواج من أجنبي، أو على تغيير الزوج لجنسيته أثناء الزواج، أن تتغير تلقائيا جنسية الزوجة، أو أن تصبح بلا جنسية، أو أن تفرض عليها جنسية الزوج؛
2- تمنح الدول الأطراف المرأة حقا مساويا لحق الرجل فيما يتعلق بجنسية أطفالهم.«[10]  

 

وقد عززت العديد من الوثائق الإقليمية الحق في الجنسية ومنها المادة 20 من الاتفاقية الأميركية لحقوق الإنسان (1969)، والاتفاقية الأوروبية بشأن الجنسية (1997).

كما نص الميثاق الإفريقي لحقوق ورعاية الطفل (1999) على أنه:

»1- كل طفل الحق منذ مولده فى أن يكون له اسم؛

2- يجب تسجيل كل طفل فور مولده؛

3- لكل طفل الحق فى اكتساب جنسية؛

4- على الدول الأطراف أن تتعهد بضمان اعتراف تشريعاتها الدستورية بالمبادئ التى

يحق بموجبها لكل طفل اكتساب جنسية الدولة التى ولد فى إقليمها، إذا لم يكن الطفل

قد منح، عند مولده، الجنسية من أية دولة أخرى وفقا لقوانينها«.

فيما نص الميثاق العربي لحقوق الإنسان (2004) على أنه:

»1-  لكل شخص الحق في التمتع بجنسية ولا يجوز إسقاطها عن أي شخص بشكل تعسفي أو غير قانوني؛
2- للدول الأطراف أن تتخذ الإجراءات التي تراها مناسبة وبما يتفق مع تشريعاتها الداخلية الخاصة بالجنسية في تمكين الأطفال من اكتساب جنسية الأم مع مراعاة مصلحة الطفل في كل الأحوال؛

... «[11]

وعلى الرغم من أن المعاهدات الدولية المتعلقة بانعدام الجنسية توفر قدرا من التوجيه بشأن الحد من انعدام الجنسية، إلا أن معظم دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا- ولغاية يونيو/حزيران 2012 - ليست دولا أطراف في الاتفاقيتين ذات الصلة باستثناء ليبيا وتونس وهما أطراف لاتفاقيتي 1954 و 1961، والجزائر التي صادقت على الاتفاقية الأولى لعام 1954، وإسرائيل التي صادقت على الاتفاقية الثانية لعام 1961. ولا يعفي هذا الواقع دول المنطقة من التزاماتها بالحد من انعدام الجنسية - خاصة عند الأطفال إذ أن كافة دول المنطقة صادقت على اتفاقية حقوق الطفل- بموجب الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان التي صادقت عليها.

ومن المعلوم أن التشريعات التمييزية بحق المرأة والتي لا تسمح للنساء بمنح أطفالهن الجنسية على قدم المساواة مع الرجال غالبا ما تكون سببا في تمادي وتفاقم ظاهرة انعدام الجنسية. وفي مسح أجرته مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين تبين أن 25 دولة حول العالم لديها قوانين تمنع النساء من منح جنسيتهن لأطفالهن بينها 12 دولة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في حين شرعت بعض دول المنطقة في اتخاذ إجراءات  لإصلاح قوانين الجنسية مثل مصر والعراق والجزائر وتونس والمغرب.[12]

كما أن توافر إحصاءات دقيقة حول الأشخاص عديمي الجنسية يعتبر نقطة البداية في مسار معالجة أوضاعهم وتبقى هذه الإحصاءات بعيدة المنال خاصة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا نظرا لعدم توفر القرار السياسي المناسب للتعامل مع هذه الظاهرة، على الرغم من أن انعدام الجنسية لشرائح من مكونات المجتمع قد يؤدي أحيانا اضطرابات وصراعات أو نزوح قسري فضلا عن أنه بالأساس حرمان لتلك الشرائح من التمتع بأبسط حقوقهم الإنسانية.

كرامة مهدورة

لا يحرم انعدام الجنسية الإنسان فقط من بطاقة تعريف أو هوية بل يتعداه إلى ما يشبه انعدام وجود للشخصية القانونية. وتشكل الجنسية أو الإقامة وغيرها من الوثائق القانونية الصادرة عن دولة ما - بغض النظر عن اختلاف التشريعات، أو أسس منحها والامتيازات التي تنتج عنها - الرابط القانوني الذي يحدد العلاقة بين الفرد والدولة التي يعيش فيها، مواطنا كان أم من غير المواطنين، وإطارا للشخصية القانونية التي يتمتع بها الشخص، وحماية قانونية وإطارا للحقوق التي يتمتع بها. 

وبناء عليه يصبح الحق في العمل أو الرعاية الصحية أو التعليم على سبيل المثال عرضة للانتهاك ويصبح التمييز وسوء المعاملة خطر قائم وملازم للأشخاص عديمي الجنسية.

كما يصبح التفكير بتغيير الواقع والبحث عن فرص للانتقال إلى بلد آخر يضمن الحق بالعيش الكريم أشبه بوهم فالحصول على جواز أو وثيقة سفر شبه مستحيل، وغالبا ما تنتهي رحلة الهجرة بلا وثائق بالاعتقال أو الترحيل والترحيل المتبادل بين الدول. ولا توجد إحصاءات لعدد القابعين في السجون من عديمي الجنسية إلا أنهم موجودون في مختلف بلدان العالم فالاعتقال على أساس عدم حيازة هوية أو أوراق ثبوتي هو أمر شائع.

إن تسجيل زواج أو طلب شهادة ولادة (أو حتى وفاة) قد يتحول معضلة قانونية، بما يترتب عن ذلك من معاناة مستمرة وتفاقم لظاهرة انعدام الجنسية.

وفي ما يشبه انعدام وجود بنتيجة انعدام الشخصية القانونية لا يستطيع الأشخاص عديمو الجنسية في معظم الأحيان أن يكونوا طرفا في العقود لغاية العمل أو التأمين أو التملك وتسجيل الملكية كما يحرمون من الإرث.

ونتيجة لما سلف، يقع عديمو الجنسية في بعض الأحيان ضحية للاستغلال (بما في ذلك العمل بأجور منخفضة جدا، الاتجار بالبشر... ) وبشكل خاص النساء والأطفال ، يعانون الفقر والظروف المعيشية السيئة.

وفي المحصلة، يعيش عديمو الجنسية على هامش الكرامة الإنسانية، ضحية حلقة مفرغة من التمييز والصعوبات القانونية التي تحول بينهم وبين المطالبة بالحقوق، كما التماس العدالة والإنصاف بما يشبه استثناء لهم من بالتمتع بحقوقهم الإنسانية.

خاتمة

لا يتطلب النظر في مجمل أسباب انعدام الجنسية أو في استمرار انعدامها بحثا معمقا كي نخلص إلى نتيجة مفادها أن استمرار تفشي هذه الظاهرة ليس سوى نتاج تراكمي لانتهاك منهجي لحقوق الإنسان يقع بحق إحدى الفئات المستضعفة، ولا يدل الفارق بين الأرقام الرسمية لعديمي الجنسية والتقديرات الواقعية لأعدادهم حول العالم سوى إلى قدر التهميش الذي تعانيه هذه الفئات، الذي يصل في كثير من الأحوال إلى شبه انعدام وجود.

* مسؤول المعلومات للتربية على حقوق الإنسان، منظمة العفو الدولية، المكتب الإقليمي

 



[1]  المادة الأولى من الاتفاقية بشأن وضع الأشخاص عديمي الجنسية، المجلس الاقتصادي والاجتماعي، 28 سبتمبر/أيلول 1954.

[2]  المرجع السابق.

[3]  قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 3274 لعام 1974 و 36/31 لعام 1976.

[4]  تبنى قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 152/50 استنتاجات اللجنة التنفيذية لمفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين رقم 78.

[5]  مذكرة إستراتيجية لمعالجة انعدام الجنسية، مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، مارس/آذار 2010.

[6]  المادة 15 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الجمعية العامة للأمم المتحدة، 10 ديسمبر/كانون الأول 1948.

[7]  المادة 6 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الجمعية العامة للأمم المتحدة، 10 ديسمبر/كانون الأول 1948.

[8]  المادة 2 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الجمعية العامة للأمم المتحدة، 23 مارس/آذار 1976 (تاريخ بدء النفاذ).

[9]  المادة 5 من الاتفاقية الدولية للقضاء على التمييز العنصري، الجمعية العامة للأمم المتحدة، 4 يناير/كانون الثاني 1969 (تاريخ بدء النفاذ).

[10]  المادة 9 من اتفاقية القضاء على التمييز ضد المرأة، الجمعية العامة للأمم المتحدة، 3 سبتمبر/أيلول 1981 (تاريخ بدء النفاذ).

[11]  المادة 29 من الميثاق العربي لحقوق الإنسان، القمة العربية السادسة عشرة، تونس، 23 مايو/أيار 2004.

 [12] عدم المساواة في معاملة النساء تؤدي إلى وجود أطفال عديمي الجنسية، بيان إعلامي، 2012، http://tinyurl.com/cndqs8b.




شارك هذه الصفحة: