عديمو الجنسية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

مازن جابر*

 على الرغم من عدم توفر معلومات شاملة حول عديمي الجنسية في الشرق الوسط وشمال أفريقيا، وعمق معاناتهم، يسلط هذا المقال الضوء على أوضاع بعض الجماعات من عديمي الجنسية في بعض بلدان الإقليم على سبيل المثال لا الحصر.

 الكويت

على وقع »الربيع العربي«، وبدءا من فبراير/شباط 2011،علا صوت عديمي الجنسية في الكويت وتظاهر الآلاف مطالبين بحقوقهم،  في أحد أغنى البلدان في العالم، قتم قمع المظاهرات واعتقل العشرات وسط ادعاءات بتعرضهم للتعذيب والمعاملة اللاإنسانية والمهينة (ولم تقم الحكومة حتى الآن بالتحقيق في هذه الادعاءات) ولا تزال محاكمات عدد منهم جارية بتهمة »التجمع غير القانوني«.

»لا أستطيع الحصول على شهادة ولادة، أو زواج أو طلاق، ولا حق لي بالعمل في القطاع العام أو بالتملك، كما لا يحق لي بدراسة جامعية«. هكذا يلخص نواف البدر (27 سنة، قابلته بعثة لمنظمة العفو الدولية زارت الكويت هذا العام) غاضبا معنى أن تكون من »البدون« في الكويت (»بدون« هي اختصار(!) لعبارة بدون جنسية). ولا يحمل نواف الجنسية الكويتية على الرغم من أن عائلته عاشت في الكويت لأكثر من ثلاثة أجيال ويشاركه معاناته اليومية أكثر من 100,000 من عديمي الجنسية في حين تقول الحكومة أن 34,000 على أبعد تقدير لديهم أمل بالحصول على الجنسية[1]. وتحمل الإجراءات المتخذة لطلب الجنسية تعقيدات جمة ويبقى قبوله في معظم الأحوال رهن  مزاج أو علاقات شخصية.

 وتعاني النساء والفتيات تمييزا مضاعفا، فالعائلات التي لا تستطيع تحمل الأعباء المادية غالبا ما تلجأ لتعليم الأبناء فتبقى الفتيات بلا تعليم أو تتناوب الأخوات مداورة على التعليم. وتقول ناديا في حديث لبعثة منظمة العفو الدولية: »بيوتنا صغيرة وغالبا ما تنام الفتيات على أرض المطبخ«، وتضيف قائلة: »نحن لا نعبر عن غضبنا بشأن أوضاعنا، تعلمنا أن نبقي سقف توقعاتنا منخفضا وأن لا يكون لنا تطلعات أو آمال«. وتشعر ناديا، كما صديقتها بشائر التي تصف حياتها بالمعلقة بعدما انتهت صلاحية هويتها وهي كانت تأمل دخول الجامعة بعد أن ادخرت المال اللازم لذلك، أنهن كنساء، لا يمكنهن المشاركة في التظاهر، إلا أنهم »وبعد 50 عاما من الصمت، أصبح بإمكانهن الصراخ عبر توتيتر«.

 ومن الجدير بالذكر أن جماعات أخرى من عديمي الجنسية تعيش في دول مجلس التعاون الخليجي في غياب إحصاءات رسمية عن أعدادها فيما تشير التقديرات إلى أن عددهم يقارب ال100,000 في الإمارات (10,000 بحسب الأرقام الرسمية) و1,300 في البحرين (بعدما حصل ما بين 9,000 إلى 15,000 منهم على الجنسية عام 2011)، و1,500 في قطر، فيما تغيب التقديرات لعددهم في السعودية.[2]

 سوريا

ما زال أبناء الأقلية الكردية، التي تشكل اليوم نحو 10% من السكان، يتعرضون للتمييز على أساس الهوية، بما في ذلك القيود القانونية على استخدام لغتهم وثقافتهم الكردية. كما كانوا من الناحية الفعلية بدون جنسية حتى أصدر الرئيس الأسد المرسوم التشريعي رقم 49 بتاريخ 7 إبريل/نيسان، والذي نص على منح الجنسية السورية للأجانب (الأكراد) ولكنه لم يمنحها لأولئك المعروفين باسم «المكتومين»، الذين يعيش معظمهم في محافظة الحسكة. [3] إلا أن عملية الحصول على الجنسية تحمل تعقيدات كثيرة بما فيها الخضوع للتحقيق والمقابلات أمام فرع الأمن، كما أن المتقدمين بطلبات الجنسية من الشباب طلب منهم الدخول في الجيش في إطار الخدمة الإلزامية مما يعني انضمامهم للقتال الدائر ضد المعارضة وهو ما لا يرغب به كثير من الشباب الأكراد.[4]

وفي الخامس من أكتوبر/تشرين الأول 1962 جرد ما يقارب 150,000 من الأكراد في سوريا من الجنسية على أثر تعداد سكاني استثنائي ومفاجئ قامت به الحكومة السورية في محافظة الحسكه التي تقع في الشمال الشرقي من البلاد. ونتيجة التعداد، تم إسقاط الجنسية عن الأكراد الذين دخلوا سوريا من العراق أو تركيا بعد عام 1945 أو لم يستطيعوا توفير الوثائق التي تفضي إلى إثبات غير ذلك فضلا عن جميع الذين تخلفوا عن التعداد. وتم تسجيل الأكراد الذين أسقطت جنسيتهم كأجانب (يقدر عددهم ال200,000)، كما يرد على البطاقة الحمراء التي يحملونها بعد تجريدهم من جنسيتهم السورية. وأضحى كل من تخلف عن التعداد مكتوم قيد وفاقد لأية أوراق ثبوتية أو عديم جنسية. ولا يحق للأكراد الأجانب الحصول عل جواز سفر كما لا يحق لهم التملك على أنواعه أو الاستفادة من كثير من خدمات الدولة بما فيها القطاع الصحي (خاصة لحالات الأمراض المزمنة) كما لا يحق لهم العمل في القطاع العام فضلا عن قطاعات مهنية متعددة على الرغم من استفادتهم من قطاع التعليم الرسمي. وتعتبر أي زيجات بينهم وبين حاملي الجنسية السورية غير شرعية وغير قابلة للتسجيل. ويسجل الأطفال من أب أجنبي وأم أجنبية كأجانب. أما الأكراد من المكتومين (يقدر عددهم ب 100,000)، فيحمل بعضهم ورقة بيضاء (لا يحصل جميعهم على هذه الورقة) تعرف عنهم وتكون صادرة عن مختار محلي بعد الحصول على موافقة أمنية تم تشديدها على أثر تعميم من محافظ الحسكه عام 1999. والحرمان اللاحق بهذه الفئة أكبر بكثير من سابقتها وهي تتعرض لإقصاء تام من خدمات الدولة بينما لا يستفيد الأطفال من المكتومين من التعليم الرسمي (فوق عمر 12 سنة) كما لا يحصلون على إفادة أو شهادة رسمية بل ورقة تحمل المستوى التعليمي وصفة مكتوم. ومن الجدير بالذكر أن كل طفل لأب وأم أو أحدهما من المكتومين هو مكتوم القيد كما هو حال الطفل لأم تحمل الجنسية السورية ولأب أجنبي.[5]

 مصر

لقد عانى أتباع الأقلية الدينية البهائية منذ أمد بعيد في مصر من التمييز والاضطهاد، فكانوا محرومون من وثائق الهوية التي تسمح لهم بالوصول للخدمات العامة وقطاع التعليم والوظائف في القطاع العام فضلا عن حرمانهم من تسجيل زيجاتهم ومن حقهم في إنشاء الجمعيات الدينية. وعلى الرغم من قرار المحكمة الإدارية العليا عام 2008، والذي قضى بأن للبهائيين الحق في الحصول على وثائق الهوية، ما يزال التقدم في إنفاذه بطيئا.[6] ولا تحدد الديانة على الهوية بموجب القرار إذ أن الديانات المسموح بها محددة مسبقا في خانة الديانة وهي »مسلم« أو »مسيحي« أو »يهودي«، كما أن التمييز بحق الأشخاص من أتباع الديانة البهائية ما يزال قائما فهم محرومون من الحقوق التي يتمتع بها باقي المواطنين المصريين علما أن قرارا رئاسيا صادر عن الرئيس عبد الناصر عام 1960 حضر جميع أنشطة البهائيين بضغط من الإسلاميين كما يزعم. ويعود تاريخ الديانة البهائية - ومنشأها إيران حيث يقدر عددهم ب 300,000 يشكلون أكبر أقلية دينية غير إسلامية - في مصر إلى عام 1860 ولا توجد إحصاءات رسمية لأعدادهم إلا أن التقديرات تشير إلى أن عددهم يتراوح بين مئات و5,000.[7]

كما يعيش المئات من قبيلة العزازمة على الطرف الآخر من الحدود في وسط وشرق سيناء يعانون الحرمان من كافة الخدمات العامة وانعدام الجنسية حتى اليوم. ولا يتمكن أفراد القبيلة من السفر أو حتى الخروج من سيناء ولا تتوفر لهم مراكز عناية صحية أو مدارس كما لا يستطيعون تسجيل زيجاتهم أو الحصول على شهادات ميلاد لأطفالهم.  وفيما تقول الحكومة المصرية أنها كلفت لجنة لمتابعة قضيتهم على أسس فردية، يقول شيخ قبيلة العزازمة ل»صوت الأمة« المصرية أن سياسة التهميش والعزل ما زالت مستمرة بحقهم بعد استثنائهم من دعوة وجهت مؤخرا لجميع قبائل سيناء للقاء مع رئيس الوزراء الأسبق عصام شرف في جنوب سيناء لعرض معاناتهم.

 ليبيا

لقد عانت الأقليات غير العربية في ليبيا بما فيهم الطوارق والتبو من سياسات التمييز التي انتهجها نظام العقيد القذافي لعقود مضت وهي ما تزال تعاني تبعاتها حتى يومنا هذا. وتستوطن هذه القبائل بغالبيتها المناطق الجنوبية من البلاد .ويقول إيمانويل جينياك، رئيس بعثة المفوضية السامية لشؤون اللاجئين في ليبيا، أنه »في زمن النظام السابق، لم تكن هناك أي عملية تتيح الحصول على الجنسية. والآن أصبحت القضية قانونية وإدارية أيضاً، ولكن هناك حاجة إلى نظام في المستقبل لتطبيق القانون«.[8]

وتعاني هذه الفئة من عديمي الجنسية في ليبيا الحرمان من الوثائق الضرورية للوصول إلى التعليم والخدمات العامة الأخرى فضلا عن الوثائق الضرورية للتنقل داخل ليبيا أو السفر للخارج، كما يعيشون في مناطق تفتقر للحد الأدنى من البنية التحتية كالصرف الصحي والكهرباء وغيرها. كما يعاني ذوو البشرة السوداء من تمييز مضاعف خاصة بعد النزاع المسلح الذي دار في البلاد إثر ثورة فبراير/شباط العام الماضي.[9] وعلى الرغم من أن المجلس الانتقالي الليبي قد سمح لحملة الهويات من هذه القبائل بالمشاركة في الانتخابات هذا العام، إلا أن هذه المشاركة تبقى منقوصة إذا لم تقرن بمعالجة أسس التمييز والحرمان التي تعانيه القبائل غير العربية وإذا لم تعالج ظاهرة انعدام الجنسية لدى قسم كبير منها في غياب الإحصاءات الدقيقة ذات الصلة.

إسرائيل والأراضي المحتلة

بعد احتلالها الضفة الغربية وقطاع غزة عام 1967، قامت إسرائيل بضم منطقة القدس الشرقية، وبشكل مخالف للقانون الدولي، إلى ما تعتبره حدودا لسيادتها. وفور ذلك نفذت إسرائيل إحصاء للسكان في القدس الشرقية ومنحت من كانوا متواجدين صفة »المقيمين الدائمين في إسرائيل«، أما من لم يكن متواجدا من سكان القدس و ضواحيها وقت الإحصاء فقد حرم من تلك الصفة وحق الإقامة في القدس.

وخلافا للجنسية، ترتبط الحقوق الممنوحة للمقيمين الفلسطينيين بالإقامة الفعلية في الدولة، و يمكن أن يفقد الفلسطيني حق الإقامة أذا سكن في المناطق الفلسطينية المحتلة أو سافر إلى الخارج مثلا. ومن الجدير بالذكر أن إسرائيل لا تمنح المقيمين الفلسطينيين في القدس الشرقية سوى بعضا من حقوقهم الاجتماعية والاقتصادية تتمثل بتأمين صحي و اجتماعي، فيما يبقى هؤلاء محرومون من التمتع بحقوقهم المدنية والسياسية. و في حين سحبت إسرائيل حق الإقامة من ربع مليون فلسطيني بين سنة 1967 و1994، تفرض إسرائيل اليوم سياسات تعمد إلى إبعاد المقيمين اليوم في القدس الشرقية.

و يقدر عدد الأﻃﻔﺎل اﻟﻔﻠﺴﻄﻴﻨﻴﻴﻦ غير المسجلين في القدس الشرقية حاليا ب10,000 (2011) وهم محرومون من الخدمات العامة والتعليم. فالأطفال لا ﻳﺤﺼﻠﻮن ﺗﻠﻘﺎﺋﻴﺎً ﻋﻠﻰ إقامة إذا كان ذووهم من  حاملي الإقامة ويواجه الأهل صعوبات جمة في تسجيل أطفالهم بما يتطلب من إﺟﺮاءات إدارية ﻣﻌﻘﺪة فضلا عن الكلفة الباهظة في معظم الأحيان. وأمهات الأطفال ما زلن يتعرضن لتمييز مضاعف، يتجلى في صعوبة تسجيل أطفالهن في حال لم يحمل الأب إقامة دائمة في القدس.[10]

 كما أجرت إسرائيل إبان حرب 1967 إحصاء لسكان الضفة الغربية وغزة بعد احتلالها واستبعد الإحصاء ما لا يقل عن 270,000  فلسطيني كانوا يعيشون هناك قبل الحرب ولم يتواجدوا هناك أثناء الإحصاء لأسباب متعددة.[11] وينطبق تعريف انعدام الجنسية على جميع الفلسطينيين المقيمين في الأراضي المحتلة، فالسلطة الفلسطينية ليست دولة، والجنسية الفلسطينية لا تضمن لهؤلاء الحصول على وثيقة هوية أو جواز سفر إذ أن القرار في ذلك يعود إلى إسرائيل وليس السلطة. ومن المعلوم أن إسرائيل، حتى اليوم، ما زالت تتحكم بسجل السكان الفلسطيني بشكل مطلق، و لا يمكن لفلسطيني من غزة مثلا أن يغير عنوانه للضفة دون موافقة إسرائيل وغالبا ما يمنع من زيارتها.

 كما لا يستطيع سكان غزة الحصول على جواز سفر دون طلب السلطة الفلسطينية من إسرائيل ذلك. ولا يستطيع الفلسطينيون الذين لم يلحظهم سجل السكان في غزة، على سبيل المثال، دخولها، كما لا يستطيع أولئك من غير المسجلين والمتواجدين داخل غزة - يدخلون عادة عبر الأنفاق ويفوق عددهم 12,000 - الخروج وهذا ما ينسحب على السياسات المصرية المطبقة على الحدود مع غزة التي لا توافق على مرور الفلسطينيين الذين لا يحملون وثائق هوية أو جواز سفر وافقت عليها إسرائيل.[12] 

وفي صحراء النقب،  تعيش مئات العائلات من البدو عديمي الجنسية المنحدرين من قبيلة العزازمة ، بحسب تقديرات منظمات حقوق الإنسان، ولا يتمتع هؤلاء بحق الاستفادة الخدمات العامة. وتعود ظاهرة انعدام الجنسية عند هذه الفئة من البدو العرب إلى حالة الفوضى التي سادت إجراءات التسجيل أثناء فترة الانتداب البريطاني والصعوبات التي لاقاها البدو العرب حينها في التعامل مع السلطات المعنية بالتسجيل. وما زالت وزارة الداخلية ترفض التعامل مع هذه الظاهرة بشكل منهجي وتقتصر المعاملة على النظر في طلبات فردية بما يعني ذلك من تحمل أعباء عملية طويلة وعالية التعقيد والتكلفة.[13]

 اللاجئون الفلسطينيون

تعرف الاتفاقية الخاصة بوضع اللاجئين التي اعتمدها مؤتمر الأمم المتحدة للمفوضين بشأن اللاجئين وعديمي الجنسية في 28 يوليو/تموز 1951 اللاجئ على أنه »كل شخص يوجد، بنتيجة أحداث وقعت قبل 1 يناير/كانون الثاني 1951، وبسبب خوف له ما يبرره من التعرض للاضطهاد بسبب عرقه أو دينه أو جنسيته أو انتمائه إلى فئة اجتماعية معينة أو آرائه السياسية، خارج بلد جنسيته، ولا يستطيع، أو لا يريد بسبب ذلك الخوف، أن يستظل بحماية ذلك البلد، أو كل شخص لا يملك جنسية ويوجد خارج بلد إقامته المعتادة السابق بنتيجة مثل تلك الأحداث ولا يستطيع، أو لا يريد بسبب ذلك الخوف، أن يعود إلى ذلك البلد.«[14] وعديم الجنسية بموجب الاتفاقية بشأن عديمي الجنسية لعام 1954 هو »الشخص الذي لا تعتبره أية دولة مواطنا فيها بمقتضى تشريعها.«[15]  وعلى الرغم من أن التعريف الذي سبق، إن لجهة صفة اللاجئ أو انعدام الجنسية، ينطبق على وضع اللاجئين الفلسطينيين إلا أن كلا الاتفاقيتين (بشأن اللاجئين وبشأن انعدام الجنسية) تم تضمينهما الاستثناء التالي: »لا تنطبق هذه الاتفاقية على الأشخاص الذين يتمتعون حاليا بحماية أو مساعدة من هيئات أو وكالات تابعة للأمم المتحدة غير مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. «ومن المعلوم أن وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى والتي بدأت عملها عام 1950 هي الموكلة بمساعدة اللاجئين الفلسطينيين، بما يعني أن اللاجئين الفلسطينيين المستفيدين من خدمات وكالة الغوث لا تنطبق عليهم الاتفاقية الخاصة بعديمي الجنسية أو الاتفاقية الخاصة بوضع اللاجئين. ومن الجدير بالذكر أن هذه المسألة هي موضع نقاش بين العديد من المتابعين لقضية اللاجئين الفلسطينيين والمنظمات العاملة في هذا المجال خاصة وأن وكالة الغوث معنية أساسا بمساعدة اللاجئين الفلسطينيين ولا تعمل أو تستطيع توفير الحماية لهم. وقد أسست الأمم المتحدة في نوفمبر/تشرين الثاني 1948 وكالة الغوث، الأونروا، »لتقديم المعونة للاجئين الفلسطينيين وتنسيق الخدمات التي تقدمها لهم المنظمات غير الحكومية ومنظمات الأمم المتحدة الأخرى.«[16] ووفقا للتعريف العملي للأونروا التي تقدر عددهم اليوم بحوالي 5 ملايين، "فإن اللاجئين الفلسطينيين هم أولئك الأشخاص الذين كانوا يقيمون في فلسطين خلال الفترة ما بين حزيران 1946 وحتى أيار 1948، والذين فقدوا بيوتهم ومورد رزقهم نتيجة حرب 1948.«[17]

 وبغض النظر عن النقاش الدائر أو موجباته أو آفاقه تبقى هناك مجموعات كبيرة من اللاجئين الفلسطينيين الذين لا تشملهم ولاية وكالة غوث اللاجئين وهم بالتالي خارج استثناء تطبيق الاتفاقيتين (والتي لم تصادق الدول المضيفة عليها بالأساس)، وعلى هذا الأساس نلقي الضوء على هذه المجموعات فيما يلي. إذ أن الفلسطينيين الذي فروا من ويلات الحروب لم يقتصروا على أولئك الذين فقدوا أراضيهم وبيوتهم عام 1948، بل يتعداه إلى موجات النزوح إثر حروب واضطرابات أخرى أبرزها: حرب 1967 واحتلال الضفة الغربية وقطاع غزة، أحداث أيلول 1970 في الأردن، اجتياح لبنان 1982، احتلال الكويت 1991، أعمال العنف الطائفي التي شهدها العراق بعد سقوط نظام صدام حسين، والنزاع المسلح الدائر في سوريا حاليا فضلا عن موجات الإبعاد من الأراضي الفلسطينية المحتلة أو الدول المضيفة.

وفي لبنان، يتوزع الفلسطينيون على ثلاث فئات: فئة أولى من المسجلين لدى الدولة اللبنانية والأونروا وعددهم حوالي 400,000، وفئة ثانية من المسجل لدى الدولة اللبنانية فقط ويقدر عددهم بين 15,000 و35,000، وفئة ثالثة، من غير المسجلين إطلاقا ويقدر عددهم بين 3000 و5000.[18] وعلى الرغم من معاناة اللاجئ الفلسطيني في لبنان بشكل عام بسبب التمييز والإقصاء فإن هذه الفئة الثالثة من عديمي الجنسية تعيش معاناة مضاعفة شأنها شأن مجموعات من الأكراد والبدو والمكتومين ويقدر العدد الإجمالي لعديمي الجنسية في لبنان بعشرات الآلاف. وبخلاف الفئة الأولى والثانية لا يحمل الأشخاص غير المسجلين أي بطاقة تعريف تسمح لهم بالتنقل وهم بالتالي سجناء داخل المخيمات التي يعيشون فيها. كما لا يمكنهم تسجيل زواجهم أو أولادهم على الرغم من أن كثيرين منهم عاشوا عقودا في لبنان (الجيل الأول منهم دخل لبنان في سبعينات القرن الماضي إثر أحداث الأردن). وهم محرومون من التملك أو الإرث  شأنهم شأن باقي الفلسطينيين في لبنان، على الرغم من أن لبنان »عضو مؤسس وعامل في منظمة الأمم المتحدة وملتزم مواثيقها والإعلان العالمي لحقوق الإنسان وتجسد الدولة هذه المبادئ في جميع الحقوق والمجالات دون استثناء« كما جاء في مقدمة الدستور اللبناني.[19]

 ولا يحصل أولاد المرأة اللبنانية المتزوجة من فلسطيني (أو أجنبي) على الجنسية اللبنانية على الرغم من التزام لبنان »العدالة الاجتماعية والمساواة في الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين دون تمايز أو تفضيل« كما جاء في مقدمة الدستور.[20] ومن الجدير بالذكر أن لبنان ليس طرفا في الاتفاقية الخاصة بأوضاع اللاجئين ولكنه طرف في اتفاقية حقوق الطفل. ويعاني الأطفال غير المسجلين تمييزا مضاعفا في مجال التعليم فهم لا يستطيعون متابعة تعليمهم ما خلا مدارس الأونروا في المخيمات والتي لا توفر التعليم للمرحلة الثانوية (15 عاما وما فوق) وهم إن استطاعوا متابعة تعليمهم في مدارس خاصة لا يمكنهم تحصيل شهادة بكونهم من غير المسجلين. ويخشى حاليا ومع نزوح مئات العائلات الفلسطينية من مخيم اليرموك (في سوريا)، على سبيل المثال، إلى لبنان هربا من النزاع المسلح الدائر في سوريا، أن يصبح هؤلاء بخلاف اللاجئين من السوريين، من الفلسطينيين غير المسجلين وعديمي الجنسية في لبنان.

وفي الأردن، استمرت السلطات بسحب الجنسية الأردنية من مواطنين من أصل فلسطيني ممن قدموا إلى الأردن. ويُذكر أن مئات الآلاف من السكان من أصل فلسطيني معترف بهم كمواطنين أردنيين. ولم يكن لدى الأشخاص الذين سُحبت جنسياتهم سوى القليل من الوسائل التي تمكِّنهم من الطعن في القرار، وأصبحوا بلا جنسية من الناحية الفعلية، وبالتالي محرومين من الحصول على الرعاية الصحية والتعليم.[21] وتقول منظمة مراقبة حقوق الإنسان أن أكثر من 2700 أردني من أصل فلسطيني تم تجريدهم من الجنسية بين عام 2004 و 2008.[22] كما عرضت دراسة حديثة أُعلنت باسم المبادرة الأردنية لمواطنة متساوية، أن الجنسية الأردنية سحبت من فلسطيني الضفة الغربية إثر قرارا فك الارتباط القانوني والإداري عام 1988 وهم كانوا من حملة الجنسية الأردنية بعد منحها إثر دخول الجيش الأردني إلى الضفة الغربية عام 1948.[23]

 خاتمة

إن أي محاولة لإيجاد حلول جدية وجذرية لظاهرة انعدام الجنسية، فضلا عن معالجة تداعياتها على المستوى الإقليمي أو الوطني، يتطلب في المقام الأول معالجة أسبابها وبالتالي احترام الكرامة الإنسانية المتأصلة في الأشخاص عديمي الجنسية، شأنهم شأن باقي شرائح المجتمع، ووقف التمييز بحقهم وصولا إلى ضمان تمتعهم بحقوقهم الإنسانية بما يتماشى مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان.

* مسؤول المعلومات للتربية على حقوق الإنسان، منظمة العفو الدولية، المكتب الإقليمي.

 

[1]  تقرير منظمة العفو الدولية لعام 2012، ص. 281.

[2]  المرصد الدولي حول لانعدام الجنسية، http://tinyurl.com/c6s57jc.

[3]  تقرير منظمة العفو الدولية لعام 2012، ص. 206.

[4]  حالة القليات والشعوب الأصلية في العالم، منظمة حقوق الأقليات الدولية، 2012، ص. 208، http://tinyurl.com/8hln9lm.

[5]  أكراد سورية: الوجود الممنوع، ملخص تنفيذي، هارييت مونتغمري، برلين،2005، ص. 10-12.

 [6] حالة القليات والشعوب الأصلية في العالم، منظمة حقوق الأقليات الدولية، 2012، ص. 196، http://tinyurl.com/8hln9lm.

[7]  البهائية اختبار لمصر، دويغت بشير، النشرة الصادرة عن كلية الشؤون الدولية والسياسات العامة في الجامعة الأميركية بالقاهرة، 2012، http://tinyurl.com/cbbk4n8.

[8]  ليبيا: حقوق الأقليات عند مفترق طرق، شبكة الأنباء الإنسانية- أيرين، 2012، http://tinyurl.com/cgobutv.

[9]  التوارغاء في ليبيا: "لسنا آمنين في أي مكان"، منظمة العفو الدولية، 2012، http://tinyurl.com/brue4w3.

[10]  وضع عمال الأراضي العربية المحتلة، مكتب العمل الدولي- جنيف، 2012، ص. 20.

[11]  إسرائيل: يجب إنهاء القيود المفروضة على إقامة الفلسطينيين، منظمة مراقبة حقوق الإنسان، 2012، http://tinyurl.com/d5u82vw.

 المرجع السابق.[12]

[13]  نشرة الهجرة القسرية، أبريل/نيسان 2009، ص. 35-36.

[14]  الاتفاقية الخاصة بوضع اللاجئين لعام 1951، المادة 1.

[15]  المادة الأولى من الاتفاقية بشأن وضع الأشخاص عديمي الجنسية، المجلس الاقتصادي والاجتماعي، 28 أيلول/سبتمبر 1954.

[16]  تاريخ الأونروا وتأسيسها، http://tinyurl.com/d25spww.

[17]  تعريف اللاجئ الفلسطيني في نطاق ولاية وكالة الأمم المتحدة لغوث اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى، http://tinyurl.com/crvgwmt.

[18]  تقرير موجز أعده المركز الدنمركي للاجئين، http://tinyurl.com/c3tsqv8.

[19]  الدستور اللبناني، http://tinyurl.com/cktr2tz.

[20]  المرجع السابق.

[21]  تقرير منظمة العفو الدولية لعام 2011، ص. 55.

[22]  تقرير منظمة مراقبة حقوق الإنسان، عديمو الجنسية من جديد، 2010، http://tinyurl.com/c42js35.

[23]  شبكة أخبار اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، http://tinyurl.com/cdbzbzm.




شارك هذه الصفحة: