شيعة مصر: الحقيقة الغائبة

محمد غنيم*

حتى قيام ثورة 25 يناير 2011، لم يكن يعلم الكثيرون حتى من المصريين أنفسهم وجود شيعة في مصر وهو ما ينطبق أيضا على الخارج، وكان الاعتقاد السائد بين الجميع أن مصر دولة سنية لا يوجد
فيها شيعة على الإطلاق. ولعل مرد ذلك يرجع إلى التعتيم الإعلامي والمطاردات الأمنية التي عانى منها الشيعة طوال الثلاثين عاماً الماضية. وبقيام الثورة وسقوط النظام السابق أتيح للعديد من القوى السياسية والحركات الدينية التي كانت ممنوعة ومطاردة من قبل أجهزة الأمن أن تعمل بحرية وتعلن عن نفسها وتنظم صفوفها وهو ما ينطبق على الحركات الشيعية أيضاً. وكانت البداية بظهور جمعيات تحت اسم آل البيت، تعمل في نطاق العمل الدعوي والنشاط الاجتماعي وتعزف عن إعلان هويتها الشيعية أو ممارسة السياسة، كفصيل من فصائل الإسلام السياسي، وذلك تجنباً للصدام مع قوى الإسلام السياسي الأخرى من التيارات السلفية الوهابية، وتفاديا للتضييق الأمني، في حين لجأ البعض الآخر من الشيعة إلى استخدام ثورة الاتصالات لإثبات وجودهم والتواصل مع شيعة العالم من خلال الفضاء الافتراضي (الإنترنت) والقنوات الفضائية.

 وواجه أولئك حرباً شديدة من قبل الجماعات الإسلامية التي امتلكت العديد من القنوات ووسائل الاتصال المدعومة من قبل الأزهر، الذي اخترقه العديد من عناصر الجماعات السلفية شديدة العداء للشيعة والعصر. وقام خصوم الشيعة باختراع قانون ازدراء الأديان والذي كان الهدف منه تطويق الشيعة وأصحاب الرأي ومنعهم من حرية البحث والكلام. وقد وقع تحت طائلة هذا القانون العديد من الشيعة وأصحاب الرأي الذين تم سجنهم. وبالإضافة إلى ذلك أصدر الأزهر وجماعات الإسلام السياسي والتيارات الوهابية المئات من المنشورات والكتب المحرضة على الشيعة، تهاجمهم وتؤلب الرأي العام ضدهم.

وعلى الرغم من الانتعاش النسبي للتيار الشيعي بعد ثورة يناير إلا أنه وفي المقابل، انتعشت الجماعات السلامية المعادية للشيعة بقوة أكبر نتيجة لامتلاكها الإمكانيات المادية الضخمة والجهات التي تقف وراءها بما تملكه من وسائل إعلامية هائلة تساعدها على توجيه رسالتها إلى عامة الشعب محرضة إياهم ضد الشيعة. كما تمكنت هذه الجماعات من السيطرة على الشارع والبرلمان والحكم ومن هنا أصبح التهديد الذي يتعرض له الشيعة أشد مما مضى. وقد صدرت مؤخراً العديد من التصريحات على ألسنة قادة الجماعات الإسلامية وحتى الأزهر نفسه تفيد بأنهم لن يسمحوا بأي وجود للشيعة في مصر، وسيحاربون أي نشاط أو تواجد للشيعة على الساحة السياسية والدينية.
ومن هنا بدأت معاناة الشيعة من جديد بعد الثورة، وبعد أن كانت معاناة الشيعة في عهد النظام السابق تنحصر في الجانب السياسي والأمني دون الجانب الديني، أصبحت معاناة الشيعة بعد الثورة تتمثل في رفض قوى الإسلام السياسي السلفي والوهابي وجود الشيعة كمكون ديني ورفض الاعتراف بهم أو بأي حقوق لهم. كما وصل الآمر بالبعض إلى عدم الاعتراف بهم كمواطنين مصريين والمطالبة بطردهم خارج مصر. والسؤال الذي نحاول الإجابة عليه اليوم هو: ما هي أوجه الاضطهاد التي يعانى منها الشيعة حالياً؟ إن الإجابة على هذا السؤال تتمثل في الآتي:

·        رفض تمثيل الشيعة ضمن اللجنة التأسيسية لإعداد الدستور المصري والتي ضمت كافة القوى والتيارات السياسية والدينية على الرغم من أن الشيعة هم ثاني أكبر أقلية دينية في مصر بعد الأقباط الأرثوذكس. وعلى الرغم من تمثيل كافة الكنائس من أرثوذكس وكاثوليك وبروتستانت، إلا أن الأزهر استحوذ بمفردة على خمس مقاعد ممثلاً السنة ورفض منح الشيعة مقعد وهو ما يعد عدم اعتراف من الدولة ممثلة في الأزهر الشريف بالشيعة وتجاهلهم التام على كافة المستويات الرسمية. وعلى الرغم من تقدم الشيعة ممثلين في التيار الشيعي المصري بعدة طلبات للمشاركة في اللجنة التأسيسية لإعداد الدستور، وجهت إلى المجلس الأعلى للقوات المسلحة، ورئيس اللجنة التأسيسية لإعداد الدستور، والأزهر الشريف بصفته حكم ارتضته كافة القوى السياسية، فضلا عن نقيب المحامين بصفته رئيس المجلس الاستشاري، ونقيب الصحفيين، إلا أن رد كافة هذه الجهات على اختلافها كان واحداً وهو التجاهل التام وعدم الرد حتى هذه اللحظة وهو ما يعد رفضا للاعتراف بالشيعة.

·        رفض الأزهر السماح بإنشاء حسينيات شيعية أو أي كيان شيعي رسمي، وإعلانه أنه  سيقوم بمواجهة المد الشيعي من خلال كتاب ضمن في منهج التربية الدينية باسم »الشطحات والضلال« - ضد الشيعة ويهاجم معتقداتهم - تقرر تدريسه لطلبة المرحلتين الإعدادية والثانوية في مدارس التعليم العام في وزارة التربية والتعليم على مستوى الجمهورية، وهو ما يعد نشراً لخطاب الكراهية، والحض على رفض الآخر و اضطهاده، وحتى قتلة في سابقة خطيرة لم تحدث من قبل، وفي تهديد مباشر للشيعة وتهييج وتأليب للشعب ضدهم وهو ما ينذر بوقوع تصفية جسدية للشيعة واضطهادهم بكل الأشكال والصور.

·        قيام القنوات الدينية السلفية بتكفير الشيعة على مدار الساعة جهاراً نهاراً، تحت سمع الدولة وبصرها بكافة أجهزتها، دون أن تتدخل لوضع حد لهذه القنوات وهو ما يساهم في نشر الكراهية ضد الشيعة بين الشعب المصري.

·        قيام الصحف ووسائل الإعلام الرسمية والمستقلة بالهجوم على الشيعة، والتحريض ضدهم، ونشر كل الأباطيل و الأكاذيب بحقهم، وتضخيم الأخبار التي تتناولهم بصورة سلبية مما أوجد حالة من الكراهية والرفض بين أوساط الشعب المصري تجاههم فضلا عن قيام الأزهر الشريف بطبع أكثر من عدد من أعداد مجلة الأزهر الصادرة عنه، تهاجم الشيعة وتحرض ضدهم.

 وعلى الرغم من كل ما سبق من اضطهاد للشيعة على كافة المستويات الرسمية إلا أن الشيعة تقدموا بمبادرة من خلال التيار الشيعي المصري إلى الأزهر الشريف أسموها مبادرة »حسن النوايا«، يعرضون فيها، حرصاً منهم على وحده الأمة ونبذ الطائفية الدينية، على الأزهر الشريف ما يلي:
1- إشراف الأزهر على كافة الاحتفالات الدينية للشيعة وحضور ممثل عن شيخ الأزهر للتأكد من عدم وجود ما يخالف القيم الإسلامية وما تم التعارف عليه من مذهب أهل السنة والجماعة في هذه الاحتفالات؛
2- عرض الكتب الصادرة الخاصة بالشيعة على الأزهر الشريف لمراجعتها وإجازتها قبل تداولها؛
3- تعيين مساعد لشيخ الأزهر يختص بالاتصال بالشيعة وذلك للتواصل مع الأزهر في كل ما يخص الشيعة ولتدارك أي سوء فهم قد يحدث بما يخلق حالة من التفاهم والتعاون بين الأزهر والشيعة.
4- تدريس المذهب الجعفري في مرحلة ما قبل التعليم الجامعي لطلبة التعليم العام بوزارة التربية والتعليم للتأكيد على أن المذهب الجعفري هو مذهب معترف به من قبل الأزهر، وأن ما يتم إلصاقه بالشيعة من ممارسات يقوم بها بعض الشيعة في دول أخرى هي من قبيل العادات الخاصة بهذه الدول ولا تندرج ضمن المذهب الجعفري ولا يجوز بالتالي إلصاقها بالشيعة؛
5- إحياء لجنة التقريب بين المذاهب والتي كان معمول بها حتى وقت قريب لما لها من أثر في إزالة الخلافات وتقريب وجهات النظر والحرص على وحدة الإسلام بعنصريه.
وعلى الرغم من هذه البادرة الطيبة من الشيعة تجاه الأزهر والدولة وقوى الإسلام السياسي الأخرى، إلا أنه تم تجاهلها من قبل الأزهر الشريف بل ووصل الأمر إلى رفضها ومهاجمتها من التيارات السلفية والوهابية ومن بعض العناصر المحسوبة على الأزهر نفسه.
وفي عام 1959 إبان عهد شيخ جامع الأزهر فضيلة الأمام الأكبر محمود شلتوت، صدرت فتوى عن الأزهر الشريف بجواز التعبد بالمذهب الجعفري أو الإثني عشري أو الإمامة،  على أنه مذهب معترف به كسائر المذاهب الأخرى ولا حرج في ذلك. إلا أن الدولة ما زالت تتعمد، ممثلة بالأزهر وكافة المؤسسات الأخرى، تجاهل هذه الفتوى وإنكار وجودها في بعض الأحيان متهمة الشيعة بنشر التشيع والأفكار الضالة والغريبة في المجتمع المصري. كما تتناسى أن هذه الأفكار هي من صميم المذهب الجعفري الذي اعترفت به الدولة رسمياً من خلال فتوى الأزهر وهو ما يوضح التناقض الحاد والازدواجية في تعامل الدولة ويبين أن اضطهاد الشيعة قضية مسيسة بالأساس ولا علاقة لها بالدين.
من كل ما سبق يتضح أن الشيعة يتعرضون للتهميش والإقصاء والاضطهاد والتجاهل في ظل حرص الدولة من خلال الأزهر ووزارة الأوقاف، بل وكل مؤسساتها الرسمية، على تجاهل الشيعة تماما وعدم الاعتراف بهم، وهو ما دفع الشيعة إلى الدفاع عن وجودهم من خلال التواصل مع منظمات المجتمع المدني المعنية بالحريات الدينية والأقليات وكذلك المنظمات الحقوقية المحلية والدولية والتحرك على كافة الأصعدة والمستويات الشعبية والرسمية في محاولة لنيل حقوقها وتفعيل مبدأ المواطنة في أن الجميع متساوون في الحقوق و الواجبات وهو ما نطمح إلى تحقيقه يوماً ما.

* رئيس التيار الشيعي المصري.




شارك هذه الصفحة: