حقوق الأقليات في القانون الدولي: بعض الاضاءات[1]

ميرفت رشماوي[2]

ترجمة: فابيولا دينا

 لا يوجد عملياً أيُ بلدٍ في العالم ليس لديه أقليّة واحدة أو أكثر، قومية أو إثنية أو دينية أو لغوية أو غيرها. ولا تشكّل البلدان في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أيّ استثناء. لكن على الرغم من وجودِ أقلياتٍ مختلفة في المنطقة، سواء كان المنتمين اليها من المواطنين أو المهاجرين غير المستقّرين، فإن غالبية البلدان في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تفتقر إلى القوانين والسياسات الملائمة في هذا المجال. وغالباً ما تخضع هذه الأقليات إلى قيودٍ وانتهاكات لحقوقها.

 ما هي حقوق الأقليات؟

حقوق الأقليات هي من حقوق الإنسان، ويجب وضع ضمانات لحقوق الأقليات قيد الإجراء تضمن أن تتمتع بحقوق الإنسان على غِرار أعضاء المجتمع الآخرين، و يجب وضع ضمانات محددّة تؤّكد على حقوقهم كأقليات. وتساعد هذه الحقوق على وجه التعداد وليس الحصر في: حماية ثقافات وأديان ولغات الأقلّيات وتعزيزها؛ تيسير مشاركة هذه الأقلّيات على قدم المساواة في الحياة العامة وفي صنع القرارات التي تؤثّر فيها؛ حماية الأقليات من الأذى ومن التمييز. لذا، يمكن تلخيص أسس حقوق الأقليات في العناصر المحددة التالية: حماية الوجود؛ عدم التمييز؛ وحماية الهوية والمشاركة.

 وغالباً ما يجري التأكيد على أن وجود الأقلية هو مسألة واقِع، وأن أي تعريف للأقلية يجب أن يشمل في آن معاً عوامل موضوعية (مثل وجود لغة مشتركة، والعرق أو الدين)، وعوامل غير موضوعية/ذاتية (بما في ذلك وجوب اعتراف الأفراد بانتمائهم إلى أقليّة ما).

 ليس هناك تعريفٌ قانوني متفّق عليه لكلمة »أقلية« في القانون الدولي. وتعترف بعض الدول بصورة  فردية بطيفٍ واسع من المجموعات المحلية على أنها أقليات وذلك على أساس خصائصَ عرقية وثقافية ودينية و/أو لغوية مشتركة. وعادةً ما تكون هذه المجموعات غير مهيمنة في وجه الأغلبية (مجموعات أغلبّية) في مجالات الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية و/أو الثقافية[3].

وتكمن صعوبة التوصّل إلى تعريفٍ يكون مقبولاً على نطاقٍ واسع في تعدد المواقف التي تعيش فيها الأقليات. فالبعض منها يعيش في مناطق محدّدة، منفصلة عن الجزء الأكبر المهيمن من السكان. في حين تنتشر مجموعاتٍ أخرى في جميع أرجاء البلاد. وتتمتع بعض الأقليات بشعورٍ قوي بالهوية الجماعية والتاريخ المسجّل؛ أما غيرها فلا تحتفظ سوى بفكرة مجزأة عن تراثها المشترك.

ويشير إعلان الأمم المتحدة للأقليات للعام 1992، في مادته الأولى إلى الأقلياتٍ على أساس الهوية القومية أو الإثنية والثقافية والدينية واللغوية، وتنص هذه المادة على واجب الدول حماية وجود هذه الأقلّيات. بالإضافة إلى هذا، تردُ أحكاماً في معاهدات حقوق الإنسان تحظِّر التمييز على أساساتٍ مختلفة  ذات صلة بالأقليّات.

 يعتبر مبدأ عدم التمييز والمساواة أمام القانون من المبادئ الأساسية للقانون الدولي لحقوق الإنسان. ويُحظّر مبدأ عدم التمييز أي تمييز أو استثناء أو تقييد أو تفضيل يقوم على أساس العرق أو اللون أو النسب أو الأصل القومي أو الإثني ويستهدف أو ينتج عنه تعطيل أو عرقلة الاعتراف بحقوق الإنسان والحريات الأساسية أو التمتع بها أو ممارستها، على قدم المساواة[4]. وينبغي التأكيد هنا أن القانون الدولي لا يفرض أي شرط لإثبات نيّة التمييز. وأن عبارة »ويستهدف أو ينتج عنه« تُشير إلى تشريعاتٍ أو سياساتٍ قد تبدو محايدة ولكنها تؤدي في الواقع إلى التمييز. ويحظّر القانون الدولي لحقوق الإنسان التمييز المباشر وغير المباشر.

  وبالإضافة إلى أحكام عدم التمييز، هناك أحكامٌ تتعلق بحماية حقوق الأقليات على وجه التحديد. وتنّص المادة 27 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على أنه:

»لا يجوز، في الدول التي توجد فيها أقليات اثنية أو دينية أو لغوية، أن يحرم الأشخاص المنتسبون إلى الأقليات المذكورة من حق التمتع بثقافتهم الخاصة أو المجاهرة بدينهم وإقامة شعائره أو استخدام لغتهم، بالاشتراك مع الأعضاء الآخرين في جماعتهم. «

ويرد حكمٌ مماثل في المادة 30 من اتفاقية حقوق الطفل.

 ويقدّم تعليق اللجنة المعنية بحقوق الإنسان  (اللجنة المشرفة على تطبيق العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية) رقم 23 (1994) بشأن حقوق الأقليات تفسيراً جازماً للمادة 27، إذ ذكرت اللجنة أن هذه المادة تنصّ على، وتقّر حقاً يُمنح للأفراد المنتمين إلى مجموعاتٍ أقليّة، يختلف عن، ويُضاف إلى جميع الحقوق الأخرى التي يحقّ لهم كأفراد، بالشراكة مع الآخرين، التمتّع بها بموجب هذا العهد. والحق المقرر بموجب المادة 27 هو حقٌّ مستقل ضمن العهد.

 وتُخصص المادة 25 من الميثاق العربي لحقوق الإنسان إلى حقوق الأقليات، وتؤكّد أنه »لا يجوز حرمان الأقليات من حقها في التمتع بثقافتها أو إتباع تعاليم دياناتها«. وتجدر الإشارة هنا إلى أنه، على خلاف العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، واتفاقية حقوق الطفل، أو الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري أو غيرها من الآليات، لا يشير الميثاق العربي إلى أقلياتٍ عرقية أو دينية أو ثقافية أو لغوية. كما ويُغفل الميثاق العربي أيضاً عنصراً من عناصر حق أفراد الأقليات في التمتع بحقوقهم »بالاشتراك مع الأعضاء الآخرين في جماعتهم«. أما فيما يتعلق بالدين، ففي حين يعترف الميثاق العربي بحّق الأقليات في ممارسة دينهم الخاص، إلا أنه لا يتعرف بالحق في المجاهرة بالدين. ويفرض الميثاق العربي أن تخضع ممارسة هذه الحقوق لأحكام القانون، في حين لا يرد هذا الشرط في المادة 27 من الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري  أو المعاهدات الدولية الأخرى، وبهذا يسمح الميثاق في الحد من ممارسة حقوق الأقليات في حال لم تكن القوانين الوطنية مواتية. ويحظّر الميثاق المعدّل أيضاً التمييز بسبب العرق أو اللون أو الجنس أو اللغة أو المعتقد الديني أو الرأي أو الفكر أو الأصل الوطني أو الاجتماعي أو الثروة أو الميلاد أو الإعاقة البدنية أو العقلية (المادة 3 (1)). وهو ما يتفق عموماً مع الأسس المشمولة في مختلف معاهدات الأمم المتحدة لحقوق الإنسان. وعلى الرغم من ذلك، يقوم الميثاق بتحديد حقوق العديد من الحقوق للمواطنين فقط، ولا يعترف بها لجميع الأفراد الخاضعين لسلطة الدولة، كما تفرضه صكوك حقوق الإنسان الدولية المختلفة. فعلى سبيل المثال، يحدّ الميثاق العربي الحقّ في التعليم المجاني، على الأقل في المرحلتين الابتدائية والأساسية والتعليم المستمر، على المواطنين، وهو ما يتعارض مع المادة 13 من العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمادة 28 من اتفاقية حقوق الطفل التي تعترف بحق كل فرد في التربية والتعليم، وأن يكون التعليم الأولي إلزامياً ومتاحاً مجاناً للجميع، وليس فقط المواطنين.

طبيعة التزامات الدولة

للأقليات الحق في حماية هويتهم الثقافية أو الدينية أو اللغوية. وهو ما يترتّب عليه، كما في سائر حقوق الإنسان، التزامات إيجابية وسلبية. فاحترام حقّ الأقليّات في الهوية وحمايته وتحقيقه هو من العوامل الأساسية في إدارة التنوع وتحقيق الاستقرار. إذ لا يجب منع الأقليات من التعبير عن هويتهم من خلال قيودٍ لا مبرر لها أو من خلال سياسات الدولة بما فيها سياسات الاستيعاب.

وتجدر الاشارة إلى أن التعبير عن حقوق الأقليات في المعايير الدولية يتم باستخدام تعبيرات فردّية على غرار »حقوق الأشخاص المنتمين إلى أقليات«. وبالتالي فإن حقوق الأقليّات في القانون الدولي لحقوق الإنسان في حدّ ذاتها ليست حقوق الفئات وإنما الحقوق الفردية للأعضاء المنتمين لهذه المجموعة. إلا أن هذه الحقوق غالباً ما تحتاج إلى أن تُمارس ضمن المجتمع ومع الآخرين لتكون فعّالة.

ووفقا لخبير الأمم المتحدة المستقل المعني بقضايا الأقليات، هناك أربعة التزامات عامة يجب أن تأخذها الدولة على عاتقها من أجل احترام حقوق الأقليات وضمانها:

1.       حماية وجود الأقليات، بما في ذلك من خلال حماية سلامتهم البدنية ومنع الإبادة الجماعية؛

2.      حماية وتعزيز الهوية الثقافية والاجتماعية، بما في ذلك حق الأفراد في اختيار أي من الجماعات العرقية أو اللغوية أو الدينية يرغبون أن يعرّفون بها، وحق هذه الجماعات في تأكيد هويتهم الجماعية وحمايتها ورفض الاستيعاب القسري؛

3.      ضمان فعالية عدم التمييز والمساواة، بما في ذلك وضع حدٍ للتمييز المنهجي أو الهيكلي؛

4.       ضمان مشاركة أفراد الأقليات الفعّالة في الحياة العامة، ولا سيما فيما يخص القرارات التي تؤثر عليهم.[5]

الحق في التعليم

من غير الممكن تغطية مختلف نواحي الحقوق في ما يخص حقوق الأقليات. ولذلك، سيتم التركيز بشكلٍ خاص على بعض جوانب الحق في التعليم كمثال من أجل التوضيح. إن التمييز المباشر وغير المباشر في التعليم له تأثيرٌ كبيرٌ وعميق على حقوق الأشخاص المنتمين إلى أقليات. على سبيل المثال، قد تؤدي المناهج والكتب المدرسية المستخدمة إلى استمرار المواقف التمييزية تجاه الأقليات. وقد يعاني الأشخاص المنتمين إلى أقليات من غير المواطنين الحرمان في حال كانت قوانين التعليم تؤّمن التعليم للمواطنين فقط، على الرغم من أن القانون الدولي يفرض توفّر التعليم المجاني والإلزامي للجميع. أما الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري، فتدعو الدول إلى حظر التمييز والقضاء عليه في مجال الحصول على التعليم (المادة 5 (ه) (5))[6].

 علاوة على ذلك، يُطلب من الدول ضمان المساواة في الحصول على التعليم للجميع، وأيضاً ضمان عدم التمييز في نوعية التعليم المقدّم. وحيث تؤثر العقبات المالية تأثيراً غير متناسباً على حصول الأقليات على التعليم، يُطلب من الدول أن تتخذ تدابير خاصة للتغلب على هذا الحاجز (انظر أدناه بشأن التدابير الخاصة). وعلى وجه التحديد، للأقليات الحق في الحصول على التعليم في لغتهم الأم. وقد تعاني أقليات من الحرمان نتيجة عدم تكلّمهم لغة التعليم في المدارس الحكومية. وينّص إعلان الأمم المتّحدة بشأن حقوق الأشخاص المنتمين إلى أقليات قومية أو إثنية وإلى أقليات دينية ولغوية على انه »ينبغي للدول أن تتخذ تدابير ملائمة كي تضمن، حيثما أمكن ذلك، حصول الأشخاص المنتمين إلى أقليات على فرص كافية لتعلم لغتهم الأم أو لتلقّى دروس بلغتهم الأم. « (المادة 4.3). ويمكن لمجموعات الأقلّية إنشاء مرافق تعليمية خاصة بها لتوفير التعليم بلغتها (ويمكن للدولة أن تفرض على هذه المرافق تعليم لغة الدولة الرسمية).

 التدابير الخاصة

يجوز استخدام المعاملة التفضيلية إذا كان هدفها التغلب على تمييزٍ سابق أو معالجة أوجه عدم مساواة مستمرة. وينص القانون الدولي لحقوق الإنسان على اعتماد تدابير خاصة لصالح بعض الأشخاص أو الجماعات لغرض القضاء على التمييز وتحقيق المساواة الكاملة، ليس فقط في القانون ولكن أيضاً من الناحية العملية.

وتضمن حقوقُ الأقليات احترام الهويات الخاصة كما تضمن أن أي معاملة تفضيلية تجاه هذه الجماعات أو الأشخاص المنتمين إليها لا تُخفي ممارسات وسياسات تمييزية. ولذلك، فإنّ الإجراءات الإيجابية الهادفة إلى احترام التنوع الثقافي والديني واللغوي والاعتراف بأن الأقليات إنما تُثري المجتمع من خلال هذا التنوع ضرورية. وتشّجع المادة 4.2 من إعلان الأمم المتّحدة بشأن حقوق الأشخاص المنتمين إلى أقليات قومية أو إثنية وإلى أقليات دينية ولغوية، الدول على »اتخاذ تدابير لتهيئة الظروف المواتية لتمكين الأشخاص المنتمين إلى أقليات من التعبير عن خصائصهم ومن تطوير ثقافتهم ولغتهم ودينهم وتقاليدهم وعاداتهم«.

وتُجدر الإشارة إلى أن لجنة القضاء على التمييز العنصري تسلّط الضوء على أنه لا ينبغي الخلط بين التدابير الخاصة وحقوق محددة تتعلق بفئاتٍ معينة من المجتمع أو الأفراد، ومنها على سبيل المثال حقوق الأشخاص المنتمين إلى أقليات في التمتع بثقافتهم الخاصة، وممارسة شعائرهم الخاصة واستخدام لغتهم الخاصة. فان هذه الحقوق هي حقوقٌ دائمة وثابتة، معترف بها بهذه الصفة في صكوك حقوق الإنسان. وينبغي على الدول الأطراف أن تميّز بوضوح في قوانينها وممارساتها بين التدابير الخاصة وحقوق الإنسان الدائمة. إن التمييز بين التدابير الخاصة والحقوق الدائمة يفترض ضمناً أن أولئك الذين يتمتّعون بحقوقٍ دائمة قد يتمتعون أيضاً بفوائد التدابير الخاصة.[7]

ومع ذلك، يمكن أن تكون التدابير الخاصة لحماية الأقليات دائمة. ويسود الاعتقاد أن أفضل مقاربة لمنع نشوء الصراعات هو التزام الدولة غير المحدّد زمنياً لضمان مشاركة »الاقلّيات« الفعالة من خلال اعتماد إجراءات خاصة تؤّدي إلى إنشاء مؤسسات، واتخاذ ترتيبات لازمة تمّكن أفراد الأقليات من اتخاذ القرارات، وممارسة السلطات التشريعية والإدارية، وتطوير ثقافتهم.

 مبدأ تحديد الذات

تنّص لجنة الأمم المتحدة المعنية بالقضاء على التمييز العنصري على أن تحديد انتماء فرد ما إلى جماعة عرقية أو إثنية يرتكز إلى تحديد الهوية الذاتية من قبل الفرد المعني، ما لم يتوفر مبرّر على عكس ذلك. وتذكِّر اللجنة المعنية بحقوق الإنسان أنه من أجل تطبيق المادة 27 من إعلان الأمم المتّحدة بشأن حقوق الأشخاص المنتمين إلى أقليات قومية أو إثنية وإلى أقليات دينية ولغوية، يجب تحديد وجود أقلية قائمة على أدّلة واقعية وهو لا يتم بقرارٍ منفرد من قبل الدولة[8].

ويتمتّع الأفراد بالحق في عدم تعريف أو تحديد ذاتهم مع مجموعة أقلّية تفادياً لأي تمييز. ويمكن للتمييز داخلياً ضمن مجتمع الأقلية أن يدفع بالبعض بعيداً وإن عن غير قصد. أما البعض الآخر، فقد تدفعهم وصمة العار الاجتماعية والتمييز المرتبطين بانتمائهم إلى مجموعة أقلية إلى الانفصال عن هذا المجتمع. وفي الحالة الأخيرة، أنه لمن الأهمية بمكان احترام حقّ الفرد في تحديد الذات والعمل في آنٍ معاٍ على مكافحة العوامل الاجتماعية والسياسية التي تقلل من قيمة هوية الأقلية.

وفي غياب أي تعريفٍ دولي واضح للأقليات، قد يمكن أن يحيد القانون الوطني أحياناً عن القانون الدولي وعن حقّ الأقليات في »تحديد الذات«.

 الاستيعاب

يشكّل تعزيز وحماية هوية الأقليات مركز حقوق الأقليات، الأمر الذي يجب أن يمنع كل عمليات الاستيعاب القسري وفقدان الثقافات والشعائر واللغات. إن عدم الاستيعاب يتطلّب ليس فقط تحمّل التنّوع وتعدد الهويات وإنما حمايتها واحترامها. ولهو من الأهمية بمكان ضمان أن لا تُفهم عملية التكامل/الدمج أو تؤدي إلى استيعابٍ قسري ضمن الثقافة المهيمنة. إن إنفاذ حقوق الأشخاص المنتمين إلى أقليات ينطوي ليس فقط على الحاجة إلى فهم الاختلال وتصحيحه ولكن أيضاً قبول التنوّع والاختلاف. ولذلك يجب اتخاذ تدابير خاصة لحماية وجود الأقليات وهويتها وتشجيع الظروف الكفيلة بتعزيز هذه الهوية.

 الأقليات والجنسية

لا يُعتبر تمتع الأقليات بالجنسية شرطاً أساسياً لاحترام وحماية هويتها وحقوقها الأخرى كأقلّية. لكن قد يؤثّر وضع إقامتهم على تدابير السياسات التي تتخذّها الدولة لإنجاز حقوق الأقليات. إن حقوق الأقليات هي من حقوق الإنسان، ولا يمكن أن تقتصر على المواطنين فقط. وقد ذكرت لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان أنه يجب تطبيق حقّ الأقليات بالحماية، وفقًا للمادة 27 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، على جميع الأفراد الموجودين في نطاق سلطة الدولة الطرف في العهد، بمن في ذلك، على سبيل التعداد، المقيمين غير الدائمين والعمال المهاجرين وحتى الزوار[9].

قد تُقيم بعض الأقليات تاريخياً في بلدٍ ما لزمن طويل، في حين أن مجموعاتٍ أخرى قد تصل إلى هذا البلد في الآونة الأخيرة كمهاجرين، عمال أو لاجئين. وللمجموعات التي وصلت موخراً  الحقّ أيضاً على الأقّل في عدم التمييز والتمتع بثقافتهم أو التحدّث بلغتهم أو ممارسة شعائرهم الدينية بحريّة.

وتجدر الإشارة إلى أن معظم عديمي الجنسية، والذين يقدّر عددهم بنحو 15 مليون حول العالم، ينتمون أيضاّ إلى أقلياتٍ إثنية أو دينية أو لغوية، وغالباً ما أدّى التمييز ضد الأقليات إلى حرمانهم من الجنسية.

وتطالب غالباً الدول باتخاذ تدابير إيجابية بصدد الأقليات المقيمة تاريخياً في بلدٍ ما، مثل توفيرِ موارد إضافية للتعليم أو للمشاركة السياسية. ويرى فريق عمل الأمم المتحدة السابق المعني بالأقليات أن أفضل مقاربة لتفادي التمييز المطلق بين الأقليات »الجديدة« والأقليات »القديمة« الناتج من استبعاد المجموعة السابقة وإدخال المجموعة اللاحقة، هو من خلال الاعتراف بأن الأقليات »القديمة« تتمتع باستحقاقات أقوى من الأقليات »الجديدة«.

ومن المهم التأكد من أن لا يؤدي واقع أن الأقليات الجديدة التي لا تتمتع بوضع »الأقليات« القانوني كاملاً أثناء المرحلة الانتقالية، وعلى نحوٍ غير ملائم إلى وضعٍ تقييدي وتمييزي.

 تواجد الأقليات عبر الحدود

لا تعيش جميع الأقليات ضمن حدود دولةٍ واحدة. ففي كثيرٍ من الحالات يكون للأقليات العرقية أو الدينية أو اللغوية أقرباء يعيشون في دولٍ مجاورة أو في الشتات الأوسع لكنها بقيت مرتبطة ببعضها. وبعض الجماعات مثل الرعاة تهاجر أيضاً بشكلٍ دوري عبر حدود دولة أو أكثر.

 الأقليات والشعوب الأصلية

تعيش الشعوب الأصلية والأقليات في العديد من الدول سوياً. وتتمتع الشعوب الأصلية بحقوقٍ خاصة بها في القانون الدولي، ولكن يمكن أن تتعايش هوية الأقليات وهوية السكان الأصليين على خط متواز، وربما تتداخل في بعض الحالات. ويعترف إعلان الأمم المتحدة بشأن حقوق الشعوب الأصلية بأن للشعوب الأصلية الحق في تقرير المصير والحق في ممارسة وضعها السياسي وتنميتها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بحرّية. وتشمل حقوقهم الحقّ في:

·        تقرير المصير؛

·        ملكية الأراضي الجماعية؛

·        استخدام الموارد الطبيعية والأراضي؛

·        ممارسة القانون العرفي؛

·        الحفاظ على البيئة؛

·        حماية المعارف التقليدية، والملكية الفكرية، والتراث الثقافي؛

·        الموافقة الحرة والمسبقة والمستنيرة على التدابير التي تؤثر عليهم أو أراضيهم ومناطقهم.

 إن الاعتراف بالحقوق الجماعية لأمرٌ ضروري في ضمان استمرار ونماء ورفاه الشعوب الأصلية باعتبارها جماعات متميزة. وعلى النقيض من ذلك يتم التعبير عن حقوق الأقليات في القانون الدولي على أنها حقوقٌ فردية لأشخاص منتمين إلى أقليات. وتُمارس بعض هذه الحقوق بشكلٍ متواز مع غيرها، كتكلّم لغة أو ممارسة شعائر دينية، على سبيل المثال. وقد تسعى الأقليات إلى تحقيق الحكم الذاتي على حياتها الثقافية أو اللغوية أو الدينية.

ولذلك، فإن بعض الأقليات هي أيضاً شعوبٌ أصلية. ويمكن لمثل هذه الجماعات أن تُطالب على حدٍ سواء بحقوق الأقليات وحقوق السكان الأصليين، ولكن مهما تكن الحالة، يجب مراعاة أعلى معايير حقوق الإنسان دائماً.

 تمييز مزدوج

ليست الأقليات مجتمعاتٍ متجانسة داخلياً. وقد يتم تهميش عدة مجموعات داخل الأقليات بما في ذلك النساء والأطفال والمسنين والأشخاص ذوي الإعاقة والأقليات الجنسية والأشخاص الذين يعيشون مع فيروس نقص المناعة البشرية. وتتعرض هذه الجماعات »الفرعية« إلى أشكالٍ متعددة من التمييز المتقاطع والإقصاء. وقد يكون التمييز ضد هذه الجماعات في بعض الحالات مترسخاً ثقافياً.

آليات الأمم المتحدة ذات الصلة المختصة

هناك حاليا آليتين خاصتين بالأقليات، وتحديدا الخبير المستقل المعني بقضايا الأقليات والمنتدى المعني بقضايا الأقليات.

أنشئت ولاية الخبير المستقل المعني بقضايا الأقليات في عام 2005.[10] وينظر الخبير المستقل في الأسباب الجذرية للمظالم، ويكشف عن القضايا المهمة المتعلقة بالأقليات، بغية تفادي الازدواجية مع الهيئات الأخرى والاستفادة من الاختلافات في ولاياتها. ويرسل الخبير المستقل نداءات عاجلة أو رسائل ادعاء، جنبا إلى جنب مع غيره من أصحاب ولايات الإجراءات الخاصة في أغلب الأحيان. كما يقوم بالزيارات القطرية بناء على دعوة من الحكومات بغية التشاور البناء ومراقبة البرامج والسياسات ذات الصلة، مسجلا دواعي القلق، ومحددا مجالات التعاون. وبالإضافة إلى ذلك، يشارك الخبير المستقل في العمل على الأولويات الموضوعية، بما في ذلك إعداد التقارير الموضوعية وعقد الندوات والمشاورات.

وفي عام 2007، أنشأ مجلس حقوق الإنسان، من خلال القرار 6/15، المنتدى المعني بقضايا الأقليات. ويهدف المنتدى إلى توفير منبر لتعزيز الحوار والتعاون بشأن القضايا المتعلقة بالأشخاص المنتمين إلى أقليات قومية أو إثنية أو دينية أو لغوية. ويوجه الخبير المستقل المعني بقضايا الأقليات عمل المنتدى، ويعد اجتماعاته السنوية ويدخل توصيات المنتدى الموضوعية في تقريره/ا. وحتى الآن، عالج المنتدى في خمسة دورات القضايا التالية: الأقليات والحق في التعليم؛ المشاركة السياسية الفعالة؛ المشاركة الفعالة في الحياة الاقتصادية؛ ضمان حقوق نساء الأقليات؛ كما تناول في دورته الأخيرة سبل تحديد الممارسات الإيجابية والفرص بغية تنفيذ الإعلان بشأن حقوق الأشخاص المنتمين إلى أقليات قومية أو إثنية ودينية ولغوية.[11]

وبالإضافة إلى هذه الآليات المحددة، تستفيد الأقليات من ولايات جميع الهيئات التي تشرف على تنفيذ المعاهدات الأخرى، ومن الإجراءات الخاصة مثل المقررين الخاصين وفرق العمل، بالإضافة إلى الاستعراض الدوري الشامل في مجلس حقوق الإنسان.



[1] للحصول على معلومات مفصلّة حول حقوق الأقليات والمعايير والآليات، أنظر: حقوق الأقليات: المعايير الدولية؛ دليل الموارد والإرشادات الخاص ببرنامج الأمم المتحدة للشؤون الإنمائية، الأقليات المهمشة في برمجة التنمية والتي نعرضها في باب الكتب من هذا العدد.

[2] ميرفت رشماوي مستشارة في حقوق الإنسان من أصل فلسطيني، ذات اهتمام خاص وخبرة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. شغلت سابقاَ منصب المستشار القانوني لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في الأمانة الدولية لمنظمة العفو الدولية. وهي تقدّم حالياً المشورة وتنّفذ مشاريع التحليل الاستراتيجي والتقييم. للمزيد من المعلومات زيارة الموقع  www.mervatrishmawi.co.uk.

[3] أنظر أيضاً التعريف الذي يقدّمه السيد فرانشيسكو كابوتورتي، المقرر الخاص للأمم المتحدة اللجنة الفرعية لمنع التمييز وحماية الأقليات، E/CN.4/Sub.2/384/Rev.1، الفقرة. 568. في حين أن معيار الجنسية المدرجة في هذا التعريف غالباً ما خضع للنقد، يبقى معيار عدم التواجد في وضعٍ مهيمن معياراً هاماً.

[4] أنظر المادة 1 (1) من الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري.

[5] تقرير الخبير المستقل المعني بقضايا الأقليات، وثيقة الأمم المتحدة. E/CN.4/2006/74، 6 يناير/كانون الثاني 2006، الفقرة 22.

[6] أنظر أيضاً المادة 13 من  العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمادة 28 من اتقافية حقوق الطفل التي تعترف بحق كلّ فرد في التعليم، وإلزامية ومجانيّة التعليم الأساسي للجميع وليس فقط للمواطنين.

[7] ٱنظر لجنة القضاء على التمييز العنصري، التعليق العام 32: "معنى ونطاق التدابير الخاصىة في إعلان الأمم المتّحدة بشأن حقوق الأشخاص المنتمين إلى أقليات قومية أو إثنية وإلى أقليات دينية ولغوية "، CERD/C/GC/32، 24 أيلول/سبتمبر 2009، الفقرة 15. ٱنظر أيضاً لجنة القضاء على التمييز ضد المرأة، التوصية العامة رقم 25 (2004)، الفقرة. 19، و "توصيات المنتدى المعني بقضايا الأقليات" (A/HRC/10/11/Add.1، الفقرة 12).

[8] ٱنظر التوصية العامة 8 الصادرة عن لجنة القضاء على التمييز العنصري، التعليق العام رقم 23 الصادر عن لجنة حقوق الإنسان.

[9] لجنة حقوق الإنسان بالأمم المتحدة، التعليق العام رقم 23: حقوق الأقليات (المادة 27)، CCPR/C/21/Rev.1/Add.5، الفقرة 5.1.

[10] أنظر قرار لجنة حقوق الإنسان 2005/79. قرر مجلس حقوق الإنسان في مارس/آذار 2011 تجديد ولاية الخبير المستقل لفترة إضافية مدتها ثلاث سنوات (القرار16/6).

[11] لمزيد من المعلومات حول المنتدى، أنظر: http://www2.ohchr.org/english/bodies/hrcouncil/minority/forum.htm.




شارك هذه الصفحة: