حقوق الأقليات في مرحلة الانتقال الديمقراطي

أحمد كرعود*

شهدت بعض البلدان في منطقة الشرق الأوسط  وشمال أفريقيا تغييرات سياسية هامة طوال عام 2011، فقد انهارت أنظمة سياسية في تونس ومصر وليبيا  وتمّ تغيير رئيس اليمن وما زالت التحركات الشعبية في سوريا والبحرين متواصلة على الرغم من استهداف المدنيين.

يمكنكم قراءة أو تنزيل التقرير على الوصلة أدناه:

http://tinyurl.com/cjfa7ka

وكانت من أبرز النتائج التي تمخضت عما عرف »بالثورات« أو »الربيع العربي« المطالبة بتغيير الدساتير في هذه البلدان ثم الدخول في مسار انتخابي لتشكيل سلطات تأسيسية جديدة تكون مهمتها الأولى صياغة »دساتير جديدة« للبلاد تقطع مع الماضي وتؤسس لعهد جديد يكون النظام القانوني والتشريعي فيه متماشيا مع قيم الحرية والكرامة والعدل والمساواة.

لقد طالبت منظمات المجتمع المدني والعديد من القوى السياسية في بلدان المنطقة بأن تكون حقوق الإنسان في قلب التغييرات التشريعية وبالأخص في صياغة مواد الدساتير الجديدة.

ونظرا للوضعية التي عاشتها الأقليات في بلدان مثل تونس ومصر وليبيا واليمن وما عرفته من تمييز على أساس اللغة والدين والانتماء الثقافي، فقد طرحت مسألة  »دسترة« حقوق الأقليات حتى يتم ضمان احترام حقوقها بالقانون.

وللتعرف على تجربة البلدان التي شرعت في صياغة أو تعديل دساتيرها، نطرح السؤال التالي: إلى أيّ مدى قامت السلطات والمجتمع المدني والنخبة السياسية بما يجب القيام به للتنصيص على ضمان واحترام حقوق الأقليات في مشاريع الدساتير الجديدة؟

حتّى نجيب عن هذا السؤال، من المهم أن نحدد هذه الحقوق استنادا للمعايير الدولية لحقوق الإنسان وكذلك تحديد أهمية الدساتير والتشريعات في ضمان واحترام هذه الحقوق.

المعايير الدولية لحماية حقوق الأقليات

لقد أرسى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان سنة 1948 مبدأ عدم التمييز بين البشر على أساس اللغة أو الدين أو العنصر أو الجنس... ثم جاءت الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري  سنة 1965 لتلزم الدول الأطراف بشجب »جميع النظريات والأفكار القائلة بتفوق أي عرق أو أي جماعة من لون أو أصل إثني واحد«.

وفي سنة 1966 أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية الذي نص ّ في المادة  27 على التالي: »لا يجوز في الدول التي توجد فيها أقليات إثنية أو دينية أو لغوية، أن يحرم الأشخاص المنتسبون إلى الأقليات المذكورة من حق التمتع بثقافتهم الخاصة أو المجاهرة بدينهم وإقامة شعائره أو استخدام لغتهم، بالاشتراك مع الأعضاء الآخرين من جماعتهم«.

من الواضح أن العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية وعلى الرغم من تأكيده على مبدأ المساواة وعدم التمييز بين الأفراد، فإنه   أسّس أيضا  لمبدأ الحق في التمتع بالثقافة »الخاصة« بالأشخاص الذين ينتمون للأقليات وهي حقوق جماعية سوف يترتّب عليها التزامات من قبل الدول والجماعات. وفي سنة 1992 صدر إعلان الأمم المتحدة لحقوق الأشخاص المنتمين للأقليات ليؤكد على مبدأ عدم التمييز ويطالب الدول بحماية »وجود الأقليات وهويتها القومية أو الإثنية ، وهويتها الثقافية والدينية واللغوية« و»أن تتخذ التدابير التشريعية الملائمة لتحقيق تلك الغايات«.

ولتوضيح مصطلح »الثقافة« الوارد في العهد الدولي، عمل عدد من الأكاديميين والخبراء والمدافعين عن حقوق الإنسان على صياغة إعلان »للحقوق الثقافية« في مدينة فريبور السويسرية سنة 2007 والذي جاء ليعزّز المعايير الدولية لحماية الأقليات.

فبعد تحديد مصطلح الثقافة على أنها »تشمل القيم والمعتقدات والقناعات واللغات والمعارف والفنون والتقاليد والمؤسسات«، حدّد إعلان فريبور محتوى »الهوية الثقافية« على أنها  »مجموع المراجع الثقافية التي يتحدد بها شخص، فردا أو في جماعة، ويتكون ويتواصل ويريد أن يعترف به في كرامته بصفته تلك«. ونرى هنا بوضوح الربط بين الكرامة الإنسانية، وهي أحد أسس منظومة حقوق الإنسان، والاعتراف بالهوية الثقافية للأفراد والجماعات.

حقوق الأقليات وتجربة صياغة الدساتير في بلدان »الربيع العربي«

لقد شكلت »ثورة الحرية والكرامة« (في تونس) فاتحة مرحلة جديدة ليس في تونس فحسب وإنما في عدد من بلدان المنطقة، ولعل أبرز ما يميّز هذه المرحلة التطّلع للقطيعة مع الأنظمة السياسية التي سادت في العقود الماضية. ويعتبر إلغاء العمل بالدساتير السابقة والعمل على صياغة دساتير جديدة من أبرز علامات هذه الرغبة الجامحة في القطع مع الماضي التسلطي.

يمكنكم قراءة أو تنزيل التقرير على الوصلة أدناه:  http://tinyurl.com/cpx6z8o
  وقد جاءت انتخابات المجلس الوطني التأسيسي في  23 أكتوبر/تشرين الأول 2011 بتونس وانتخابات مجلس الشعب، ثم الرئاسة وتعيين أعضاء »الجمعية التأسيسية« في مصر لتأكد على هذا المنحى. كما قامت المملكة المغربية بسن دستور جديد تمت الموافقة علية بأغلبية المشاركين في استفتاء شعبي في شهر يوليو/تموز 2011.

لقد أوكل للمجلس الوطني التأسيسي بتونس والجمعية التأسيسية بمصر مهمة صياغة دستور جديد يكون »وفيا لأهداف الثورة« وبالرغم من عدم تحديد هذه الأهداف في وثيقة واحدة وملزمة، فإن المتمعن في دراسة مختلف المواقف السياسية يرى أنها  أجمعت على مشتركات أبرزها ضمان واحترام حقوق الإنسان، وحماية حرية وكرامة المواطنين، بضمان الحق في العمل  ومحاربة التمييز والحيف الاجتماعي بشكل خاص وضمان استقلالية القضاء وحماية حرية الإعلام.

عرفت تونس طوال الأشهر العشرة الأولى من سنة 2012 فترة حراك طغى عليها العمل على صياغة مسودة الدستور والنقاش والجدل حول قضايا تهم الحريات والهوية وعلاقة الدين بالدولة ونمط النظام السياسي (برلماني أم رئاسي).

وقد كانت اللجان المتخصصة في صلب المجلس الوطني التأسيسي هي مسرح النقاش والجدل حول قضايا تهم إدراج المنظومة الأممية لحماية حقوق الإنسان كمرجعية في نص الدستور وكذلك مسألة الحريات وخاصة حرية التعبير والمعتقد.

وقد أنهت اللجان مناقشة المحاور المعهودة إليها وصاغت تقارير عن نتائج عملها، فجاءت عبارة عن مسودة أولى لمواد الدستور التي سيتم تعديلها في لجنة تنسق أعمال مختلف اللجان. ويبرز في هذه المسودة الغياب التام للمرجعية الكونية لحقوق الإنسان وغياب التنصيص على نبذ التمييز بين الأفراد على أساس اللون والجنس واللغة والدين والوضع الاجتماعي فجاءت المادة ذات الصلة على الشكل الآتي: »المواطنون متساوون في الحقوق والواجبات أمام القانون دون تمييز بأي شكل من الأشكال«.

وكذلك برز غياب التنصيص على حماية حقوق الأقليات بالرغم من معرفة أعضاء المجلس بوجود أقليات دينية (أقليات من يهود ومسيحيين) ولغوية (بربر)، وعلى الرغم من قيام عدد كبير من منظمات المجتمع المدني التونسية التي تعنى بالدفاع عن الأقليات  بحملات من أجل التوعية وكسب تأييد أعضاء المجلس الوطني التأسيسي للتنصيص على حماية حقوق الأقليات في الدستور.

 و من جهة أخرى، يلفت الانتباه خلو المشاريع المتداولة لنصوص مقترحة  للدستور، والتي قامت بإعدادها منظمات من المجتمع المدني ولجان الخبراء الدستوريين والأكاديميين، من أي ذكر أو تنصيص على حقوق الأقليات. من هنا تأتي أهمية وضع مسألة حقوق الإنسان كمرجعية كونية في قلب الدستور التونسي المزمع إصداره في بداية عام 2013.

وفي جمهورية مصر العربية كانت مسألة صياغة الدستور الجديد ما بعد »ثورة 25 يناير« محل تجاذب وصراع بين المجلس العسكري والأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني وكذلك فيما بين هذه الأحزاب والمنظمات.

 يمكنكم قراءة أو تنزيل التقرير على الوصلة أدناه: http://tinyurl.com/d6oenuf
 

وبعد انتخاب مجلسي الشعب والشورى وانتخاب رئيس للجمهورية نشطت حركة إعداد صياغة الدستور الجديد وذلك عبر تعيين أعضاء »الجمعية التأسيسية« وتوضيح الإطار القانوني لعملها والتي أوكل إليها صياغة نص دستور جديد.

وقد قد قامت لجان نوعية بمناقشة جوانب محددة على أن تتولى لجنة صياغة تجميع وتنسيق عمل اللجان وتقديم صياغة نهائية لنص دستور يعرض على الاستفتاء.

وبالرغم من حدة المناقشات خارج الجمعية التأسيسية - في الإعلام وفي المنتديات - حول حقوق الجماعات والأقليات فإن المسودات الأولية المتداولة على صفحة الجمعية التأسيسية لم تتناول حقوق الأقليات تحديدا وإنما اقتصرت على التنصيص في باب الحريات والواجبات على  أن »المواطنون متساوون في الحقوق والواجبات العامة ولا يميّز بينهم في ذلك بسبب الجنس أو الأصل أو العرق أو اللغة أو الدين أو العقيدة أو الرأي أو الوضع الاجتماعي«.

وبهذا نجد أنه في كلا الحالتين التونسية والمصرية، أغفلت مسألة التنصيص على حقوق الأقليات ويبدو أن لهذا علاقة مباشرة بمسألة الإقرار بكونية حقوق الإنسان والتنصيص على المعايير الدولية لحماية حقوق الإنسان في صلب الدستور، والتي ستحسم في الصياغة النهائية للدستورين التونسي والمصري.

أما الحالة المغربية فقد جاءت مختلفة في الدستور الجديد الذي تمّ إصداره بعد موافقة أغلبية المشاركين في استفتاء يوليو/تموز 2011. وبالرغم من أن قسما هاما من الشعب المغربي لا يزال يطالب بتعديلات دستورية فإن ما جاء في الدستور وبعلاقة بحقوق الأقليات يعد خطوة أولى في طريق حماية حقوقها. وبالرغم من أن الدستور لم ينص على هذه الحقوق صراحة، فإنه قد أقر بأن  »الأمازيغية أيضا لغة رسمية للدولة... وتعمل الدولة على صيانة الحسانية وحماية اللهجات والتعبيرات الثقافية المستعملة في المغرب«.

الخلاصة

إن المتابع لتطوّر الأوضاع الدستورية في بلدان المنطقة وخاصة التي شهدت تغييرا عميقا في الطبقة السياسية الحاكمة يلاحظ التناقض بين توقعات و»أحلام« الشعوب المنتفضة سنة 2011 في العيش في مجتمع تسوده الحرية والكرامة والمساواة والعدالة الاجتماعية  وبين نقاشات النخبة السياسية والفكرية والهيئات المكلفة بصياغة مشاريع الدساتير خاصة وما رشح منها من نتائج هي أدنى من التطلعات الشعبية وخاصة في التنصيص على احترام حقوق الإنسان. كما أن غياب التنصيص على حقوق الأقليات في المشاريع الدستورية المنشورة إلى حد الآن هو مؤشر على عدم الوعي بدور الدستور كقانون شامل وعام  في حماية الحقوق. فالدستور هو القانون الأساسي للدولة لأن أحكامه تعلو كل الأحكام الأخرى وله تأثير على حياة كل فرد وجماعة في المجتمع. وتعتبر حقوق وواجبات المواطنين والمقيمين في البلد من المسائل الدستورية الهامة التي لا يمكن السكوت عنها أو إغفالها، خاصة أن حكم القانون وحماية حقوق الإنسان أضحت من أهم مميزات الأنظمة السياسية الحديثة التي تتخذ الديمقراطية منهجا في الحكم.

وسوف تكون مسألة إدراج المعايير الدولية لحماية حقوق الإنسان بما في ذلك حقوق الأقليات في نصوص الدساتير التي يتم إعدادها في تونس ومصر وليبيا واليمن المؤشر الحقيقي على نقلة نوعية في الأنظمة السياسية والدستورية  بما يتماشى وطموحات الشعوب.   

* خبير تونسي في مجال حقوق الإنسان والمدير السابق للمكتب الإقليمي لمنظمة العفو الدولية.




شارك هذه الصفحة: