التخطيط لحماية الأقليات في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أثناء المرحلة الانتقالية

كريس تشابمان*

ترجمة: مازن جابر

لم تكن تجربة الأقليات في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا على مدى السنوات العشر الماضية تجربة سعيدة بشكل عام. في العراق، ومنذ عام 2003، تم استهداف الأقليات من جانب الجماعات المسلحة غير الحكومية، فتعرضت لعمليات القتل والترهيب كجزء من صراع عنيف بين الحكومة الاتحادية وإقليم كردستان على المناطق المتنازع عليها في الشمال.[1] فالصابئة المندائيين، وهم جماعة دينية تعود جذورها إلى ما قبل المسيحية، يقدر عددهم اليوم بحوالي 5,000، أو 10% من تعدادهم قبل عام 2003[2]، ويعود ذلك بالأساس إلى الهجرة الناتجة عن التهديد والقتل والخطف. هذه الجماعة الصغيرة، التي تحظر ديانتها الزواج من غير المندائيين أو اعتناق المندائية،لديها مخاوف من أن تؤدي عملية الانحلال هذه (في أربع قارات) إلى نهاية ثقافتهم. وفي مصر، تزايد العنف ضد المسيحيين، في ظل اتهام قوات الأمن بالتراخي في القيام بواجباتها.[3] كما تم تقييد الأنشطة الدينية للشيعة.[4] وفي ليبيا، وجدت بعثة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق أن جرائم حرب قد ارتكبت بحق سكان بلدة التوارغاه، الذين ينحدر معظمهم من الصحراء الجنوبية، وان البلدة قد تم محوها بشكل شبه كامل عن الخارطة.[5]  وقتل المئات، وجرح وهجر آلاف في اشتباكات دارت بين أبناء قبيلة التبو مع قبيلة زوايا العربية. ويدعي التبو أن الحكومة فشلت في حمايتهم بعد اتهامهم بأنهم من التشاديين المرتزقة الذين يعملون لصالح القذافي.[6] ومني الأمازيغ، الذين شكلت إسهاماتهم أمرا حيويا في عزل  القذافي، بخيبة أمل كبيرة بعد الإعلان الدستوري المؤقت الجديد والذي لم يكن كافيا لإسقاط عقود الحرمان من الهوية في ظل النظام السابق.[7] ما إذا كان للأقلية الحق في أن تكون جزءا من التشكيل الجديد أصبح موضع تساؤل مشترك لدى بعض شرائح الأغلبية.

  

يمكنكم قراءة أو تنزيل التقرير على الوصلة أدناه:

http://tinyurl.com/bwl5hcr

قد يكون من المبكر الحديث عن وقوع كارثة بحق الأقليات في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ففي العراق، وافقت وزارة التربية والتعليم – مجموعة عمل حول الأقليات - على مراجعة المناهج التي تميز ضد الجماعات الدينية والعرقية. وقام مرسي في مصر باقتراحات تتعلق بالنساء والأقليات الدينية،فيما تمثل الأمازيغ والتبو في ليبيا في المجلس الوطني الانتقالي. وبصرف النظر عن رؤيتنا للنصف الممتلئ أو الفارغ من الكأس، فمما لا شك فيه أن الأقليات تنظر إلى المستقبل بريبة وأمل في آن. وفي المراحل الانتقالية، يحفز الأمل بالحريات والفرص الجديدة المجتمعات - الأغلبية والأقلية على حد سواء بينما يعتريها في الوقت نفسه الخوف والتحسس تجاه أي تجاهل أو ازدراء، رمزيا أو غير ذلك، وكأن العلاقات الإثنية مستقرة على حد سكين.

 

 يمكنكم قراءة أو تنزيل التقرير على الوصلة أدناه: http://tinyurl.com/dygasbe

هل يمكن لحقوق الأقليات أن تشكل بوصلة توجه الدفة بين الأمواج العاتية التي تضرب المجتمعات في المراحل الانتقالية؟ أعتقد أن بإمكانها المساعدة بالتأكيد. ويمكن تلخيص حقوق الأقليات على شكل أربعة ركائز رئيسية: الحق في عدم التعرض للتمييز؛ الحق في حماية وتعزيز الهوية؛ الحق في الوجود؛ والحق في المشاركة في الحياة العامة.[8] وتجدر الإشارة إلى انه هناك صلة قوية بين الحرمان من حقوق الأقليات وظهور الصراعات الإثنية والدينية. ويمكننا القول أن كلا من هذه الأعمدة يلعب دورا مختلفا في التسبب بالنزاع. وقد يشكل التهميش الاقتصادي، والاستبعاد المنهجي عن صنع القرار السياسي (الركيزتان  الأولى والرابعة) في كثير من الأحيان، وعلى امتداد عقود، أساسا للصراع، فينمو لما يشبه برميل بارود من ضغينة لدى الأقلية وشعورا بعدم الانتماء لمشروع وطني. ومن شأن أي حدث رمزي كاعتقال أو مقتل زعيم شعبي، أو محاولات محو ثقافة الأقلية (الركيزة الثانية) توفير الشرارة التي تفجر برميل البارود.[9] وبالتالي، فأنه من المرجح أن يساهم الوفاء بحقوق الأقليات في تفادي حرائق مماثلة.

ومن الجدير بالذكر أن حقوق الأقليات غالبا ما تكون حاضرة  في اتفاقيات السلام، ولكن في مرحلة ما قبل النزاع، وعندما تحث الحكومات على إنفاذ حقوق الأقليات كإجراء للحد من التوتر، تكون هناك مقاومة قوية أو حتى رفض تام.[10] وبعبارة أخرى، في حين نحن بحاجة إلى اليقظة والضغط من أجل تصور لحقوق الأقليات في إطار تسوية النزاع متى أمكن، يمكن القول أن القلق الأكبر يكمن في غياب هكذا تصور عن استراتيجيات منع نشوب الصراعات، خاصة وأن إنفاذا حقوق الأقليات في هذه المرحلة سوف يسهم في منع عمليات القتل واسعة النطاق وغيرها من انتهاكات حقوق الإنسان.[11]  في حين أن كثير من بلدان الربيع العربي يمكن أن توصف بأنها في مرحلة ما بعد النزاع (أو مرحلة نشطة من النزاع، في حالة سوريا)، إلا أن النزاعات يمكن أن تكون دورية، وصراعات جديدة ذات طبيعة مختلفة يمكن أن تتبع  مراحل الانتقال أو التحولات.

قد لا تكون المؤسسات الدولية والحكومات المانحة المعنية والتي تحاول إرشاد البلدان في مرحلة الانتقال حريصة دائما على اعتماد نهج قائم على الحقوق. قد يجادل البعض أن ذلك يقع خارج نطاق ولايتهم، لكن هذا الواقع يمكن أن لا يشكل مشكلة. والبنك الدولي، على سبيل المثال، في تقريره الأخير حول التنمية في العالم، يدعو إلى إتباع نهج جديد في بناء دولة ما بعد الانتقال وما بعد الصراع، يتضمن وجود »تحالفات جامعة بما فيه الكفاية « بما يشكل مساحة لصنع القرار تشمل ممثلين عن قطاعات في المجتمع لا بد من سماع صوتها. ويختلف هذا بين بلد وآخر لكن ذلك يشمل في غالب الأحيان  النساء والمجتمع المدني وجماعات المعارضة السياسية والأقليات. وعلى الرغم من أن لغة النهج  ليست قائمة على الحقوق ولكنه، في حال تطبيقه، من شأنه أن يسهم في إعمال الحق في المشاركة في صنع القرار (يبقى أن نحذر من تعبير »تحالفات جامعة بما فيه الكفاية«، لأنه يبدو أنه يعني أنه من الممكن استثناء بعض القطاعات أو الجماعات، إلا أن التقرير يعود ليؤكد على أهمية عدم استثناء قطاعات مهمة. لكن الخطر الحقيقي يكمن في تفسير هذا المفهوم من قبل الأطراف الفاعلة، وغالبا ما تفتقر الأقليات للدعم السياسي الداخلي الذي يكفل الاعتراف بها وتحسين أوضاعها).

إن نقطة البداية الضرورية تكمن في تحليل الواقع بشكل دقيق وفعال. وما يجب أن نكون جميعا على دراية به حتى الآن هو أن النزاعات ليس بأمر بسيط. هي تتسم بالفوضى، وتشمل مجموعة واسعة من الجهات الفاعلة، والتي قد يكون لكل منها دوافع وطموحات مختلفة. وقد تختلف تلك الدوافع والطموحات أيضا مع مرور الوقت، كالدفاع عن حقوق الفلاحين الفقراء ثم قتل أولئك الفلاحين بالتحديد إذا ما كانوا عائقا أمام عمليات تهريب المخدرات. ولدى معظم الجهات المانحة والمنظمات الدولية الحكومية الآن أطرا معقدة لتحليل الصراعات، وكثير منها تلحظ انتهاك حقوق الأقليات. وللأسف، ودائما في عالم اللحظة الأخيرة للدبلوماسية الدولية، غالبا ما يتم اتخاذ الاجراءات قبل إنجاز  هذه التحاليل، وتكون مدفوعة يتقييم عفوي أو تصور إعلامي مبسط. ففي ليبيا، على سبيل المثال، كان تقييم العديد من المراقبين بسيط - مجتمع قمع بوحشية فانتفض لإسقاط الدكتاتور. وبالتالي، فإن الجواب كان أيضا بسيطا فور ذهاب القذافي، يمكن لليبيين بدء العمل على إعادة بناء بلدهم. توقع قلة ظهور توترات إثنية طال قمعها. وكذلك على ما يبدو، تنبأ قلة من المراقبين بموجات العنف المروعة التي أطلق لها العنان مستهدفة الأقليات في العراق. من الواضح أن الحكومات التي شاركت في الإطاحة بصدام حسين تتحمل مسؤولية فشل لا يغتفر في تطويرها لسيناريوهات وخطط مرحلة ما بعد النزاع.[12] إن الحاجة لتحليل شامل وتخطيط تفصيلي لم تكن ضرورية يوما بقدر ما هي الآن في سوريا، حيث يتعاظم احتمال الإطاحة ببشار الأسد كل يوم. وإن حدث هذا، ليس هناك شك في أن الملايين من السوريين لن يستطيعوا احتواء بهجتهم بإزالة ديكتاتور لم يتردد في مهاجمة المدنيين من شعبه بوحشية منقطعة النظير. لكن الأقليات في سوريا تتطلع إلى المستقبل بعين الريبة، ولسبب وجيه. فالعلويون قد يكونوا قادرين على إنشاء دولتهم على الساحل، لكن التاريخ علمنا أن نحت دول صغيرة نقية عرقيا أمر محفوف بالمشاكل، كما أن علاقات جوار ودية مع لبنان أو سوريا قد لا تكون مرجحة. وإذا ما فشلوا في تحقيق ذلك، قد تحدث عمليات انتقام دموية واسعة النطاق. ويجد المسيحيون أنفسهم في صعب للغاية بعدما استفادوا من حماية الأسد، إلا أنه وعلى الرغم من ذلك، وقف كثيرون بشجاعة لدعم المتمردين. وفي كل من هذه الحالات، من المهم أن نتذكر أن الأقليات لا تفكر أو تعمل بشكل جماعي. وعلى الرغم من الإدعاء بأن أفرادا من  الطائفة العلوية قد شاركوا في فرق موت الشبيحة، إلا أن هذا لا يعني أنه ينبغي تحميل جماعة بأكملها ذنب فظائع نظام الأسد.

وفي الحد الأدنى، فقد علمتنا أحداث الربيع العربي أن  تأثير التحولات السياسية الكبيرة على العلاقات المتبادلة بين الإثنيات والأديان مسألة لا بد التمعن بها. وليس من السهولة بمكان التنبؤ بما ستتمخض عنه هذه الأنظمة السياسية والاجتماعية المعقدة،  إلا أنه بإمكاننا على وضع خطط لبعض السيناريوهات المحتملة ونحن بأمس الحاجة لذلك في سوريا الآن.

* رئيس قسم الوقاية من النزاع، المجموعة الدولية لحقوق الأقليات.



[1] شابمان، ك.، تعزيز أمن الأقليات في العراق، المجموعة الدولية لحقوق الأقليات (MRG)، لندن، 2012، http://tinyurl.com/9mwnkx3.

[2] تانيجا، ب.، الأقليات في العراق: المشاركة في الحياة العامة، المجموعة الدولية لحقوق الأقليات (MRG)، لندن، 2011، http://tinyurl.com/92oqmn3.

[3] قرار البرلمان الأوروبي في 27 أكتوبر/تشرين الأول 2011 حول الأوضاع في مصر وسوريا، ولا سيما اوضاع الطوائف المسيحية، http://tinyurl.com/9smdfz4.

[4] التقرير السنوي: الدول المثيرة لقلق خاصمصر، لجنة الولايات المتحدة الأميركية للحريات الدينية الدولية، 2012.

[5] مركز أنباء الأمم المتحدة: مؤيدون ومناهضون لقوات القذافي ارتكبوا جرائم حرب في ليبيا جلسة نقاش، الأمم المتحدة، 2 مارس/آذار 2012، http://tinyurl.com/946o4xu.

[6] مقابلة للمجموعة الدولية لحقوق الأقليات مع ناشط من التبو، أهامات موليكيني، يونيو/حزيران 2012.

[7] ولادة جديدة للثقافة الأمازيغية في ليبيا ما بعد القذافي،CNN ، 3 سبتمبر/أيلول 2011، http://tinyurl.com/8gstz64.

[8] أتوجه بالشكر لكوريني لينوكس.

[9] لمثال حول صراع مشابه أنظر: برونيغير، س.، من الصراع إلى الحكم الذاتي في نيكاراغوا: الدروس المستفادة ، المجموعة الدولية لحقوق الأقليات، 2007، ص. 5، http://www.minorityrights.org/?lid=969.

[10] كما شهدنا في عمل المفوض السامي لشؤون الأقليات الوطنية في منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، انظر موقعه على الانترنت www.osce.org/hcnm، أو لنظرة عن كثب حول السنوات الأولى للعمل: كمب، و. أ. (محرر)، والدبلوماسية الهادئة في العمل: المفوض السامي لشؤون الأقليات الوطنية في منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، لاهاي، كلوير للقانون الدولي.

[11] ماكدوغال، ج. (خبير الأمم المتحدة المستقل المعني بقضايا الأقليات)، التعزيز الفعال للإعلان المتعلق بحقوق الأشخاص المنتمين إلى أقليات قومية أو إثنية وأقليات دينية ولغوية(، الأمم المتحدة، الجمعية العامة ( A/65/287)، 2010، ص. 5

http://tinyurl.com/8ds7a83.

[12] قيادة البحرية: لا خطة لعراق ما بعد صدام، CBS، 11 فبراير/شباط 2009، http://tinyurl.com/9pyltwo.

 




شارك هذه الصفحة: