هشاشة الحماية القانونية لمسيحيي المشرق العربي في مسائل الأحوال الشخصية

د. نائل جرجس*

مقدمة

 تنبع الحماية القانونية لأتباع الأقليات المسيحية في دول المشرق العربي من مختلف التشريعات الدستورية والقانونية الداخلية الضامنة لحقوق وحريات المواطنين ولاسيما مبدأ عدم التمييز والحرية الدينية، فضلاً عن إعمال مبادئ الحكم الديمقراطي وتعزيز سيادة القانون. الإ أنّه من الواضح هشاشة هذه الحماية وهو ما يتبين من خلال سيطرة أنظمة ديكتاتورية على مقاليد الحكم وكذلك تأثير الدين على السياسة والقوانين وما يتبعه من تقويض لمبدأ المواطنة ولانتهاكات مختلفة لحقوق المنتمين إلى هذه الأقليات. فعلى الرغم من اعتراف الدساتير العربية بمجموعة من الحقوق الأساسية ذات الأهمية البالغة لأبناء الأقليات الدينية كالحق بالمساواة أمام القانون والحرية الدينية، فإنّ أغلب هذه الدساتير تنصّ على أنّ دين الدولة هو الإسلام وأن الشريعة الإسلامية أحد مصادر التشريع أو حتى المصدر الرئيسي له كما هو الحال في مصر. وينعكس هذا البند بشكل أساسي على قوانين الأحوال الشخصية التي لا تزال حتى يومنا هذا مستلهمة من نصوص دينية على خلاف بقية القوانين التي بأغلبها وضعية مبنية على مبدأ المساواة بين المواطنين. بينما يترتب على تطبيق التشريعات الدينية في مسائل الأحوال الشخصية على تعدد القوانين في هذا المجال، فضلاً عن انتهاك مبدأ عدم التمييز والحرية الدينية، سواء أكان في التشريعات أو في اجتهادات وقرارات المحاكم في القضايا التي تجمع بين منتمين إلى كل من الدين المسيحي والإسلامي.

لمحة عن نظام تعدد الأحوال الشخصية

تمتاز دول المشرق العربي بتطبيق نظام قانوني تعددي في مجال الأحوال الشخصية، حيث يتمتع المسيحيون بحرية احتكامهم إلى التشريعات الكنسية في مجال الأحوال الشخصية بينما يحتكم المسلمون إلى ما هو مستمد من شريعتهم الإسلامية. بالإضافة إلى تعدد هذه التشريعات، فإنه يحق للرعايا المسيحيين اللجوء إلى المحاكم الكنسية، عدا مصر التي ألغت المحاكم الدينية لغير المسلمين بمقتضى قانون 462 لعام 1955 ولكنها أبقت على التشريعات الكنسية. لا مجال للشك بأنّ هذا النظام التعددي قد أتاح في غالب الأحيان للمسيحيين تجنب تطبيق الشريعة الإسلامية عليهم على عكس تجارب بعض الدول الأخرى كالسودان، إلا أنّ مساوئ هذا النظام عديدة وخاصة فيما يتعلق بالتمييز ضد المرأة والمسيحيين كما سنبينه أدناه. كما يُؤخذ على هذا النظام التعددي عدم مراعاته لوجود أقليات أخرى غير مسيحية في دول المشرق العربي حيث تُطبق التشريعات الدينية على غير المؤمن بالديانتين الإسلامية أو المسيحية كالبهائي أو حتى العلماني وغيره من المنتمين إلى أقليات دينية غير معترف بها رسميا، فيجب أن يتبع هؤلاء الأشخاص ً في أوراقهم الثبوتية لإحدى هاتين الديانتين بخرق واضح لمبدأ الحرية الدينية المنصوص عليها في العديد من الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان. كما تسبّب هذه التشريعات الدينية تكريساً للطائفية ولسيطرة المؤسسات الدينية على المجتمعات أو تدخلها في تشريع القوانين وتطبيقها في اعتداء على سلطة الدولة التي من المفروض أن تكون صاحبة الحق الحصري في ذلك. وللعودة إلى أوجه التمييز التي يتعرض لها المسيحيون في مسائل الأحوال الشخصية[1]، فإننا يمكن تقسيمها على الشكل الأتي:

أولاً: الزواج المختلط

تنصّ الفقرة الثانية من المادة 23 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على أن يكون للرجل والمرأة، ابتداء من بلوغ سن الزواج، حق معترف به في التزوج وتأسيس أسرة. وفي انتهاك واضح لنص هذه المادة، فإنّ أغلب دول المشرق العربي لا تجيز زواج المسلمة بغير المسلم. فتنص المادة 48 من قانون الأحوال الشخصية السوري على أن زواج المسلمة بغير المسلم باطل وهو ما تؤكده أيضاً المادة 28 من قانون الأحوال الشخصية الأردني لعام 2010. وهتا لابدّ من التذكير بأنّ التشريعات الكنسية تتضمن قيوداً مشابهة متعلقة بحظر الزواج المختلط، إلا أن هذه التشريعات تُستبعد في غالب الأحيان لصالح تطبيق الشريعة الإسلامية التي تجيز زواج المسلم بمسيحية وهو ما يشكل بدوره انتهاكاً لمبدأ عدم التمييز بين المواطنين. في الحقيقة إنّ حظر الزواج المختلط يترتب عليه آثار اجتماعية وقانونية سيئة جدا كإنجاب أطفال خارج إطار العلاقة الزوجية وأيضا التحايل على القانون وذلك بإقدام الراغبين بالزواج على تغيير الدين لغاية الزواج فقط، كما أنّ الكثير من جرائم الشرف تعقب حالات الزواج المختلط التي غالبا ما يرفضها المجتمع لأسباب عديدة منها تكريس القوانين لهذا الحظر. أضف إلى ذلك أهمية الزواج المختلط لتحقيق الغنى الثقافي والتعايش الديني في المجتمعات وكذلك الحدّ من آثار الطائفية التي تشكل عقبة أساسية في وجه تطور المجتمعات العربية.

ثانياً: تغيير الدين

 تنص المادة 18 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على حق كل انسان في حرية الفكر والوجدان والدين. ويشمل ذلك حريته في أن يدين بدين ما، وحريته في اعتناق أي دين أو معتقد يختاره... كما تُضيف الفقرة الثانية من نفس المادة أنه لا يجوز تعريض أحد لإكراه من شأنه أن يخل بحريته في أن يدين بدين ما، أو بحريته في اعتناق أي دين أو معتقد يختاره. وعلى الرغم من ذلك، فإن التشريعات المعمول بها حاليا في دول المشرق العربي لا تجيز للمسلمين العدول عن دينهم أو اعتناق الديانة المسيحية حيث يمكن أن يتم إحالتهم للمحكمة بتهمة الردة أو الإساءة للإسلام. في المقابل يتم في الغالب تيسير إجراءات اعتناق المسيحيين للإسلام. وعلى الرغم من غياب عقوبة جنائية واضحة بحق المرتد في الإسلام، فإن هذا الأخير يتعرض إلى التجريد من الحقوق السياسية والمدنية كالميراث وإبرام العقود ويتم غالباً فسخ الرابطة الزوجية في حال إسلام الزوجة المسيحية وعدم قبول الزوج الدخول في الإسلام، و تُحرم المرأة المرتدة من حضانة الأطفال وهو ما تنص عليه صراحة المادة 171 من قانون الأحوال الشخصية الأردني لعام 2010.

بالإضافة إلى هذه المعاملة التمييزية في وجهة تغيير الدين، فإنه يترتب على قضية الردة العديد من الانتهاكات الحقوقية الأخرى التي تطال، ليس فقط المسلمين، إنما المسيحيين أيضاً. فمن الناحية الأولى ونتيجة لمنع الردة، يتعرض المسيحيون للاعتقال والتوقيف في حال ممارستهم للتبشير الذي يجب احترامه كحق بمقتضى حرية التعبير والحرية الدينية[2]، ومن الناحية الثانية يُعاني الكثير من المسيحيين المتحولين للإسلام من المصاعب القانونية أثناء محاولتهم العودة لديانتهم الأصلية.[3] أمّا عن أسباب التحول للإسلام فهي كثيرة أهمها رغبة المرأة المسيحية بفسخ الرابطة الزوجية أو رغبة المسيحي بعقد زواج مع امرأة مسلمة أو زوجة ثانية، وكذلك الحصول على الإرث في حال اختلاف الدين وأيضاً الحصول على قرار الطلاق الذي تضيقه وتمنعه في بعض الأحيان الكنائس[4]، وأخيراً حضانة الأطفال كما سنبينه بالفقرة التالية.

ثالثاً: حضانة ودين الطفل

 جاءت المادة 14 من اتفاقية حقوق الطفل لتؤكد على حق هذا الأخير في حرية الفكر والوجدان والدين. وألزمت الفقرة الثانية من نفس المادة الدول الأطراف على أن تحترم حقوق وواجبات الوالدين وكذلك، تبعا للحالة، الأوصياء القانونيين عليه، في توجيه الطفل في ممارسة حقه بطريقة تنسجم مع قدرات الطفل المتطورة. كما أكّدت بنود هذه الاتفاقية على ضرورة إعطاء مصلحة الطفل الأهمية القصوى. ومع ذلك، يبدو بأنّ الاعتبارات الدينية لا تزال تلعب دوراً محوريا يطغى على مصلحة الطفل وحتى على حقه بالحرية الدينية المنصوص عليها في هذه المادة. فغالباً ما تُعطى حضانة الطفل للطرف المسلم في النزاعات القضائية، دون الاكتراث بمصلحة الطفل، حيث تُحرم الأم المسيحية من هذا الحق إذا خُشي أن يألف الطفل غير دين أبيه المسلم أو حتى المعتنق للإسلام لغاية معينة منها إسقاط الحضانة عن زوجته. ويُذكر بأنّ الاجتهادات القضائية السابقة في كثير من دول المشرق العربي كانت قد أعملت هذا الحكم وأسقطت الحضانة عن الأم غير المسلمة كقرار محكمة النقض السورية في 6 نيسان/أبريل لعام 1981 المستند إلى المادة 381 من كتاب قدري باشا. هذه الأخيرة تُجيز إسقاط الحضانة عن المرأة غير المسلمة إذا خُشي على دين الطفل المسلم. وهو ما ذهبت إليه أيضاً محكمة البداية الشرعية في الإسكندرية في قضية زغبي حلاق عندما أعطت الحضانة للأب المسيحي بعد اعتناقه للإسلام وذلك خشيةً على دين طفلته من والدتها المسيحية.[5]

وغالبا ما تُدرج المحاكم الشرعية في أحكامها بوجوب تبعية الطفل لأشرف أو لأفضل الوالدين ديناً" وهو ما قررته المحكمة الشرعية بدمشق في إحدى القضايا بين زوجين من ديانتين مختلفتين، عندما حكمت بإلحاق الولد بدين أمه وهو الإسلام لأنه أشرف الأبوين ديناً ...[6] وقد أكدّت المادة 172 من قانون الأحوال الشخصية الأردني لعام 2010 على هذا التمييز ضد الأم المسيحية حيث نصّت حرفياً على إسقاط الحضانة فيما إذا تجاوز المحضون سن السابعة من عمره وكانت الحاضنة غير مسلمة. وقد جاء نصّ هذه المادة بعكس قرار سابق لمحكمة التمييز الأردنية أجازت بموجبه الحق للمرأة المسيحية بحضانة طفلها حتى بلوغه سنّ التاسعة إذا كان المحضون ذكر وحتى سنّ الحادية عشر فيما إذا كانت أنثى.[7]

رابعاً: أوجه تمييز أخرى

بالإضافة إلى ما ذكرناه أعلاه، يتعرض المسيحيون لأوجه تمييز أخرى في مجال الأحوال الشخصية نذكر منها عدم قبول شهادتهم في القضايا المنظور بها أمام المحاكم الشرعية وعدم جواز الميراث مع اختلاف الدين وهو ما يحرم المرأة أو الأطفال المسيحيين لرجل مسلم من الميراث. كما يُلاحظ في الكثير من الأحيان استبعاد تطبيق التشريعات الكنسية على المسيحيين لصالح الشريعة الإسلامية وهو ما يحدث خاصة في مصر في حال عدم اتحاد طرفي الدعوى المسيحيين بالملة والطائفة، حيث تُطبق أحكام الشريعة الإسلامية على قضية قضائية تجمع مثلاً شخص مسيحي كاثوليكي وآخر أرثوذوكسي. كما أنّ بعض أشكال التمييز تُطّبق بدون وجود نصّ صريح في قوانين الأحوال الشخصية، وذلك لأن غياب التشريعات في القانون الحالي يُلزم القاضي بالرجوع إلى أحكام المذهب الحنفي المقنّنة في كتاب قدري باشا[8]، والذي يتضمن بدوره بعض أوجه التمييز ضد غير المسلمين.

ولابدّ من الإشارة بأنّ التشريعات الكنسية المطبقة حالياً على مسيحيي المشرق العربي في مسائل الأحوال الشخصية تتضمن، على غرار التشريعات الإسلامية المطبقة من طرف المحاكم الشرعية، العديد من البنود المتعارضة مع حقوق الإنسان كحظر أو تقييد إبرام عقود الزواج المختلط كما أشرنا إليه أعلاه، بالإضافة إلى السماح بالزواج المبكر والتمييز ضد المرأة والتضييق من حالات الطلاق أو حتى منعه أحياناً وهو ما يدفع بعض المسيحيين إلى تغيير ديانتهم إلى الإسلام لغاية الحصول على الطلاق وبالتالي الزواج مرة ثانية.[9] كما أنّ الآثار القانونية المترتبة على تغيير الدين لطالما سببت زعزعة في الاستقرار القانوني من خلال التحايل على القانون. وأخيراً، إنّ إعطاء الحق بالتشريع لغير مؤسسات الدولة الرسمية يشكل اعتداء على سلطة هذه الأخيرة وكذلك تعدد التشريعات على نفس الأحكام وتناقضها في بعض الأحيان.

خاتمة

يُستخلص مما سبق بأنه يتوجب إعادة صياغة تشريعات الأحوال الشخصية المعمول بها حاليا في دول المشرق العربي مع مراعاة ما ورد في الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان، وذلك من أجل تعزيز احترام هذه الحقوق والسير قدماً نحو بناء دول ديمقراطية مدنية قائمة على مبدأ المساوة التامة بين مواطنيها وعلى التعددية الدينية والسياسية. بالتأكيد ليس من المعقول أن نطالب بالإلغاء الكلي لهذه التشريعات التي تشكّل خيار للكثيرين من الأشخاص الذين يقبلونها بمحض ارادتهم، ولكن لا يجوز القبول ببعض نصوصها التي تتعارض مع حقوق الإنسان، وكذلك فرض أحكامها على أشخاص لا يؤمنون بها ولا سيما وأنّ مشرّع هده القوانين هم رجال دين وليست الدولة الممثلة للشعب والتي من المفترض أن تكون صاحبة الحق الأساسي والحصري بالتشريع.[10] وكخطوة مبدئية يتوجب على دول المشرق العربي أن تعترف بعقود الزواج المبرمة في الخارج بين رعاياها المختلفين في الدين[11]، وكذلك استصدار قوانين مدنية، مع المحافظة على قوانين الأحوال الشخصية لكل طائفة، وبذلك يكون أمام أي شخصين راغبين بالزواج حرية الاختيار ما بين هذا القانون المدني أو الديني أو حتى الاثنين معا كما هو الحال في بعض دول أفريقيا السوداء. إنّ إقرار هكذا تشريعات مدنية مستلهمة من حاجات العصر وتنطبق على الجميع بصرف النظر عن طوائفهم ومللهم، سينعكس حتماً على تعزيز الحماية القانونية للمسيحيين،كما سيسهم أيضاً في تعزيز مبدأ المواطنة والانتقال الديمقراطي ولا سيما في ظل التغييرات الجذرية التي تعيشها حديثاً بلدان العالم العربي.

 

* باحث في جامعة جنيف في مجال حوار الأديان والثقافات.



[1] لابدّ من الإشارة إلى أنّ الوضع في لبنان يشكّل استثناء لما هو معمول به في بقية دول المشرق العربي حيث يُعامل المسيحيون على قدم المساواة مع بقية المواطنين في مجال الأحوال الشخصية، ومع ذلك تحتوي هذه الأخيرة على العديد من المساوئ خاصة فيما يتعلق بالتمييز ضد المرأة.

[2] جيانفرانكو روسي، "نشر الحق في حرية الدين" في الوعي والحرية، رقم 59، 2000، ص. 123 وما يليها.

[3] لمزيد من التفاصيل، أنظر مقالتي: المسيحيين في العالم العربي وقضية الردة في الإسلام، مغرب-مشرق، عدد 209، خريف 2011، ص. 109- 119.

[4] أنظر أدناه.

[5] دينا شريف فيلر، حق الحضانة في الشريعة الإسلامية وحقوق الإنسان في مصر وسوريا وتونس، مكتبة درو ، جنيف، 1996، ص. . 213

[6] قرار صادر بتاريخ 10 تشرين الأول/أكتوبر 2000، رقم أساس 2205، رقم قرار 904 ب.

[7] قرار رقم 65/493، نشرته جريدة المحامون الأردنية عام 1966.

[8] وهو ما تُشير إليه صراحة بعض مواد قوانين الأحوال الشخصية المعمول بها.

[9] أنظر: صبري حسنين، 150 ألف مسيحي يهددون بالتحول عن الأرثوذكسية في مصر، 13 آب/أغسطس 2011، http://www.elaph.com.

[10] لابدّ من التذكير هنا بأن الدين في مجتمعات المشرق العربي يُفرض على الشخص في أغلب الأحيان نتيجة لولادته في أسرة تنتمي لطائفة أو لدين معين من دون أن يتمكن في وقت لاحق من تغيير انتمائه الديني في الوثائق الرسمية وبالتالي اختيار قوانين مختلفة تنطبق على وضعه العائلي رغم عدم إيمانه بالقوانين الدينية أو بالسلطة الدينية التي تسنّ وتُطبّق هكذا قوانين.

[11] يُذكر بأن دولة لبنان تعترف بهذه العقود.




شارك هذه الصفحة: