الربيع العربي والأقليات

يسري مصطفى*

على الرغم من أن المنطقة العربية تزخر بالعديد من الأقليات الدينية والعرقية وحتى اللغوية، إلا أن مسألة الأقليات لم تحظ بالاهتمام إلا مؤخرا، وهو اهتمام محدود على أي حال. وقد تنوعت أشكال الاهتمام ما بين الحقوقي والسياسي والديني. وقد ظلت المنطقة العربية، وربما حتى الآن، تفتقر إلى الاهتمام الفكري بهذه القضايا، ويكفي الإشارة إلى أن طرح موضوع الأقليات لم يبدأ إلا في مع نهايات القرن الماضي. ففي مقدمة أحد الكتب التي صدرت عام 1970 بعنوان »مشكلات الأقليات في الوطن العربي«، يشير الكاتبان إلى ندرة المواد التي تعالج هذه القضية بالقول: »وحتى الآن لم يجرؤ كاتب عربي على التعرض لمشكلة الأقليات في الوطن العربي، خوفا من إثارة العواطف، والمساس بالنعرات، واستمرارا لدفن الرؤوس في الرمال، رغم ارتفاع الأصوات في مجالات أخرى«.[1] وفى دراسة استطلاعية لتحليل مضمون الفكر القومي العربي، والتي أظهرت تدنى الاهتمام بقضايا الأقليات فقد جاءت في ذيل قائمة من الموضوعات والتي كان عددها 16 موضوع. [2]

يتضح من هذا أن المسألة ليست مجرد عدم اهتمام، بل إن حساسية الموضوع والخوف من إثارته كانتا السبب في عدم الاهتمام أو حتى تجاهل القضية من قبل المؤسسات الأكاديمية والبحثية والإعلامية والتربوية. والملاحظ أن هذه الدراسات قد ظهرت في مطلع الثمانينيات من القرن الماضي كمؤشر على أن قضية الأقليات بدأت تطفو حديثا على السطح. ومع ذلك يمكن القول أن الكثير من الكتابات كانت تأتى على ذكر الأقليات الدينية والعرقية واللغوية، ولكن على سبيل الوصف وليس من منظور حقوق هذه الجماعات، فقد ظل المدخل الحقوقي مغيبا، ولم يبرز على الساحة إلا مع ظهور منظمات حقوقية أثارت مثل هذه القضايا، وكان على البعض من هذه المنظمات أن يدفع ثمن هذا التوجه، فقد تم اتهامها بإثارة النعرات ومحاولة تفكيك بنية الدولة، وربما العمالة للخارج، وكان مركز ابن خلدون بمصر أحد أهم الأمثلة على هذه الحالة. ولم يمض وقت طويل حتى بدأت أصوات من جماعات الأقليات أنفسها تظهر على السطح، وبدأت لغة الحقوق تُتداول، وبدا واضحا أن مسار الحديث يتجه أكثر نحو ضرورة الاعتراف بحقوق هذه الجماعات، مع دخول الدولة في أزمة لن يحلها إلا إعادة ترتيب الساحات الداخلية حقوقيا، وهذا ما نسميه »المراحل الانتقالية بعد الثورات العربية«.

وعند الحديث عن الأقليات فغالبا ما يتقاطع بعدان، السياسي والثقافي، ونلاحظ ذلك في عدد من التعريفات الشائعة بشأن الأقليات. ففي موسوعة العلوم السياسية الصادرة عن جامعة الكويت، نلاحظ ذلك التعريف بمفهومي »الأقلية/الأغلبية«، حيث يرد فيها: »يستخدم مفهوما الأقلية والأغلبية كمفهومين متقابلين للإشارة إلى أحد معنيين أساسيين. الأول ثقافي بمعنى اتفاق أكثرية المواطنين على محاور اللغة والعرق والدين والطائفة، مع وجود فئة قليلة تختلف معها على أحد تلك المحاور وربما عليها كافة. والثاني سياسي ينصب على طريقة تشكيل الحكومة، وحجم ما ينعقد لها من تأييد المواطنين، ولما كانت استخدامات الأقلية/الأغلبية بالمعنى الأول قد ترافقت أحيانا مع بعض الممارسات التمييزية ضد الأقلية لمجرد أنها كذلك فلقد أشاع ذلك جوا من التحفظ وربما الرفض لهذا الاستخدام في الوقت الذي ظل المعنى الثاني حافظا مصداقيته فيما يتصل بالتعبير عن إحدى الظواهر اللصيقة بالعملية السياسية، ظاهرة تشكيل الحكومة«.[3]

ولفهم موضوع الأقليات في المنطقة العربية علينا أن نراعى البعد السياسي والثقافي حتى نقترب أكثر من طبيعة هذا الموضوع وموقعه في إطار عمليات بناء السلطة. هذا بالإضافة إلى البعد الحقوقي الذي تم إدخاله لاحقا. 

إن الأقليات كتكوينات اجتماعية أو ثقافية مؤشر على التنوع، ولكنها برزت كمشكلة بسبب السياقات السلطوية التي جعلت من قضية التنوع بشكل عام مشكلة. والأمر يتعلق بالبنية السياسية في البلدان العربية التي أسست سلطتها على خليط غير متجانس من التقليدي والحديث، والفردي والجماعي، فخلقت هويات سياسية كلية لم تكن في إمكانها أن تتواجد إلا بكبت الهويات الفرعية (للأقليات) والصراع معها حتى تثبت ذاتها. وبالتالي، فكما سعت الدولة في المنطقة العربية إلى إقصاء الأقليات، فإنها من ناحية أخرى هي التي دفعت هذه المجموعات إلى الاحتماء بهوياتها والانغلاق بداخلها. فالدولة لم تدمج الأفراد كمواطنين، ولكن كتابعين لهويات كبرى أو صغرى، بعضها سائد وبعضها تابع.

 

وفى الحقيقة أن تداعيات هذا الوضع لم تفض فقط إلى انتهاك حقوق الأقليات، ولكن، وبالأساس، إلى انتهاك الحقوق الفردية للجميع. فكما تقمع السلطات السائدة الحقوق الفردية، كذلك تفعل بعض الأقليات باسم الحفاظ على الهوية الجماعية. ولعل أوضاع النساء أكبر مؤشر على ذلك وخاصة فيما يتعلق بقضايا الأحوال الشخصية، فتسعى كل جماعة للحفاظ على شرائعها وتقاليدها والتي غالبا ما تصاغ بصورة ذكورية تهدر حقوق النساء.

وسياسيا فإن مشكلة الأقليات وثيقة الصلة بمضمون أيديولوجيا القومية العربية التي حكمت المنطقة العربية لعقود طويلة من الزمان بدرجة أو بأخرى. فقد تم توظيف هذا الأيديولوجيا من قبل أنظمة أقل ما يقال عنها أنها ذات طبيعة استبدادية، سعت من خلالها إلى رسم حدود »الجماعة الوطنية« في علاقتها بالخارج (العداء للاستعمار) والداخل (في تمايزها عن الهويات النوعية). وهكذا فقد تضمن الفكر القومي مجموعة من العناصر المتلازمة والتي شكلت بنية الخطاب القومي وهى، كما يقدمها المفكر المغربي محمد عابد الجابري، الوحدة، والاشتراكية »أو التقدم«، وتحرير فلسطين. وقد لعب العامل الخارجي دورا في نظم هذه المتلازمات، يقول الجابري: »إن العامل الخارجي... وبعبارة أوضح: التهديد الأجنبي- هو الذي ربط، ويربط، في الوعي العربي منذ يقظته الحديثة إلى الآن بين الوحدة والتقدم، وهو نفسه الذي يعطيها مضمونها ويرسم طريق تحقيقهما، ومن هنا تلك البطانة الوجدانية التي تلف فكرة <الوحدة> في الوعي العربي لتجعل منها، وعلى ساحته، المضمون المشخص للنهضة والثورة، والرديف الملازم لكل تقدم، والعنصر الموجه لقراءة العرب لماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم، والمحور الأساسي الذي تنتظم حوله عناصر إشكاليتهم الفكرية، بل وطموحهم الحضاري«.[4]

إن آلية تجسيد هذه الفكرة عمليا لم يتحقق بقوة دفع شعبية أو بمشاركة المواطنين أو الأقليات، وإنما من خلال استبعاد قوة الدفع هذه، واحتكار الفكرة من قبل مجموعات قادت دولة ذات طبيعة عسكرية. وهكذا فقد كان السبيل آنذاك للجمع بين التوجهات السياسية والاجتماعية، هو تنصيب الدولة المُعسكرة بوصفها الراعي والموجه والمتحكم في إدارة المجتمع. إنها المرحلة التي أطلق عليها الباحث الجزائري علي الكنز، مرحلة الإعجاب بالدولة حيث اتجهت الحركة الوطنية »بالتدريج نحو فرضية الحل العسكري التي التحقت بحركيتها قوى اجتماعية أخرى تملك حدا أدنى من القوة. فالجيوش أو مشاريع الجيوش تريد الحرية، في حين أن جماهير الفلاحين تريد فقرا أقل، فالثورة المعادية للاستعمار تحصل، إذن، من <أعلى> محددة بذلك الطريق لتكوين <دولة قوية>... « ويضيف الكنز »وبالطبع خلال هذه المرحلة، المثقف العربي المعجب بالدولة القوية لم يعط إلا اهتماما ضعيفا للحركات الاجتماعية التي أعادت هيكلة المجتمع بعمق. فالمنطلق <الدولتي> الذي يتحرك ضمنه المثقف أصبح حاجزا <أيبستيمولوجيا>، قوة محافظة نظرية...«[5]

وفى ظل الإعجاب بالدولة تدعمت المركزية السياسية الشديدة، وتأصلت مشروعية الثقافة التعبوية الموظفة من أجل إضفاء مشروعية على النظام السياسي القائم والحفاظ على »التماسك الداخلي«، من خلال تأطير الداخل بدعوى الحفاظ عليه من الخارج. ومن هنا ينبغي النظر إلى الفكر القومي بوصفه فكرا مؤسسا للتناقض بين الداخل والخارج. وهو التناقض الذي ظل أداة هيمنة سياسية بامتياز. ومن أجل تحقيق هذا، تمت صياغة أطر سياسية وآليات إعلامية ذات طبيعة احتكارية، تخدمها بنية قانونية صلبة أطاحت بالكثير من الحقوق والحريات العامة (ليس غريبا أن يرتبط هذا النمط من الدولة بالأحكام العرفية وقوانين الطوارئ، وكأنها دولة أسست على أن تكون مستنفرة سياسيا وقانونيا إلى الأبد). وتماهت الحكومة مع الدولة في كل البلدان العربية. وفى ظل هذه المركزية الشديدة، تم كذلك إنكار التنوع على مستوى الداخل، بل بدا التنوع (الديني أو العرقي أو اللغوي) وكأنه تهديد لفكرة »الوحدة«، وهكذا ظلت الأقليات مجموعات مضطهدة، قد يكون عليها أن تمارس طقوسها في الخفاء، وأن تتنازل عن لغاتها، تحت ضغط ما تفرضه الدولة بوصفه دين الأغلبية أو لغتها.

وإذا كان هذا الوضع مقبولا في حينه وفى الظروف التاريخية السائدة آنذاك، بمعنى التعبئة ضد الاستعمار ودعم مسيرة »التحرر الوطني«، فلم يكن من المقبول، نظريا على الأقل، أن يستمر الوضع هكذا إلى الأبد. ولكن عمليا فقد ظل الوضع كذلك في ظروف تاريخية مغايرة، ظروف جديدة تراجع فيها دور الدولة، وحدثت فيها تطورات هائلة في مجال الاتصالات. فأخذت الدولة تفقد قدرتها على فرض خطابات مركزية مسيطرة، ومع ذلك أصرت على الاحتفاظ بالجانب الاستبدادي المتمثل في رفض المشاركة والاعتراف بالتنوع، ذلك على الرغم من أنها تخلت عمليا عن مقومات هذا الفكر سواء فيما يتعلق بالوحدة العربية أو ما يسمى بالمبادئ الاشتراكية ومعادة الامبريالية والاستعمار أو غيرها؟ ولكن هذا السؤال يثير تساؤل آخر، ربما يكون أكثر موضوعية وهو: ما هي بالضبط طبيعة العناصر التي حاولت الحكومات الاحتفاظ بها؟ ولماذا؟

ومما لا شك فيه أن ما تم الاحتفاظ به من الإرث القومي في مراحل لاحقة منذ منتصف السبعينيات ليس له علاقة بالاقتصاد الذي انفرط عقده بسبب السياسات الاقتصادية الجديدة. وقد ظلت  الدولة مستنفرة أمنيا وقانونيا بحجة السهر على حماية الداخل ممن يتربصون به. ذلك إلى جانب بعض عناصر أيديولوجية أخرى غير فعالة ولكن مهمتها تجميل اللعبة الأيديولوجية الكلية مثل الوحدة العربية والتكامل الاقتصادي العربي... وهى العناصر التي فقدت تماما مشروعيتها لدى المواطن في المنطقة العربية، تماما مثل الأغاني الوطنية التي ما زالت تذاع في مناسبات باتت غريبة عن أجيال مطحونة، ومغيبة ومهمشة، لم يبق لها من حلم سوى الهجرة، كما يشير تقرير التنمية الإنسانية. وفى هذا السياق بدا أن الاعتراف بالتنوع على مستوى الداخل وكأنه جريمة، فالحديث، الذي بدأ حول حقوق الأقليات، أرادت السلطات أن تصوره وكأنه مؤامرة على كيان الدولة ووحدتها، وهكذا تم ربط الدفاع عن حقوق الأقليات بالعمالة للخارج، ولم تتخذ الدولة في ظل ضعفها المتزايد خطوات من أجل دمقرطة النظام، ولكن على العكس باتت أكثر توترا وأكثر قمعا.

ومع ضعف الدولة والتغيرات الكبرى التي يشهدها العالم فضلا عن الصراعات الإقليمية، لم تعد الأقليات كيانات صامتة، بل أضحت ضمن الديناميات الجديدة للتمرد على سلطة فقدت مشروعيتها. وأصبح لهذا الوضع مزاياه وعيوبه، إذ تتمثل مزاياه في مزيد من الاعتراف بوضع الأقليات، فيما تكمن عيوبه بواقع أن هذا الاعتراف لا يرتبط في كثير من الأحيان بفكرة المواطنة، بل بصراعات سياسية وحصص على أساس الهوية.

وجاء الربيع العربي، وأصبح الرهان على إحداث تحولات ديمقراطية تسمح بإعادة تشكيل السلطة والدولة بصورة تحفظ التوازن بين الحقوق الفردية (المواطنة) والحقوق الجماعية (الأقليات)، ولكن اندلاع صراعات عنفيه في بعض البلدان، وهيمنة فصائل الإسلام السياسي من ناحية أخرى قد يدفع باتجاه إعادة هيكلة النظام السياسي حول مركز الهويات أكثر من مرتكز المواطنة. وفي حقيقة الأمر، فإن هذا التوجه سوف يفتح الباب واسعا أمام الصراع عوضا عن التضامن الاجتماعي.

إن عملية فعالة للانتقال الديمقراطي ينبغي أن ترتكز على التوازن بين الحقوق الفردية والجماعية، والاعتراف بالتنوع الثقافي والعرقي والديني ولكن في سياق احترام مبدأ المواطنة. وهذا هو التحدي الذي تواجهه القوى الحقوقية والمدنية، وكذلك الأقليات التي عليها التنبه لذلك بدلا من كبت الحقوق الفردية باسم الحفاظ على الهويات الجماعية.

 

* خبير مصري في مجال حقوقي الإنسان، البريد الإلكتروني: Y_moustafa@yahoo.com



[1] د. جلال يحيى، د. محمد نصر مهنا: مشكلات الأقليات فى الوطن العربى، دار المعارف، مصر، 1980.

[2] راجع فى هذا الصدد، السيد ياسين: تحليل مضمون الفكر القومى العربى، دراسة استطلاعية مركز دراسات الوحدة العربية، 1980.

[3] محمد محمود ربيع وإسماعيل صبرى مقلد (محرران): موسوعة العلوم السياسية، جامعة الكويت، ص 499.

[4] الدكتور محمد عابد الجابرى: الخطاب العربر المعاصر، دراسة تحليلية نقدية، مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الرابعة بيروت 1992، ص 107-111.

[5] علي الكنز: من الإعجاب بالدولة إلى اكتشاف الممارسة الاجتماعية، المستقبل العربي، العدد 158 لسنة 1992.




شارك هذه الصفحة: