حرية تأسيس الجمعيات التجمع السلمي في القانون الدولي

 مرفت رشماوي*

 هناك أهمية خاصة للحق في حرية التجمع السلمي وفي تكوين الجمعيات للتمكين التمتع الكامل بالحقوق المدنية والسياسية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، حيث أن هناك أهمية كبرى لوجود جمعيات وأطر تنظيمية تدافع وتطالب بالحقوق وتقوم بتقديم الخدمات. كما أن الحق في حرية التجمع السلمي والحق في تكوين الجمعيات يشكلان عنصرين جوهرين من عناصر الديمقراطية بما يتيح للأفراد فرصا كبرى تمكنهم من التعبير عن آرائهم السياسية وغير السياسية.

 تكفل الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان جوانب عدة من حرية التجمع. تنص المادة 21 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية على أنه يجب الاعتراف بالحق في التجمع السلمي. كما تنص المادة 22 من العهد الدولي على أن "لكل فرد حق في حرية تكوين الجمعيات مع آخرين، بما في ذلك حق إنشاء النقابات والانضمام إليها من أجل حماية مصالحه". وتعتبر الاتفاقية رقم 87 لمنظمة العمل الدولية حول حرية التجمع من الاتفاقيات الأساسية.

 ويفسر الحق في حرية التجمع بأنه حق الفرد في تكوين جمعية أو منظمة مع أشخاص يتفقون معه أو معها في الرأي أو في الانضمام إلى جمعية قائمة سابقا . وفي الوقت ذاته، يشمل هذا الحق أيضاً الحق الجماعي للجمعيات في القيام بأنشطة لتحقيق مصالح مشتركة لأعضائها أو الأشخاص أو الجماعات أو المواضيع التي تعمل حولها. كما ويضمن حق تشكيل النقابات والانضمام إليها وحق النقابات بالعمل بدون تدخل تعسفي.

 ومن الجوانب الأساسية لهذا الحق أنه لا يجوز إرغام أحد على الانتماء إلى أية جمعية أو منظمة أو نقابة. كما أنه يعني ضرورة تعدد الجمعيات والنقابات، حيث أن اقتصار السماح للجمعيات أو النقابات على تلك التي تتفق مع توجه نظام الحكم السياسي، أو السماح فقط بنقابات أو اتحادات نقابية واحدة يعتبر انتهاكا واضحا للحق في حرية التجمع. 

 ويجب ممارسة الحق في حرية التجمع السلمي وفي تكوين الجمعيات دون أن يُفرض عليه من القيود إلا ما يجيزه القانون الدولي، وخاصة القانون الدولي لحقوق الإنسان. ويعتبر هذا أمرا لا غنى عنه للتمتع الكامل ﺑﻬذا الحق، وخصوصًا في الحالات التي يعتنق فيها الأفراد معتقدات دينية أو سياسية أو آراء أخرى مخالفة للأغلبية أو لا تتبناها إلا أقلية من الناس.

 الحق في إنشاء الجمعيات

 يتصل الحق في حرية التجمع والتنظيم فيما يتعلق بمنظمات المجتمع المدني بمراحل مختلفة من حياة المنظمات أو الجمعيات وهي أساسا القدرة على تكوين المنظمات والانضمام إليها؛ وقدرة المنظمات على العمل دون تدخل بشؤونها، بما في ذلك عدم التدخل التعسفي مع الأعضاء أو النشطاء المرتبطين بهذه المنظمات وتعرض حقوقهم للتهديد؛ وقدرة المنظمات على جمع الأموال لتتمكن من العمل والقيام بنشاطاتها وتنفيذ برامجها؛ والتحرر من الحل التعسفي أو أي شكل آخر من أشكال التدخل في عمل المنظمات .

 وبشكل عام، هناك نظامان يطبقان على منظمات المجتمع المدني الراغبة في اكتساب شخصية اعتبارية وهي ما يعرف بنظام "الإشعار" ونظام "التسجيل". تعتمد العديد من بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا نظام "التسجيل"، إلا أنه رغم استكمال العديد من طلبات الجمعيات وموافقتها جميع شروط التسجيل فإنه كثيرا ما يتم رفض هذه الطلبات. وفي بعض الحالات يكون الرفض مبنياً على أسباب أمنية غير محددة من جهة إدارية وبدون إمكانية استئناف القرار لدى جهات قضائية.  ومن المثير للقلق أن هذه البلدان تحظر أنشطة المنظمات غير المسجلة أو من ينتمي لهذه المنظمات وتفرض أحيانا عقوبات شديدة في هذه الحالات. لذلك فإن نشطاء المجتمع المدني لا يجدون بديلا أمامهم سوى العمل بشكل غير قانوني بحيث يعرضون أنفسهم ومؤسساتهم للخطر المستمر.

 أما بالنسبة للبلدان التي تعتمد نظام "الإشعار" فإنها غالبا ما تفرض قيودا أخرى . فمعظم هذه البلدان تقتضي أن تصدر الحكومة إيصالاً باستلام الإشعار وإصدار وثيقة التسجيل . ولكن الممارسة العملية تُظهر في بعض الحالات أن السلطات تتجاهل طلبات الإشعار ولا تصدر إيصالات أو وثائق الاستلام. ومثل ما هو متبع فيما يتعلق بالتسجيل، كثيرا ما يتم حظر أنشطة المنظمات غير المسجلة أو من ينتمي لهذه المنظمات ويجري فرض عقوبات شديدة.

 وبحسب رأي المقرر الخاص المعني بأوضاع المدافعين عن حقوق الإنسان فانه يجب أن لا يكون التسجيل إجبارياً، ويجب السماح للجمعيات بأن تقوم وتضطلع بأنشطتها دون أن تضطر للتسجيل. أما بالنسبة للأنظمة التي تتطلب التسجيل، يرى المقرر الخاص أن القانون يجب أن يوضح وضع المنظمة في الفترة ما بين تقديم طلب التسجيل والقرار النهائي البات فيه، وأنه ينبغي أن تكون هذه المنظمات حرة في بدء أنشطتها إلى أن يصدر القرار النهائي. ويعتبر المقرر الخاص في القوانين الخاصة بالمنظمات غير الحكومية والتي تحتوي على قوائم بالأنشطة المسموح بها وتلك المحظورة إشكالية إلى أبعد الحدود. كما ويجري التأكيد بأن إمكانية حصول المنظمات على التمويل، وقدرتها على طلب التمويل وتلقيه واستخدامه، بما في ذلك من مصادر أجنبية، هو عنصر أصيل في الحق في حرية التجمع وضمان حرية عمل منظمات المجتمع المدني. (تقرير المقرر الخاص المعني بأوضاع المدافعين عن حقوق الإنسان المقدم للجمعية العامة، 4 أغسطس / آب 2009 ، 226A/64/ ، الفقرات 55، 59، 60، 66، 70، 79، 91).

 تقييد حرية التجمع

لا يجعل القانون الدولي الحق في حرية التجمع حقاً مطلقاً. توضح المادة 22 (2) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية أن القيود المسموح بها يجب أن "ينص عليها القانون وتشكل تدابير ضرورية، في مجتمع ديمقراطي، لصيانة الأمن القومي أو السلامة العامة أو النظام العام أو حماية الصحة العامة أو الآداب العامة أو حماية حقوق الآخرين وحرياتهم". وعليه، فإنه من غير المسموح فرض أي من هذه القيود إلا إذا تحققت هذه الشروط مجتمعة . وتوضح اللجنة المعنية بحقوق الإنسان والمشرفة على تطبيق العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية بأنه متى فُرضت أية قيود فعلى الدول أن تقدم الدليل على ضرورتها، كما يتعين فقط اتخاذ تلك التدابير التي تكون متناسبةً مع السعي إلى تحقيق الأهداف المشروعة بغية ضمان حماية الحقوق المنصوص عليها في العهد حماية مستمرة وفعالة. ولا يجوز في أي حال فرض القيود أو التذرع بها على نحو يضر بجوهر تلك الحقوق. (اللجنة المعنية بحقوق الإنسان، التعليق العام رقم 13 : طبيعة الالتزام القانوني العام المفروض على الدول الأطراف في العهد، الفقرة 6 ، (CCPR/C/21/Rev.1/Add.13) ، 26  مايو /أيار 20 ).

ولذلك، وكما يوضح المقرر الخاص المعني بأوضاع المدافعين عن حقوق الإنسان، فإن القيود المفروضة بموجب مراسيم حكومية أو أوامر إدارية بدون نصوص قانونية واضحة تعتبر مخالفة للقانون الدولي حيث أنها لا تفي بشرط المشروعية والقانونية. وعلاوة على ذلك، لا يجوز إقرار قوانين تحوي بنودا غامضة وفضفاضة يمكن استغلالها أو إساءة تفسيرها بسهولة. كما أن شرط اتخاذ التدابير الضرورية في مجتمع ديمقراطي يقتضي ضمان وجود وعمل عدد من الجمعيات، بما فيها تلك التي تعمل سلمياً لنشر أفكار قد تكون لا تتفق أو تناقض رؤية الحكومة أو أغلبية السكان. كذلك أن حظر تكوين الجمعيات ومحاكمة الأفراد بسبب عضويتهم في تلك المنظمات يجب أن يكون فقط ضرورياً لتفادي خطرا حقيقيا وليس افتراضياً فقط على الأمن الوطني أو النظام الديمقراطي ويجب إثبات أن التدابير الأقل تدخلا لم تكن كافية لتحقيق ذلك الهدف. (تقرير المقرر الخاص المعني بأوضاع المدافعين عن حقوق الإنسان المقدم للجمعية العامة، 4  أغسطس / آب 2009 ، 226A/64/ ، الفقرة 27 و 28).

 ولا يزال التذرع بحماية الأمن القومي أو النظام العام واللجوء إلى قوانين مكافحة الإرهاب والقوانين المماثلة أحد الوسائل الرئيسية التي تستخدمها الحكومات لقمع الجمعيات ونشاطاتها . يرى المقرر الخاص المعني بتعزيز وحماية حقوق الإنسان والحريات خلال إجراءات مكافحة الإرهاب أنه على الرغم من السماح اتخاذ تدابير في سياق مكافحة الإرهاب مثل تجريم الإعداد لأعمال الإرهاب التي تخطط المجموعات لارتكابها، وهذا بدوره يعني الحاجة لاتخاذ تدابير تتدخل في حرية التجمع السلمي وحرية تكوين الجمعيات، إلا أنه ينبغي أن لا تسيء الدول استغلال الحاجة إلى مكافحة الإرهاب باللجوء إلى تدابير تكون مقيدة لحقوق الإنسان بشكل مفرط وبدون داع وبلا احترام المعايير الدولية. وفي رأي المقرر الخاص فإن ذلك

يعني أن القيود يجب أن تجتاز اختبار الضرورة وأن تفي بمتطلبات التناسب. (تقرير المقرر الخاص المعني بتعزيز وحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية في سياق مكافحة الإرهاب،267 A/61/ ، 16 أغسطس / آب 2006 ، الفقرة 11)

 حرية التجمع وحرية التعبير

 إنه من الأهمية بمكان أن يكون لدى المنظمات والمدافعون عن حقوق الإنسان القدرة على التعبير والعمل دون التخوف من أخطار الانتقام والاعتقال والانتهاكات الشبيهة. فمن الضروري أن يكون لدى المنظمات والنشطاء القدرة على إثارة بواعث القلق حيال سياسات الحكومة؛ والتماس المعلومات وتلقيها وبثها؛ والمشاركة في المناقشات. وهذا هو أحد المبادىء الأساسية في إعلان حماية المدافعين عن حقوق الإنسان الذي ينص على أنه لكل فرد الحق، بمفرده وبالاشتراك مع الآخرين في أن يعزز حماية وإعمال حقوق الإنسان والحريات الأساسية وبأن يسعى لحمايتها وإعمالها على الصعيدين الوطني والدولي. ويؤكد الإعلان على أن لكل شخص الحق، بمفرده وبالاشتراك مع غيره، في تقديم انتقادات ومقترحات إلى الهيئات الحكومية والمنظمات المعنية بالشؤون العامة لتحسين أدائها وفي استرعاء الانتباه إلى أي وجه من أوجه عملها الذي قد يعوق أو يعرقل تعزيز وحماية حقوق الإنسان. ويجب توفير الحماية الفعالة بموجب القانون الوطني لمعارضة الأفعال بوسائل سلمية للاجرءات الحكومية بما فيها تلك التي تؤدي إلى انتهاكات لحقوق الإنسان والحريات الأساسية. ويجب توفير الحماية للأفكار التي تفضي إلى الإحراج أو الصدمة أو الإزعاج بموجب الحق في حرية التعبير في القانون الدولي، وبالتالي ينبغي حماية الجمعيات التي تتخذ مواقف مثيرة للجدل أو تقوم بانتقاد الحكومة بطريقة تؤدي إلى الإحراج أو الصدمة أو الإزعاج. (انظر/ي الإعلان المتعلق بحق ومسؤولية الأفراد والجماعات وهيئات المجتمع في تعزيز وحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية، والمعروف عامة بإعلان المدافعين عن حقوق الإنسان).

 المقرر الخاص المعني بحرية التجمع

 حتى وقت قريب جدا لم يكن هناك آلية خاصة في الأمم المتحدة معنية تحديدا بحرية التجمع والحق في تكوين الجمعيات. وكانت تتم معالجة الموضوع من خلال اللجنتين المشرفتين على العهدين الدوليين بالحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. كما لمنظمة العمل الدولية دور وخبرات هامة وآليات رقابية متخصصة وإجراءات ذات أهمية كبرى في حماية حرية التجمع فيما يتعلق بالحرية النقابية. ولقد عالج العديد من المقرر الخاصين في الأمم المتحدة هذا الحق أيضا.

 إلا انه وإدراكا لضرورة وجود آلية متخصصة بهذا الحق الهام، تبنى مجلس حقوق الإنسان القرار 15/ 21 في جلسته الخامسة عشر في الأمم المتحدة في ٣٠ سبتمبر /أيلول ٢٠١٠ يعيّن بموجبه المجلس مقررا خاصا معنيا بالحق في حرية التجمع السلمي وفي تكوين الجمعيات.

 سيقوم المقرر الخاص بتقديم تقارير حول انتهاك الحق في حرية التجمع السلمي وفي تكوين الجمعيات- أينما وقع- فضلا عن التمييز أو التهديد أو استخدام العنف أو المضايقات أو الاضطهاد أو التخويف أو الانتقام ضد الأشخاص الذين يمارسون هذه الحقوق، وسيقوم بتقديم تقريرًا سنويًا إلى ﻤﺠلس  حقوق الإنسان يتناول فيه الأنشطة المتصلة بولايته. هذا ولا تشمل ولايته الحالية المسائل التي تقع ضمن الاختصاصات المحددة لمنظمة العمل الدولية وآلياﺗﻬا الرقابية المتخصصة وإجراءاﺗﻬا فيما يتعلق بحقوق أصحاب العمل والعمال في حرية تكوين الجمعيات، بغية تجنب الازدواجية غير الضرورية، كما وسيعمل بالتنسيق مع آليات اﻟﻤﺠلس الأخرى وغيرها من هيئات الأمم المتحدة المختصة وهيئات معاهدات حقوق الإنسان، وأن يتخذ جميع التدابير الضرورية لتفادي الازدواجية مع عمل تلك الآليات. وسيقوم المقرر الخاص إدراج في تقريره الأول إطارا ينظر من خلاله "في أفضل الممارسات، بما في ذلك الممارسات والخبرات الوطنية، التي تعزز الحق في حرية التجمع السلمي والحق في تكوين الجمعيات وتحميه"، كما وسيساهم "في المساعدة التقنية والخدمات الاستشارية التي تقدمها المفوضية السامية لتحسين تعزيز وحماية الحق في حرية التجمع السلمي وفي تكوين الجمعيات"، وبحسب القرار عليه أن "يدمج منظورًا جنسانيًا في جميع الأعمال المضطلع ﺑﻬا في إطار ولايته".

 ومن المترقب أن يكون للمقرر الخاص دور هام في تفسير وتطوير المعايير المتعلقة في هذا الحق مما سيساعد حركة حقوق الإنسان بشكل كبير في الدفاع عن هذا الحق بشكل أفضل من خلال الدفاع عن حالات تجري فيها الانتهاكات والتعقيب على قوانين أو مشاريع قوانين متعلقة بحرية التجمع.


* مستشارة مستقلة في مجال حقوق الإنسان عملت سابقا كالمستشارة القانونية للشرق الأوسط وشمال أفريقيا للأمانة الدولية لمنظمة العفو الدولية. كتبت هذه المقالة بالاستناد في كثير من الأحيان إلى آراء هيئات الخبراء في الأمم المتحدة، ولكن تشتمل أيضا آراء خاصة بالكاتبة حول الموضوع. كما تجدر الإشارة إلى أن الأسلوب المستخدم هو أسلوب المقالة وليس الدراسة البحثية.




شارك هذه الصفحة: