حق تأسيس الجمعيات والتجمع السلمى فى التشريعات العربية

اعداد عبدالله خليل، محام بالنقض وخبير سابق بالبرنامج الإنمائي للأمم المتحدة

الفرع الاول

التشريعات العربية ومتطلبات تمييز الشخصية القانونية للجمعيات والمؤسسات الخاصة

المقصود بتمييز الشخصية القانونية للجمعية هو اكتساب الجمعية شخصية اعتبارية (معنوية) تميزها عن الشخصية القانونية للأشخاص الطبيعيين والاعتباريين من مؤسسيها .

وهناك عدد من المتطلبات الأساسية للاعتراف القانوني بها من أهمها :

1- عدد الأفراد المؤسسين والحد الأدنى الذى يجب أن يتوفر لمجموعة المؤسسين؛

2- تحديد مجالات النشاط أو فتح مجالات النشاط؛

3- التسجيل والإشهار .

"المتطلب الأول : عدد الأفراد المؤسسين "

اختلفت التشريعات العربية بشأن الحد الأدنى الذى يجب أن يتوفر لمجموعة المؤسسين على النحو التالي :

أ دول استلزمت ضرورة توفر عدد من المؤسسين كبير نسبيا يتجاوز ما هو سائد فى التشريعات العالمية وهي : اليمن و ليبيا و قطر والمملكة العربية السعودية و سلطنة عمان والجزائر؛

ب دول عربية تقترب من المؤشرات العالمية وهي : مصر والكويت والبحرين والأردن وفلسطين وتونس والمغرب ولبنان وسوريا وموريتانيا .

"المتطلب الثاني : تحديد الأهداف ومجالات النشاط "

اختلفت أيضا التشريعات العربية فى هذا الشأن فهناك دول وردت فيها المجالات عامة، ودول أخرى فوضت السلطة التنفيذية من خلال اللائحة التنفيذية فى تحديد مجالات النشاط، والدول الأخرى حددت أهداف ومجالات ونشاطات محددة للمنظمات الأهلية ينبغي عدم الخروج عنها على النحو التالي :

1- التشريعات التى وردت فيها المجالات عامة وهي : لبنان وفلسطين والمغرب وتونس والاردن؛

2- التشريعات التى فوضت السلطة التنفيذية فى تحديد مجالات النشاط :

فوض المشرع فى مصر السلطة التنفيذية فيما لا يجوز التفويض فيه فى تحديد مجالات وميادين عمل الجمعيات، بما يجعل المنح والمنع بيد السلطة التنفيذية وهو ذات النهج الذى صار عليه المشرع اليمنى وبالتالي فان كافة تشريعات الدول العربية لم تنص صراحة على أنشطة حقوق الإنسان وميادينها؛

3- التشريعات التى وردت فيها الأهداف والمجالات محددة هي والإمارات وقطر والكويت وسلطنة عمان والسعودية وليبيا .

"المتطلب الثالث : إجراءات التسجيل والإشهار "

وتتميز التشريعات العربية باتجاهات عامة بشأن إجراءات التسجيل والإشهار وهي :

- تحديد جهة حكومية تتقدم إليها المنظمات الأهلية؛

- حق الجهة الحكومية فى رفض طلب تأسيس المنظمات الأهلية قبل أن تبدأ نشاطها؛

- استبعاد بعض التشريعات أشخاصاً بعينهم من ممارسة حق الانضمام إلى الجمعيات؛

- تعقيد الإجراءات وكثرة الوثائق والأوراق المطلوبة .

 

أولاً : جهة حكومية تقدم إليها طلبات التأسيس في مصر، سوريا والكويت والبحرين والإمارات وسلطنة عمان وليبيا والأردن واليمـن، ولـبنان وفلسطين وتونس وموريتانيا والجزائر والسودان والسعودية .

ثانياً : حق الجهة الإدارية فى رفض طلب تأسيس المنظمات الأهلية

1- تحديد مدة للقبول أو الرفض فى الدول التى حددت مدة معينة للرد بالقبول أو رفض الجمعية والقاعدة المستقرة بأنه إذ حددت التشريعات مدة معينة لقبول أو رفض الجهة الإدارية لأوراق التأسيس فيعد ذلك بمثابة ترخيص مسبق سواء تم ذكر ذلك صراحة أو نص على ما يسمى بالوصل النهائي، وقد اختلفت التشريعات العربية فى تحديد هذه المدة ولا يوجد سوى تشريع واحد نص على اكتساب الجمعية الشخصية الاعتبارية بمجرد العلم والخبر وهو التشريع اللبناني؛

2- رفض طلب تأسيس الجمعيات الأهلية دون أن يكون للجمعية حق الطعن على هذا القرار أمام القضاء ويسري ذلك فى سلطنة عمان، والكويت و السعودية، و قطر، والسودان، وفى سوريا و ليبيا وموريتانيا؛

3- حق الجهة الإدارية فى رفض طلب تأسيس المنظمات الأهلية مع حق المنظمات الأهلية فى الطعن بهذا القرار أمام القضاء   فى مصر واليمن وفلسطين والبحرين الأردن والإمارات؛

4- الاعتراض على إشهار الجمعية قبل أن تبدأ نشاطها ورفع الأمر إلى القضاء لطلب الحكم ببطلان تأسيس الجمعية قبل أن تباشر نشاطها مثل الجزائر و المغرب؛

5- عدم جواز الاعتراض على إشهار الجمعية قبل أن تبدأ نشاطها (وينطبق هذا فقط على لبنان)؛

  6- اتساع المحظورات ومرونتها لحظر تسجيل وإشهار المنظمات الأهلية :

المحظورات التى فرضتها التشريعات العربية كمبرر لرفض تأسيس المنظمات الأهلية اختلفت باختلاف البيئة السياسية والاجتماعية والثقافية وتنحصر أسباب الحظر فى حظر تأسيس الجمعيات فهي مخالفة النظام العام أو للآداب أو غرض غير مشروع أو يكون الغرض منها المساس بسلامة الدولة أو بشكل الحكومة أو نظامها الاجتماعي أو ما يمس أسس العقيدة الإسلامية أو وحدة الشعب أو ما يثير الفرقة بين   الطوائف . وهناك ملاحظتين بشأن هذه المحظورات هما :

 

الملاحظة الأولى

إن الجهة الحكومية المعنية تحولت من جهة فحص إلى جهة بحث وتحري، وهو ما يعكس التوجيه الأمني والوقائي للتشريعات العربية، ويظهر ذلك جلياً من اشتراط موافقة جهات الأمن ممثلة فى وزارة الداخلية على المؤسسين وعلى أغراض ومجالات المنظمات الأهلية، وإن اشتراط مدة سابقة على إصدار الترخيص أو تسليم الإيصال النهائي لتسجيل وإشهار الجمعية، استطلاع رأي تلك الجهات الأمنية، والحصول على موافقتها قبل اكتساب المنظمة الأهلية الشخصية الاعتبارية، وهو ذات المنطق الذي يمنح النيابة العامة فى ) المغرب والجزائر) سلطة الاعتراض على تأسيس الجمعية، وطلب بطلان تأسيسها بموجب حكم قضائي قبل أن تبدأ نشاطها، وإن استخدام المصطلحات المرنة المطاطة كالنظام العام أو الآداب العامة أو الأخلاق الحميدة، بهدف إعطاء سلطة تقديرية واسعة للجهات الأمنية فى الاعتراض على اكتساب المنظمات الأهلية للشخصية الاعتبارية، وهو أمر مخالف للمعايير الدولية لحقوق الإنسان لأنه يخالف مبدأ الأصل فى الإنسان البراءة، ولأنه بمثابة البحث عن النوايا وخبايا النفوس البشرية، مما يعتبر أيضاً إخلال بمبدأ الشرعية الذي لا يؤثم سوى الأفعال وليس النوايا .

 

الملاحظة الثانية

من المستقر عليه هو عدم وجود تعريف منضبط لمصطلحات مثل "الوحدة الوطنية النظام العام الآداب العامة الأخلاق الحميدة المساس بأمن الدولة "  لأنها جميعاً مفاهيم ومصطلحات نسبية ومرنة تختلف من مكان إلى مكان ومن زمان إلى زمان، كما أن مفهوم النظام العام بالبنية القانونية فى التشريعات العربية التي تتوسع فى محاصرة الحقوق والحريات العامة وتعتبر قواعد التجريم سواء وردت فى قانون العقوبات أو فى أي قانون آخر، جميعاً متعلقة بالنظام العام،   لذلك قيل وبحق أن قانون العقوبات وقواعد التجريم تصور تصويراً دقيقاً فلسفة الحكم .

ومعظم قوانين العقوبات العربية تتسم بالتوسع فى جرائم أمن الدولة وجرائم الرأي واستخدام الفن التشريعي فى الصيغ الفضفاضة والمرنة، وهذا يبرر النص فى بعض التشريعات عند الإشارة إلى الحظر وإلى عدم المساس بوحدة التراب الوطني أو النظام الجمهوري رغم أن المنظمات الأهلية لا تعمل بالسياسة ولا تسعى إلى السلطة .

ثالثا : استبعاد بعض الأفراد من حق المشاركة فى تأسيس الجمعيات أو الانضمام إلى عضويتها يسود هذا الإتجاه سائد فى مصر والجزائر وليبيا وتونس وسوريا وكافة تشريعات دول الخليج   وسلطنة عمان .

رابعا : تعقيد الإجراءات وكثرة الوثائق والأوراق المطلوبة

أ- وهذه الظاهرة تتضح فى تشريعات الدول التى تشترط الأذن أو الترخيص المسبق لاكتساب الشخصية القانونية؛

ب- إن تعقيد الإجراءات والوثائق والأوراق والبيانات المطلوبة فى التشريعات العربية بل وفرض نظام أساسي للاسترشاد به وهو كنموذج إجباري فى مصر واليمن وليبيا وسوريا والإمارات والبحرين والكويت، هو فى حقيقته يعبر عن الرغبة   فى بسط سيطرة الحكومة ورقابتها على تأسيس الجمعيات وتعليق تمتع الجمعية بالشخصية المعنوية على صدور ترخيص من الجهة الحكومية المعنية أو الاعتراض على الجمعية قبل أن تبدأ نشاطها، وهذه السياسة مرتبطة بالاتجاه التسلطي والنظم الشمولية .

الفرع الثانى

 الإدارة الرشيدة للحكم فى المنظمات الأهلية

تقتضي الإدارة الرشيدة للحكم فى المنظمات الأهلية الحرص على :

1- ديمقراطية الإدارة والحرص على الاستقلال الذاتي للمنظمات الأهلية؛

2- الشفافية؛

3- المساءلة؛

4- منع تضارب المصالح .

 

القضية الأولى : ديمقراطية الإدارة "ومبدأ الإستقلال الذاتي "

الأصل أن تكوين المنظمات الأهلية هو تصرف إرادي   حر لا تهيمن عليه السلطة العامة، وكذلك حرية المنظمات الأهلية ذاتها فى إدارة شؤونها بما فى ذلك إقرار القواعد التي تنظم من خلالها اجتماعاتها وطرائق عملها وتشكيل أجهزتها الداخلية وأحوال اندماجها فى غيرها، ومساءلتها لأعضائها عما يقع منهم مخالفاً لنظامها .

 

الملاحظة الأولى

اتجهت التشريعات العربية التى أخذت بنظام الترخيص المسبق لتمييز الشخصية القانونية للمنظمات الأهلية إلى تضمين هذه التشريعات الكثير من النصوص القانونية التى تحدد "تفاصيل " عملية الحكم الداخلي للمنظمات والتي ينبغي أن تترك للمنظمات ذاتها، والتي يعكسها النظام الأساسي واللائحة الداخلية ودون تجاوز القوانين السائدة ومثال ذلك تحديد النصوص لما

يلي :

- الهيكل الداخلي للمنظمات الأهلية؛

- عدد أعضاء مجلس الإدارة ومجلس الأمناء؛

- نظام انتخابات ينبغي أتباعه؛

- سجلات ووثائق الجمعية؛

- إجراءات عقد الجمعية العمومية ومجلس الإدارة؛

- شروط العضوية فى مجلس الإدارة وأحياناً الجمعية العمومية .

 

الملاحظة الثانية

إن مبدأ الاستقلال الذاتي محدود للغاية فى التشريعات العربية المنظمة لعمل المنظمات الأهلية ممثلة فى وزارة الشئون الاجتماعية أو وزارة الداخلية ، التى لها أن تتدخل فى أدارة الحكم داخلياً بما يخل بمبدأ ديمقراطية الإدارة وبالاستقلال الذاتي للمنظمات فى التشريعات العربية على النحو التالي :

1- التدخل فى قرارات تصدرها المنظمات الأهلية ممثلة فى مجلس الإدارة فى الجمعية العمومية إيقافها كما هو الحال في مصر وفى سلطنة عمان والسعودية وليبيا وسوريا والبحرين والأردن؛

2- وجود ممثل أو أكثر فى الجهة الحكومية فى اجتماعات مجلس إدارة أو الجمعيات العمومية المنظمات العمومية فى الأردن وقطر واليمن وسوريا وسلطنة عمان والسعودية والبحرين وليبيا؛

3- وجوب عرض قائمة بأسماء المرشحين لعضوية مجلس الإدارة والمؤسسين على الجهة الحكومية المعنية فى مصر و سلطنة عمان والسعودية وسوريا وقطر والبحرين؛

4- إفادة الجهة الحكومية المعنية بالقرارات الصادرة من مجلس الإدارة والجمعية العمومية ويسري ذلك فى مصر وسلطنة عمان والسعودية والبحرين وليبيا؛

5- حق التفتيش من جانب الجهة الحكومية على الوثائق والمستندات فى أي وقت ودون إخطار وهو الحال فى مصر   والأردن   والإمارات ولبنان وقطر   واليمن وفلسطين وسلطنة عمان والبحرين والسعودية، أما فى تونس وليبيا والجزائر وموريتانيا فلا يوجد نص فى هذا الشأن؛

6- يخضع إنشاء التحالفات والشبكات بين المنظمات الأهلية فى مصر والأردن والمغرب واليمن والكويت والبحرين وليبيا إلى القيود التي تخضع لها الجمعيات والمؤسسات الخاصة ومنها ضرورة موافقة الوزير أو السلطة المختصة على إنشائها، أما فى سلطنة عمان فالوزير هو الذي يقرر إدماج أكثر من جمعية ولا يوجد نص يجيز للجمعيات إنشاء اتحادات أو تحالفات، وكذلك هو الحال فى السعودية، وفى سوريا لا يجوز للمنظمات الأهلية التي لا تتمتع بصفة النفع العام إقامة تحالفات أو شبكات، أما الجمعيات ذات النفع العام فإن الجهة الإدارية هي المنوط بها إنشاء الاتحادات فى أي منطقة، فيما لا تنص قوانين لبنان والجزائر وموريتانيا على فرض حظر أو إجازة إقامة التحالفات والشبكات بين المنظمات الأهلية؛

7- العضوية فى   التحالفات والشبكات الدولية والإقليمية :

أ- دول حظرت التحالفات   بدون موافقة مسبقة من الجهة الحكومية المعنية   وهـي :  مصر والأردن والإمارات وقطر والكويت وسوريا   وسلطنة عمان والسعودية والبحرين وليبيا والجزائر؛

ب- دول أجازت العضوية فى التحالفات والشبكات الدولية بشرط إخطار أو إعلام الحكومة وهي : المغرب ولبنان واليمن   وفلسطين، أما فى تونس فلا يوجد نص صريح فى القانون يحظر على الجمعيات الانضمام أو الانتساب إلى جمعيات أجنبية سوى ما ورد فى الفصل 22 الذى يعاقب على حمل المسؤولية فى الجمعيات الأجنبية؛

8- قيام الجهة الحكومية المعنية بتعين أحد الأشخاص كمفوض فى مجلس الإدارة فى مصر تكون له اختصاصات مجلس الإدارة؛

9- قيام الجهة الحكومية بتعين هيئة مؤقتة لإدارة الجمعية أو تعيين مصف وعزل الهيئة المنتخبة :

وأجازت غالبية التشريعات العربية التى تنص على نظام الإذن أو الترخيص المسبق لتمييز الشخصية القانونية (وينطبق ذلك على مصر والأردن والإمارات وقطر والكويت وسوريا والسعودية   والبحرين وتونس وليبيا   وسلطنة عمان والسودان ) ، عزل مجلس الإدارة المنتخب بموجب قرار إدارى فى الجهة الحكومية المعنية وتعيين هيئة مؤقتة لتسيير أمور الجمعية كمقدمة لإنهاء الوجود المادي للمنظمة، فيما لا يوجد نص واضح في هذا الشأن في الجزائر وموريتانيا؛

10- إنهاء الوجود المادي للمنظمة (الحل):

الاتجاه الأول : الحل الإداري كما هو الحال فى مصر والأردن والإمارات وقطر والكويت وفلسطين وسلطنة عمان والسعودية، والبحرين وليبيا وموريتانيا والسودان؛

الاتجاه الثاني :  الحل بموجب حكم قضائي ويسري ذلك فى المغرب وفى اليمن وتونس   والجزائر .

 

القضية الثانية : حظر تضارب المصالح "المنافع الشخصية "

وهو حظر غامض فى التشريعات العربية للمنظمات الأهلية، فكافة التشريعات العربية اقتصرت على حظر الجمع بين عضوية مجلس الإدارة والعمل فى المنظمة بأجر، إلا أن بعض التشريعات بعد أن نصت على ذلك الحظر نصت على قواعد تتناقض معه مثل القانون المصرى الذى نص على جواز أن يقوم مجلس الإدارة بتعيين مدير الجمعية من بين أعضائه، وأن يحدد المقابل الذى يتقاضاه، فيما نص المشرع اليمني على جواز تعيين مدير للجمعية من بين أعضاء الهيئة الإدارية دون أن ينص على جواز أن يكون ذلك فى مقابل أجر اتساقا مع نصوص التشريع الذى لا يجيز الجمع بين عضوية مجلس الإدارة والعمل فى الجمعية بأجر، وعلى ذلك فإن مبدأ حظر تضارب المصالح أو الحصول على منافع شخصية وعلى الرغم من أنه ركيزة أساسية من ركائز الإدارة الرشيدة فيبقى غير واضح فى التشريعات العربية للمنظمات الأهلية وهو ما يفتح الباب على مصراعيه لعمليات الفساد والتربح خاصة فيما يتعلق بالعطاءات والمناقصات والمشتريات، وعملية الإسناد التى يتفشى فيها الفساد والتى تتخذ أشكالا عديدة أبسطها التعاقد مع شركات وهمية أو شركات بإسم الأزواج أو الزوجات أو الأقارب والأصهار أو الشركاء وغير ذلك من أشكال الفساد المتفشية خاصة فى الدول النامية .

 

القضية الثالثة : حظر النشاط السياسي

إحدى السمات الرئيسية للمنظمات الأهلية   أنها غير سياسية (لا تسعى للسلطة ولا تتدخل فى الحياة الحزبية ) ، وقد حظرت غالبية تشريعات الدول محل الدراسة العمل السياسى أو الحزبى على المنظمات الأهلية مثل :

1- عدم الانخراط فى أنشطة تأييد أو معارضة لأحزاب سياسية؛

2- حظر الانخراط فى حملات انتخابية لصالح مرشحين، أو إنفاق أموال فيها؛

3- وأضاف قانون تونس ضابطا أخر لحظر النشاط الحزبى أو السياسى بأن نص على أنه لا يمكن أن يكون مسيرو الجمعية ذات الصبغة العامة ممن يضطلعون بمهام أو بمسئوليات ضمن الهياكل المركزية المسيرة للأحزاب السياسية، وتنطبق هذه الأحكام على الهيئة المديرة للجمعيات المذكورة وكذلك على الأقسام والفروع أو المؤسسات المنفصلة أو المجموعات الثانوية .

 

القضية الرابعة : الموارد المالية للمنظمات الأهلية (التمويل)

أولا : الموارد المحلية (الإعانات والتبرعات والهبات والوصية والوقف)

تمثل هذه القضية العمود الفقرى لاستمرارية واستدامة المنظمات الأهلية وأنشطتها وبرامجها والمعوقات التى تصادف المنظمات الأهلية فى تنمية مواردها المحلية والقيود التى تفرضها التشريعات العربية على مصادر التمويل المحلية قد تكون أحدى الأسباب التى تدفع المنظمات الأهلية إلى تلقى التمويل الأجنبي، فكافة التشريعات العربية حددت موارد المنظمات الأهلية بالآتي :

 

1- اشتراكات الأعضاء؛

2- إعانات الدولة أو الجهات والمؤسسات الحكومية؛

3- الهبات والوصايا؛

4- التبرعات التى تتلقاها المنظمات الأهلية؛

5- عائد الحفلات والمعارض والأسواق؛

6- عائد الأنشطة التجارية والاقتصادية فى الدول التى تجيز ذلك أو عائد استخدام الفائض من الميزانية .

وموارد المنظمات الأهلية من اشتراكات الأعضاء هي من العوائد غير المحققة وغير المستقرة فى الغالب وتشكل جزء ضئيلا قد لا يغطى مصاريف الإنفاق اليومي .

أما إعانات الدولة فقد   قصرت كافة التشريعات العربية عدا المغرب   تقديم الإعانات إلى الجمعيات ذات النفع العام، وخلع صفة النفع العام على منظمة أو مؤسسة أهلية يخضع للسلطة التقديرية للجهة الحكومية المعنية دون ضابط أو معايير موضوعية، كما أن منح الإعانات من الدولة يخضع أيضا للسلطة التقديرية لها وهى إن شاءت منحت وإن أبت منعت .

وإن كنا لا نغفل غياب قيم وثقافة التطوع وأيضا عدم الاعتراف بأنشطة منظمات الدفاع فى حقوق الإنسان ومنظمات التنمية وإدراجها ضمن الأغراض الخيرية التى تستقطب جزء كبير من الموارد المالية العربية خاصة فيما يتعلق بالتبرعات والوصايا وموارد الزكاة والوقف لصالح المنظمات الأهلية التى تعمل فى مجال التنمية .

القيود على التبرعات

فرضت كافة التشريعات العربية للدول محل الدراسة قيود على التبرعات وإقامة الحفلات والمعارض والأسواق التى تقوم بها المنظمات الأهلية المسجلة واشترطت الموافقة المسبقة والرقابة اللاحقة على حصيلة هذه الأموال، ولا توجد إحصائيات دقيقة فى العالم العربي عن حجم التبرعات التي تتلقاها المنظمات الأهلية من الأفراد أو الشركات .

وكما هو الحال فى الدول الغربية وأمريكا تمثل التبرعات للمؤسسات الدينية القطاع الأكبر من حجم التبرعات للجمعيات والمنظمات التطوعية الخاصة وفى المنطقة العربية تمثل أموال الزكاة خمسين فى المائة من موارد المؤسسات الإسلامية للرعاية الاجتماعية . 

ولا تتوفر أي بيانات موثقة أو مدققة عن حجم أموال الزكاة أو الدعم الحكومي للمنظمات الأهلية فى المنطقة العربية .  

القيود على الوصية

وفى هذا الصدد فهناك اتجاهات ثلاث فى التشريعات العربية للمنظمات الأهلية :

الاتجاه الأول : اشتراط موافقة الجهة الحكومية المعنية على الوصية

يجوز فقط للجمعيات المعترف لها بصفة المنفعة العامة وبشرط موافقة رئيس مجلس الوزراء على الهبات والوصايا سواء كانت مالية أو عينية "نقودا أو قيما أو منقولات أو عقارات " في المغرب وكذلك الحال فى تونس . على أنه لا يجوز قبولها إلا بترخيص مسبق من الوزير، أما فى سلطنة عمان والبحرين فلا يجوز قبول الهبات والوصايا إلا بموافقة الوزير المختص .

الاتجاه الثانى : حرية الجمعيات فى قبول الهبات والوصايا

أجاز القانون فى الإمارات وقطر والكويت والسعودية للجمعيات قبول الهبات والوصايا من الأشخاص والهيئات من رعايا الدولة، وحظر القانون قبول أي هبات أو وصايا من أشخاص أو هيئات أجنية، بينما أجاز القانون فى الجزائر وموريتانيا قبول الهبات والوصايا بدون موافقة مسبقة، وفى اليمن أجاز القانون قبول الهبات والوصايا غير المشروطة من الجهات الحكومية أو من الهيئات والمنظمات .

الاتجاه الثالث : حق الجهة الإدارية فى تعديل الوصية أو وضع شروط لها وهو الاتجاه السائد فى قانون الجمعيات فى مصر .

القيود على الوقف والمؤسسات الوقفية

القاعدة العامة السائدة هي عدم سريان الأحكام الخاصة بالمؤسسات الاجتماعية والخيرية على ما أنشئ منها بطريق الوقف، حيث تخضع المؤسسات الوقفية للأحكام العامة المنظمة للوقف سواء كانت فى صورة تشريع وضعي أو اجتهاد ديني .

ثانيا : الأنشطة التجارية والاقتصادية

تجيز اتجاهات التشريعات العالمية تجيز للمنظمات الأهلية القيام بأنشطة تجارية واقتصادية لدعم مواردها المالية وأغراضها ولا يبدو هذا الحق واضحا فى التشريعات العربية، ولا تنص غالبية تشريعات الدول العربية على حق المنظمات الأهلية فى ممارسة هذه الأنشطة أو أنها نصت عليها بشكل غير واضح .

 ثالثا : التعامل الضريبي والإعفاءات والمزايا

تتمتع المنظمات الأهلية فى كل دول العالم، وبدرجات مختلفة، بإعفاءات ضريبية ومزايا متعددة، باعتبار أنها لا تسعى إلى الربح، وتقوم بأنشطة تطوعية من شأنها توفير خدمات أو الإسهام فى عملية التنمية والنهوض المجتمعي، وفى الدول العربية بعض التشريعات مثل مصر واليمن والإمارات والبحرين، تتوفر إعفاءات ومزايا ضريبية، إلا أن هناك مطالبات وضغوطاً من نشطاء المجتمع المدنى، تستهدف أكبر قدر ممكن من الإعفاءات والمزايا لتشجيع وتحفيز العطاء والتطوع فى هذا السياق .

أما التشريعات العربية الأخرى، التى لم تشهد تعديلات أساسية فى السنوات الأخيرة، فلم تنص قوانين الجمعيات فيها على أي إعفاءات أو مزايا تتمتع بها الجمعيات، وإن وفرت ضريبة الدخل إعفاءات وامتيازات مماثلة، قد تكون محدودة نسبياً، وهناك مطالب متعددة، لعل أبرزها زيادة نسبة الإعفاء الضريبي على دخل المتبرع، وعلى شركات القطاع الخاص، لتشجعيها على التبرع للمنظمات الأهلية .

رابعاً : التمويل الأجنبى

وهي القضية الشائكة التي تسبب جدلا واسعاً، والموارد الخارجية للجمعيات تتمثل فى الهبات والتبرعات والمنح والمعونات لمشروعات معينة تقوم بها المنظمات الأهلية سواء من مؤسسات تمويل عالمية أو إقليمية أو منظمات دولية غير حكومية أو حكومات، وأيضا المنح التى تقدمها المؤسسات الدولية التى لها مقار داخل العواصم العربية . وهناك ثلاثة اتجاهات فى التشريعات العربية بشأن تلقى المنح والإعانات والتبرعات الأجنبية :

الاتجاه الأول : حرية تلقى التمويل الخارجى

وهذا الاتجاه هو السائد فى القانون اللبنانى والموريتانى، أما القانون الموريتاني فالظاهر أنه لم يضع قيوداً صريحةً على التمويل الأجنبي إلا أن القيود المتعلقة بالمحظورات الواردة فى صدر القانون، تشير إلى أن هذه الحرية ظاهرية وأن الرقابة قائمة على موارد المنظمات الأهلية من التمويل الأجنبي .

الاتجاه الثانى : حرية تلقى التمويل الأجنبى بشرط الإخطار أو علم الحكومة، وهو الاتجاه السائد فى المغرب واليمن وفلسطين .

الاتجاه الثالث : حظر تلقى التمويل الأجنبى دون ترخيص مسبق من الحكومة، وهو الاتجاه السائد والغالب فى كل من الجزائر وتونس وليبيا والأردن وسلطنة عمان والسعودية وقطر والإمارات والبحرين والكويت ومصر وسوريا .

ومن الملاحظ أن أكثر المنظمات التى تعرضت للهجوم والنقد بسبب التمويل الأجنبى كانت منظمات الدفاع عن حقوق الإنسان وهى التى تدعو   إلى التغيير فى القوانين والسياسات أو التدابير أو السلوك المنافى لحقوق الإنسان والتى تشارك فى عملية التغيير والتنمية أو المشاركة فى نشاطات التطوير والمشاريع والإصلاحات السياسية، وتنتشر هذه المنظمات فى المنطقة العربية بشكل أكثر كثافة فى كل من مصر والأردن والمغرب وفلسطين واليمن وتونس والجزائر ولبنان   وبشكل نسبى فى البحرين والكويت والسودان وبشكل محاصر فى سوريا وتحظى هذه المنظمات بحجم تمويل ضخم مقدم من ممولين دوليين (أمريكا، الإتحاد الأوروبي، الدول الثمانى الكبرى) لدعم الإصلاحات الديمقراطية وإقامة المجتمع الديمقراطى وعلى جانب أخر توجه سهام النقد من الحكومات إلى هذه المنظمات بسبب هذا التمويل كمحاولة لإضعاف ثقة الرأى العام فيها .

الفرع الثالث

الحقوق المرتبطة بحرية تكوين الجمعيات "حرية التجمع السلمي، حرية التعبير "  فى التشريعات العربية

 

أولاً : موقف التشريعات العربية من حرية الاجتماع

اتسمت كافة التشريعات التي تنظم حرية التجمع السلمي فى الدول محل الدراسة بسمات مشتركة    هي :

1- ضرورة الترخيص المسبق لعقد الاجتماع العام؛

2- حق السلطات العمومية فى منع الاجتماع قبل عقده؛

3- حق رجال الشرطة فى حضور الاجتماع وحل الاجتماع أثناء عقده .

كما أن هناك قوانين خاصة تقييد من حق الاجتماع العام مثل قانون التجمهر فى مصر رقم 10 لسنة 1914 ، قوانين عقوبات خاصة بالتجمهر في بعض الدول العربية .

ولم تنص أي من قوانين المنظمات الأهلية فى الدول محل الدراسة على استثناء المنظمات الأهلية المسجلة من القيود الواردة فى قوانين الاجتماعات العامة والمظاهرات . وتفرض بعض الدول قيود على المشاركة فى المؤاتمرات والاجتماعات خارج وداخل الدولة وهى الإمارات وسلطنة عمان وهى تشترط موافقة الوزير المختص على مشاركة أعضاء الجمعيات فى أي من المؤاتمرات بالخارج او دعوة أي أشخاص من خارج الدولة للمشاركة فى المؤاتمرات أو الندوات المحلية .

ثانياً : موقف التشريعات العربية من حرية التعبير

إصدار الصحف والنشرات الدورية

تبين مراجعة تشريعات الدول العربية الخاصة بالصحافة والمطبوعات تبين أنها لم تنص على حق المنظمات الأهلية في إصدار نشريات ومجلات ووثائق إعلامية دون الخضوع للقوانين التي تنظم إصدار الصحف أو المطبوعات، بل على العكس من ذلك، فإن القانون الجزائري نص على حرية الجمعيات فى إصدار مثل هذه النشرات والمجلات، لكنه اشترط إيداع تأمين مالي لضمان الأخطار المالية المرتبطة بمسئوليتها المدنية،   وهذا القيد هو من القيود غير المقبولة وفقاً لاتجاهات التشريعات العالمية بشأن حرية الصحافة، وهو المعروف باسم قيد التأمين المالي .   

ومن خلال مراجعة قوانين الصحافة والمطبوعات فى الدول محل الدراسة يتبين لنا الآتي :

1- لا يوجد نظام عربي يأخذ بالنظام الليبرالي فى إصدار الصحف، بل جميع التشريعات قد أخذت بمبدأ الترخيص المسبق لإصدار الصحف سواء سمي بذلك ترخيص صراحةً أو سمي تصريح؛

2- أن كافة الدول محل الدراسة لا تجيز إصدار الصحف أو النشرات الدورية للمنظمات الأهلية سوى القانون اليمني والقانون الاردنى الذى استثنى فقط المؤسسات الأهلية ذات النفع العام من قيود رأس المال أو الشكل إلا أنه اشترط ضرورة حصول هذه الجمعيات على ترخيص مسبق من الوزير المختص .

حرية تداول المعلومات

لم تصدر الدول محل الدراسة أي قوانين تتعلق بحرية تداول المعلومات .

التوسع فى التجريم فى قوانين الجمعيات

1- يشمل عبارات مرنة ومطاطة مثل مخالفة النظام العام ، ممارسة نشاط محظور، إنفاق المال فى غير الأغراض التى أنشئت الجمعية من أجلها؛

2- تجريم الانضمام إلى ناد أو جمعية أو هيئة أو منظمة أجنبية دون ترخيص مسبق من الجهة الحكومية المعنية، ومجرد المخالفة هو مخالفة عدم الحصول على ترخيص، أى حتى ولو كانت هذه المنظمة تسعى إلى أغراض مشروعة ودون أن تكلف الجهة الحكومية نفسها عبء إثبات عدم مشروعية هذه المنظمة أو الهيئة، ورغم ذلك تفرض التشريعات العربية عقوبات سالبة للحرية مشددة، بالإضافة إلى الجزاءات التبعية وهى حل المنظمة الأهلية ومصادرة أموالها وممتلكاتها سواء فى قوانين المنظمات الأهلية أو فى قانون العقوبات، وصار على هذا النهج تشريعات مصر والجزائر وليبيا وسلطنة عمان وقطر والإمارات والبحرين والكويت وسوريا والأردن، بينما على العكس من ذلك فإن القانون اللبنانى الذى هو فى الأصل قانون عثمانى (1909) فإنه لم يحظر الانضمام إلى جمعيات أو هيئات أجنبية، واكتفى قانون العقوبات على النص على تجريم الانضمام إلى الجمعيات غير المشروعة المسلحة أو التى تدعو إلى العنف والإرهاب، وهو ذات النهج الذى انتهجه المشرع المغربى، لأن فى الأصل أن القانونين مستمدين من قانون الجمعيات الفرنسى 1/ 7 /1901 ؛

3- وما ينطبق على الانضمام ينطبق على التمويل الأجنبى فتلقى الأموال من مصدر معروف ومعلوم أنشطته وأغراضه (منظمة أو هيئة أجنبية ) إلى منظمة مستفيدة معلوم أنشطتها وأغراضها ولمشروع معلوم ومحدد بدقة وتحويل الأموال بطريقة مشروعة، ووجود قوانين فى دولة المقر الرئيسى تؤمن نشاط المنظمات الأهلية وآليات فعالة للمراقبة لمنع تحويل الأموال لتمويل أنشطة سياسية أو أفعال أو أنشطة إرهابية لغسيل الأموال، وقواعد تحكم الرقابة والشفافية فى الإعلان عن مصادر التمويل وأغراضه وأوجه إنفاقه، ووجود جهاز رسمى معتمد لمراجعة أوجه الأنفاق هو كافى كبديل للتجريم والحظر السائد فى غالبية التشريعات العربية إعمالا لنظرية المؤامرة، أى أن كل ما يأتى من الخارج فهو فى الأصل موجه للتأمر على أنظمة الحكم وبالتالى فرض عقوبات سالبة للحرية مغلظة ومشددة؛

4- توسع التشريعات العربية فى التجريم بشأن جمع التبرعات لدعم الموارد المحلية للمنظمات الأهلية هو إشارة صريحة من هذه التشريعات إلى عدم وجود آليات فعالة لمكافحة الفساد فيها فلجأت إلى هذا الأسلوب الوقائى بالمصادرة على الحق أو خنقه وحصره فى مجالات محددة وفرض عقوبات سالبة للحرية مشددة عليه، والمغالاة فى عقوبات الغرامة .

نقد اتجاه التوسع فى التجريم

1- الأصل فى التشريعات التى تنظم حق الحقوق أو الحريات العامة ألا تفرض عقوبات جزائية والاتجاهات الحديثة تترك للقانون العام "قانون العقوبات " تحديد الجرائم وأركانها والعقوبات بشأن كل جريمة من الجرائم؛  

2- أخذت التشريعات العربية بمبدأ الازدواجية إذ نجد أن كافة القوانين المنظمة للحريات والحقوق العامة تضمن أحكام جزائية يؤثمها القانون العام وعلى جانب آخر فإن الأنشطة المدنية للأفراد والجماعات بحسب الأصل يجب ألا يترتب عليها عقوبات جزائية لآن الجزاء المدنى فى بطلان الأفعال المخالفة هو الجزاء الذى يتناسب مع طبيعة هذه الأفعال ويقتصر القانون العام فى تجريم الاعتداء على الحريات العامة لا أن يؤثم أفعالا مباحة أصلا كحق المواطنين فى تكوين الجمعيات السلمية والتجمع السلمى وحرية التعبير؛

3- كما يجب أن تكون الأفعال وأركان الجرائم محددة بوضوح يعلم منها الفرد الحدود المنهى عنها والسلوك المؤثم وبالتالى فإن الغموض فى القوانين الجزائية الذى يعطى النص أكثر من معنى ويحتمل التأويل مما يؤدى بالقاضى إلى تطبيق القانون على وقائع لم يكن المشرع أصلا يقصدها، ويعد ذلك إخلالاً بمبدأ الشرعية النصية فعلى سبيل المثال، فعبارة مخالفة النظام العام لا يمكن أن تكون محلا للتأثيم الجنائى، فالجزاء عليها مدنيا هو بطلان التصرف وليس العقوبة الجزائية لأنها عبارة مرنة ومطاطة تحتمل التأويل والتفسير وهو ما يسمح به القانون المدنى أما القانون الجنائى فالقاعدة أنه لا يجوز التوسع فى تفسير النص الجنائى أو القياس عليه؛

4- والأصل أيضا أن التنظيم السلمى أمر مباح والانضمام إليه من الأفعال المباحة سواء كان هذا التنظيم محليا أو إقليميا أو دوليا، بينما المحظور هو الانضمام إلى التنظيمات ذات الطابع العسكرى أو شبه العسكرى، أو التى تدعو إلى استخدام القوة أو العنف أو الإرهاب أو التى تدعو إلى الكراهية الدينية أو العنصري بكافة أشكالها وخارج هذا الإطار فإن الانضمام إلى هذه التنظيمات لا يمثل تجريما أو تأثيما، وعبء إثبات عدم مشروعية التنظيم يقع على عاتق السلطة العامة، إذ لو ثبت انتفاء علم المنظمة أو الفرد بعدم مشروعية أو أغراض هذه المنظمات انتفى معه ما يعرف فى القانون الجنائى بالقصد الجنائى أى ركن العلم وتنتفى معه أركان الجريمة؛

5- والتجريم أيضا يرتبط بطبيعة الشخص الاعتباري، وما إذا كان من أشخاص القانون العام أو الخاص والمنظمات الأهلية هى من أشخاص القانون الخاص، وتخضع أنشطتها للقانون الخاص وبالتالى فإن كافة الأفعال التى تصدر بالمخالفة لأحكام القانون المدنى الخاص يكون الجزاء عليها هو بطلان التصرف وليس جزاءا جنائيا، اللهم إلا إذا ارتكبت أفعالا يؤثمها القانون العام فى مجال الجرائم .


-



شارك هذه الصفحة: