الموسيقى حق من حقوق الإنسان

لقد تفاجأ العالم بأسره حين فرضت طالبان حضرا كاملا على الموسيقى في منتصف التسعينات. وعلى الرغم من عجزها عن حظر زقزقة العصافير، كانت طالبان مستعدة لحرق الآلات الموسيقية، وضرب الموسيقيين وهي لم تتردد حتى في منع الأمهات عن الغناء للأطفال. حرم بلد بشكل كامل، وللمرة الأولى في التاريخ المعاصر، من الاستمتاع بإحدى أعز معالم تراثه الحضاري- الموسيقى.

ووجد مارسيل خليفة، العازف والمؤلف الموسيقى، نفسه متهما بالكفر في بيروت تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 على أثر تسجيله عام 1995 لأغنية ’أنا يوسف يا أبي‘ والمستقاة من قصيدة الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش. وأثارت الأغنية التي تنتهي بمقطع من آية قرآنية حفيظة دار الفتوى، أعلى مرجع ديني سني في لبنان. وكان قاضي التحقيق قد أوصى المدعي العام، قبل ذلك بشهر، بتوجيه اتهامات جنائية بحق خليفة بحجة ’إهانة القيم الدينية باستخدام آية من سورة قرآنية في أغنية‘. وحكم رجال الدين السنة حينها أن غناء آيات من القرآن هو محرم وغير مقبول. وعلى الرغم من تبرئة المحكمة لخليفة، توالت الهجمات التي قام بها أصوليون ضد خليفة وانضم إليها العديد من الأنظمة القمعية في ما يبدو أنه حملة متواصلة ضد أنواع محددة من الموسيقى- وليس آخرها الهيب هوب hip-hop .

في حين نتحدث كثيرا عن النباتات والحيوانات المنقرضة، نادرا ما نتحدث عن تقاليد الموسيقى التي  انقرضت . كما اننا لا نتحدث كثيرا عن الحق الأساسي في حرية التعبير الموسيقي. وكأن تعرضنا اليومي للموسيقى طغى علينا بحيث أعمانا عن ملاحظة الأشجار الموسيقية المنقرضة في الغابات الموسيقية العالمية الهائلة.

تهيمن الموسيقى على مزيج الأصوات الذي نسمعه في  حياتنا اليومية. من الموسيقى التي نسمعها عبر مكبرات الصوت في المتاجر ومحلات السوبر ماركت الموسيقى فيما يشبه تيار لا تبدو له نهاية؛ إلى أخبار عاجلة على التلفاز تتميز بأناشيد موسيقية درامية وهواتف نقالة حبلى بالموسيقى .
يبدو أن العالم مليئا بالموسيقى بحيث يبدو الشعار القديم، المستقى من موسيقى الجاز الألمانية، والذي يقول أن ’الموسيقى هي ثاني أجمل شيء بعد الصمت‘ملائما أكثر من أي وقت مضى .

إن تعرضنا لما يشبه ’هجوما موسيقيا‘ أينما ذهبنا يجب ألا يطغي على فهمنا لقيمة التنوع الموسيقي في بعض مجتمعاتنا، أو واقع الوصول إلى تربية موسيقية وتجارب موسيقية متعددة الأوجه في العديد من بلدان العالم، حيث يبدو هذا الأمر مستحيلا.

وإذا نظرنا إلى الوصول إلى الموسيقى وحرية التعبير من خلال الموسيقى كمساحة ضرورية تعكس صورة الثقافات ومصدرا لفهم الثقافة لنفسها وتراثها، نصبح بحاجة ماسة لحماية مؤلفي الموسيقى .

إن من يعاني الحظر المفروض على الموسيقى في أفغانستان يدركون مدى فداحة الرقابة على الموسيقى. فالأمهات الأفغان الذين يعشن في مخيمات اللاجئين التي يسيطر عليها المتدينين الأصوليين لا يرغبن أبدا أن يكبر أطفالهن في بيئة لا تحتمل الأغاني التي تم تناقلتها الأمهات من جيل إلى جيل. لقد غادر العديد من الفنانين البلاد، ونشأ جيل من دون أي إشارة إلى تراثه الموسيقى- قلما يلعب أحدا بعض الآلات الموسيقية اليوم، فمعظم الموسيقيين المحترفين فيها قد ماتوا.

 

صوت البشر

يشكل الدور الذي لعبه بعض الموسيقيين في بعض البلدان الوجه الآخر " لعملة رقابة"، أولئك الذين أخذوا على عاتقهم أن يصبحوا ’صوت من لا صوت لهم‘. إنهم يخاطرون بحياتهم في بعض الأحيان والعالم الخارجي يجب أن يستجيب فورا بدعمهم عندما يتهدد أمنهم. وتقدم مدن عدة في العالم اليوم ملاذا آمنا للكتاب والصحفيين، في حين يبقى لموسيقيين والمؤلفين الموسيقيين المضطهدين بمنأى ملاذ آمن .

لقد احتضنت ثقافة الهيب-هوب إبداع الشباب في العديد من البلدان وشكلت مساحة للتنظيم الذاتي والمسؤولية الجماعية؛ وفي البلدان التي تفتقر لحرية التعبير، استفاد الشباب المبدع من وسائط الإنترنت، وخلق شبكات هامة .

 

دروس مستقاة

بالرغم من تطوير الصين لأدوات متطورة لمراقبة الإنترنت لصالح الأنظمة القمعية،  كثيرا ما يجد الفنانين سبلا لتجاوزها (ويحدث هذا في غزة وتونس وإيران الخ) . ورغم عدم بث وسائل الإعلام لأغنياتهم أو حتى سجنهم؛ لا يمكن فعليا وقف هذه الأغنيات .

وهناك قول مأثور: "يمكنك قتل المطربة، لكن لا يمكنك قتل الأغنية"- هذا درس تعلمه الجميع في الولايات المتحدة خلال أيام الماكارثية وفي الاتحاد السوفياتي عندما تم نسخ موسيقى البيتلز ورولينج ستونز ووزعت من يد إلى يد .

 

الدفاع عن الموسيقيين

كثيرا ما تطلب المنظمات المعنية بحقوق الإنسان وحرية التعبير خدمات الموسيقيين (وغالبا بدون مقابل مادي)، ولكنها قلما تدافع عن عن حق الموسيقيين في حرية التعبير.

 

ألي ريتوف، مدير البرنامج

فريميوز (Freemuse )

 




شارك هذه الصفحة: