مقدمة عن حرية التعبير في الاتفاقيات الإقليمية لحماية حقوق الإنسان

 الدكتور محمد أمين الميداني *

سيكون من المطول التطرق إلى تفاصيل (حرية التعبير) في مختلف الاتفاقيات الإقليمية لحماية حقوق الإنسان، بل سنقتصر على تبيان المعالم الرئيسية لهذه الحرية في الاتفاقيات الإقليمية (1)، مع الإشارة إلى الاجتهادات القضائية المتعلقة بهذه الحرية، والتركيز على بعض اجتهادات المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان. سنبدأ بالاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان (أولا)، ومن ثم بالاتفاقية الأمريكية لحقوق الإنسان (ثانيا)، وبعدها الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب (ثالثا)، والميثاق العربي لحقوق الإنسان (رابعا)، وسنرى أخيرا بعض القيود المتعلقة بحرية التعبير (خامسا).

 أولا : الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان

اعتمدت منظمة مجلس أوروبا (2)، الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان التي تم التوقيع عليها في مدينة روما بتاريخ 4/11/1950، ودخلت حيز التنفيذ بتاريخ 3/9/1953، مضافا إليها 14 دخلت كلها حيز التنفيذ (3).

تنص الفقرة الأولى من المادة 10 من هذه الاتفاقية الأوروبية على ما يلي: "1-لكل شخص الحق في التعبير. يشمل هذا الحق حرية الرأي، وحرية تلقي المعلومات أو الأفكار وإذاعتها من دون تدخل السلطات العامة ومن دون التقيد بالحدود الجغرافية. لا تمنع هذه المادة الدول من إخضاع نشاط مؤسسات الإذاعة أو السينما أو التلفزة لطلبات الترخيص".

أكدت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان (4) من جهتها، أن المستفيدين من حرية التعبير، علمية كانت أو أدبية أو فنية، هم: الأفراد، كأشخاص طبيعيين، ودور الصحافة ووسائل الإعلام والنشر، كأشخاص معنويين، وهو ما جاء في حيثيات حكمها، تاريخ 22/5/1990، حيث أوضحت أن المادة 10 من الاتفاقية الأوروبية تطبق على "أي شخص" طبيعيا كان أم  معنويا (5). وحرية التعبير هذه على ثلاثة أشكال :

1- حرية بث المعلومات والأفكار: وهذا ما ألمحت إليه المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في القضية المشهورة (الصندي تايمز ضد المملكة المتحدة) تاريخ 26/1/1991، وفي القضيـة الأخرى المعروفة (الأوبزرفر والغارديان ضد المملكة المتحدة) تاريخ 26/11/1991.

 وتتعلق كل من هاتين القضيتين بقرارات المحاكم البريطانية بمنع مؤقت لنشر بعض مقاطع من فقرات كتاب بعنوان (Spyeatcher) الذي يتحدث عن تصرفات غير قانونية للمخابرات البريطانية، وكذلك نشر بعض التصريحات التي أدلى بها مؤلف هذا الكتاب، الذي كان من بين أعضاء هذه المخابرات، إلى هذه الصحف (6).

والسؤال المطروح: هل ممارسـة هذه الحرية تسمح، في المقابل، بممارسة حق الجواب أو الرد على ما يمكن أن ينشر أو يقال أو يبث في وسائل الإعلام؟ هناك اتجاه يقول بأن المادة 10 تسمح ضمنيا بحق الرد أو الجواب (7)، وهذا ما نوافق عليه أيضا تبعا لما جاء في الاجتهادات الخاصة بهذه المادة، ولما نص عليه أيضا القرار رقم 74 الذي اتخذته في هذا الخصوص لجنـة وزراء مجلس أوروبا (8) تاريخ 29/4/1982 (9).  

2- حرية الحصول على المعلومات: أوضحت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في العديد من قراراتها وفي قضية (الصندي تايمز)، وقضية (لينجز) مثلا بأنه من حق الصحافة الحصـول على المعلومات وتلقيها وإلا تعطـل دورها الذي تراه المحكمـة كدور كـلب الحراسـة (10).

3- حرية البحث عن المعلومات : لم تنص الفقرة الأولى من المادة 10 من الاتفاقية الأوروبية على حرية البحث عن المعلومات. فهل يعني ذلك بأن هذه الاتفاقية لا تحمي هذه الحرية؟

كان موقف الفقه القانوني الأوروبي واضحا من وجود مثل هذه الثغرة في الاتفاقية الأوروبية. ولكن أجمع رجال هذا الفقه، في المقابل، على أن حرية البحث عن المعلومات هي جزء أساس من حرية التعبير، وأن على الدول واجب فتح المجال للبحث عن المعلومات من مختلف مصادرها، وعليها أن تسهل أيضا هذا البحث إن كانت تدعو له المصلحة العامة (11).

وأدلت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، وبتاريخ 23/10/1981، برأي استشاري، لم يتم نشره، ينص صراحة على أن حرية البحث عن المعلومات هي جزء من حرية الحصول على المعلومات التي نصت عليها المادة 10 من الاتفاقية الأوروبية (12).

ولكن يبدو بأن هذا الرأي الاستشاري الذي أدلت به المحكمة الأوروبية لم يسمح لها باعتماد اجتهادات قضائية واضحة فيما يتعلق بحرية البحث عن المعلومات. ففي حكمها بتاريخ 26/5/1987 قررت المحكمة بأن المادة 10 من الاتفاقية الأوروبية لا تسمح للفرد بمراجعة السجلات التي تتضمن معلومات عن أوضاعه الشخصية، ولا تلزم هذه المادة حكومة الدولة الطرف في الاتفاقية الأوروبية، أن تضع تحت تصرفه هذه المعلومات (13). بمعنى آخر، لا تنص المادة 10 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان على حرية البحث عن المعلومات! وكان موقف المحكمة الأوروبية أقل تشددا بتاريخ 7/7/1989، حيث قررت بأن الاتفاقية الأوروبية تحمي، من جهة، حق الأفراد بالحصول على المعلومات التي تسمح لهم بتفهم سـنوات طفولتهم ومعرفتها، وكذلك سنوات تأهيلهم. ولكن لم تحكم المحكمة، من جهة ثانية، بأن حكومة المملكة المتحدة قد انتهكت نص المادة 10 بسـبب عدم سمـاحها لمدعي في قضية عرضت عليها اسمه (جاسكين) بالبحث عن المعلومات التي كان يسعى للحصول عليها والخاصة بطفولته كيتيم والتي تضمنتها الأوراق والملفات الموجودة بحوزة السـلطات المحلية في مدينة ليفربول الإنكليزية (14).

4- نشاطات أجهزة الإذاعة أو السينما أو التلفزة :يتبين لنا من مراجعة الجملة الأخيرة من الفقرة الأولى من المادة 10 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان بأن ممارسة مؤسسات الإذاعة أو السينما أو التلفزة لعملها أو نشاطاتها يخضع "لطلبات الترخيص". وقد أجمع عدد من الفقهاء القانونيين الأوروبيين على أن هذه الطلبات لا تعدّ بحد ذاتها كقيد أو تحفظ على مبدأ حرية التعبير. كما أشار هؤلاء الفقهاء إلى تطور وسـائل الإعلام، وبخاصة ما عرفته سنوات القرن العشرين من تقدم في وسائل البث والاستقبال كالكابلات والأقمار الصناعية مما لا يتيح وضع تنظيم محدد لنشاطات أجهزة الإعلام، أو المطالبة بالحصول على طلبات الترخيص في كل مرة يتم فيها بث أو استقبال للأخبار أو للبرامج (15).

أوضحت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان أن الجملة الأخيرة في الفقرة الأولى من المادة 10 من الاتفاقية الأوروبية هي ذات "أهمية محدودة"، وأنها تعني بأن للدول الأطراف في هذه الاتفاقية الحق في تنظيم البث الإذاعي، وبخاصة في مجالاته التقنية، على أراضيها بفضل نظـام الترخيص الذي أشـارت إليه المادة 10 (16).

5- حرية تلقي المعلومات والأفكار ونقلها وإذاعتها دون التقيد بالحدود: إن حرية تلقي الأفكار والمعلومات ونقلها وإذاعتها، هي الحرية الوحيدة التي نصت عليها العديد من الصكوك الدولية والإقليمية لحقوق الإنسان مضافا إليها عبارة "دون التقيد بالحدود" أو "دونما اعتبار للحدود".

ونصت المادة 10 من الاتفاقية الأوروبية على حرية تلقي المعلومات والأفكار ونقلها وإذاعتها "دون التقيد بالحدود الجغرافية"، مما يوافق ما سبق أن نصت عليه العديد من الصكوك الدولية لحقوق الإنسان (17).

وتشمل هذه الحرية كل وسائل النشر والإعلام والاتصال من مرئية ومسموعة ومكتوبة، وبخاصة حرية الصحافة ودورها الأساس في المجتمعات الأوروبية الديمقراطية (18)، على الرغم من أن المادة 10 من الاتفاقية الأوروبية لم تشر بصراحة إلى حرية الصحافة، ولكنها مفهومة من خلال العديد من قرارات المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان (19). ففي قضية سبق أن عرضت على هيئات الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، أوضحت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان بأن نقل المعلومات وإذاعتها عبر الكابلات هو من بين الحريات التي نصت عليها الفقرة الأولى من المادة 10 من هذه الاتفاقية (20). وعادت المحكمة الأوروبية لتؤكد على حرية تلقي المعلومات "دون التقيد بالحدود"، والتي تنص عليها الفقرة الأولى من المادة 10 من الاتفاقية الأوروبية (21).

 ثانيا: الاتفاقية الأمريكية لحقوق الإنسان

اعتمدت منظمة الدول الأمريكية، هذه الاتفاقية الأمريكية، وتم التوقيع عليها في مدينة (سان خوسية) بجمهورية كوستاريكا بتاريخ 22/11/1969، ودخلت حيز التنفيذ في 18/7/1978 (22)، ونصت في الفقرة الأولى من المادة 13 على حرية الفكر والتعبير: "1-لكل إنسان الحق في حرية الفكر والتعبير. ويشمل هذا الحق حريته في البحث عن مختلف أنواع المعلومات والأفكار وتلقيها ونقلها إلى الآخرين، دونما اعتبار للحدود، سواء شفاهة أو كتابة أو طباعة أو في قالب فني أو بأية وسيلة يختارها".

وأوضحت المحكمة الأمريكية لحقوق الإنسان (23)، في حكم لها بتاريخ 2/5/2008، أن الأرجنتين انتهكت المادة 13 من الاتفاقية الأمريكية حين أدانت محاكمها الصحفي (إدواردو كيمل) بتهمة السب والشتم بخصوص ما جاء في كتاب نشره عام 1989 يفضح فيه تورط السلطات الأرجنتينية بمقتل خمسة رجال دين في عام 1976 (24)، هذا من ناحية.

وطُرح سؤالا، من ناحية ثانية، في مجال "حرية التعبير" التي تؤكد عليها هذه الاتفاقية الأمريكية وهو يتعلق بممارسة حق الجواب أو الرد على ما يمكن أن ينشر أو يقال أو يبث في وسائل الإعلام؟ وهو سؤال سبق أن طُرح، كما مر معنا، بخصوص المادة 10 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان. ويتضح لنا من مواد الاتفاقية الأمريكية أنها تتضمن جوابا كافيا وشافيا على هذا السؤال. حيث تنص في المادة 14 وعنوانها "حق الرد"، على ما يلي:

1- لكل من تأذى من جراء أقوال أو أفكار غير دقيقة وجارحة نشرتها على الجمهور وسيلة اتصال ينظمها القانون حق الرد أو إجراء تصحيح مستخدما وسيلة الاتصال ذاتها، بالشروط التي يحددها القانون.

2- إن التصحيح أو الرد لا يلغي، في أي حال من الأحوال، المسئوليات القانونية الأخرى التي يمكن أن تكون قد ترتبت.

3- من أجل حماية فعالة للشرف والسمعة، يكون لدى كل مطبوعة وصحيفة وشركة سينما وإذاعة وتلفزيون شخص مسئول لا تحميه الحصانات أو الامتيازات الخاصة".

ونرى بهذا الشكل أن الاتفاقية الأمريكية بعد أن نصت في المادة 14 عن "حرية الفكر والتعبير" أقرت لكل من يمكن أن يتضرر من ممارسة هذه الحرية لأي سبب من الأسباب، "حق الرد" متفادية بذلك ما يمكن أن يطرح من أسئلة أو أن يقدم اجتهادات قد لا تتوافق مع ما سعت إليه هذه الاتفاقية من حماية للحقوق والحريات التي ينص عليها.

وتبحث أيضا المادة 14 من الاتفاقية الأمريكية في حرية نقل المعلومات والأفكار كما هو الحال بالنسبة للمادة 10 من الاتفاقية الأوروبية. وينطبق على هذه المادة 14، ما سبق أن ذكرناه بخصوص المادة 10 من وجود حدود تتعلق بممارسة حرية نقل المعلومات والأفكار ناهيك عن حق الرد الواضح والصريح الذي تنص عليه الاتفاقية الأمريكية لحقوق الإنسان.

 ثالثا: الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب

اعتمدت منظمة الوحدة الإفريقية التي أصبحت لاحقا الاتحاد الإفريقي، هذا الميثاق الإفريقي، وتم التوقيع عليه في مدينة نيروبي عاصمة جمهورية كينيا، في 28/6/1981، ودخل حيز التنفيذ في 21/10/1986 (25). ونصت الفقرة الأولى من المادة 9 من هذا الميثاق الإفريقي على حق الحصول على المعلومات وحق التعبير عن الأفكار ونشرها: "1-من حق كل فرد أن يحصل على المعلومات".

واعتبرت اللجنة الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب (26)، في قرارها الذي أصدرته في الشهر الرابع من عام 2009 والمتعلق بقضية (سكالين وهولديرنس ضد زيمبابوي) أن الحجج التي قدمتها الحكومة الزيمبابوية بخصوص القوانين واللوائح المعمول بها لا تبرر الحد من حرية الصحفيين في التعبير، وأن هذا الحدود المفروضة بحسب هذه القوانين واللوائح تتناقض مع التزامات الحكومة الزيمبابوية بمقتضى ما تنص عليه المادة 9 من الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب معلنة بذلك انتهاك هذه الحكومة لنص المادة 9 من هذا الميثاق الإفريقي (27).

 رابعا: الميثاق العربي لحقوق الإنسان

اعتمدته القمة العربية لجامعة الدول العربية هذا الميثاق العربي، في تونس بتاريخ 23 أيار/مايو 2004، ودخل هذا الميثاق حيز التنفيذ في 16/3/2008 (28). وتنص الفقرة الأولى من المادة 32 من هذا الميثاق على ما يلي: "1- يضمن هذا الميثاق الحق في الإعلام وحرية الرأي والتعبير وكذلك الحق في استقاء الأنباء والأفكار وتلقيها ونقلها إلى الآخرين بأي وسيلة ودونما اعتبار للحدود الجغرافية" (29).

وينص الميثاق العربي لحقوق الإنسان على تأسيس "لجنة حقوق الإنسان العربية" للنظر في التقارير الأولية والدورية التي ترسلها للجنة الدول الأطراف في هذا الميثاق (30). ونحن بانتظار تقارير اللجنة بعد دراستها لهذه التقارير لتبيان أوضاع حرية التعبير في الدول الأطراف في الميثاق.

 خامسا: القيود المتعلقة بحرية التعبير

فرضت الاتفاقيات الإقليمية لحقوق الإنسان عدد من القيود على ممارسة حرية التعبير:

 1- الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان: تنص الفقرة 2 من المادة 10 من هذه الاتفاقية الأوروبية على ما يلي: "2 - يجوز إخضاع ممارسة هذه الحريات التي تتطلب واجبات ومسئوليات لبعض الشكليات أو الشروط أو القيود أو المخالفات التي يحددها القانون، والتي تعدّ في مجتمع ديمقراطي تدابير ضرورية لحفظ سلامة الوطن وأراضيه، والأمن العام وحماية النظام، ومنع الجريمة، وحماية الصحة والأخلاق، وحماية حقوق الآخرين وسمعتهم، وذلك لمنع إفشاء المعلومات السرية، أو ضمان سلطة الهيئة القضائية ونزاهتها".

 2- الاتفاقية الأمريكية لحقوق الإنسان. تنص الفقرات 2، و3، و4 من المادة 13 من هذه الاتفاقية على ما يلي: "2-لا يجوز أن تخضع ممارسة الحق المنصوص عليه في الفقرة السابقة لرقابة مسبقة، بل يمكن أن تكون موضوعا لفرض مسئولية لاحقة يحددها القانون صراحة وتكون ضرورية من أجل ضمان:

أ-احترام حقوق الآخرين أو سمعتهم؛

ب-حماية الأمن القومي أو النظام العام أو الصحة العامة أو الأخلاق العامة.

-         لا يجوز تقييد حق التعبير بأساليب أو وسائل غير مباشرة، كالتعسف في استعمال الإشراف الحكومي أو غير الرسمي، على ورق الصحف، أو تردد موجات الإرسال الإذاعية أو التلفزيونية، أو الآلات أو الأجهزة المستعملة في نشر المعلومات، أو بأية وسيلة أخرى من شأنها أن تعرقل نقل الأفكار والآراء وتداولها وانتشارها.

-         على الرغم من أحكام الفقرة 2 السابقة، يمكن إخضاع وسائل التسلية العامة لرقابة مسبقة ينص عليها القانون، ولكن لغاية وحيدة هي تنظيم الحصول عليها من أجل الحماية الأخلاقية للأطفال والمراهقين.

-         إن أية دعاية للحرب وأية دعوة للكراهية القومية أو العرقية أو الدينية، اللتين تشكلان تحريضا على العنف المخالف للقانون، أو أي عمل غير قانوني آخر ومشابه ضد أي شخص أو مجموعة أشخاص، مهما كان سببه، بما في ذلك بسبب العرق أو اللون أو الدين أو اللغة أو الأصل القومي، تعتبر جرائم يعاقب عليها القانون".

 3- الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب. تنص الفقرة 2 من المادة 9 من هذا الميثاق الإفريقي على ما يلي: "2-يحق لكل إنسان أن يعبر عن أفكاره وينشرها في إطار القوانين واللوائح".

 4- الميثاق العربي لحقوق الإنسان. تنص الفقرة 2 من المادة 32 من هذا الميثاق العربي، على ما يلي: "2-تمارس هذه الحقوق والحريات في إطار المقومات الأساسية للمجتمع ولا تخضع إلا للقيود التي يفرضها احترام حقوق الآخرين أو سمعتهم أو حماية الأمن الوطني أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة".

يتبين لنا من مضمون هذه الاتفاقيات الإقليمية أن هناك قواسم مشتركة تتعلق بالقيود التي يمكن أن تُفرض على ممارسة حرية التعبير، وهذه القواسم هي:

1.     احترام حقوق الآخرين أو سمعتهم.

2.     حماية الأمن القومي أو الوطني، أو النظام العام أو الصحة العامة أو الأخلاق والآداب العامة.

3.     حماية المجتمع الديمقراطي.

كما نلاحظ، من ناحية ثانية، توسع بعض الاتفاقيات الإقليمية بسرد تفاصيل القيود وأسبابها ومبرراتها وحدودها، كالفقرات الفقرات 2، و3، و4 من المادة 13 من هذه الاتفاقية الأمريكية لحقوق الإنسان، في حين أن بعضها الآخر يتناول هذه القيود في أضيق الحدود، مثل الفقرة 2 من المادة 9 من الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب.

الخاتمة

تعدّ حرية التعبير، والاعتراف بدور وسائل الإعلام وأهميتها، من المفاهيم والمبادئ الأساسية في الحياة الفكرية والثقافية والاجتماعية في مختلف بلدان العالم، وبخاصة في البلدان الغربية. كما أن تأصيل هذه الحرية قد مر بمراحل تاريخية هامة، حتى أصبحت جزءا من النسيج الديمقراطي في العديد من البلدان، ومن المكتسبات الهامة التي من المفروض أن تكون من حق كل إنسان.

أطلعنا في هذه المقالة على مختلف الاتفاقيات الإقليمية لحقوق الإنسان التي تحمي حرية التعبير، وهي: الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، والاتفاقية الأمريكية لحقوق الإنسان، والميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب، والميثاق العربي لحقوق الإنسان. كما بحثنا فيما صدر عن بعض هيئات هذه الاتفاقيات الإقليمية من أحكام واجتهادات بقصد تعزيز حرية التعبير بمختلف أشكالها، وما قبلته هذه الهيئات في بعض الأحيان من قيود تفرض على حرية التعبير والرأي بهدف حماية المجتمع الديمقراطي، أو الصحة أو الأخلاق العامة، أو النظام العام، أو حقوق الآخرين وحرياتهم.

ولكن توجد مجموعة من التساؤلات التي تطرحها علينا آخر التطورات التي عرفتها حرية التعبير وممارستها، ونود أن نشير في هذه الخاتمة إلى مثالين: أولهما يتعلق بالحديث أو الاهتمام ببعض المواضيع أو الشخصيات، ونقصد هنا موضوع "الرسوم المسيئة إلى الرسول (ص)". نحن نعلم بأن هناك مؤسسات قضائية نزيهة ومستقلة، وبخاصة في البلدان الغربية، تنظر في القضايا التي تُرفع إليها في حال التشهير أو الإساءة لشخص ما أو اللغط بموضوع معين، لكن لماذا تحظى بعض المواضيع دون غيرها، أو أحداث تاريخية بعينها بحماية خاصة، ويتم أيضا التعاطف مع بعض الأشخاص واحترامهم بل وتقديسهم، ويمكن وقتها القبول بفرض قيود على حرية التعبير إذا تعلق الأمر بهؤلاء الأشخاص، أو تفهم الحد من تطبيقات هذه الحرية بخصوص بعض المواضيع أو الأحداث التاريخية - والأمثلة التي يمكن أن نسوقها في هذا المجال عديدة منها: موضوع (المحرقة) أو (الهولوكوست)، التي نقر بوقوعها، وبفظاعة ما ارتكب فيها، والتي سنت قوانين لحمايتها ومحاسبة من ينكر وقوعها في العديد من البلدان الأوروبية، بل وصدرت مؤخرا أحكام قضائية بالسجن في حق من شكك بوجود هذه المحرقة؛ أو مثلا قضية مرض الرئيس الفرنسي السابق فرانسوا متيران (31) -؛ نقول لماذا تحظى هذه الأحداث التاريخية وأولئك الأشخاص بحماية خاصة في الوقت الذي لا تحظى فيه قضايا أو مواقف أخرى، أو شخصيات بذاتها بنفس الاحترام والتقديس بحجة إطلاق حرية التعبير، والتي لا يجوز تقيدها أو الحد منها؟ لاشك أن موضوع الرسوم المسيئة يعدّ من صلب حرية التعبير وكذلك المطالبات بتقيدها، وقد تم الحديث والبحث في الموضوع، ومن مختلف الجوانب في السنوات الماضية، ورأينا كم أثار من نقاشات وكتابات لا في العالمين العربي والإسلامي فقط، ولكن في أوروبا أيضا. ويبقى التطرق إليه من الأمور التي تدخل في صلب تطبيق حرية التعبير ومختلف أشكالها، والقيود التي يمكن أن تفرض عليها.

أما المثال الثاني فيتمثل بما يدور في هذه الآونة من نقاشات وسجالات وانتقادات حول نشر الوثائق "السرية" لوزارتي الخارجية والدفاع في الولايات المتحدة الأمريكية على موقع (ويكيليكس) ومواقع أخرى، والتساؤلات التي تُطرح لمعرفة ما إذا كان نشر هذه الوثائق يعدّ من حرية التعبير وحرية الصحافة التي سمحت بنشر هذه الوثائق في العديد من الصحف الأمريكية والأوروبية؟ وهل من حق القارئ أن يطلع على هذه الوثائق وما تضمنته من تصريحات ومواقف كان بعضها معروفا، وبعضها الآخر جديدا، وشكل غيرها مفاجأة لمن قرأها؟ وهل يجوز نشر وثائق أو معلومات حتى ولم تم الحصول عليها بشكل غير شرعي؟ وإلى أي مدى يتعارض نشر هذه الوثائق مع واجب السرية والكتمان والحظر الذي تمارسه بعض الدوائر الدبلوماسية في مختلف البلدان؟  وهل تأثرت العلاقات الدولية وقواعد الدبلوماسية بعد نشر هذه الوثائق؟ من المؤكد بأن فصلا جديدا قد فُتح في سجل حرية التعبير مع نشر هذه الوثائق، بعد الفصل الذي عرفه هذا السجل مع قضية الرسوم المسيئة، ولا شك بأن فصولا جديدة أخرى سيعرفها هذا السجل في السنوات القادمة طالما أن التقدم العلمي والتكنولوجي في اطراد مستمر، والتواصل الإلكتروني يحمل يوميا أخبار متنوعة، بحيث أصبحت المعلومات في متناول الجميع وفي كل مكان وزمان.

  

* رئيس المركز العربي للتربية على القانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان، ستراسبورغ، فرنسا.

الهوامش

(1) انظر تفاصيل حرية الرأي والتعبير في الاتفاقيتين الأوروبية والأمريكية لحقوق الإنسان، محمد أمين الميداني، "حرية التعبير والرأي في الاتفاقيتين الأوروبية والأمريكية لحقوق الإنسان"، المجلة العربية لحقوق الإنسان، منشورات المعهد العربي لحقوق الإنسان، تونس، العدد الرابع، شباط/فبراير، 1997، ص 74-96.

(2) انظر بخصوص مجلس أوروبا وميثاقه واختصاصاته، محمد أمين الميداني، النظام الأوروبي لحماية حقوق الإنسان، الطبعة الثالثة، منشورات الحلبي الحقوقية، 2009، ص 19 وما بعدها. (لاحقا، الميداني، النظام الأوروبي).

(3) انظر ترجمة هذه الاتفاقية الأوروبية وبعض البروتوكولات المضافة إليها في: الاتفاقيات الأوروبية لحماية حقوق الإنسان، ترجمة وإعداد الدكتور محمد أمين الميداني، والدكتور نزيه كسيبي، منشورات مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، سلسلة تعليم حقوق الإنسان 22، القاهرة، 2010.

(4) انظر بخصوص المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان وتأليفها واختصاصاتها ونشاطاتها، الميداني، النظام الأوروبي، ص 111 وما بعدها. كما يراجع، محمد أمين الميداني، "دخول البروتوكول رقم 14 المضاف إلى الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان حيز التنفيذ"، مجلة (موارد)، مجلة متخصصة في التربية على حقوق الإنسان، يصدرها برنامج الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، منظمة العفو الدولية، بيروت، العدد 14، شتاء 2010، ص 49-54.

(5) انظر:

V. Berger, Jurisprudence de la Cour Européenne des Droits de l’Homme, 11ème édition, Dalloz, Paris, 2009. Affaire Autronic AG c. Suisse in Berger, Jurisprudence, para. 160, pp. 589 et s.

(6) انظر قضية  :

Sunday Times/Observer et Guardian c. Royaume-Uni in Berger, pp. 560 et s.

(7) انظر  :

G. Cohen-Jonathan, « Article « 10 » » in Convention Européenne des Droits de l’Homme. Commentaire article par article, L.-E. Pettiti, E. Decaux et P.-H. Imbert (dir.), Economica, Paris, 1995, p. 369. (Ci-après, Cohen-Jonathan, Article « 10 »).

(8) انظر بخصوص تأليف هذه اللجنة واختصاصاتها، الميداني، النظام الأوروبي، ص 31 وما بعدها.

(9) انظر  :

F. W. Hondius, «  La liberté d’expression et d’information en droit européen   » in Perspectives canadiennes et européennes des droits de la personne. Actes des Journées Strasbourgeoises, Cowan ville (Qué), Yvon Blais, Inc., 1986, p. 271.

(10) انظر  :

Séries : A, vol. 216, para. 59.

(11) انظر  :

G. Malinverni, “Freedom of information in the European Convention on Human Rights and in the International Covenant on Civil and Political Rights”, Human Rights Law Journal, vol. 4, n° 4, 1983, p. 448.

(12) انظر :

Honduis, op. Cit., p. 271.

(13) انظر قضية  :

Leander c. Suède in Berger, Jurisprudence, para. 127, pp. 345 et s.

(14) انظر قضية:

Gaskin c. Royaume-Uni in Berger, pp. 455 et s.

(15) انظر:

Cohen-Jonathan, Article « 10 », p. 377.

(16) انظر قضية  :

Groppera c. Suisse in Berger, Jurisprudence, para. 159 , pp. 441 et s.

(17) انظر المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والمادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية .

(18) انظر  :

S. Coliver, “Press Freedom under the European Convention on Human Rights” in Press Law and Practice. A Comparative Study of Press Freedom in European and other Democracies. Published by Article 19, United Kingdom, 1994, p. 222.

(19) انظر  :

J. Velu, R. Ergec, La Convention européenne des droits de l’homme, Bruxelles, Bruylant, 1990, para. 724, p. 604 .

(20) انظر  :

Berger, op. cit.

(21) انظر  :

G. Cohen-Jonathan, «  Les libertés fondamentales et télévision européenne   », in The Protection of Human Rights in Europe, Collected Courses of Academy of European Law / Recueil des Cours de l’Académie de droit européen, European University Institute, Academy of European Law, Florence Volume I, Book 1, 1990, pp. 52-53.

(22) انظر نص هذه الاتفاقية الأمريكية لحقوق الإنسان في: حقوق الإنسان، المجلد الأول، الوثائق العالمية والإقليمية، إعداد: محمود شريف بسيوني، محمد السعيد الدقاق، عبد العظيم وزير، الطبعة الأولى، دار العلم للملايين، بيروت، 1988، ص 343 وما بعدها. (لاحقا، حقوق الإنسان، الوثائق العالمية والإقليمية).

(23) انظر بخصوص هذه المحكمة الأمريكية، محمد أمين الميداني، "المحكمة الأمريكية لحقوق الإنسان (دراسة في نظامها العام)"، المجلة اليمنية لحقوق الإنسان، صنعاء، العدد الثالث، 2006، ص 99-113.

(24) انظر هذا الحكم في:

International Human Rights Reports, Vol. 17, N° 3, July 2010, pp. 662-699.

(25) انظر نص هذا الميثاق الإفريقي في: مجموعة صكوك دولية، المجلد الأول، الجزء الأول، ص 366 وما بعدها.

(26) انظر بخصوص تأليف هذه اللجنة الإفريقية واختصاصاتها ونشاطاتها، محمد أمين الميداني، "التعريف بالميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب" في: محمد أمين الميداني، دراسات في الحماية الإقليمية لحقوق الإنسان، منشورات مركز المعلومات والتأهيل لحقوق الإنسان، تعز، اليمن، الطبعة الأولى، 2006 ص 62 وما بعدها.

(27) أنظر هذه القضية في:

International Human Rights Reports, Vol. 17, N° 3, July 2010, pp. 782 - 797

(28) انظر نص هذا الميثاق العربي في وثائق جامعة الدول العربية: ق.ق: 270 د.ع (16) - 23/5/2004.

(29) لعلنا نتساءل عن مغزى أن يكون رقم المادة التي تبحث في (حرية التعبير)، والتي نص عليها الميثاق العربي لحقوق الإنسان هو (32)، في حين أن رقمها (9) في الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب، ورقمها (10) في الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، ورقمها (13) في الاتفاقية الأمريكية لحقوق الإنسان! فإذا كان ترتيب الترقيم يعني إعطاء أهمية أكبر للحقوق والحريات التي تأخذ الترقيمات الأولية في أية اتفاقية لحماية حقوق الإنسان، فهل يعني أن (حرية التعبير) لا تستحق في الميثاق العربي لحقوق الإنسان إلا المرتبة 32 في سلم الحقوق والحريات التي نص عليها هذا الميثاق ويبلغ عددها في هذا الميثاق 42 مادة؟

(30) انظر بخصوص هذه اللجنة وتأليفها واختصاصاتها، محمد أمين الميداني، "لجان حقوق الإنسان في جامعة الدول العربية"، (المجلة العربية للعلوم السياسية)، مجلة فصلية محكمة، تصدر عن مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، العدد 26، ربيع 2010 ص 38 وما بعدها.

(31) نشر الطبيب (كلود غوبلير)، الطبيب الخاص للرئيس الفرنسي السابق فرانسوا ميتران كتابا، في عام 1996، بعنوان (السر الكبير)، تحدث فيه عن مرض هذا الرئيس، وأكد فيه أنه لم يكن مؤهلا إدارة شؤون الدولة منذ نهاية عام 1994. وتم منع هذا الكتاب من قبل المحاكم الفرنسية، وفرض غرامات على هذا الطبيب خلال عامي 1996 و1997، وذلك بناء على طلب زوجة الرئيس وأولاده الذي أوضحوا في عريضتهم بأن "نشر الكتاب تسبب بأضرار غير مقبولة لمشاعرهم العميقة بسبب ما نُشر من أخبار ومعلومات تتعلق بالرئيس كزوج وأب". ولكن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان أدانت فرنسا في عام 2004 لأنها منعت كتاب هذا الطبيب واعتبرت المنع تعد على حرية التعبير.





شارك هذه الصفحة: