لثقافة إعلامية مستقلة عن الدولة!

العربي شويخا *

لا بد اليوم وبعد سنوات الاستقلال، من تقييم لواقع معظم البلدان العربية: ففي كل أزمة شرعية تطال بنية الدولة، تمسي المعلومات ووسائل الإعلام والصحفيين هدفا لانتقادات جميع الأطراف، بمن فيهم صناع القرار أنفسهم. ويجري انتقاد الصحفي وكأنه يتمتع باستقلالية حقيقية في هذا النظام الذي يفتقر إلى الشفافية. وتتهم الصحافة بالتجارية والوضيعة دون أن يطرح السؤال حول من يتلاعب بها على هواه وكيف أمست صورتها على هذا الحال. ثم يتم التهجم على تدريب الصحافيين وتكوينهم، وكأن المدرّسين هم حقا "أسياد اللعبة"، تحرّكهم جميعا الاهتمامات نفسها والقيم نفسها... وفي الوقت نفسه، نندهش من أن المثقفين لا يؤدون مهمتهم الحيوية، وأن معلوماتنا باتت غير موثوقة، وأن صورتنا في الخارج قد تشوهت، وأن تدريب مراسلينا بات مضربا للرياح... لا بل وصلت بهم الجرأة إلى تشويه سمعة مواطنينا الذين يروون غليلهم ولا يتحدثون سوى إلى الإعلام الأجنبي.

وكما هي الحال دائما مع كل أزمة بنيوية، ينعم الإعلام بفترة من الراحة، فترة تقوم خلالها هذه الأنظمة بتجديد ذاتها ولكن سرعان ما تعود إلى الممارسات القديمة وأنماط الماضي المشربة بروح استبدادية. ومرد هذه الأحداث الدورية إلى أن القوى السياسية المختلفة لدينا منذ فجر الاستقلال إلى يومنا هذا ترى الإعلام كجهاز تقوم بإدارته كما يحلو لها، وحتى تستخدمه أحيانا وسيلة دعاية و"بروباغندا". بالتأكيد، شهدنا بعض التطوّر من وقت لآخر لصالح حرية أكبر، ولكنه كان دوما مدفوعا من "أعلى " ، أو بمعنى آخر، كان التطور مدفوعا من القوى السياسية نفسها خلال فترة الأزمات البنيوية الحادة التي تطاوله بشكل مباشر. وبالتالي فإن "الانفتاح الديمقراطي " على أشكاله والذي نراه هنا وهناك بعيد كل البعد عن حالة الديمومة .

 وعلاوة على ذلك ، في ظل غياب أية تقاليد ديمقراطية متجذرة في مجتمعنا فإن أية تعبئة عامة ضخمة - بما في ذلك الصحفيين أنفسهم- لصالح حرية التعبير والدعوة إلى فضاءات مستقلة كليا عن الدولة تبقى محدودة للغاية. ونلاحظ بالتأكيد من وقت إلى آخر بوادر مشجعة منبثقة عن المهنة وتستحق الثناء: ومنها على سبيل المثال بروز اتحاد الصحافيين التونسيين ومواقفه العلنية في الدفاع عن الصحافيين وحرية التعبير، أو التحرك المنبثق عن الصحافة المستقلة والعناوين الصادرة عن المعارضة والتي تحاول، بطريقة أو بأخرى، تحفيز جدل تناقضي في بلادنا، وبصورة خاصة كسر بعض المحرمات !

ولكن جميع هذه النشاطات والمبادرات الجريئة من الصحافة ووسائل الإعلام محدودة زمنيا لأن العائق الأساسي أمام نمو صحافتنا وتطورها ما زال قبضة الدولة – وكل من يتحدّث باسمها- الثقيلة والخانقة على مفاصل المعلومات وتحرك الأفكار. فكل من يملك وسيلة إعلام أي كان نوعها يخضع في جميع الأحوال إلى "مدوّنة حسن سلوك" غير مكتوبة  إذا أراد الحصول على حق نشر إصدار ما، نشر أو تداول محطة إذاعية أو تلفزيونية، الوصول إلى مصادر المعلومات، وضع الصحيفة أو الإصدار في التداول عبر شركات التوزيع، جني أرباح إيرادات الإعلانات والاشتراكات، أو الاستفادة من دعم الدولة.

وفي جميع الحالات، تتألف "مدونة حسن سلوك " غير المكتوبة، من متغيراتمعلنة لكن أيضاً ضمنية- تمليها الطوارئ السياسية الشخصية السائدة ساعتها. ويفرض على أي رئيس تحرير صحيفة – مهما تكن طبيعة ما ينشره- أن يكون على بينة من التفسيرات المحتملة التي تنشأ عن تنفيذ المدونة رسميا وبصورة فعالة في هذه الساعة بالتحديد. وينبغي بالتالي أن يتمتع بالكثير من الفطنة والنباهة ليتمكن من الإبحار في هذه المياه العكرة، وإدراك أن أي خطر "انزلاق" تتأتى عنه عقوبات شديدة للغاية، وما أكثر الأمثلة في هذا المجال وتنوعها.

في مثل هذه البيئة، يجري تخفيف مفاهيم "الخاص " "والعام"، وحتى الصحافة "المستقلة " أو "المعارضة " ، وتذويبها في تأميم مهيمن للمجتمع. وإن أية مقاربة مؤسسية تستند إلى أحكام قانون الصحافة تبقى غير كافية إذا لم تتوفر لنا مسبقا عناصر تأسيسية من مدونة السلوك وطرق التدقيق في التأويلات الجيدة في الوقت المناسب .

وبناء عليه، وإذا أردنا اليوم أن نقيم هذا القطاع عن طريق تشجيع النقاشات الحرة والخلافية، لا بد من التوصل إلى توافق واسع حول فكرة مفادها أن وسائل الإعلام، وبالتالي حرية التواصل والتعبير، لن تتحرك أو تنمو في فضاء عام يخضع لهيمنة الدولة. وبعبارة أخرى، فإن المطالبة الديمقراطية والفصل الفعلي بين الدولة الشريكة في المجتمع وبين سيادة الفرد تنضوي تحت لواء حق استقلالية وسائط الإعلام من قبضة الدولة وسيادة هذه الوسائط. لا بل ينبغي على هذه المطالبة أن تحفز الوعي -على حد سواء بين الصحفيين وصناع القرار السياسيين أنفسهم- وتبيان الحاجة إلى العمل سويا على تعزيز "ثقافة إعلامية مستقلة حقا". 

من هذا المنظور، يصبح من الطارئ النظر في إنشاء مؤسسة متخصصة في الاتصال -تنبثق حقا من المجتمع – وتملك حق تنظيم هذا القطاع وحمايته من جميع أشكال الهيمنة، بما في ذلك الوصول إلى القطاع السمعي البصري. وتوكل إليها مهمة السهر على ضمان حماية حرية الاتصال، والسلوك الخلقي والمهني الذين ينتج عن ممارسة هذه الحرية، ويكون لها أن تحكم في أي تجاوز أو مخالفة ترتكبها الإدارة (العامة) أو حتى الأفراد والأشخاص.

ومن المسلم به أنه ينبغي التفكير مليا بشكل جماعي وشامل لتحديد "بنية عامة" مستقلة في فضاء عام شديد التأميم! ماذا سيكون تكوينها، والأهم من ذلك، كيف يمكن ضمان استقلالها عن السلطة المطلقة للدولة، ومن سيكون قادرا على ضمان هذا الاستقلال؟ هل يجدر التذكير هنا أنه في بعض الدول العربية مثل لبنان والأردن وفلسطين ومؤخرا في المغرب، أنشئت مؤسسات لتنظيم الإعلام المرئي والمسموع– مستقلة نظريا عن الحكومة– وما زالت تتنامى. وإنما تدل جميع هذه الأمثلة على أنه من الممكن النظر في توحيد هذه المؤسسات ضمن مؤسسة واحدة، لتشمل المهنيين وممثلي الفعاليات الاجتماعية العامة وغيرهم من الفاعلين في المجتمع المعروف عنهم تنورهم ومهاراتهم والأهم من ذلك، روحهم المستقلة. شيء واحد مؤكد: من أجل أن تصبح هذه الانفراجات التي تأتي عادة خلال أزمات متلاحقة، حالة دائمة، من المهم أن نتقبل وندرك أن عالم الاتصالات والصحافة لا يمكن أن يزدهر وينمو إلا في فضاء من الديمقراطية حيث تتعايش الدولة مع المجتمع وليس في مجتمع تستوعبه الدولة كليا !

*أستاذ باحث وناشط في مجال حقوق الإنسان

 

 




شارك هذه الصفحة: