منع النقاب انتهاك للقانون الدولي لحقوق الإنسان

منظمة العفو الدولية، رقم الوثيقة: POL 30/005/2010

منع النقاب انتهاك للقانون الدولي لحقوق الإنسان

شهدت الأشهر الأخيرة تصاعداً للجدل العام في أوروبا حول ارتداء النساء المسلمات للحجاب الذي يغطي الوجه بالكامل، كالبرقع والنقاب؛ وفي الوقت الحالي، ينظر اثنان من البلدان الأوروبية، هما بلجيكا وفرنسا، في إصدار قوانين تقضي بمنع النساء من ارتداء النقاب؛ ففي بلجيكا، يبحث البرلمان حالياً مشروع قانون يحظر ارتداء النقاب في أي مكان عام؛ وفي فرنسا، اقترحت لجنة برلمانية شكلت خصيصا لهذا الغرض منع النساء من ارتداء النقاب عند دخولهن المرافق العامة.

ومنظمة العفو الدولية تعتقد أن فرض مثل هذا الحظر العام على ارتداء النقاب يشكل انتهاكاً لحق النساء في حرية التعبير وحرية الدين إذا اخترن ارتداءه تعبيراً عن هويتهن أو معتقداتهن الدينية أو الثقافية أو السياسية؛ ومن ثم فإن المنظمة تحث الدول على عدم إقرار مثل هذه القوانين، وتحضها على اتخاذ طائفة من الإجراءات التي تكفل للنساء جميعاً حرية ممارسة حقوقهن دون إكراه أو مضايقة أو تمييز.

ذلك أن القانون الدولي يلزم كل دولة باحترام حقوق الإنسان لكل فرد دونما تمييز على أساس العنصر، أو اللون، أو الجنس، أو اللغة، أو الآراء السياسية أو غير السياسية، أو الأصل القومي أو الاجتماعي، أو الملكية، أو المنشأ، أو أي وضع آخر؛ كما أنه يلزمها بحماية الأفراد من أي انتهاك لحقوقهم من جانب أي طرف ثالث، بما في ذلك أي أفراد أو أطراف غير حكومية في محيط أسرهم أو مجتمعاتهم المحلية؛ وبضمان قدرة كل فرد على التمتع بحقوقه في الواقع الفعلي.

ويكفل القانون الدولي لحقوق الإنسان حق كل فرد في حرية التعبير، وحرية إظهار دينه ومعتقداته كيفما يشاء؛ وهذه الحريات تمتد إلى مظهر المرء وما يختاره لنفسه من الثياب؛ وعليه فلا يجوز للدول فرض شروط وقيود واجبة التطبيق على الجميع مما يلزم النساء بارتداء أو عدم ارتداء ثيابهن على نحو أو آخر، كما يجب عليها حماية المرأة من أي شروط أو قيود يفرضها عليها أي طرف آخر. ومن الخطأ إرغام النساء على ارتداء الحجاب أو النقاب، سواء من جانب الدولة أم من جانب أطراف غير الدولة؛ كما أنه من الخطأ منع النساء من ارتدائه بقوة القانون.

ويجيز القانون الدولي لحقوق الإنسان فرض قيود معينة على ممارسة الحق في حرية التعبير، بما في ذلك التعبير عن العقائد الدينية ومظاهرها، ولكن بشرط أن تستوفي هذه القيود معايير اختبار صارم يتألف من ثلاثة أجزاء: فلا بد أن يكون منصوصاً عليها في القانون؛ ولا بد أن تلبي غرضاً مشروعاً ومحدداً يجيزه القانون الدولي؛ ولا بد أيضاً من إثبات ضرورتها وملاءمتها لذلك الغرض.

والأغراض المشروعة المسموح بها هي ضمان احترام حقوق الآخرين أو حماية مصالح عامة معينة (الأمن الوطني أو السلامة العامة أو النظام العام أو الصحة أو الآداب). وفضلاً عن ذلك، فلا بد من إقامة الحجة على ضرورة أي قيود من هذا القبيل لتلبية الغرض المنشود – أو بعبارة أخرى، على نحو ما ذكرته المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، ينبغي أن تلبي هذه القيود "حاجة اجتماعية ملحة"؛ ومن بين التدابير الكفيلة بتحقيق الهدف المشروع المنشود يجب أن تكون هذه القيود هي أقلها تدخلاً أو مساساً بحقوق الإنسان؛ وأي تدخل بعينه في أي حالة من الحالات لا بد أن يكون بالقدر الملائم لتحقيق الهدف دون شطط. وفضلاً عن ذلك، فلا ينبغي فرض أي قيود من هذا القبيل لأغراض تنطوي على التمييز أو فرضها على نحو تمييزي، ولا يجوز أن تؤدي إلى تقويض الحق ذاته. وارتداء رمز أو لباس ديني أو تقييده كلاهما قد يؤثر بطرق عديدة ومختلفة على ممارسة طائفة من حقوق الإنسان، ومن ثم فإن تقييم مشروعية أي قيود يقتضي دائماً إمعان النظر في كل حالة على حدة، مع الاعتداد بالحقائق الثابتة لا الافتراضات أو التكهنات.

ومنظمة العفو الدولية ترى أن فرض حظر عام على ارتداء النقاب في الأماكن العامة ليس بالضروري ولا هو بالملائم لتحقيق أي هدف مشروع.

أما فرض بعض القيود المحددة تحديداً واضحاً على ارتداء النقاب الذي يغطي الوجه بالكامل لأغراض تتعلق بالسلامة العامة فذلك أمر مشروع؛ وينطبق هذا، على سبيل المثال، عندما تقتضي الظروف أن تكشف المرأة عن وجهها في بعض المواقع المحفوفة بالمخاطر الأمنية؛ ومن المشروع كذلك أن يطلب من المنقبات الكشف عن وجوههن في إطار الإجراءات الضرورية للتحقق من هوية الأفراد. ولكن في غياب أي دليل على وجود صلة بين ارتداء النقاب الذي يغطي الوجه بالكامل ومخاطر السلامة العامة، لا يجوز التذرع بحجج السلامة العامة بوجه عام لتبرير فرض قيود على حرية التعبير والدين على نحو ما ينطوي عليه الحظر التام لارتداء النقاب في الأماكن العامة.

ولئن كانت حماية الآداب غرضاً مشروعاً لفرض قيود على حرية التعبير أو مظاهر الدين أو المعتقد، فإن هذا لا يسوغ فرض قيود على ارتداء الحجاب بدعوى أن نسبة من الناس يعترضون عليه. ولقد ذكرت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان مراراً وتكراراً أن الحق في حرية التعبير يتضمن أشكال التعبير "المثيرة لاستياء أو استنكار أو انزعاج الدولة أو أي فئة من الناس".

ولقد قيل إن فرض حظر عام على ارتداء النقاب الذي يغطي الوجه بالكامل أمر ضروري لضمان المساواة بين الجنسين، وحماية المرأة من التعرض لضغوط أو إكراه لارتدائه. ولا شك أن الدول ملزمة بإقرار المساواة بين الجنسين، وضمان قدرة جميع الأفراد على حرية ممارسة حقهم في حرية التعبير وغيره من حقوق الإنسان، مثل الحق في العمل، والتعليم، وحرية الحركة. وبالتالي فإن الدول ملزمة باتخاذ تدابير لحماية المرأة من أي ضغط أو إكراه على ارتداء النقاب.

وحيثما يستخدم العنف أو التهديد بالعنف لإرغام المرأة على ارتداء لباس معين، فإن الرد الملائم من الدولة هو التدخل في كل حالة على حدة من خلال نظام قانون الأسرة أو القانون الجنائي. ولكن لا ينبغي أن يكون رد الدولة على هذا الشكل من أشكال الضغط أو غيره هو فرض حظر عام يؤثر بلا تمييز على جميع المنقبات، ويحرمهن من الوصول إلى طائفة من المرافق والخدمات الضرورية للتمتع بالحقوق الاجتماعية والاقتصادية. بل إن فرضحظر عام قد يأتي بنتائج عكسية، ويفضي لمزيد من التقييد، من حيث أريد له أن يكون إجراءً يستهدفأصلاً حماية المرأة من المضايقة والقهر.

وبقدر ما تكون المعايير الاجتماعية أو الدينية التي تفرض قيوداً على لباس المرأة انعكاساً للتمييز ضدها، يقع على عاتق الدولة التزام إيجابي باتخاذ خطوات لمنع مثل هذا التمييز. غير أن تلك الخطوات يجب أن تتركزعلى معالجة التمييز ذاته وأسبابه الأساسية، وليس على أعراضه وحسب؛ ولا يجوز أن تؤدي إلى فرض قيود على النساء، وعلى حرية ممارستهن لحقهن في حرية التعبير.

 

والنساء اللاتي يعشن في مجتمعات مسلمة قد يواجهن أشكالاً متعددة من التمييز ضدهن، سواء من داخل مجتمعاتهن أم من خارجها، بما في ذلك التمييز الذي يتعرضن له باعتبارهن نساء، أو مسلمات، أو لانتمائهن لأقليات عرقية. والقول بمعالجة التمييز في مجتمع ما من خلال فرض إجراء ينطوي هو نفسه على التمييز، إنما يزيد من تعقيد الأمر، ويرسخ الفكرة القائلة بجواز مشروعية التمييز. ومن المرجح أن يخفق مثل هذا الإجراء، ويأتي بنتائج عكسية، إذ تصبح النساء المضطرات لارتداء الحجاب بسبب ضغوط أسرية أو اجتماعية أقل قدرة على ممارسة حقوق أخرى في الواقع الفعلي، مثل الحق في العمل والتعليم وحرية الحركة. ويجب على الدول أن تمعن النظر في هذه الأشكال المتعددة من التمييز، سواء من جانب الدولة أم غيرها من الأطراف، لترى كيف تجرد المرأة من قدرتها، ثم عليها أن تتخذ خطوات فعالة لمعالجتها، وهو الأمر الذي يستوجب وضع طائفة من التدابير الاجتماعية، وغيرها من التدابير المتعلقة بالسياسة العامة، بالتشاور مع النساء ومع الطوائف أو المجتمعات المعنية؛ ولا بد أن تشمل هذه تدابير لمعالجة أنماط التحامل والتحيز التي تغذي التمييز على أساس نوع الجنس، والدين، والأصل العرقي، ولضمان إتاحة سبل فعالة للإنصاف أمام ضحايا هذا التمييز.

وهناك سمات أساسية مشتركة للمعايير القانونية والاجتماعية التي تحكم لباس المرأة في مختلف البلدان والثقافات؛ وكثيراً ما يكون لها أثر مفرط على النساء نسبياً، إذ تفرض ضوابط خاصة على لباسهن ومظهرهن باعتبار ذلك تجسيداً رمزياً للقيم الدينية أو الثقافية للمجتمع. وقد تكون هذه السمات مظهراً لمواقف كامنة تنطوي على التمييز، وتعكس رغبة دفينة للسيطرة على الغريزة الجنسية للمرأة وحريتها البدنية، وتحط من شأن المرأة إذ تنظر إليها باعتبارها مجرد جسد. وسواء كانت هذه الضوابط مفروضة من جانب الدولة أو أطراف غير الدولة، فإنها لا تؤثر على تمتع المرأة بحقها في حرية التعبير فحسب، بل يكون لها أثر أيضاً على ممارستها لحقوق أخرى، مثل حقها في العمل، وفي التعليم، وفي حرية الحركة.

من حق كل فرد التعبير عن معتقداته وقناعاته الشخصية أو هويته باختيار اللباس الذي يرغب في ارتدائه، والحكومات ملزمة باحترام تلك الحقوق، وحمايتها، وضمانها، عن طريق تهيئة المناخ الملائم الذي يتيسر فيه لكل امرأة ممارسة هذا الخيار بمنأى عن أي إكراه أو تهديد أو مضايقة، وبدون أي قيود غير ضرورية أو غير ملائمة لتحقيق غرض مشروع بحكم القانون الدولي لحقوق الإنسان، وبلا آثار سلبية على ممارستها لسائر حقوق الإنسان.

 

 




شارك هذه الصفحة: