جرمي البراءة

أنطوانيت شاهين *

مقتطفات من كتاب ’جرمي البراءة‘ لأنطوانيت شاهين الصادر عن دار النهار عام 2007

ما أن عدت إلى السجن حتى رأيت عبر كوة الغرفة أول مطر أشهده وأنا في السجن، نحن في شهر تشرين الأول. وهذا المطر يهز أعماقي. كم وودت لو أنه أغرقني وبللني حتى العظم، لكنه لا يبلل إلا من هم في الخارج. كم تمنيت لو أنني أرتجف برداً بدل أن يرسلوا لي فراش الريش هذا الذي يوبؤني بأنني سأمضي الشتاء في هذا المكان. أحضرت لي أمي هندباء برية. طلبت منها أن تقطفها مع جذورها المليئة بالتراب لكي أستطيع أن أشتم رائحة ما من الطبيعة في الخارج، رائحة طازجة بعيداً عن روائح المعقمات التي تشعرني بالغثيان. عما قريب سيأتي عيد الميلاد.

عما قريب سنة جديدة تأتي، 1996، وسنة قديمة تولي. كم من الوقت مضى عليّ وأنا هنا دون أن أعرف السبب؟ في هذه الليلة، عشية الاحتفال برأس السنة الجديدة، بدأ إطفاء الأنوار في السجن متأخراً أكثر بقليل من العادة وهذا الإستثناء الوحيد في حياة السجن. أشعر بأنه أتعس أيام حياتي. أتى بعض الأطفال لزيارة أمهاتهم المسجونات خلف القضبان. بكين لأنهن غير قادرات على حملهن بين أذرعتهن، وبكى الأطفال أيضاً. حاولت الصمود أمام هذا المشهد والتحامل على ألمي، لكني أنهرت باكية بدوري. جاء أولاد أخوتي لرؤيتي للمرة الأولى. يحاول الجميع التظاهر عكس ما هو ولا أحد يصدق. تلقيت هدايا لم أعد أتذكرها، لا شك أنها أشياء لملء وقتي، فماذا بالإمكان أن نهدي سجينة؟ بالتأكيد، شيئاً تأكله أو تتلهى به كي لا تموت سأماً، كلمات متقاطعة، أشياء أسوأ من الضجر نفسه أحياناً. وعدوا بصدور قرار المحكمة وعرفت أنه قريب.

حينئذ سنرى كم من الوقت سيتبقى لي في السجن، كل مساء، استرسل في الصلاة، ثمة زميلات ينشدن معي بعض التراتيل والأخريات يوافقن على إخفاض صوت التلفزيون. ذات يوم، أثناء النشرة الإخبارية، سمعنا جورج غانم، مذيع الأخبار في المؤسسة اللبنانية للإرسال LBC يعلن أن عقوبة الإعدام صدرت بحق عدد من المتهمين في جريمة اغتيال الكاهن في عجلتون. لا أعرف إذا كنت فعلاً سمعت إسمي لكني فقدت الوعي. هرعت السجينات لنجدتي قائلات لي، وما أدراهن، أن الأمور تبدأ على هذا النحو لكنها لا تلبث أن تصطلح أثناء المحاكمة.

لم يغمض لي جفن تلك الليلة. في اليوم التالي تلقيت زيارة محاميتي وأهلي، أراد الجميع أن يظهر بمظهر المطمئن لكنهم لم ينجحوا في ذلك. وإبتداءً من تلك اللحظة، عشنا في إنتظار جلسة المحاكمة الأولى التي لن تعقد في موعدها المحدد. لكن يوم انعقادها وافي أخيراً. هذا اليوم الذي سأمثل فيه أمام المحكمة في قصر العدل في بعبدا.

كنت أعرف أن الصحافة ستكون على الموعد. طلبت الإتيان لي بكنزة طويلة الأكمام لكي أخفي آثار الأصفاد عن يدي، فاعترض اخي جاك قائلاً إنه يجدر بي، خلافاً لذلك، إظهارها على الملأ رمز براءتي المغدورة. لا أذكر شيئاً لافتاً من هذه الجلسة الأولى. ولم أعد أعيش إلا على أمل انتظار الجلسات الأخرى التي يتم تأجيلها لأسباب تافهة في الغالب. ومن جلسة لأخرى، سكنني هاجس وحيد! إعلان براءتي. كنت أدعو الله أن يأتي يوم صدور الحكم، ذلك اليوم الذي سيسمح لي فيه أخيراُ الخروج من السجن. وها قد عُيّن ذلك اليوم في 6 كانون الثاني 1997 ووافق يوم عيد الغطاس. في لبنان، لا يحق لمتهم أن يحضر جلسة صدور الحكم، بل يبلغه أحد الأقرباء بفحواه. أما أنا فأثق بالعدالة، أعرف أنها ستعلن براءتي. عشية صدور الحكم، عمدت إلى توزيع قسم كبير من أغراضي الشخصية بالتساوي على السجينات. كان لدى صهري جان باص برتقالي صغير فغسله وزيّنه بالأزهار ليأتي به لاستقبالي عند الخروج من السجن. حين بزغ الفجر، لم أرتد ملابسي العادية. أردت أن أبدو أنيقة. بما أنه لم يكن لديّ ساعة، سألت الحارسات عن الوقت بفارغ الصبر. وفجأة، رأيت عبر كوة الباب محاميتي تقترب. وفجأة شعرت أن شيئاً ما ليس على ما يرام. أنبأني شيء ما في ملامحها بأنها تحمل لي أخباراً سيئة. مكثت بعض الوقت عند المديرة، وبعد انقضاء ربع ساعة، أرسلت المديرة في طلبي. كانت نهى صالح منصرفة إلى تناول فطورها. سألتها "ماذا هناك؟" فابتسمت وقالت لي:

"أجلسي. لدي ما أقوله لك" أفهمتني أن صدور الحكم قد أرجىء. سبق للسجينات أن حذّرنني من ذلك: "لا يقولون لنا الحقيقة أبداً".

دخلت أخواتي دامعات؛ لا أحد يملك الشجاعة ليخبرني بحقيقة ما حدث. طلبت رؤية أمي، قلت لها وأنا عارفة أن الحكم صدر: "علمتنا ألا نكذب أبداً فقولي لي الحقيقة". نظرت إليّ فرأيت في عينيها شقاء العالم كله :" ما عساي أفعل لأسجن معك؟". علمت عندئذ من والدتي أنه حكم عليّ بالإعدام...

* اتهمت أنطوانيت شاهين في التسعينات من القرن العشرين (1994- 1999) بجريمتين، وحكمت بالإعدام ثم خفف الحكم للمؤبد قبل تبرئتها.

مقتطفات من كتاب ’جرمي البراءة‘ لأنطوانيت شاهين الصادر عن دار النهار عام 2007




شارك هذه الصفحة: