مرافعة فيكتور هيغو ضد عقوبة الإعدام

هايل نصر

فيكتور هيجو الذي أنار القرن التاسع عشر بأفكاره ككاتب وشاعر ورجل فكر وسياسة، ومازالت أعماله الرائعة الخالدة تأخذ مكانة لائقة بها في قرننا الواحد والعشرين. خاض معركة استمرت طيلة حياته ضد عقوبة الإعدام، سطرتها المئات من النصوص والرسائل والمقالات.

فيكتور هيجو ليس محام. والمحاكم، في عصره، كانت مكانا يسمح بالتعبير عن الآراء، ليس آراء ومرافعات المحامين فقط. كما أن المرافعات غير محصورة بدقة في إطار الدعوى. مهنة المحاماة التي عرفت مأسستها في ظل نظام فيليب لا بال
Philippe la Bel ، لم يبدأ تنظيمها الفعلي إلا ابتداء من القرن 17. وكان يمكن، رغم تنظيمها، أن يوكل حق الدفاع فيها إلى احد أقرباء المدعى عليه، أو أحد أصدقائه. وكانت الرسائل التي توجه للملك بشأن قضية قضائية تعتبر مرافعات بحق.

كانت مرافعة فيكتور هيجو في محكمة جنايات السين الفرنسية في جلستها المنعقدة في 11/6/1851 في الدفاع عن ابنه الصحفي شارل، المتهم بسرد وقائع تنفيذ عقوبة إعدام مرعبة في جريدة "الحدث"، مناسبة استغلها للهجوم على عقوبة الإعدام والمطالبة بإلغائها. وقد اعتبرت من ابلغ المرافعات بهذا الصدد في عصرها، ومحل إعجاب في عصرنا.

وعليه، قدرنا ان من المفيد للقارئ العربي، الذي يهمه معرفة آراء المدافعين عن إلغاء عقوبة الإعدام، معرفة رأي رجل من العظماء التي اكتملت فيهم العظمة بكل أبعادها الإنسانية. فالعظمة لا تتأتى من مجرد موقف، أو اتخاذ رأي، أو كتابة مؤلف أو رواية، أو تحرير نص أو مقالة، وإنما في تكريس حياة كاملة للدفاع الشريف ــ بكل ما في الدفاع من مخاطر وما يترتب عليه من نتائج ــ عن قضية عادلة ترسخ عميقا أفكارا ومبادئ هدفها الإنسان أينما كان وكيفما كان. إنسان كل زمان ومكان.

جاء في المرافعة المذكورة، التي تعتمد الصياغة الأدبية لمخاطبة الضمائر والقلوب، للتأثير في المخاطبين، وتعكس صدق أحاسيس ومشاعر صاحبها، وليس فقط تقنيات المرافعات القضائية الصرفة في أيامنا هذه.


" السادة المحلفون، من الكلمات الأولى التي أرسلها المحامي العام، اعتقدت للحظة بأنه سيتخلى عن الاتهام. هذا الاعتقاد كان وهما لم يدم طويلا. بعد بذله جهودا غير مجدية لحصر المرافعات وتقليص أبعادها، انجرت النيابة العامة، نظرا لطبيعة القضية، ورغما عن النائب العام، لإعادة فتح هذه القضية على كل مظاهرها وأبعادها وأعماقها. و هذا أمر لا أشكو منه.

" سأعرض التهمة مباشرة. ولكن قبل ذلك نبدأ بالمقصود من عبارة معينة، فالتعاريف الجيدة تقود إلى المناقشات الجيدة. هذه العبارة واجبة التعريف: "الاحترام الواجب للقانون" التي هي في أساس الاتهام، ماذا تحمل؟. ماذا تعني؟. وما هو جوهرها الحقيقي؟. لا يمكن لهذه العبارة أن تعني ــ واعتقد أن النيابة العامة نفسها سوف لا يذهب بها الأمر إلى مساندة العكس ــ إلغاء النقد تحت ذريعة احترام القوانين. هذه العبارة تعني ببساطة احترام تنفيذ القوانين، ولا شيئا آخر. فهي تسمح بالنقد، تسمح باللوم الشديد، ونرى ذلك يوميا، وحتى فيما يتعلق بالدستور الذي هو أسمى من القوانين. هذه العبارة تسمح بالتوجه للسلطة التشريعية لطلب إلغاء قانون خطير. هذه العبارة تسمح أخيرا بان تتم مجابهة القوانين بعقبة معنوية، ولا تسمح بمجابهتها بعقبة مادية. دعوا قانونا ينفذ حتى ولو كان سيئا، حتى ولو كان ظالما، حتى ولو كان بربريا، افضحوه أمام الرأي العام، أمام المشرع، ولكن نفذوه. قولوا بأنه سيئ، قولوا بأنه ظالم، قولوا بأنه بربري، ولكن لا تحولوا دون تطبيقه. نعم للنقد. لا للتمرد. هذا هو المعنى الحقيقي، المعنى الوحيد لهذه لعبارة: احترام القوانين.

بوجه آخر أيها السادة تأملوا جيدا بهذا. العملية الخطيرة التي هي إصدار القوانين، تتضمن عملين، عمل الصحافة التي تنتقد وتنصح، وتوضح. وعمل المشرع الذي يقرر. أقول في هذه العملية الخطيرة إذا شل العمل الأول، أي النقد، فان العمل الثاني سيشل مثله. وتصبح القوانين محصنة ضد كل نقد، وبالتالي لا يعود هناك سبب لتحسينها، أو تعديلها، ولا لإصلاحها. ولا يبقى من فائدة لبقاء الجمعية الوطنية، مما يستوجب إغلاقها. ولا اعتقد إن أحدا يريده. (ضحك).

بعد هذه الإضاءة يتبدد كل التباس فيما يتعلق بعبارة "الاحترام الواجب تجاه القوانين". وسأدخل ضمن صلب المسألة.

السادة المحلفون، يوجد فيما نسميه المجموعة القانونية الأوربية الهرمة
vieux code européen ، قانون يريد كل الفلاسفة، كل المفكرين، كل رجال الدولة الحقيقيين إلغاءه من التشريع العام. قانون اعتبره بيكارا Beccaria زنديق، وأعلنه فرنكلان متسلط. ومع ذلك لم تجر محاكمة بيكارا ولا فرنكلان. قانون يقع ثقله بشكل خاص على هذا الجزء من الشعب المكبل بالجهل والفقر. قانون ممقوت من الديمقراطية. قانون يرفضه كذلك المثقفون المحافظون. قانون قال الملك لويس فيليب بصدده: "كرهته طيلة حياتي". قانون كتب ضده السيد Broglie والسيد Guizot . قانون طلبت غرفة النواب إلغاءه، في شهر أكتوبر 1830، أي قبل عشرين عاما. وبنفس الحقبة ألغاه برلمان أوتايتي Otahiti من مجموعاته القانونية. ومنذ 3 سنوات ألغته الجمعية الوطنية في فرانكفورت. كما ألغته نهائيا قبل عامين الجمعية التأسيسية لجمهورية رومانيا. قانون لم يحتفظ به دستورنا لعام 1848 إلا بعد تردد محزن، مؤلم وكريه. قانون إلى الآن والى الساعة الحاضرة التي أتحدث فيها، كان موضوع طلبي إلغاء موضوعين على منصة السلطة التشريعية. قانون لم تعد روسيا تريده. لقد حان الوقت لأن تكف فرنسا عن رعايته. أمام هذا القانون يتراجع الضمير الإنساني بقلق يتعاظم يوما بعد يوم. إنه قانون عقوبة الإعدام.

نعم أيها السادة، على أساس هذا القانون أُقيمت الدعوى الحالية. هذا القانون نفسه هو خصمنا. أنا لست غاضبا من السيد المحامي العامي، ولكني ألمح هذا القانون خلفه. (ململة في القاعة).

سأعترف. منذ أكثر من عشرين عاما، كنت أعتقد، أنا الذي يتحدث أمامكم، كنت اعتقد مع ليون فوشيه الذي كتب في مجلة باريس عام 1936 ما سأقرؤه لكم: "منصة الإعدام سوف لا تعود للظهور في ساحاتنا العامة إلا نادرا، وكمشهد يخزي العدالة".

اعتقدت، لفترة، أن المقصلة ــ يجب تسميتها باسمها ــ بدأت محاكمة نفسها بنفسها، لأنها شعرت بأنها مستنكرة. بأنها ستعلن للجمهور في وضح النهار، وفي ساحة جنيف، بأنها كفرت بنفسها، وبأنها لم تعد تقدم عروضا شيقة للمشاهدين. وبأنها ستقوم بمهامها بأكبر قدر من التخفي، في أماكن خالية وبعيدا عن حضور أحد. لقد بدا لي بأنها بدأت في التخفي، فهنأت نفسي من خفرها هذا.

نعم أيها السادة، لقد خُدعت. لقد عادت عن خجلها الزائف. المقصلة تشعر بأنها مؤسسة اجتماعية، كما نتكلم اليوم. ومن يعلم؟ يمكن أن تكون هي أيضا تحلم بإعادة ترميمها (ضحك من الحاضرين).

يمكن إن نذهب قريبا لنرى عودة ظهورها في ساحة جنيف في عز الظهيرة ووسط الجماهير الغفيرة، يواكبها الجلادون ورجال الدرك وشخصيات عامة، تحت نوافذ البلدية.

في الانتظار، تنتصب، معتقدة أن المجتمع المضطرب بحاجة لها لتوطيده، وعليه العودة إلى كل التقاليد القديمة، والمقصلة هي أيضا تقليد قديم. تحتج ضد هؤلاء الديماغوجيين: بيكارا، فيكو، فيلنجيري، مونتسكيو، تيركوو، فرنكلاى. والمسميين لويس فيليب، بروكلي ، كيزوت. الذين تجرؤوا على الاعتقاد والقول بان آلة قطع الرقاب زائدة في مجتمع كتابه الإنجيل.

سوف تغتاظ من هؤلاء الطوباويين الفوضويين، (ضحك) وفي القادم من الأيام،الأكثر مقابرية،الأكثر دموية، تريد أن نعجب بها، و تفرض علينا أن نحترمها، وإلا فستعلن أنها قد أهينت، وتجلس للادعاء بالحق المدني، وتطالب بالتعويض عن العطل والضرر. ( ضحك صاخب لفترة طويلة).

( الرئيس: كل علامات الاستحسان ممنوعة مثل كل علامات الاستهجان. هذا الضحك غير مناسب في مثل هذه المسالة)

ويتابع هيجو: لقد اهرقت دماء، وهذا غير كاف وليست راضية تريد أيضا غرامات وسجن.
السادة المحلفون: اليوم الذي وصلت فيه إلى منزلي هذه الورقة، الممهورة بختم وطابع، يستدعون بموجبها ابني للمثول في الدعوة المعيبة ـ نرى أشياء غريبة جدا هذه الأيام، وعلينا الاعتياد عليها، نعم ـ اعترف لكم بان دهشتي كانت كبيرة وصرخت:

ماذا؟. هل وصلنا إلى هذا الحد؟
ماذا؟. هل وصلنا إلى هنا، إلى هذا الحد من تكرار للاعتداء على الاتجاه السليم، للاعتداء على العقل، على حرية التفكير، على الحقوق الطبيعية؟. وستجري مع ذلك مطالبتنا ليس فقط بالاحترام المادي، وهذا لا نعارض فيه، وهذا واجب علينا، ونقبل به، ولكن الاحترام المعنوي لهذه العقوبات التي تفتح هوة عميقة في الضمائر. لهذه العقوبات التي تغمس أصابعها في الدم الإنساني لتكتب هذا الأمر: "لا تقتل!!". لهذه العقوبات الظالمة التي تقود إلى التشكيك بالإنسانية عند الحكم بها على المجرم. والتي تقود للتشكيك بالإله عند الحكم بها على البريء. لا. لا. لا. لم نصل بعد إلى هذا. لا. ( موجة عارمة وواسعة في القاعدة تعبر عن أحاسيس مضطربة).

وبما إني هنا، علي أن أقول لكم أيها السادة المحلفين، وسوف تفهمون كم هو انفعالي عميق، بأني أنا المجرم في هذه القضية وليس إبني، المجرم هو أنا. المجرم الحقيقي، أكرر، هو أنا الذي منذ 25 عاما أكافح بكل الوسائل ضد العقوبات المتعذر إصلاحها. أنا الذي منذ 25 عاما أدافع، وفي كل المناسبات، عن حصانة حياة الإنسان.

هذه الجريمة، التي هي الدفاع عن حصانة حياة الإنسان، قد ارتكبتها أنا قبل أن يرتكبها إبني. وعليه فأنا أشي بنفسي أيها السيد المحامي العام!! لقد ارتكبتها مع كل الظروف المشددة، عن سابق عمد وتربض، وإصرار وبالاعتياد والتكرار.

نعم. أصرح بذلك، هذه البقية من العقوبات الوحشية، هذا القانون الهرم الغبي، قانون الثأر، قانون الدم بالدم، كافحت ضده طيلة حياتي ــ كل حياتي أيها السادة المحلفون!!ـ وطالما بقي نفس في صدري سوف أقاومه بكل قواي ككاتب، وسوف أبقى أصوت ضده كنائب مشرع.

أصرح بذلك (يمد هيجو يده باتجاه لوحة ترسم السيد المسيح في صدر المحكمة معلقة خلف القضاة قائلا) أمام ضحية عقوبة الإعدام الذي هو هنا، الذي يرانا، أقسم أن القانون الإنساني صلب القانون الإلهي. (تأثر عميق في القاعة).

ما كتبه إبني، كتبه، أكرر ذلك، لأنني أوحيت له به منذ طفولته، لأنه في الوقت الذي هو فيه إبني بالنسب، هو كذلك إبني بالروح، لأنه يريد إكمال تقاليد والده، نعم إكمال تقاليد والده. هذه هي الجريمة، وأحب أن يكون ملاحقا من أجلها.

أيها السادة، أعترف بان التهمة التي نحن هنا بسببها، تذهلني.

كيف لقانون مهلك يقدم للجمهور مشاهد غير أخلاقية، مهينة، متوحشة، تنزع إلى جعل الشعب فظ، نتائجه فظيعة، خطيرة. و سيكون مع ذلك ممنوع الإشارة إليه!!. وإذا جرى ذلك يعتبر عدم احترام!! ويصبح من يفعل ذلك مجرم أمام العدالة!!. ويعاقب بالغرامات والسجن!!. عليكم إذن إغلاق غرفة التشريع!!. أغلقوا المدارس، انعتونا بالمغول، نحن لم نعد أمة متحضرة!!. قولوا لنا أننا في آسيا. أنه كان قديما هناك بلد إسمه فرنسا، وأن هذا البلد لم يعد موجودا، وأنكم استبدلتموه بشيء ليس هو الملكية، ولكنه بالتأكيد ليس الجمهورية.

السادة المحلفون، في أسبانيا التفتيش كان القانون. في فرنسا التعذيب كان القانون. الأيد المقطوعة من المعصم كان القانون. وأنا لا احترام الساطور. الأغلال كانت القانون وأنا لا أحترم الأغلال، نعم، أعترف لكم بعدم الاحترام هذا. وأنا لا أحترم كذلك المقصلة.

هل تعلم لماذا أيها السيد المحامي العام؟ سأقوله لك.لأننا نريد رمي المقصلة في هوة الإعدام حيث سقط فيها، مع التصفيق، أناس من صنف البشر. وكذلك الأغلال والأيدي المقطوعة، التعذيب، والتفتيش!! لأننا نريد أن يختفي من الهيئة المنيرة والمقدسة التي هي العدالة، هذا الوجه المشئوم الكافي لملئها بالأهوال والقتامة. نريد أن يختفي الجلاد.

لأننا نريد هذا نوصف بأننا نعمل على بث الاضطراب في المجتمع والنظام العام!!. نعم هذا صحيح!! نحن أناس خطيرون جدا، نريد زوال المقصلة هذا الوحش القبيح الرهيب!!.

السادة المحلفون، أنتم مواطنون سادة في وطن حر، ودون تغيير لطبيعة هذه المرافعات، يمكن، بل يجب التحدث إليكم كرجال سياسة. نعم!!! تخيلوا ذلك، نحن نعبر فترة ثورات، خذوا النتائج مما سأقوله لكم. لو أن لويس السادس عشر كان قد ألغى عقوبة الإعدام مثلما ألغى التعذيب فإنه كان سيحتفظ برأسه على كتفيه. وكان التاريخ بغنى عن إضافة صفحة دموية أخرى لصفحاته، وكان اليوم المقابري 21 يناير/كانون الثاني سوف لا يرى النور. من يمكنه عندها في ظل الضمير الجماعي، أن يقف في وجه فرنسا، في وجه العالم المتحضر، وأن يتجرأ وينصب منصة الإعدام للملك، الملك الذي يمكن أن يقال فيه أنه الرجل الذي صرع نفسه.

توجه التهمة لمحرر "الحدث" (النشرة التي يحررها إبنه) لعدم احترامه القوانين!! لعدم احترامه عقوبة الإعدام!!. لنعود أيها السادة، قليلا لأكثر من نص منازع فيه، لنعود إلى عمق كل تشريع، وصولا إلى الداخل الإنساني. فعندما كان سرفان محام عام ذكر ما هو جدير بالاستشهاد به: "قوانيننا الجنائية تفتح كل المداخل للاتهام، وتغلقها كلها تقريبا على المتهم". عندما قال فولتير عن القضاة الذين حاكموا كالاس: "لا تتحدثوا لي عن هؤلاء القضاة الذين نصفهم قرود ونصفهم الآخر نمور". عندما قال روايه ـ كولاار في جلسة غرفة النواب: إذا أصدرتم هذا القانون أقسم بأنني سأعصاه" . عندما يتكلم هكذا هؤلاء المشرعين، هؤلاء القضاة، هؤلاء الفلاسفة، هؤلاء المفكرين، هؤلاء الرجال، المشهورين المحترمين. ماذا يكونون قد فعلوا؟. هل أنهم لم يحترموا القانون؟ القانون المحلي والمؤقت؟ هذا ممكن، ولكن المحامي العام يقوله، أنا لا أعلم، ولكن ما أعلمه أنهم كانوا ينادون بالعدالة الأبدية.

يجلبون للقضاء الملحد فولتير والأخلاقي موليير والفاحش لافونتين والديماغوجي جان جاك روسو. هذا ما يرونه، وهذا ما يعلنوه، هذا ما وصلنا إليه. تصوروا أيها السادة المحلفين.

السادة المحلفون حق انتقاد القانون، انتقاده بقسوة، وبشكل خاص وبالدرجة الأولى، القانون الجنائي الذي يمكن بسهولة وصفه بالبربرية، هذا الحق بالنقد الذي يقوم إلى جانب واجب التعديل للأفضل، كالشعلة إلى جانب العمل الواجب فعله، حق الكاتب ليس أقل من حق المشرع، هذا الحق الضروري، هذا الحق غير القابل للتقادم، عليكم أخذه بالاعتبار عند اتخاذ حكمكم. برؤوا المتهمين.

لكن النيابة العامة، وهنا حجتها الثانية، تدعي بأن نقد جريدة "الحدث" ذهب بعيدا، كان عنيفا. نعم أيها السادة المحلفون، الفعل الذي قامت عليه أركان الجريمة المزعومة الموجهة إلى محرر الحدث لوصفه تنفيذ مرعب لحكم بالإعدام. كيف:

رجل محكوم، رجل بائس. اقتيد صباح يوم إلى إحدى ساحاتنا العامة، هناك وجد المشنقة. يثور. يقاتل. يرفض الموت. إنه مازال شابا يافعا عمره 29 عاما ــ.يا الله!!، أعلم جيدا بأنه سيقال لي أنه قاتل!! ــ ولكن إسمعوا!!: جلادان يمسكان به. يداه مقيدتان. يرفل بالأغلال. يدفع الجلادين. يقاوم مقاومة شرسة. يعرقل تقدمه بلف قدميه المقيدتين على سلم المشنقة، يشد جسده إلى المشنقة محتميا بها من المشنقة. تستمر مقاومته، يسري الرعب ليصل جمهور المتفرجين. الجلادون. العرق المتصبب. والخزي في الجباه. الشحوب. الرعب. ثبوط الهمم. منحني تحت الحكم بالهلاك الذي تحدده عقوبة الإعدام. الجلادون يبذلون جهودا وحشية لأنه يجب أن يبقى للقانون قوة، وهذا قول مأثور. يتشبث الرجل بالمشنقة ويصرخ طالبا العفو. ثيابه ممزقة. كتفاه عاريتان مدميتان. يقاوم دون توقف. وأخيرا بعد ثلاثة أرباع الساعة، (إشارة تكذيب من المحامي العام فيما يتعلق بالوقت) أو 35 دقيقة إن أردتم، من هذه الجهود الرهيبة، من هذا المشهد الذي لا عنوان له، من هذه المشنقة، مشنقة كل الناس، سمعتم جيدا؟. مشنقة للجمهور الحاضر هناك مثلما هي مشنقة المحكوم عليه بها. بعد هذا القرن من القلق أيها السادة المحلفين، يعاد البائس إلى السجن. يتنفس الحاضرون، الجمهور المتضرر من الإنسانية القديمة. الشعب متسامح لأنه يشعر بأنه سيد. الشعب الذي يعتقد أن الإنسان مصان. هُزمت المقصلة، ولكنما بقيت منتصبة. بقيت منتصبة دائما وسط سكان مذهولين. وفي المساء تم تعزيز الجلادين لتكبيل الرجل بطريقة يصبح فيها جمادا، ومع سقوط الليل يعاد به إلى الساحة العامة باكيا، صاخبا، مذعورا طالبا الحياة، مناديا الله، مناديا أباه وأمه لأنه أمام الموت عاد الرجل طفلا.

يشد إلى منصة الإعدام ورأسه يسقط ـ وعندها تسري قشعريرة تهز كل الضمائر. كل شخص كان يشعره، يمكن قول ذلك، كل يحس به في أعماقه. ففي فرنسا نفسها وفي وضح النهار تهان الحضارة من قبل الهمجية.

في تلك اللحظة أيها السادة خرجت صرخة من صدر الرجل الشاب الذي أمامكم، صرخة من جراحه، من قلبه، من روحه، صرخة استغاثة وطلب الرحمة، صرخة فزع، صرخة رعب، صرخة إنسانية. هذه الصرخة ستعاقبونها؟!!!. وبحضور الوقائع المرعبة التي وضعتها تحت أبصاركم؟ تقولون فيما يتعلق بالمقصلة: أنت محق. وتقولون بالنسبة للرحمة، الرحمة المقدسة: أنت مخطئ!! هذا مستحيل أيها السادة المحلفون (موجة من الانفعال تعم الحضور في قاعة المحاكمة).

السيد المحامي العام، سأقول لك دون مرارة، أنت لا تدافع عن قضية عادلة، لا يهم، أقمت دعوى و باشرت صراعا معاد لفكر الحضارة، لأخلاق الاعتدال، للتقدم. ضدكم تقف صلابة الحب في قلب الإنسان. ضدكم تقف كل المبادئ التي سارت في ظلها فرنسا منذ 60 عاما وسار العالم معها: حصانة الحياة البشرية. الإخوة مع الطبقات البائسة. ضدكم عقيدة الإصلاح التي حلت محل عقيدة الانتقام، ضدكم كل ما ينير العقل، كل ما يختلج في الأنفس، الفلسفة والدين، من جهة فولتير ومن جهة أخرى المسيح. لا يهم. هذه الخدمة الفظيعة التي تطمح المشنقة تقديمها للمجتمع، خوف ورعب، المجتمع في أعماقه، لا يريدها. لا يهم. أنصار عقوبة الإعدام. لا يهم ـ ترون بأننا لا نخلط بينهم وبين المجتمع ـ أنصار عقوبة الإعدام يبرؤون العقوبة الهرمة عقوبة الثأر!!. لا يغسلون هذه النصوص الشائنة التي تسيل بسببها الدماء من الرؤوس منذ قرون ( صخب في القاعة)، إنتهيت أيها السادة.

إبني، ينالك اليوم شرف كبير، لقد حوكمت بكرامة المكافح، لقد عانيت طبعا، من أجل قضية عادلة. قضية الحقيقة. دخلت اعتبارا من اليوم حياة الرجولة الحقيقية في عصرنا، أي في النضال من أجل العدالة الحقة. كن فخورا، أنت مدافع بسيط عن الفكر الإنساني والديمقراطي. أنت جالس اليوم على هذا المقعد حيث جلس بيرنجيه
Béranger ، وحيث جلس لامانيه Lamennais .

كن صلبا في معتقداتك. ولتكن هنا آخر كلمتي، إذا كنت بحاجة لأفكار تثبتك في إيمانك في التقدم، في اعتقادك بالمستقبل، في عقيدتك في الإنسانية، في كراهيتك لعقوبة للإعدام، في استنكارك للعقوبات غير النهائية وغير القابلة للإصلاح، فكر بأنك تجلس على المقعد الذي جلس عليه ليسرك
Lesurques . (هياج عنيف ومستمر في قاعة المحكمة، علقت الجلسة بسببه).

(حكم على جوزيف ليسرك، الذي أشار إليه هيجو بالإعدام وتم تنفيذ العقوبة به بجريمة قتل في ليون، وفي عام 1798 القي القبض على القاتل الحقيقي، ديبوسك
 Dubosq ، وحكم عليه بالموت عام 1800).
ــــــــــ.
مرجع المرافعات الكبرى والدعاوى الكبرى من القرن 15 إلى القرن 20
Grandes Plaidoiries et Grands Procès du XVe au XXe siècle
PRAT ، 2004 .

نقلا عن الموقع الإلكتروني لمركز حق الحياة لمناهضة عقوبة الإعدام:

www.rtladp.org




شارك هذه الصفحة: