14 أولـويـّة لإلغاء عقوبة الإعدام: مقاربة لاعنفية

موجز من دراسة أعدّها وليد صليبي وأوغاريت يونان، 2009

نحن مدعوّون إلى التفكير في هذه الأولويّات والأسباب الموجبة، من أجل "جَذب" القانون نحو إلغاء عقوبة الإعدام و"تحريره" من منطق العنف.

1- الإعدام فعل قـتـل  

الإعدام يقتل. أيّاً كانت التسميات التي نستبدله بها.

ومسؤوليتنا ألاّ نغلّفه بشعارات من مثل العدالة وحماية المجتمع وردع الجريمة.

صلاحيّة القتل لا ينبغي أن تـُمنح لأحد. لا باسم القانون ولا الدين ولا السياسة ولا الإيديولوجيا، ولا لقاضٍ ولا لوزير ولا لرئيس وزراء ولا لرئيس جمهورية ولا لمسؤول دينيّ ولا حتّى لله الذي لا يريدها أصلاً...

2- نصوص عالميّة لحقوق الإنسان تساند الحياة   

المادة الثالثة من "الإعلان العالمي لحقوق الإنسان" (1948): "لكل فرد الحقّ في الحياة والحريّة وفي الأمان على شخصه".

والمادة الخامسة منه: "لا يجوز إخضاع أحد للتعذيب ولا للمعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانيّة أو الحاطّة بالكرامة".

الإعلان العالمي باتَ جزءاً لا يتجزأ من مقدمة الدستور اللبناني الجديد ، وبالتالي ملزم للبنان. 

والمادة السادسة من "العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية" (1966)، أكـّدت على أهمية صون الحق في الحياة...

والمعاهدة الاختيارية حول عقوبة الإعدام - الأمم المتحدة 1991، تنصّ في:

المادة الأولى: " في تشريعات جميع البلدان الموقـّعة على هذه المعاهدة الاختيارية لا يُعدم أي شخص."

المادة الثانية: "على كل بلد وقـّع على هذه المعاهدة أن يتخذ كل الاجراءات الضرورية لإلغاء عقوبة الإعدام في تشريعاته."

أما آخر الإنجازات على مستوى قرارات الأمم المتحدة حول التخلـّي عن عقوبة الإعدام، فكان القرار رقم 62/149 عام 2007 الذي دعا الدول التي تستمرّ بالاحتفاظ بهذه العقوبة، أن تفرض وقف تنفيذ الإعدامات، تمهيداً للإلغاء الكامل لاحقاً.

3- أولويّة معالجة أسباب الجريمة    

آن الأوان لمعالجة أسباب الجريمة الأولى، بدلاً من ارتكاب فعل قتل ثانٍ. فالهدف ليس إلغاء المجرم أو إلغاء العقاب، إنّما التوصّل إلى إلغاء الجريمة، من خلال تحديدٍ علميّ لها ولأسبابها وعبر توزيع عادلٍ للمسؤوليّات.

وإذا كان القاتل مسؤولاً عن ارتكابه فعل القتل، إلاّ أن المجتمع مسؤول بدوره عن الأسباب التي تدفع إلى الجريمة. أبرز الدراسات العالمية برهنت أن السبب الأول للجريمة هو الفقر؛ ثمّ مناخات الحروب، العنصرية والتحريض الطائفي، الانتهاكات الطفولية، الإعلام، القيم السائدة المفتخرة بالعنف...   

مسؤوليّة القاتل إذاً، نسبيّة، ولا يجوز بالتالي أن تُطبّق عليه عقوبة مطلقة.

4- نظريّة الإجرام "بالفطرة" نظريّة خاطئة    

في حال صحّت النظريّة التي تقول بأن العنف هو في طبيعة الإنسان، وأن هناك أشخاصاً يولدون مجرمين، فهذا يُفترض أن يدلّنا على أنّ مثل هذا الإنسان لا يكون مسؤولاً عن عنفه، وبالتالي لا يجوز إعدامه.

وفي الأساس، نظريّة "الفطرة" هذه هي نظريّة خاطئة. لا بل أكثر من ذلك، هناك أنظمة سياسيّة تستفيد من مقولات كهذه لتبرّر العنف والحروب، فتلقي بالمسؤوليّة على "طبيعة" الأفراد وتنزعها عن سياسات الدول.

والفرضيّات هذه متعدّدة: أصل الإنسان حيوان، والحيوان عنيف / الإنسان يحمل في ذاته غريزة الموت / هناك كروموزرمات خاصّة بالجريمة / الدماغ البشري يحمل العنف في طيّاته...

أما الأبحاث العلميّة الإنسانيّة الموثوقة، فأظهرت عكس ذلك، وأن ما من شرير "طبيعي" أو "بيولوجي"...

5- تحمّل الدولة مسؤوليتها تجاه الضحيّة والقاتل والمجتمع    

عقوبة الإعدام ما هي سوى إجراء كسول وتنصّل ثلاثي من المسؤوليّة من قِبل الدولة:

1-        تنصّل من معالجة أسباب الجريمة والحدّ منها،

2         تنصّل من تأهيل القاتل وحماية حقوق ذويه وتحسين أوضاع السجون،

3-        تنصّل من الاهتمام بحقوق ذوي ضحيّة الجريمة الأولى.

من هذا المنطلق، نرى أنّه على السلطات المعنيّة تحمّل المسؤوليّة لدى حصول الجريمة، تجاه الأطراف الثلاثة التي تطولها الجريمة أي: ضحية الجريمة، القاتل أو مرتكب الجرم، والمجتمع. 

 

6- تطبيق عقوبة الإعدام لا يردع الجريمة  

النظريّة الردعيّة لعقوبة الإعدام هي نظريّة حديثة، تعود إلى حوالى 200 سنة فقط، بينما فعل الإعدام موجود منذ البدايات. ونظريّة الرّدع أتت لتبرّر الإعدام كعقوبة، وتضفي عليها صفة العقلانيّة والشرعيّة، معتبرةً أنّه: كلّما ارتفعت درجة العقوبات وبشكل خاصّ كلّما زادت نسبة تطبيق عقوبة الإعدام، انخفضت معها نسبة الجرائم.

في حين اتّضح من خلال أشمل دراسات طالت 110 بلدان وعلى مدى عشر سنوات، أن لا علاقة بين تطبيق الإعدام وردع الجريمة؛ لا بل أن الجريمة تزداد كلما طبّقت السلطة الحاكمة أفعال عنف أبرزها الإعدام.       

7- عقوبة الإعدام لا تخفف من الجرائم بعد الحرب  

نحن في بلد عاش وما زال يعيش حالات حرب.

والدراسة الأشمل والأهم التي أجريت في هذا المجال، على 50 دولة شاركت في حروب و20 لم تشارك في حروب، وامتدّت على 12 سنة، أثبتت أن البلدان التي شاركت في حروب ازداد فيها عدد الجرائم بعد الحرب، فيما لم تُسجّل في البلدان التي لم تشارك في الحرب أيّة زيادة في نسبة الجرائم.

والسبب الأبرز لازدياد الجريمة بعد الحرب، هو تشريع السلطات للعنف أثناء الحرب، وتقليد الأفراد لسلوك هذه السلطات. فالحروب تُنتج "ورثة" من العنف عبر التعلّم أو التقليد الاجتماعي.

8- عقوبة الإعدام لا تؤثّر في عادات الثأر   

يهدف تطبيق الإعدام، بحسب البعض، إلى الحدّ من توسّع أعمال الثأر. حجّة تثير الاستغراب والتناقض! فكأنّنا نقول: تعالوا نقتل شخصاً الآن بسبب جرائم قد يرتكبها أشخاص آخرون فيما بعد!

هل نستسلم لمنطق الـ vendetta فنتساوى مع العشائر والقبائل في بعدها السلبيّ، ونبقى دونها في بعدها الإيجابي! فالعشيرة تسامح مرتكب الجرم في حال حضر ذووه نادمين إلى رئيس القبيلة أو العشيرة، فيما رؤساء الدول ذوي الصلاحيّة  والحقّ في منح العفو قد يعفون وقد لا يعفون...

وهل نحدّ من ثأر الأفراد بتشريع الثأر على يد الدولة!

9- عقوبة الإعدام مسيّسة واستنسابية  

بتطبيق عقوبة الإعدام، تكاد الدولة تصبح موازية للمجرم بارتكابها جريمة دولة (Meurtre d’Etat ). في حين أنّه من الضروري ألاّ يُمسي تاريخ العدالة أبشع من تاريخ الجريمة.

يُبرز واقع تطبيق الإعدام في معظم الدول، إن لم يكن كلها، أنّه تطبيق استنسابي ومسيّس. ويطول بشكل رئيسي الفقراء والأخصام السياسيين (نسبةً إلى عهد معيّن). في دراسة أجريت في لبنان عن تاريخ الإعدام منذ الاستقلال، تبيّن بشكلٍ فاضح أن الاستنسابيّة والطبقيّة وحتّى التسييس الطائفي شكّلت القاعدة الأساس، حيث النسبة الكبرى كانت من الفقراء أوّلاً ومن المحكومين لأسباب سياسيّة ثانياً...

10- إخراج القتل من القانون   

المطلوب: إخراج القتل من دائرة القانون، لأن القانون لا يجوز أن يقتل. 

نحن مسؤولون عن جذب القانون نحو ثقافة اللاعنف وأنسنة العقوبة. ففيما القانون يجب أن يحمي من العنف ويدينه، أمسى رمزاً وسنداً للعنف في شكله الأقصى، الإعدام، عن سابق تصميم وتحضير وتنفيذ علنيّ... إنها لعبثية مطلقة.

11- عدم إمكانيّة تصحيح الخطأ القضائي  

أثبت سيرة المحاكمات في العالم أجمع عدم عصمة القضاء عن إمكانيّة الخطأ، خاصة وأن ليس هناك إمكانيّة من تصحيح الخطأ مع عقوبة الإعدام.

والأمثلة عديدة في لبنان والعالم، عن أخطاء حصلت راح ضحيّتها أبرياء، أثقلت ضمائرهم حكّام وقضاة طيلة حياتهم؛ وصيحات بعض هؤلاء القضاة هزّت مجتمعات وحرّكت آليات قانونية لتعديل النصوص وأحكام التنفيذ.

12- في الديانة الإسلاميّة والمسيحيّة  

أكـّد الإسلام على احترام الحياة الإنسانيّة، ومكافأة حياة النفس الواحدة بالناس جميعاً، وبالحياة ذاتها. كذلك أعلى مبدأ الغفران والتوبة والتسامح، على مبدأ الاقتصاص بالقتل والانتقام. وهذا ما نصّت عليه أكثر من آية كريمة؛ حيث الأساس هو الإنسان والحق بالحياة والعدل، وحيث العفو عن الجاني إذا تاب وتكفير ذنوب من يتنازل عن الثأر والانتقام، وحيث في حال القصاص، الحدّ والحصر، مع تفضيل الغفران. ومع أن الدول الإسلامية طبّـقت الإعدام وما زالت تحتفظ به قانوناً أو شرعاً، إلاّ أن الأمثلة الدينية عديدة حيث الحاكم فضـّل العفو والتسامح على الاقتصاص بالقتل...

أمّا المسيحيّة فاعتمدت مع الوصايا العشر ومن دون أي التباس: "لا تقتل". الفكر اللاهوتي المسيحي ضدّ عقوبة الإعدام في الجوهر، من منطلق أنّ الله هو مُعطي الحياة ولم يفوّض البشر استردادها. والمثل الأكبر في ذلك، سيرة يسوع ومواقفه بالذات (مثل رفضه إعدام أو رجم المرأة الخاطئة). ومع العلم بأن الكنيسة لم تُقصِ لجوء الدولة إلى الإعدام في حالات استثنائية، إلا أنها تنادي بعدم اللجوء إليه، كما أنها اعتذرت عن الإعدامات التي سمحت بها في الماضي، وغالبية الدول ذات الحضارة المسيحية ألغت الإعدام...

13- روّاد الإلغاء وازدياد حملاتهم المدنية   

لم يُلغَ الإعدام في بلد إلا وكان روّاد من المجتمع المدني ومفكريه هم المحرّكون المؤثرون بهذا الاتجاه. ولم يُلغَ الإعدام في بلد إلاّ بتبنّي مسؤول سياسي هذه القضيّة والمجاهرة بموقفه علناً دفعاً لتعديل القانون والتحرّر من عقوبة الموت.

وهذا ما حصل في لبنان منذ 1997 مع انطلاقة مسيرة الإلغاء على يد روّاد؛ وهو ما يحصل منذ فترة قريبة في جزء من المنطقة العربيّة، حيث حملات مدنيّة وتحالفات مناهضة للإعدام في ازدياد، وحيث أكثر من مسؤول سياسي يعلن بجرأة    رفضه الإعدام. 

14- ازدياد الدول التي ألغت الإعدام أو جمـّدت تنفيذه  

أكثر من ثلثي دول العالم، 139 دولة، ألغت هذه العقوبة من النصوص و/أو من التطبيق، و58 دولة لا تزال تحتفظ بها وتطبقها ولو بتفاوت. 94 ألغتها كلياً ولكل الجرائم، 10 ألغتها لكل الجرائم ما عدا جرائم الحروب، و35 ألغتها في الواقع بعدم تنفيذ أي إعدام منذ عشر سنوات وأكثر. من جهة أخرى، 126 دولة صوّتت في الأمم المتحدة عام 2008 مع قرار وقف استخدام أو تنفيذ الإعدامات، بينها الجزائر، البلد العربي الوحيد الذي صوّت مع هذا القرار.

الدول العربيّة تحتفظ كلّها بعقوبة الإعدام، مع بعض الأمل من قبل دول توقّفت عن تطبيقها منذ سنوات، في الواقع وليس بقرار قانوني رسمي. لبنان شكـّل موقفاً عربياً ريادياً حين انطلقت فيه ومنه أول حملة مدنية عربية لمناهضة الإعدام. والجزائر يسرّع الخطى رسمياً باتجاه الإلغاء...




شارك هذه الصفحة: