إلغاء عقوبة الإعدام من منظور إسلامي*

سامي براهم**

عقوبة الإعدام هي إحالة وجود موجود إلى العدم أي إبطال وجوده بإزهاق روحه عن طريق وسائل مختلفة باختلاف القوانين والأعراف. وهي العقوبة القصوى في حقّ الجاني الذي يرتكب جرما يستوجب هذه العقوبة وفق القانون المتّبع في دولة من الدّول وهي عبارة عن استئصال الجاني من المجتمع على نحو قطعيّ ونهائيّ. والجدل حول إلغاء هذه العقوبة قديم وتتزايد الدّعوة اليوم إلى إلغاء هذه العقوبة بعد أن أصبحت لها مرجعيّة أخلاقيّة قانونيّة دوليّة . ولعرض التصوّر الإسلاميّ لهذه العقوبة نرى منذ البداية ضرورة الانطلاق من ثلاثة ضوابط منهجيّة :

1. ضابط اصطلاحيّ مفهوميّ

التّمييز بين حكم الإعدام والأحكام المفترض أنّها موجبة لعقوبة القتل في التصوّر الإسلاميّ، إذ تندرج عقوبة الإعدام ضمن عقوبات الحقّ العام التي تنوب فيها الدّولة عن المجموعة الوطنيّة والضّحايا والمتضرّرين في القيام بالحقّ من مرحلة الدّعوى العموميّة إلى التّنفيذ بينما الأمر في التصوّر التّشريعي الإسلاميّ ينقسم إلى جريمة قصاص في القتل العمد وهي جريمة حقّ شخصيّ لا تنوب فيها أيّ مؤسّسة عن أصحاب الحقّ المسمّين أولياء الدّم ولهم وحدهم حقّ إيقاع العقوبة وحقّ إسقاطها بمقتضي العفو أو الديّة وهي على سبيل العوض أو التّرضية كما نجد جريمة الحرابة التي تندرج ضمن الحدود وهي أقرب إلى مفهوم جريمة الحقّ العام التي تنوب فيها الدّولة عن المجموعة غير أنّ الاصطلاح صنّفها ضمن حدود الله أو حقوق الله ولا فرق كما نتصوّر بين حقّ الله وحقّ المجموعة إذ حقّ الله على النّاس في أن لا تنتهك حقوق عياله والنّاس عيال الله كما ورد في الحديث .

2. ضابط مرجعيّ نصّيّ

بمقتضى القاعدتين الأصوليّتين اللتين يشترك فيها القانون الإسلامي والقانون الحديث "لا عقوبة إلاّ بنصّ" و"الاحتمال يسقط الاستدلال أو يضعفه" وبمقتضى أنّ "الشكّ يفسّر لصالح المتّهم" وهو ما قرّره الحديث النّبوي "ادرؤوا الحدود بالشّبهات" فإنّ أقصى عقوبة تقتضي ضرورة أقصى النّصوص قطعيّة من حيث ثبوت ورودها ودلالتها، لذلك سنعتبر القرآن أوثق نصّ يمكن أن يتّخذ مرجعا لإقرار العقوبة القصوى وفي درجة ثانية متواتر السنّة النبويّة ولم يرد في جميع هذه المدوّنة النصيّة سوى حكمين يستفاد منهما إمكان عقوبة القتل على جريمتين مضبوطتين هما القتل العمد والحرابة ثمّ سنحاول أن نستطلع آراء العلماء في ما دونهما- أي القرآن و متواتر السنّة - حجيّة مثل أحاديث الآحاد والسنّة الفعليّة في الدّلالة على مثل هذه العقوبة .

وارتأينا أن نستأنس بآراء أحد المفسّرين "أحمد فخر الدّين الرّازي" من خلال تفسيره مفاتيح الغيب الذي وظّف فيه ثقافته الأصوليّة والفقهيّة واللغويّة. ويعود هذا الاختيار إلى أنّ الرّازي ت 606 هـ هو من المتأخّرين الذين انتهت إليهم رئاسة المذهب السنّيّ الأشعريّ فجمع في تفسيره آراء سابقيه بأمانة مع نقدها وتمحيصها وذلك سيوفّر علينا مجهود العودة إلى الكتب السّابقة .

3. ضابط مقصديّ

ليس القصد من وراء هذا القسم من البحث الانخراط في جدل فقهيّ أصوليّ بالمعنى الأكاديميّ للكلمة بل القصد الأساسيّ هو إثارة جملة من المعطيات المعرفيّة لالتماس الجواب عن سؤال أساسيّ وجوهري :

- هل الحجّة الدّينيّة الثّقافيّة التي تتذرّع بها عديد الدّول العربيّة والإسلاميّة من جملة ما تتذرّع به من الحجج لتأييد عقوبة القتل حجّة متماسكة؟

- هل القتل في العقوبات المنصوص عليها إرادة إلهية مطلقة وحكم دينيّ اعتقادي لا يمكن المساس به؟

ولن ننزع في هذا القسم إلى التّأويل الذّاتي بقدر ما سننطلق من الآيات المعتمدة لإثبات عقوبة القتل لعرض تمثّل القدامى لها من خلال النّموذج الذي اخترناه ثمّ سنسمح لأنفسنا ولقارئينا بالاستنتاج .

وأوّل آيات سنعتمدها هي تلك التي وثّقت لأوّل جريمة في تاريخ البشريّة حسب التصوّر الدّيني خاصّة وأنّها شفعت بما اصطلح على تسميته بآية الحرابة :

1ـ المائـــدة :27/28/29/30/31/ 45 وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آَدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآَخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (27) لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (28) إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (29) فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (30) فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ (31)

ويتّضح من خلال هذه الآيات التي يمكن أن تفهم في بعدها القصصيّ الرّمزيّ أنّ سياق هذه الجريمة كان تراجيديّا لأنّ الضحيّة هابيل بقي إلى آخر لحظة مستسلما لقدره دون أن ينزع إلى المعاملة بالمثل حتّى للدّفاع عن النّفس بل فوّض الأمر إلى العدالة الأخرويّة بل عدّ هابيل القتيل أنّ ما يحول بينه وبين مبادلة أخيه قابيل القاتل بالقتل هو مخافة الله رغم أنّ ردّ العدوان مشروع وإن كان المعتدي أخا شقيقا … وهو سلوك مثاليّ ربّما، ولكنّ تثمينه في سياق الخطاب القرآنيّ يكشف عن قيمة عليا هي الانتصار لمبدأ الحياة وإن كان الثّمن هو التّضحية بالنّفس أي أن تكون مقتولا أفضل لك من أن تكون قاتلا ويزداد البعد التّراجيديّ من خلال الإحساس الفظيع بالخسران والنّدم لدى قابيل قاتل أخيه خاصّة عندما علّمه الغراب كيفيّة الدّفن ليدفن سوأة أخيه وسوأة فعله في نفس الوقت. إذن تضمّنت الآيات إحساسا مرّا بالخسارة والنّدم والتّوبة دون التعرّض لعقوبة أو جزاء دنيويّ .

ثمّ تشفع القصّة مباشرة بخطاب لبني إسرائيل فيها تحذير من القتل وانتصار لقيمة الحياة :

مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (32)

فقتل النّفس الواحدة ظلما وعدوانا وفسادا كقتل النّاس جميعا لأنّه اعتداء على قيمة الحياة وإحياؤها كإحياء للنّاس جميعا لأنّه انتصار لقيمة الحياة ومن وسائل الإحياء العفو على القاتل وسيذكره في آيات أخرى .

ولتفصيل الاستثناء الوارد من خلال الحال "بغير نفس أو فساد في الأرض "يورد الآيتين33/ 34

إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (33) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (34)

ويعدّهما الفقهاء مرجعا لإقرار حكم ما اصطلحوا عليه بجريمة الحرابة ولكنّ الآيتين لا تنصّان صراحة على ما يعدّ محاربة لله والرّسول أو إفسادا في الأرض فهي آية مجملة لا تفصيل فيها لذلك لجأ الرّازي ومن قبله المفسّرون والفقهاء إلى أسباب النّزول لاستجلاء دلالتها :

أسباب نزول آية الحرابة

الوجه الأول: نزلت في قوم من عرينة نزلوا المدينة مظهرين للإسلام، فمرضت أبدانهم واصفرت ألوانهم، فبعثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى إبل الصّدقة ليشربوا من أبوالها وألبانها فيصحّوا، فلما وصلوا إلى ذلك الموضع وشربوا وصحّوا قتلوا الرّعاة وساقوا الإبل وارتدّوا، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم في أثرهم وأمر بهم فقطعت أيديهم وأرجلهم وسُملت أعينهم وتركوا هناك حتى ماتوا، فنزلت هذه الآية نسخاً لما فعله الرّسول، فصارت تلك السنة منسوخة بهذا القرآن .

الوجه الثّاني: نزلت في قوم أبي برزة الأسلمي، وكان قد عاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمرّ قوم من كنانة يريدون الإسلام وأبو برزة غائب، فقتلوهم وأخذوا أموالهم .

الوجه الثّالث: نزلت في هؤلاء الذين حكى الله تعالى عنهم من بني إسرائيل أنهم بعد أن غلّظ الله عليهم عقاب القتل العمد العدوان، فهم مسرفون في القتل مفسدون في الأرض، فمن أتى منهم بالقتل والفساد في الأرض فجزاؤهم كذا وكذا " وهو المعنى الذي يقتضيه السّياق الدّلالي للآية.

الوجه الرّابع: نزلت في قطّاع الطّريق من المسلمين الذين يترصّدون النّاس في الطّرقات لسلبهم أموالهم بالقوّة التي قد ينجرّ عنها القتل وهذا قول أكثر الفقهاء.

أمّا تعداد العقوبات بأداة التّخيير "أو" فقد نقل الرّازي قول من عدّوها على التّرتيب حسب خطورة الجرائم المرتكبة ولكنّه رجّح أنها على التّخيير وهو قول ابن عباس في رواية علي بن أبي طلحة وقول الحسن وسعيد بن المسيّب ومجاهد، "والمعنى أنّ الإمام إن شاء قتل وإن شاء صلب، وإن شاء قطع الأيدي والأرجل، وإن شاء نفى، أيّ واحد من هذه الأقسام شاء فعل" وهو غير متروك لأهواء الإمام وشهوته ولكن لمصالح مقدّرة ستفصّل فيها الآيات اللاّحقة .

وأمّا النّفي فقد رجّح الفقهاء أنّه الحبس وأورد الرّازي رأي أبي حنيفة الذي يوافق رأي الجمهور في ذلك. قال أبو حنيفة رحمه الله: النّفي من الأرض هو الحبس، وهو اختيار أكثر أهل اللغة، قالوا: ويدلّ عليه أنّ قوله أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأرض إما أن يكون المراد النفي من جميع الأرض، وذلك غير ممكن مع بقاء الحياة، وإما أن يكون إخراجه من تلك البلدة إلى بلدة أخرى، وهو أيضاً غير جائز؛ لأنّ الغرض من هذا النفي دفع شره عن المسلمين، فلو أخرجناه إلى بلد آخر لاستضرّ به من كان هناك من المسلمين، وإما أن يكون المراد إخراجه إلى دار الكفر وهو أيضاً غير جائز، لأنّ إخراج المسلم إلى دار الكفر تعريض له بالردة وهو غير جائز، ولما بطل الكلّ لم يبق إلاّ أن يكون المراد من النفي نفيه عن جميع الأرض إلاّ مكان الحبس. قالوا: والمحبوس قد يسمّى منفياً من الأرض لأنه لا ينتفع بشيء من طيبات الدنيا ولذاتها، ولا يرى أحداً من أحبابه، فصار منفياً عن جميع اللذات والشهوات والطيبات فكان كالمنفي في الحقيقة. ولما حبسوا صالح بن عبد القدوس على تهمة الزندقة في حبس ضيق وطال لبثه هناك ذكر شعراً، منه قوله : خرجنا عن الدنيا وعن وصل أهلها … فلسنا من الأحياء ولسنا من الموتـى إذا جاءنا السجان يوماً لحاجـــة … عجبنا وقلنا جاء هذا من الدنيــا

وفي الفصل الأخير من الآية يقرّر الخطاب ـ الموجّه لبني إسرائيل لو سلّمنا بالوجه الثّاّلث من أسباب النّزول أو الموجّه للمخاطبين زمن التّنزيل إن سلّمنا بالوجه الرّابع ـ أنّ توبة المحاربين التي تسبق التمكّن منهم مسقطة للحد ّ عليهم . وضبط هذا الكلام حسب الرّازي "أنّ ما يتعلق من تلك الأحكام بحقوق الله تعالى فإنه يسقط بعد هذه التوبة، وما يتعلق منها بحقوق الآدميين فإنه لا يسقط، فهؤلاء المحاربون إن قتلوا إنساناً ثم تابوا قبل القدرة عليهم كان وليّ الدّم على حقّه في القصاص والعفو، إلا أنه يزول حتم القتل بسبب هذه التوبة، وإن أخذ مالاً وجب عليه ردّه ولم يكن عليه قطع اليد أو الرّجل "

الآية 45- وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (45)

تأتي هذه الآية بعد الإحالة على سؤال اليهود عن حكم زنا المحصن المنصوص عليه في التّوراة وفق القصّة المذكورة في كتب السّير والتّفاسير في سياق الآية :

وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (43) إنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (44)

وأجمع المفسرون - حسب الرّازي – "على أنّ هذا الوعيد يتناول اليهود بسبب مخالفتهم حكم الله تعالى في واقعة الرجم"، وتطرح هذه الآيات إشكاليّة خلافيّة بين الأصوليين والفقهاء وتتعلّق بما اصطلحوا على تسميته بـ "شرع من قبلنا" إن كان ملزما للاّحقين ما لم يقم الدّليل على نسخه أم أنّ الإسلام ناسخ لما قبله ضرورة وقد نبّه الرّازي على ذلك قائلا "واعلم أنّ هذه الآية دالة على أن هذا كان شرعاً في التوراة فمن قال: شرع من قبلنا يلزمنا إلا ما نسخ بالتفصيل قال: هذه الآية حجة في شرعنا، ومن أنكر ذلك قال: إنها ليست بحجة علينا "

ويورد الرّازي معنى الآية كما فهمه "أنه تعالى بيّن في التوراة أن حكم الزّاني المحصن هو الرجم، واليهود غيّروه وبدّلوه، وبيّن في هذه الآية أيضاً أنه تعالى بيّن في التوراة أنّ النّفس بالنّفس، وهؤلاء اليهود غيّروا هذا الحكم أيضاً، ففضلوا بني النضير على بني قريظة، وخصصوا إيجاب القود ببني قريظة دون بني النضير "

وفي تفسيره لمعنى الكفّارة في العفو عن القاتل في الآية " فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ" يعتبر أنّ "الضمير في قوله" لَهُ "يحتمل أن يكون عائداً إلى العافي أو إلى المَعْفُوِّ عنه ، أما الأوّل فالتقدير أنّ … وليّ المقتول إذا عفا كان ذلك كفارة له أي للعافي " ويعتبر أنّ هذه القيمة مصداق لما ورد في الآية 237 من سورة البقرة الموسومة بآية القصاص "وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ للتقوى ولقول الرّسول « أيعجز أحدكم أن يكون كأبي ضمضم كان إذا خرج من بيته تصدق بعرضه على الناس» ولما رواه عنه عبادة بن الصامت من قوله "من تصدق من جسده بشيء كفر الله تعالى عنه بقدره من ذنوبه" وفي ذلك إحالة على التصدّق بالدّم أي عفو وليّ الدّم على القاتل وهذا قول أكثر المفسرين حسب الرّازي. ويورد تأويلا ثانيا لقوله " فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ" يعود فيه الضّمير "له" على القاتل ممّا يعني حسب قول الرّازي "أن المجنىّ عليه إذا عفا عن الجاني صار ذلك العفو كفارة للجاني … لا يؤاخذه الله تعالى بعد ذلك العفو، وأما المجنيّ عليه الذي عفا فأجره على الله تعالى "

وتؤكّد هذه المضامين في الحدّ الدّلالي الأدنى أنّ العفو أفضل عند الله ورسوله من القصاص لذلك حثّا عليه ورغّبا فيه وقد ورد في الحديث النّبوي "ما زاد الله بعفو إلاّ عزّا" كما قال أنس بن مالك في ما رواه عنه أبو داود " ما رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عندما يُرْفَعُ إليه شيء في القصاص إلاّ أمر بالعفو "

أمّا في الدّلالة العميقة فيستشفّ منها أنّ معاقبة القاتل العامد بالقتل ليست عقوبة آليّة مساوية معادلة لفعل القتل وإلاّ لما جاز العدول عنها إلى العفو والتّرغيب فيه واعتباره من قبيل الطّاعات والقُرُبات إلى الله والكفّارات والتّقوى بينما وقع التشدّد في عقوبات أخرى حيث رفض الرّسول الشّفاعة في ما اعتُبر حدّا من حدود الله وأعلن قولته الشّهيرة "والله لو سرقت فاطمة ابنة محمّد لقطعت يدها" مع أنّ الآية تفتح الباب لتوبة السّارق "فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ المائدة (39)".

2ـ البقـــرة 178/179

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (178) وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (179)

في حيثيّات نزول الآية يذكر الرّازي أنّ العرب "تارة كانوا يوجبون القتل، وأخرى يوجبون الديّة لكنّهم كانوا يظهرون التعدّي في كلّ واحد من هذين الحكمين، أمّا في القتل فلأنه إذا وقع القتل بين قبيلتين إحداهما أشرف من الأخرى، فالأشراف كانوا يقولون: لنقتلن بالعبد منّا الحرّ منهم، وبالمرأة منّا الرجل منهم، وبالرّجل منّا الرّجلين منهم، وكانوا يجعلون جراحاتهم ضعف جراحات خصومهم، وربما زادوا على ذلك على ما يُروى أنّ واحداً قتل إنساناً من الأشراف، فاجتمع أقارب القاتل عند والد المقتول، وقالوا: ماذا تريد؟ فقال إحدى ثلاث قالوا: وما هي؟ قال: إما تحيون ولدي، أو تملؤون داري من نجوم السماء، أو تدفعوا إليّ جملة قومكم حتى أقتلهم ثم لا أرى أني أخذت عوضاً .

وأما الظلم في أمر الدية فهو أنهم ربما جعلوا دية الشريف أضعاف دية الرّجل الخسيس، فلما بعث الله تعالى محمداً صلى الله عليه وسلم أوجب رعاية العدل وسوّى بين عباده في حكم القصاص وأنزل هذه الآية "

وفي تفسيره للقصاص أورد الرّازي أنّه "أن يفعل بالإنسان مثل ما فعل، من قولك: اقتصّ فلان أثر فلان إذا فعل مثل فعله، قال تعالى فارتدّا على آثَارِهِمَا قَصَصًا (الكهف: 64) وقال تعالى : وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصّيهِ (القصص: 11) أي اتبعي أثره، وسميت القصّة قصة لأنّ بالحكاية تساوي المحكيّ، وسمي القصص لأنه يذكر مثل أخبار النّاس، ويسمى المقص مقصاً لتعادل جانبيه" .

ويستنتج الرّازي من ذلك استنتاجا طريفا نورده بنصّه

"إذا بينّا أنّ القصاص عبارة عن التّسوية فكان مفهوم الآية إيجاب التّسوية وعلى هذا التقدير لا تكون الآية دالة على إيجاب القتل ألبتّة، بل أقصى ما في الباب أن الآية تدل على وجوب رعاية التّسوية في القتل الذي يكون مشروعاً وعلى هذا التقدير تسقط دلالة الآية على كون القتل مشرعاً بسبب القتل "

فعقوبة القتل الواردة إذن في سياق ما يسمّى بآية القصاص ليس المقصود منها تحديد عقوبة القاتل العامد بل إبطال عادة الثّأر التي يتمّ بمقتضاها قتل الكثيرين بالواحد وهذا معني الحياة في القصاص كما يبدو لنا . ويحيل الرّازي على أنّ الآية أثبت الأخوة بين القاتل وبين وليّ الدم وإن رجّح أنّ هذه الأخوّة بسبب الدّين فإنّ الآية عامّة في دلالتها على الأخوّة الآدميّة لذلك ندب العفو عن القاتل دون تحديد جنسه أو لونه أو دينه، " والندب إلى العفو إنما يليق بالمؤمن " حسب تعبير الرّازي .

وفي تفصيله لمعني الحياة في القصاص في الآية 179 " وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ" يستعرض مختلف التّأويلات على ذلك إذ ليس المراد من هذه الآية حسب الرّازي أن نفس القصاص حياة لأن القصاص إزالة للحياة وإزالة الشيء يمتنع أن تكون نفس ذلك الشيء، بل المراد أنّ شرع القصاص يفضي إلى الحياة :

- في حقّ من يريد أن يكون قاتلاً لأنه إذا علم أنه لو قتََل قُتِل ترك القتل فلا يقتل فيبقى حياً؛

- في حقّ من يراد جعله مقتولاً لأنّ من أراد قتله إذا خاف من القصاص ترك قتله فيبقى غير مقتول؛

- في حق غيرهما لأن في شرع القصاص بقاء من همّ بالقتل، أو من يهمّ به وفي بقائهما بقاء من يتعصب لهما، لأنّ الفتنة تعظم بسبب القتل فتؤدّي إلى المحاربة التي تنتهي إلى قتل عالم من الناس وفي تصوّر كون القصاص مشروعاً زوال كل ذلك وفي زواله حياة الكل .

وهي نفس الحجج التي يوردها أنصار الإبقاء على عقوبة الإعدام اليوم في كلّ الدّول المحافظة عليها .

ولكنّ الرّازي يرجّح في النّهاية أنّ المراد من القصاص إيجاب التّسوية فيكون المراد أنّ في إيجاب التسوية حياة لغير القاتل، لأنّه لا يقتل غير القاتل بخلاف ما يفعله أهل الجاهلية وهو القول الذي ينسبه إلى السدّي ويستنتج الرّازي أنّ "لفظ القصاص قد دلّ على إبطال التّكايل بالدّماء وعلى إبطال قتل واحد من قبيلة القاتل إذا لم يظفروا بالقاتل" فعقوبة القصاص إذن القصد منها إبطال الثّأر بالدّرجة الأولى ولو كان القصاص هو العقوبة العادلة المساوية لفعل القتل العمد لما عُدل عنها إلى العفو أو العوض المالي "الديّة" ممّا يمكن أن يفهم منه بالقوّة أنّ المجتمع الذي لا تسوده قيم الثّأر والانتقام والتّنكيل يمكن أن تسلّط فيه على القاتل عقوبة لا تستهدف حياته بإعدام وجوده إذ القتل كما عرّفه الرّازي هو "عبارة عن إبطال الإنسان بعد دخوله في الوجود "

3ـ الإسراء 33

وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا (33)

وفي تفسيره للعبارة المفيدة للاستثناء "إلاّ بالحقّ" يورد الرّازي حديث الآحاد «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث : كفر بعد إيمان "أي حكم الردّة "، وزنا بعد إحصان "أي حدّ الرّجم"، وقتل نفس بغير حق أي القتل العمد »ويطرح هذا الحديث إشكالا يتعلّق بمراتب الحجيّة في علاقتها بالاستدلال والجمع بين الإدلّة عند تعارضها  وفي هذا السّياق اعتبر الرّازي أنّ هذا الخبر من باب الآحاد، "فإن قلنا: إن قوله: (وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيّهِ سلطانا) تفسير لقوله (إِلاَّ بالحقّ) كانت الآية صريحة في أنّه لا يحلّ القتل إلا بهذا السبب الواحد، فحينئذ يصير هذا الخبر مخصصاً لهذه الآية ويصير ذلك فرعاً لقولنا: إنه يجوز تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد وهي مسألة خلافيّة " وحجّة القائلين بأنّه لا يجوز القتل في هذه الصّور "أي الردّة وزنى المحصن "هو أن الآية صريحة في منع القتل على الإطلاق، إلا لسبب واحد وهو قتل المظلوم، ففيما عدا هذا السّبب الواحد، وجب البقاء على أصل الحرمة "وهو القتل العمد دون غيره "

كما قال المعارضون لإدراج عقوبات أخرى ضمن سياق الآية أنّ هذا النصّ قد تأكد بالدلائل الكثيرة الموجبة لحرمة الدّم على الإطلاق، فترك العمل بهذه الدلائل لا يكون إلا لمعارض، وذلك المعارض إما أن يكون نصاً متواتراً أو نصاً من باب الآحاد أو يكون قياساً، أما النص المتواتر فمفقود، وإلا لما بقي الخلاف، وأما النص من باب الآحاد فهو مرجوح بالنسبة إلى هذه النصوص المتواترة الكثيرة، وأما القياس فلا يعارض النص، فثبت بمقتضى هذا الأصل القوي القاهر أن الأصل في الدماء الحرمة إلا في الصّور المعدودة أي القتل العمد والحرابة .

أما تفسيره لمعنى الإسراف في القتل في الآية ( فَلاَ يُسْرِف في القتل) ففيه وجوه :

الأول: أن يقتل القاتل وغير القاتل، وذلك لأنّ الواحد منهم إذا قتل واحداً من قبيلة شريفة فأولياء ذلك المقتول كانوا يقتلون خلقاً من القبيلة الدنيئة فنهى الله تعالى عنه وأمر بالاقتصار على قتل القاتل وحده .

الثاني: أن لا يرضى بقتل القاتل فإنّ أهل الجاهلية كانوا يقصدون أشراف قبيلة القاتل ثم كانوا يقتلون منهم قوماً معينين ويتركون القاتل .

والثالث: أن لا يكتفي بقتل القاتل بل يمثل به وتقطع أعضاؤه .

وفي ذلك مزيد من ترسيخ فكرة القصد من القصاص وهو إبطال عادة الثّأر وليس التشفّي من القاتل ولا التّنكيل به .وتعتبر الآية الأخيرة التي يفترض أنّها نُسخت لأنّها مكيّة معبّرة كما نقدّر على جوهر التصوّر الإسلامي لعقوبة القاتل وهي تعدّد صفات عباد الرّحمان :

4ـ الفرقــان

وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (69) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (70) وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا (71)

وتسقط هذه الآية عن القاتل التّائب حتّى العقوبة الأخرويّة بل وينقلب عمله السيّئ إلى حسنات .

5ـ "آيــة الرّجم "

وفق القاعدة المنهجيّة الأولى التي انطلقنا منها فإنّ العقوبة القصوى تتطلّب حجة قصوى في القطع من حيث ورودها ودلالتها ولا يكون ذلك إلاّ في قطعي الدّلالة من القرآن أو متواتر السنّة الذين لا يحيلان على أيّ عقوبة تسمّى الرّجم رغم وجود هذه العقوبة في الواقع أثناء التّنزيل وممارستها من قبل الرّسول في مناسبات محدودة على يهوديّين أحتُكم إليه فيهما فحكم عليهما بما في التّوراة أو من جاءه يطلب إليه تطبيق العقوبة وفق ألأعراف السّائدة، وملابسات قصّة ماعز والغامديّة والعسيف تكشف كره الرّسول لتطبيق هذه العقوبة ممّا يطرح أسئلة :

هل مارسها الرّسول من باب مجاراة الأعراف السّائدة قبل نزول آيات سورة النّور خاصّة وأنّ الإعلاء من قيمة الشّرف واستشعار العار من ارتكاب فعل زنا المحصن كان عند العرب من الوقائع التي تستدعي استنفار السّلوك الثّأري والانتقامي وإسالة الدّماء لغسل ما يفترض أنّه عار؟ أم أنّ الرّسول مارس تلك العقوبة من باب الأمر التّشريعيّ الملزم للمسلمين؟ وفي الواقع لا نجد دليلا واحدا قاطعا في ثنايا هذه القصص يفيد الأمر التّشريعيّ .

لكنّ الفقهاء استدلّوا على ذلك المعنى بـ :

- افتراض وجود آية خاصّة بالرّجم "والشّيخ والشّيخة إذا زنيا فارجموهما البتّة بما قضيا من اللذّة" غير أنّها نسخت نصّا وتلاوة أي رفعت وبقي حكمها وهو ما لم يقرّه عدد من الفقهاء والأصوليين من القدامى والمعاصرين ومن بينهم الشّيخ محمّد الخضري بك وكأنّنا بهذه القصّة التي تروي نسخ النصّ وبقاء الحكم تعكس المكبوت العربيّ الذي أبى إلا أن يحشر في نصّ التّنزيل عرفا سائدا لم يقرّه التّنزيل؛

- أحاديث آحاد من قبيل "خذوا عنّي خذوا عنّي قد جعل الله لهنّ سبيلا البكر بالبكر جلد مائة و تغريب عام و الثيّب بالثيّب جلد مائة والرّجم" أو حديث "لا يحلّ دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلاّ الله وأنّي رسوله إلاّ بإحدى ثلاث: الثيّب الزّاني والنّفس بالنّفس والمارق من الدّين التّارك للجماعة" وقد أوردنا نقاش الرّازي لهذه النّصوص .

ونضيف عليه ما ورد في السنن الكبرى للنّسائي ج 4 ص 273 الحديث عدد 7157 " أخبرنا محمد بن منصور المكي قال ثنا سفيان عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن بن عباس قال سمعت عمر يقول قد خشيت أن يطول بالناس زمان حتى يقول قائل ما نجد الرّجم في كتاب الله فيضلّوا بترك فريضة أنزلها الله ألا وإن الرجم حق على من زنا إذا أحصن وكانت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف وقد قرأناها الشّيخ والشّيخة إذا زنيا فارجموهما البتة وقد رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده، قال أبو عبد الرّحمن لا أعلم أنّ أحدا ذكر في هذا الحديث الشيخ والشيخة فارجموهما البتة غير سفيان وينبغي أنه وهم والله أعلم (7157).

تقويـــــم و استنتــــاج

لعلّ ما يمكن أن نستفيده من كلّ ما سبق أنّ إقرار العقوبة القصوى يهدف في كلّ الشّرائع والقوانين إلى :

- ترسيخ أركان الأنظمة القائمة وذلك بتأويل القانون لصالحها؛

- استئصال الجاني من الجماعة على نحو قطعيّ ونهائيّ؛

- الانتقام من الجناة لإشفاء غليل أهالي الضّحايا؛

- ردع من تسوّل لهم أنفسهم ارتكاب جرائم مشابهة.

والعنوان العامّ الذي يقود هذه الأحكام هو اليأس من إصلاح الجناة وإنهاء وجودهم لضمان الأمن للمجتمع ممّا يستدعي طرح جملة من الأسئلة على الضّمير التّشريعي في كلّ المنظومات التّشريعيّة :

- هل عقوبة الإعدام رادعة عن الجريمة " يمكن المقارنة بين نسب ازدياد الجرائم الموجبة للإعدام في الدّول الملغية للعقوبة والدّول المبقية عليها"؟

- هل يمكن تدارك الخطأ في تنفيذ الحكم بالإعدام؟

- ألا يقتضي الحكم بالعقوبة القصوى بالضّرورة عدالة قصوى أي معصومة عن الخطأ؟

- أليست عقوبة الإعدام حكما بالغيبة للسّلطات العامة تستفاد بقرائن اجتهاديّة تحتمل الخطأ؟

- ألا تفترض العقوبة المطلقة مسؤولية من الجاني مطلقة؟

- أليست أوضاع المجتمع الثّقافيّة والاقتصاديّة والقيميّة والسّياسات الرّسميّة مسؤولة بقسط وافر عن توفير مناخ للجرائم عموما والجريمة الموجبة للإعدام خصوصا؟

- ألا تتعارض عقوبة الإعدام مع إمكانية التّوبة وإعادة التأقلم من جديد مع قيم المجتمع؟

- أليست عقوبة الإعدام في التشريع الجنائيّ العربيّ سلاحا سياسيّا خطيرا وبخاصة في الأزمات السياسية بحجة المصلحة العليا للدّولة؟

- ألا تعتبر عقوبة الإعدام حائلا أمام محاربة الأسباب الحقيقية للإجرام؟

- أليست عقوبة الإعدام امتدادا لنظرية الصّراع بين الخير والشر؟

- أليست عقوبة الإعدام امتدادا لثقافة الثّأر والانتقام؟

- أليس إلغاء العقوبة انتصارا للحياة وللإنسان في أقصى حالات ضعفه ووهنه وانحرافه وبشاعة أفعاله انطلاقا من خيرته المتأصّلة فيه ابتداء والتي تقرّها الكثير من الفلسفات والأديان على عكس المقاربة الوضعيّة التي كرّست مفهوم المجرم بطبعه le criminel - né ؟

ويتبيّن لنا بعد التّحليل الذي أسلفنا أنّ :

- إقرار العقوبة القصوى هو نتاج عدالة بشرية هي بالضّرورة نسبية مثل كلّ جهد بشري ولا يمكن فيها القطع بقصد العمد و إضماره الذين يعبّران عن امتلاء عقل الجاني وقلبه وكلّ جوارحه في غير حالات الانفعال بإرادة استئصال إنسان من الوجود وتكون هذه العقوبة القصوى عادلة حقّا إذا ثبت بالقطع أنّ لدى الجاني حرية الاختيار المطلقة والقصد الذي لا تشوبه شائبة في الإصرار على القيام بالفعل وقد عرّف فقهاء القانون سبق الإصرار بأنّه "التّروّي والتدبّر قبل الإقدام على ارتكاب الحادث والتّفكير في الجريمة تفكيرا هادئا لا يشوبه اضطراب" وقد عرّفت محكمة التّعقيب التّونسيّة الإضمار في قرار صدر بتاريخ 8/02/1960 عدد 1242 بأنّه"النيّة المبيّتة التي اختمرت في عقل الجاني وفكّر فيها طويلا واستقرّت في نفسه وصمّم عليها بعد زولان الهيجان العصبي الذي يحدثه الاعتداء أو الاستفزاز الصّادر من الغير …". كما ورد شرح إرادة القتل والإضمار ونيّة الفاعل وتعمّده القتل لاستحقاق العقوبة في هامش المجلّة الجنائيّة الصّادرة بتاريخ 1964 بقلم محمّد الطّاهر السّنوسي حيث ورد في تعريف كنه القصد ما نصّه "والحقيقة هو أنّ القصد لا يحتاج إلى تعريف وإنّما هو إرادة المجرم قتل الغير، والنّظر في تحقيق وجوده ـ أي القصد ـ موكول لاجتهاد حاكم الأصل أمّا في الواقع فإنّه كثيرا ما يصعب تحقيق القصد لما في ذلك من سبر النّوايا الباطنيّة والحجّة في ذلك على الادّعاء العمومي ولا يجوز لمحكمة أن تحكم على المتّهم إلاّ بعد ثبوت قصد القتل". أمّا تعريف الإضمار فقد ورد ما نصّه: "فالإضمار من الحوادث الباطنيّة وهو عبارة عن عقد نيّة على قتل الغير قبل الشّروع في الفعل، والنّظر في توفّر الإضمار من عدمه موكول لاجتهاد الحاكم وهو يُستنتج من ظروف القضيّة غير أنّ الحجّة في ذلك على قلم الادّعاء والحكم الصّادر باعتبار الإضمار لا بدّ أن يبيّن مثبتاته " ولو افترضنا جدلا وجود هذا القصد حقّا ـ وهو ما لا يمكن إثباته إلاّ بقرائن اجتهاديّة احتماليّة ـ فإنّها لحظة اضطراب نفسيّ وفقدان توازن في حياة إنسان هو في كلّ الأحوال نتاج بيئته فلابد أن يكون للغضب والاكتئاب وردود الأفعال والعصاب والقلق والثّقافة السّائدة وملابسات الحياة المختلفة دور في سلوك مسلك إجرامي وهو ما يقرّه علم نفس الإجرام الذي يفهم المسؤوليّة فهما مخالف للمقاربة القانونيّة الحرفيّة ممّا يدعو إلى تخفيف العقاب على الجاني بإلغاء العقوبة القصوى وإحاطته بالإصلاح وإعادة الإدماج وقطع أسباب الجريمة؛

- خوفا من احتمال الخطأ الذي لا يجبر في تقدير هذه العقوبة القصوى وتنفيذها ورد في الحديث النّبويّ "لأن يخطئ أحدكم في العفو ألف مرّة خير له من أن يخطئ في العفو مرّة" كما روي عنه قوله "ادرؤوا الحدود بالشّبهات " وقوله "ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم فإن الإمام لأن يخطئ في العفو خير له من أن يخطئ في العقوبة فإذا وجدتم للمسلم مخرجا فادرؤوا عنه "و قوله "ادرؤوا الجلد والقتل عن المسلمين ما استطعتم "ولعلّ أقصى ما يستطاع من مظاهر الدّرء هو إلغاء هذه العقوبات التي يفتّش فيها عن شبهة لدرئها و إسقاطها . كما شجّع الخطاب القرآني على العفو في جريمة القتل العمد والحبس في جريمة الحرابة -لو سلّمنا بالدّلالة الحكميّة لما يسمّى بآية الحرابة- ولم يرد نصّ صريح متواتر واحد على شمول العقوبة القصوى غير هاتين الجريمتين على خلاف ما ورد في كتب الفقه من انسحابها على زنا المحصن ومؤتي الفاحشة والسّاحر والمرتدّ وغيرهم وفي هذا تضييق في عدد العقوبات وفي تطبيقها؛

- لكنّنا نقدّر مع ذلك ونحن في كامل الاطمئنان الإيمانيّ والمعرفيّ أنّ الشّريعة الإسلاميّة التي ورد في حديث نبيّها أنّ "الآدمي بنيان الرب ملعون من هدم بنيان الربّ" تتشوّف لإلغاء العقوبة القصوى وكلّ العقوبات المخلّة بالحرمة الجسديّة والكرامة الآدميّة والانتصار لقيمة الحياة التي وهبها الله للآدميين لولا حاجات اجتماعيّة ظرفيّة ضاغطة تتعلّق بنمط الحياة والتّقاليد السّائدة في المجتمع العربي بل الإنسانيّ زمن التّنزيل وقدر كلّ منظومة تشريعيّة أن تراعي ملابسات الواقع وإن كانت تتضمّن في داخلها قيما متقدّمة على عصرها .

- إذا كان للدّولة أن تبتّ في جريمة الحرابة باعتبار التّفويض الممنوح لها من المجتمع فتنوب عن المجموعة العامّة في تقدير المصلحة من وراء تخفيض العقوبة إلى السّجن عوض القتل فهل يمكن أن تنوب عن أولياء الدّم في جريمة قتل العمد فتقرّر العفو نيابة عنهم بقوّة القانون؟ إن الدّولة لا تنوب عن إرادة أولياء الدّم ولا تملك غير الحثّ على العفو وتحمّل الديّة ولكنّ المجموعة الوطنيّة باعتبار أنّ أفرادها أولياء دم حقيقيين " سفك لهم دم " أو مفترضين يمكن لها أن تجتمع على إقرار العفو أو الديّة أو التّفويض إلى الدّولة لتقرّر ما تراه مناسبا من عقوبات تعزيزيّة أو خطط للإصلاح وليس في ذلك كما يبدو لنا مصادرة لحقوق أولياء الدّم المفترضين في الأجيال اللاحقة طالما أنّ جميع القوانين المنظّمة للمجتمع تعكس إرادة المجموعة المتغيّرة ممّا يدعو إلى المحافظة دائما على ما يغزّز الحقوق ليسير القانون دائما في مصلحة جملة من القيم السّامية والمقاصد الكليّة وعلى رأسها قيمة الحياة

- حاصل القول أنّ الحجة الدّينيّة التي تتخذ من طرف أنصار الإبقاء على العقوبة القصوى للتأزيم الضّمير الدّيني و تأثيم دعوة الإلغاء باعتبار مخالفتها للإرادة الإلهية إنّما هي حجّة متهافتة وفي أدنى الأحوال تأويليّة اجتهادية لا يمكن أن يدّعي أحد البتّة أنّها مطابقة بإطلاق للمقصود الإلهي ولكنّ الدّعوة إلى إلغاء عقوبة الإعدام تبقى غير ذات معنى إذا لم تصاحبها بشكل مواز التّربية على حقوق الإنسان وثقافة العفو وقيم التّسامح الكفيلة بتأهيل المجتمع لقبول ثقافة غير ثقافة الانتقام والتشفّي والثّأر والمعاملة بالمثل .

إنّنا نتصوّر بناء على كلّ ما تقدّم أنّه يمكن قيام توجّه إسلامي مناهض لعقوبة الإعدام يستثمر كلّ ما في الإسلام من مضامين ونصوص تعبّر عن الانتصار لقيمة الحياة كما نعتقد أنّ الدّعوة إلى إلغاء عقوبة الإعدام في مجتمع من المجتمعات إذا كانت مطلبا شعبيّا وطنيّا اتّفاقيّا إجماعيّا هي كما نفهم عبارة عن إيذان بانتقال ذلك المجتمع البشري وبشكل جذريّ من طور قبليّ بدويّ إلى طور آخر متقدّم في الحضارة والرّقي الرّوحي والقيميّ والأخلاقي و القانوني .

*النصّ جزء من مداخلة قدّمت بمقرّ فرع تونس لمنظّمة العفو الدّوليّة بمناسبة اليوم العالمي لمناهضة عقوبة الإعدام يوم 10/10/2008 و نشر في موقع الأوان بتاريخ 4 تشرين الثاني (نوفمبر)2008

** باحث جامعي و عضو الفرع التّونسي لمنظّمة العفو الدّوليّة




شارك هذه الصفحة: