تفنيد حجة "الثأر" كأحد مبررات الدعوة للإبقاء على عقوبة الإعدام

"العين بالعين.. والبشرية تصبح بأسرها عمياء" غاندي

بقلم: تغريد جبر وحسام الجاغوب

مساهمة من المنظمة الدولية للإصلاح الجنائي، مكتب الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بعمان

مقدمة

لقد عرفت البشرية نظام العقاب منذ تكوين المجتمعات، وعبر العصور، كان الهدف من تطبيق العقوبة هو القصاص من الجاني وتحقيق الردع العام في المجتمع. إلا أن الغاية من تطبيق العقوبة قد تغيرت مع تطور علم الإجرام والعقاب الذي تأثر بنظرة المجتمع إلى الجريمة والى المجرم وبمبدأ أنسنة العقوبة، حيث لم تعد العقوبة هي الغاية في حد ذاتها وإنما أصبحت أحد وسائل الوقاية والعلاج من الجريمة التي يجب أن تنصب بشكل أساسي على تأهيل المجرم وإعادة إدماجه في المجتمع كهدف لتنفيذ العقوبة، وأصبحت لفظة السجن غير ملائمة حيث أن الهدف الرئيسي من حجز الحرية هو الإصلاح وإعادة التأهيل  لذا فإن الكثير من الدول ومنها الأردن استعاضت عن تسمية السجون بمسمى مراكز الإصلاح والتأهيل.

وقد أسهمت المدارس الفلسفية الجنائية الحديثة في تغيير النظرة نحو عقوبة الإعدام باعتبارها عقوبة قائمة على أساس استئصال الجاني من الحياة ومبنية بشكل أساسي على النظرة التقليدية للعقوبة والتي تعتبر أن الهدف الأساسي للعقوبة هو إيقاع الألم، والتكفير عن الذنب، والانتقام من الجاني.

الأمر الذي أدى إلى إعادة فتح باب النقاش حول مشروعية الإعدام كعقوبة جنائية، حيث تنادى بعض العلماء ونشطاء حقوق الإنسان إلى إلغاء عقوبة الإعدام على أساس أنها لا تصلح من حال من تنفذ عليه ولا تعيد تكيفه مع المجتمع ولا تحقق بأي شكل من الأشكال الغاية من تنفيذ العقوبة المتمثل بالردع والإصلاح وتشكل انتهاكا صارخا لأهم الحقوق الإنسانية التي تعارفت عليها البشرية وهي الحق في الحياة والذي يعد الأساس لتمتع الإنسان بباقي الحقوق التي منحه إياها القانون، وبالتالي فان انتزاع هذا الحق يمنع الإنسان من التمتع بأي من الحقوق الأخرى وعليه يرى نشطاء حقوق الإنسان بأن عقوبة الإعدام تشكل انتهاكا لكافة حقوق الإنسان.

وقي المقابل برز اتجاه آخر يتبنى الفكر التقليدي ويدافع عن إبقاء عقوبة الإعدام على اعتبار أنها عقوبة رادعة وتتناسب في شدتها وقسوتها مع أخطر الجرائم وأشدها. وساق هذا الاتجاه مجموعة من الحجج الداعية إلى الإبقاء من أهمها: أن عقوبة الإعدام مأخوذة من الشريعة الإسلامية في أحكام الحدود والقصاص، وأن عقوبة الإعدام تمنع وقوع الثأر، وأنها عقوبة رادعة تمنع تفشى الجرائم والفساد وهي ضرورة لحماية المجتمع.

وعلى  الرغم من اختلاف الآراء والمواقف تجاه عقوبة الإعدام بين مؤيد لإبقائها ومؤيد لإلغائها إلا أنه من المؤكد أن حياة الإنسان لها قدسية خاصة يجب احترامها وعدم التعرض لها حتى لدى مؤيدي عقوبة الإعدام.

ويسعى هذا المقال إلى البحث في أحد الحجج التي يسوقها مؤيدو عقوبة الإعدام ألا وهي أن عقوبة الإعدام تساعد في الحد من ظاهرة الثأر (القتل الذي يرتكبه أهل المجني عليه للانتقام من الجاني) وتعتبر هذه الحجة أحد أهم المبررات التي يتبناها المدافعين عن إبقاء عقوبة الإعدام في مجتمعاتنا العربية ذات الإرث القبلي والعشائري التي تؤمن بمشروعية الثأر وتدافع عنه كردة فعل انتقامية طبيعية من قبل ذوي المجني عليه، حيث ينادى أصحاب هذا الاتجاه بضرورة الإبقاء على عقوبة الإعدام كصمام أمان في مواجهة عادة الثأر. 

ونحن في هذا الصدد نقول بأن عقوبة الإعدام هي ثأر باسم القانون ترتكبه الدولة لمصلحة المجني عليه ولن يختلف اثنان بأن من واجب الدولة تحقيق العدالة بين جميع أفراد المجتمع بما يخدم المصلحة العامة وحفظ النظام العام إلا أنه يجب الأخذ بعين الاعتبار دائما أن هدف العقوبة أساسه الإصلاح وليس الانتقام.

فما هو الثأر؟ وما مدى صلاحية هذه الحجة من الناحية الواقعية والقانونية لتبرير إيقاع عقوبة الإعدام، وهل تبرر هذه الحجة الغلو في استعمال عقوبة الإعدام؟

تاريخ الثأر

يعتبر الثأر من العادات القديمة والتي كانت سمة بارزة من سمات العصور الجاهلية -أي ما قبل الإسلام- وكان الثأر يعتبر أحد وجوه الشجاعة والمتتبع للشعر العربي في العصور الجاهلية سيرى بأنهم كانوا يتباهون بهذه العادة وبأنها رمز الشجاعة والقوة. كذلك كان الاعتقاد السائد بأن روح القتيل تطالب بالسقيا وأن روحه لا تهدأ حتي يؤخذ بثأره.

 وكلنا سمع أو يسمع عن "حرب البسوس" التي اندلعت في العصر الجاهلي واستمرت أكثر من أربعين سنة بين قبيلتين عربيتين هما قبيلتي بكر وتغلب حيث كان المهلهل بن ربيعة التغلبي ينتقم من بني بكر لقتلهم أخيه كليب وكان يهدف إلى القضاء على قبيلة بكر كاملة، وذهب ضحية هذه الحرب آلاف الضحايا والقتلى، فهل يعقل قتل آلاف الأشخاص للانتقام من قتل شخص واحد!

يقول المهلهل بن ربيعة في إحدى قصائده:

أكثرت قتل بني بكر بربهم     حتى بكيت ولم يبكي لهم أحد

آليت بالله لا أرضى بقتلهم     حتى أبهرج بكرا أينما وجدوا

ومن الجدير بالذكر في هذا المقام، أن الإسلام ومع بدء ظهوره وانتشاره قد حارب هذه الظاهرة وحرّم اللجوء إليها، يقول الله سبحانه وتعالى {إن تكفروا فان الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم تعملون انه عليم بذات الصدور} (سورة الزمر آية 7).  

كذلك فإن الإسلام قد حضّ على قيم الصفح والعفو والتسامح، فأصبح العفو صفة من صفات الشجاعة وليس الثأر وكما يقال فإن "العفو عند المقدرة"، ولنا في سنّة الرسول صلى الله عليه وسلم العديد من الأمثلة التي تصب في هذا الإطار.

خصائص الثأر

إن أهم ما يميز الثأر أنه:

1-                 ليس له حدود تحكمه وشعاره الانتقام بأبشع الطرق والأساليب ورّد الصاع صاعين، أي أن فعل الانتقام لا يتناسب من حيث الحجم والنتيحة مع الفعل الأصلي، فقد نرى انتقاما بالقتل كرد على فعل بسيط كالسرقة مثلا.

2-                من يقوم به لا يعترف بالقانون وسيادته، ففعل الثأر يتم خارج القانون وغالبا يقع فور أو بعد فترة بسيطة من وقوع الفعل الأصلي، قبل أن يقوم القضاء بالفصل في واقعة الفعل الأصلي وإيقاع العقوبة القانونية المناسبة.

3-                 لا يقع على الجاني فقط بل يمتد إلى أسرته وعشيرته وأهل بلدته.

4-                قد تمتد أضراره المادية للمجتمع في حال الانتقام من خلال عمليات التكسير والحرق في الشوارع العامة.

5-                قد يستتبع ثأرا مضادا مما يعني الدخول في سلسلة متوالية، قد لا تنتهي من الثأر والثأر المضاد.

ولا يحتاج المرء -من خلال استعراض الخصائص المذكورة- إلى الكثير من التحليل ليدرك بأن جريمة الثأر تشكل:

1-                خروجا صارخا على سيادة القانون وتجاوزا لصلاحيات الدولة التي يجب أن تكون الجهة الوحيدة المخولة بإيقاع العقاب بحق الجاني ولا يجوز ترك المجال لأي كان لأخذ حقه بيده وإلا أصبحنا نطبق شريعة الغاب.

2-                خروجا على أهم مبدأ من مبادئ علم الإجرام والعقاب ألا وهو مبدأ "شخصية العقوبة" والذي يعني باختصار أن العقوبة لا يجوز إيقاعها إلا بحق الفاعل وحده ولا يجوز أن تمتد إلى عائلته أو أقاربه إلا في حالات محددة نص عليها القانون وهي تنحصر في الإجراءات المالية فقط مثل الحجز على أموال أقارب الجاني في بعض الجرائم المالية مثل جرائم الفساد على سبيل المثال.

الرد على حجة الحد من ظاهرة الثأر

نعود للسؤال الذي طرحناه في بداية هذا المقال، فهل يجوز لمؤيدي عقوبة الإعدام اتخاذ عادة الثأر كحجة لتطبيق عقوبة الإعدام واعتبار عقوبة الإعدام الحل الأمثل لمعالجة عادة الثأر؟

للإجابة على هذا السؤال لا بد من التطرق إلى أهداف إيقاع العقاب وفقا لفقهاء علم الإجرام والعقاب.

من المعروف أن علم الإجرام والعقاب قد شهد ظهور واندثار العديد من النظريات، ومن أشهر هذه النظريات نظرية "المجرم بالفطرة" والتي كانت تؤمن بوجود نوع من المجرمين يتكون لديه نازع الإجرام منذ مولده ولا يمكن إصلاحه ويتوجب استئصاله من المجتمع من خلال إعدامه. إلا أن هذه النظرية قد ثبت خطأها وقام العلماء بدحضها من خلال تفنيد كافة الحجج القائمة عليها.

ومن هنا فقد توصل فقهاء علم الإجرام والعقاب إلى نفي وجود ما يسمى بالمجرم بالفطرة كون معظم المجرمين هم ضحايا ظروف معينة أثرت عليهم فأصبحوا مجرمين، وعليه يمكن إصلاح المجرم وإعادة تأهيله وإبعاده عن طريق الإجرام مؤكدين على فكرة عدم استئصال المجرم من المجتمع لكونه مجرما.

 وعليه فان ما استقر عليه هذا العلم من هدف رئيسي لإيقاع العقاب يكمن في تحقيق الردع بشقيه الخاص والعام مع التأكيد على الهدف النهائي من إيقاع العقاب ألا وهو إصلاح المجرم وإعادة تأهيله للاندماج في مجتمعه مرة أخرى.

وخلاصة ذلك، أن معالجة عادة الثأر لا يمكن أن تكون بأي حال من الأحوال هدفا من أهداف إيقاع العقوبة. ويضاف إلى ذلك أنه لم يثبت على أرض الواقع بأن إيقاع عقوبة الإعدام بحق الجاني قد ساعد في إنهاء عادة الثأر، فمما تم استعراضه مسبقا نرى بأن جريمة الثأر تقع قبل أن تقوم الدولة بإيقاع العقوبة بحق الجاني!

وعليه، لا بد من أن نضع نصب أعيننا عند إيقاع العقوبة هدفا رئيسيا يكمن في إصلاح المجرم وليس استئصاله، ولا يمكن بأي حال من الأحوال اتخاذ عادة الثأر كسبب لاستئصال المجرم حيث بينت المسيرة التاريخية للجنس البشرى زيف الدعاوى القائلة بأن عقوبة الإعدام "أو القتل القانوني" أو "القتل باسم العدالة" بإمكانها خلق مجتمع خال من جرائم القتل أو الجرائم المروعة. ويبدو أن استمرار ثقافة الثأر والانتقام - التي تفتقد لأي معيار موضوعي- تلعب دورا جوهريا في السياسة العقابية التي تتبناها العديد من الدول في تعاملها مع المجرمين، بحيث نصبت هذه السلطات نفسها للانتقام بالنيابة عن المجني عليه، الأمر الذي يثير العديد من التساؤلات حول شرعية وعدالة هذا الدور ومدى تشجيعه لعادة الثأر بدلا من محاربتها.

 كما يستند العديد من مؤيدي إبقاء عقوبة الإعدام على أنها مستمدة من الشريعة الإسلامية، ونقول بأن الإسلام استنكر وحارب الثأر ودعا في نفس الوقت إلى العفو والصفح والتسامح والحض على الحفاظ على الحياة باعتبارها هبة الخالق عز وجل التي لا يجوز المساس بها. 

فنرى أن الشريعة الإسلامية تشجع أهل المجني عليه للصفح (التسامح) وتشجيع قبول الدية، فإذا كان الدين يحض على التسامح والحفاظ على الحق في الحياة فكيف يمكن أن تغالي الدول في إهدار هذا الحق من خلال الغلو في تشريع واستخدام عقوبة الإعدام. وعليه فإنه يجدر بالدول أن تعمل على تعزيز ثقافة التسامح و دور القانون كأساس لتحقيق العدالة والمساواة وأن تناهض أشكال الانتقام والفكر المبني على الثأر لأنها تشكل في الأساس تعدي على هيبة الدولة ومؤسساتها قبل أن تشكل تعدياً على حقوق الأفراد.

كذلك يجب أن تستخدم المنابر الدينية والتعليمية والتثقيفية المختلفة في خدمة هذه الغاية ونشر ثقافة احترام دور القانون وحياة الإنسان.

يقول الله تعالى في محكم كتابه:

{وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} (سورة المائدة ، آية 45).

ولا ننسى بأن الدين الإسلامي كما ذكرنا هو دين التسامح والعفو وليس دين الانتقام والثأر. وحتى في حالات القتل العمد فأن الدين الإسلامي قد حض كذلك على العفو وقبول الدية والتصالح بين أي فريقين متقاتلين وحقن الدماء.

كذلك تجدر الإشارة إلى أن عقوبة الإعدام الواردة في التشريعات العربية لا تقتصر فقط على جرائم القتل، والتي يمكن المحاججة فيها برغبة المجني علية بالثأر فالمتفحص للقوانين الوضعية العربية سيجد أن الجرائم المستوجبة للإعدام إنما تتعدى جرائم القتل إلى عدد كبير من الجرائم السياسية، والاقتصادية الني تنتفي فيها حجة الثأر كسبب للإبقاء، فهل تبقي الدول على عقوبة الإعدام لما يسمى بالجرائم السياسية لتثأر من معارضيها!

كما أن هنالك عدد كبير من أهل المجني عليهم ضد الإعدام ولا يروا بأن إزهاق حياة الجاني سيكون مواسياً لمصابهم، وهم يفضلون عدم قتل شخص آخر وإيلام أسرة أخرى، حيث أن قتل روح أخرى لن يعيد ما فقدوه، وعلية يجب أن نأخذ بعين الاعتبار هذه الفئة وأن لا نتذرع بحجة أن أهل القتيل هم من يريدون القتل، وبالتالي تنفذه الدولة بالنيابة عنهم.   

وأخيرا، فأننا ندعو كافة الدول المعنية إلى معالجة عادة الثأر والثأر الجماعي والتصدي لها بأساليب أخرى غير الإعدام ومنها فرض سيادة القانون وهيبة الدولة وبث روح التسامح والعفو في المجتمع، حيث أن معالجة القضايا الجرمية لا يمكن أن تجري بمنأى عن معالجة أسبابها وظروف ارتكابها، مع التأكيد على أن الحفاظ على حياة الإنسان وكرامته هو مسؤولية الدولة التي تستمد مشروعيتها من دورها القانوني.




شارك هذه الصفحة: