المحاكمات

مقتطفات من وثيقة للمركز الدولي للعدالة الانتقالية

تعتبر المحاكمات أول فئة كبيرة من آليات العدالة الانتقالية. وبموجب القانون الدولي، تلتزم كل الدول بالتحقيق في جرائم حقوق الإنسان بعد ارتكابها وفرض عقوبات على المسؤولين عنها، والتي تتطلب كحد أقصى الالتزام بالتسليم أو المتابعة وكحد أدنى إلحاق عقوبة غير قضائية لا تتنافى كثيرا مع حجم جريمة حقوق الإنسان المعنية. وقد تمت المصادقة على الصعيد العالمي تقريبا على أغلب المعاهدات الإقليمية والدولية التي تؤكد صراحة على هذه الالتزامات العامة. وثمة كذلك العديد من قرارات وإعلانات الأمم المتحدة وكذلك العشرات من القرارات الصادرة عن هيئات رصد المعاهدات والمحاكم فوق الوطنية مثل لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان والمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان التي تؤكد هذه الالتزامات. كما أن الطبيعة العادية لهذه الالتزامات قد تم كذلك التأكيد عليها من خلال تجريم انتهاكات حقوق الإنسان وتخصيص مقتضيات دستورية لها في القانون الوطني لعدد كبير من الدول.

وعلى صعيد أوسع، يمكن أن تساعد المحاكمات في إعادة الشعور بالثقة بين المواطنين حول سيادة القانون. ويمكن أن تخلق المحاكمات الناجحة لمنتهكي حقوق الإنسان في الماضي إحساسا بأن النظام "يعمل" وأن الأمر يستحق الاستمرار في بناء الديمقراطية. وثمة كذلك أسباب إضافية تجعل المحاكمات ذات أهمية ولاسيما على الصعيد الوطني وبالخصوص عندما يتعلق الأمر بجرائم حقوق الإنسان. ويمكن أن تساهم المحاكمات في إرساء روادع خاصة وعامة والتعبير عن إدانة عامة الناس للسلوك الإجرامي وتوفير شكل مباشر من المحاسبة لمرتكبي تلك الأعمال والعدالة للضحايا، والمساهمة في زيادة ثقة الجماهير الناس في قدرة الدولة ورغبتها في إنفاذ القانون، وفي بعض الحالات، المساعدة على إعادة تأهيل المجرمين. وأخيرا، ثمة هدفان يمكن تحديدهما بالنسبة إلى المتابعات الجنائية في المراحل الانتقالية: إعادة/المساعدة على إعادة الكرامة للضحايا وإعادة بناء/المساعدة على إعادة بناء الثقة الضرورية بين المواطنين والمؤسسات بالدولة والتي لابد منها؛ من أجل ديمقراطية سليمة تعمل جيدا.

وعندما تتعامل إحدى المحاكمات مع انتهاكات جماعية أو انتهاكات على نطاق واسع لحقوق الإنسان، قد يشعر الضحايا بأن معاناتهم معترف بها بشكل أفضل عندما تكون استراتيجيات المتابعة موجهة بشكل واضح إلى أولئك الأشخاص الذين يتحملون المسؤولية الكبرى عن الجرائم. وعندما تجري متابعة مثل أولئك المتهمين من ذوي المراتب العليا، تتم مواجهة عدد أكبر من الضحايا والجرائم بأقل عدد من المتابعات، مما يكون ذا فائدة عملية عندما تكون القدرة والموارد محدودتين.

المحاكمات المحلية/الوطنية

رغم وجود العديد من الخيارات التي قد تتوفر بالنسبة إلى النظام القضائي في أفق العدالة الانتقالية، إلا أنه يفضل على العموم اللجوء إلى المتابعات المحلية. فبإمكان المحاكمات المحلية أن تقوي القدرة المحلية في المتابعة وأن تكون مواكبة للسياق الاجتماعي والسياسي المتغير في مرحلة الانتقال. وبالإضافة إلى ذلك، فإن الإجراءات المحلية هي بالأكيد أقل تكلفة في ممارستها. كما أنها تسمح بالاتصال بشكل أفضل بالضحايا والشهود والأدلة، وهي عموما أكثر محاسبة ومصداقية على الصعيد المحلي من المحاكم الأجنبية أو المحاكم الدولية. وفي الوقت الذي يوجد فيه إجماع على أن أهداف المصالحة وإعادة التأهيل تتم بشكل أفضل من طرف العدالة المقامة محليا، فإن (راتنر) و(أبرامز) يقترحان أربع متطلبات أولية يجب أن تتوفر قبل إقامة عملية محلية ذات مصداقية. وهذه المتطلبات هي: الإطار التشريعي للقانون والإجراءات الجنائية، وقضاة مدربون وبنية أساسية مناسبة قادرة على تحمل العملية، وجو ثقافي يحترم العملية القانونية .

وانطلاقا من تجارب متنوعة في بلدان من جميع أنحاء العالم – بدءا من غرب أوروبا عند نهاية الحرب العالمية الثانية، مرورا بأمريكا اللاتينية بعد التخلص من الحكومات العسكرية في السبعينيات والثمانينيات وأوروبا الشرقية والوسطى عند نهاية الحرب الباردة، تستخلص عدة دروس تتعلق بالمتابعات الوطنية. فأولا بسبب القيود الزمنية وقلة الموارد، لن تتم محاكمة الأغلبية الواسعة من منتهكي حقوق الإنسان. ونتيجة لذلك، يلزم كبح تطلعات عامة الناس وإقامة آليات إضافية للعدالة – ولاسيما إجراءات التصحيح (والتي يمكنها أن توفر شكلا مستمرا وفعالا للمحاسبة) وبرامج تعويض الضحايا (التي يمكن أن تغني عن بعض احتياجات المتابعات والتكاليف المرتبطة بها). وثانيا إذا كانت إستراتيجية المتابعة بالغة القسوة منذ الشروع فيها، فقد تؤدي بسرعة إلى انعدام الأمن العام وطلبات للعفو أو إسقاط لتواريخ والتي قد تكون غير ضرورية في غياب تلك الإستراتيجية. وثالثا من الوجهة الأخلاقية والسياسية والعملية، من الأفضل عموما التركيز على الأشخاص الذين تقع عليهم المسؤوليات الكبرى، قياسا على خليط من المعايير تشمل المنصب وطبيعة الجرائم المزعومة وعدد تلك الجرائم وشكل المشاركة في كل واحدة منها. كما أنه من المفيد كذلك التركيز على المتابعات التي تثبت وجود "جرائم النظام" – جرائم مرتكبة تبعا لسياسة موضوعة، عندما يكون المخططون والمنفذون ينتمون إلى كيانات منفصلة حسب هيكلة ترمي إلى إخفاء علاقتهم. ويمكن للتحقيق في تلك الجرائم وإثباتها أن يكشف عن المستويات العليا في المسؤولية عن انتهاكات حقوق الإنسان الجماعية ولكن يتضمن تعقيدات بديهية لها علاقة بالإرادة السياسية وسلامة الشهود والتعاون ونزاهة المؤسسات. ورابعا، إن استعمال المحاكمات الجماعية والمساومة حول قبول التهمة قد يمنح مرونة وفعالية أكبر لجهود العدالة الوطنية، شريطة أن تكون متطابقة مع المعايير الدولية الواجبة في تلك العملية. وخامسا، عندما لا تكون المتابعات قابلة للاستمرار فورا، من المهم الإبقاء على إمكانية إقامة العدالة في وقت لاحق مفتوحة، مثلا، من خلال مقاومة الأصوات المنادية بعفو عام. وفي الوقت نفسه، قد يكون ممكنا أو مرغوبا فيه إقامة آليات خاصة لإحراز تقدم في تحضير الدعاوى من أجل محاكمة مستقبلية، مثلا تعيين مدع خاص مستقل و/أو توفير الإمكانية للمواطنين بإقامة دعاوى من جانبهم. وسادسا، يجب أن تكون أجندة المتابعات مبنية أكثر ما يمكن على مصالح الضحايا وليس على رغبات الحكومة. وسيساعد ذلك في إضفاء مشروعية على المتابعات وإزالة الطابع السياسي عنها، وسيساعد على منح الضحايا إحساسا أكبر بالمشاركة والترضية بواسطة العملية. وسابعا وأخيرا، يجب استباق المسائل التقنية والتدبير لها: كيف ستنجز المتابعة بدءًا من الشكوى الأولية إلى انتهاءً بالمحاكمة؟ ما هي مجموعة المهارات التي يحتاجها أعضاء فريق العمل؟ من سيوفر التدريب؟ إن التفاصيل الدقيقة لعملية المتابعة ذات أهمية حيوية، ولكن غالبا ما ينعدم تقدير هذه الصعوبات التقنية.

المحاكمات الدولية

وثمة خيار آخر ذو أهمية خاصة ولكنه محدود النطاق فيما يخص محاكمة جرائم حقوق الإنسان ألا وهو المحاكم الدولية. ففي سنة 1993، وفي خطوة غير مسبوقة تحققت بفضل نهاية الحرب الباردة، أنشأ مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة محكمة جنائية دولية ليوغوسلافيا، وهي أول محكمة دولية لجرائم الحرب منذ المحكمتين العسكريتين لنورمبرغ وطوكيو. وجاءت بعد المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا المحكمة الجنائية الدولية لرواندا، لمتابعة مرتكبي أعمال الإبادة الجماعية في رواندا في سنة 1994 التي تعرض فيها نحو 800.000 من التوتسي والهوتو المعتدلين للإبادة.

وقد كلفت المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا بمسؤولية التحقيق ومتابعة الأشخاص المشتبه فيهم بارتكاب جرائم الحرب والإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية والانتهاكات الخطيرة لاتفاقيات جنيف المرتكبة في يوغوسلافيا السابقة مند 1991 . وكانت المهمة المناطة بالمحكمة الدولية ليوغوسلافيا واسعة وتضمنت ما يلي: تقديم الأشخاص المسؤولين عن الجرائم للمحاكمة تحت اختصاصها القضائي، والكشف عن مزيد من الجرائم والمساهمة في إرساء السلام والمحافظة عليه. وكانت للمحكمة الجنائية ليوغوسلافيا ميزانية في سنة 2002 – 2003 تقدر بنحو 223 مليون دولار أمريكي، ويبلغ عدد العاملين بها 1.100 شخص، من قضاة ومدعين عامين ومستشاري الدفاع وموظفين من جميع أنحاء العالم. وحتى نهاية أبريل/نيسان 2003، تمت إدانة 29 شخصا بارتكاب جرائم دولية أمام المحكمة. وبلغ المعدل 3 محاكمات في كل سنة في فترة تربو على نحو عشر سنوات منذ نشأة المحكمة. وأكدت النائبة العامة الحالية للمحكمة، السيدة كارلا ديل بونتي، عزمها على تصفية التحقيقات بحلول 2004، ومن المحتمل أن المحكمة ستنهي عملياتها في 2008.

إن المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا والمحكمة الجنائية الدولية لرواندا كانت لهما أهمية خاصة كوسيلتين لتأكيد الالتزام الدولي بمحاسبة مجرمي حقوق الإنسان، وقد حظيتا بنجاح واضح في إنجاز متابعات على أعلى مستوى – بما في ذلك المحاكمة الجارية لسلوبودان ميلوزوفيتش، الرئيس السابق ليوغوسلافيا وإدانة جان كامباندا، رئيس الوزراء السابق لرواندا (المحكوم عليه بالسجن مدى الحياة من أجل جرائم الإبادة والجرائم ضد الإنسانية). غير أنه ونظرا لكونهما آليات دولية، فهي تفتقد إلى القرب الجغرافي والثقافي من الضحايا والمواطنين في البلقان ورواندا . ويكاد يكون جميع العاملين بهما موظفين دوليين، ومن ثم فإن الأثر الإصلاحي لهما كان ضعيفا على مؤسسات الدولة الوطنية. وأخيرا، فإن التكاليف الباهظة والموارد المتطلبة لإقامة المحاكم الخاصة والإبقاء عليها تجعل من إعادة تكرار هذا النموذج أمرا ضعيف الاحتمال – وربما غير ضروري، حيث أنه توجد الآن محكمة جنائية دولية دائمة.

مسألة النوع الاجتماعي (الجنس) والمحاكم الجنائية الدولية

ثمة مجال كان فيه للمحاكم الجنائية الدولية أثر إيجابي هام وهو اعترافها بالحاجة إلى تبني منهج يراعي الاعتبار الجنسي (بين الرجل والمرأة) في العدالة الجنائية الدولية. وقد أحرزت المحاكم تقدما في هذا الصدد بعدة طرق. ومن حيث الجوهر، اعترف النظام الأساسي لكل من المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا والمحكمة الجنائية الدولية لرواندا بأن الاغتصاب يعتبر جريمة ضد الإنسانية، وأوضحت أحكام لاحقة بأن العنف الجنسي يمكن أن يصبح جريمة حرب أو تعذيب أو جريمة ضد الإنسانية أو إبادة جماعية . وقد اهتمت المحكمتان باعتبارات النوع الجنسي من حيث الحماية الإجرائية فيما يتعلق بالضحايا والشهود وتدريب العاملين وتوظيفهم.

المحاكم المختلطة

نتيجة للدروس التي تم استخلاصها من تجربة المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا (الإيجابية منها والسلبية) برز إلى الوجود نموذج جديد للعدالة الدولية: المحاكم المختلطة أو الهجينة والتي تعمل تحت إشراف مشترك من الأمم المتحدة والدول المعنية. وتشكل هذه الطريقة محاولة للمزج بين فوائد المتابعات الوطنية (مثل القرب الجغرافي والنفسي إلى الضحايا، والأثر الإيجابي على مؤسسات الدولة المحلية) مع فوائد المشاركة الدولية (الموارد والموظفين والأمن). وقد أقيمت المحاكم المختلطة في سيراليون – المحكمة الخاصة، المقامة بالبلد والتي شرعت مؤخرا في أعمالها، وتتكون من قضاة محليين وقضاة دوليين يطبقون كلا من القانون الوطني والقانون الدولي. ويوجد نوع آخر من النموذج المختلط في تيمور الشرقية والبوسنة وكوسوفو. وإمكانية إقامة المحاكم المختلطة أكبر من المحاكم الدولية الصرف – على سبيل المثال تبلغ تكلفة ميزانية المحكمة الخاصة لسيراليون تقريبا خمس الميزانية السنوية للمحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا. وتمتاز كذلك المحاكم المختلطة بكونها تقام على البلد، وموظفوها إلى حد كبير ينتمون إلى الوطن وتجد مساندة مباشرة من لدن الأنظمة القانونية الوطنية.

ومن المحتمل أن يصبح النموذج المختلط أكثر انتشارا خلال السنوات القليلة المقبلة، لأنها توفر حلا للأنظمة الوطنية الواسعة الامتداد والقليلة التجهيزات. وفي الآن نفسه، قد تواجه هذه المحاكم المختلطة انعدام التعاون من طرف الدولة التي تقام عليها أو من طرف دول أخرى؛ وعلى النقيض من المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا، لن تكون لها علاقة مباشرة مع مجلس الأمن وسلطات "الباب السابع" من ميثاق الأمم المتحدة . وقد تؤدي الرغبة في اكتساب الاستقلال المحلي إلى أقصى حد إلى نتائج عكسية بما أنه قد يكون من الصعب العثور في بلد عدالته ممزقة على موظفين ذوى خبرة ومدربين بشكل مناسب. وأخيرا، وكما هو الشأن بالنسبة إلى المحاكم الدولية، قد تثير المحاكم المختلطة آمالا وطنية تتجاوز ما هو ممكن عمليا بالنظر إلى الموارد المحدودة والقيود الداخلية التي ترجع إلى عملية العدالة القضائية.

تحديد وقت المحاكمات

عندما تقام المتابعات بسبب انتهاكات حقوق الإنسان، من الأفضل الشروع فيها في أسرع وقت ممكن قصد التمكن من جمع أقصى كمية من الأدلة وإثارة انتباه الرأي العام في أوانها وتفادي هروب المتورطين إلى بلدان يكون التسليم فيها صعبا أو ربما مستحيلا. غير أن الاستجابة السريعة قد تكون معقدة من الناحية السياسية أو العملية. وكانت ثمة اختلافات واسعة في سرعة التنفيذ الوطني والدولي للمتابعات. فمثلا في سيراليون، وبعد إبرام اتفاق السلام في 1999، تم أولا النص على إقامة محكمة خاصة في قرار مجلس الأمن رقم 1315 في شهر أغسطس/آب 2000، وتم التوصل إلى اتفاق بين الأمم المتحدة والحكومة الوطنية في 16 يناير/كانون الثاني 2002 وبدأت المحاكمات في مارس/آذار 2004. وعكس ذلك، تطلب الأمر عدة سنوات لتتوصل الأمم المتحدة والحكومة الكمبودية إلى اتفاق حول إنشاء محكمة خاصة بكمبوديا وإلى غاية مارس/آذار 2004 – بعد مرور 30 سنة على بعض أفظع الانتهاكات التي وقعت – ليس ثمة ما يدل على قرب الشروع في اتخاذ خطوات واقعية.

وقد أسست المحكمتان الجنائيتان ليوغوسلافيا ورواندا بسرعة ولكن التقدم كان بطيئا منذ إقامتهما. وتم إنشاء المحكمة الجنائية الدولية ليوغسلافيا بشكل رسمي في مايو/أيار 1993، ولكن كان لابد من الانتظار إلى نهاية مايو/أيار 1997 لتصدر أول إدانة لها وبحلول سنة 2004، أصدرت المحكمة اتهامات في حق 140 شخصا. وشرعت المحكمة الجنائية الدولية لرواندا في محاكماتها في 1997، ولكن حتى نهاية 2003، لم تصدر سوى 15 حكما في حق 21 متهما. ولازال 120.000 متهم في السجن في انتظار المحاكمة: وعلى أساس هذا المعدل البطيء في المتابعة، ستحتاج هذه القضايا إلى أكثر من قرن من الزمن للبت فيها. غير أن السرعة ليست العامل الأكثر أهمية في العدالة الجنائية الدولية، كما اتضح منذ السنة الأولى من عمل برنامج تيمور الشرقية الخاص بالجرائم الخطيرة. واشتغلت هذه الآلية الخاصة بشكل سريع جدا، مصدرة 21 حكما خلال سنة واحدة، ولكنها تعرضت لانتقادات مراقبي حقوق الإنسان خلال تلك السنة لفشلها في تطبيق المعايير الدولية لحقوق الإنسان. وفي نهاية 2003، أصدرت وحدة الجرائم الخطيرة نحو 46 إدانة وبراءة واحدة وتم رفض إدانتين .

العدالة خارج الاختصاص الترابي

وثمة خيار آخر أمام المحاسبة القضائية ويتم من خلال المتابعة خارج الاختصاص الترابي، عندما تمارس إحدى الدول سلطة القضاء فيما يخص بعض الجرائم المرتكبة خارج حدودها الترابية. وذلك يتطابق فيما يخص بعض الجرائم مع مبادئ القانون الدولي، ولكن من الناحية العملية، تميل الدول إلى الاعتماد على القواعد القضائية الأكثر كلاسيكية مثل الاختصاص الترابي (أي عندما ترتكب الجريمة داخل حدود الدولة) والجنسية (أي عندما يكون المجرم من رعايا تلك الدولة). ومن المقبول كذلك أن الدول بإمكانها ممارسة اختصاصها على التصرفات التي تشكل تهديدا لمصالحها (القضاء الوقائي).

أما القواعد الأقل كلاسيكية في القضاء خارج الاختصاص الترابي فهي الشخصية السلبية (عندما يكون الضحية – وليس المجرم – من رعايا الدولة) والعالمية (عندما تعتبر الجريمة المرتكبة تثير المخاوف الدولية التي يكون لأي دولة حق في متابعتها). وهي أيضا من القواعد القضائية التي توفر أكبر الإمكانيات للمتابعة من طرف الدول دون صلة مباشرة مع انتهاكات حقوق الإنسان.

إن الاختصاص العالمي هو مبدأ القانون الدولي الذي يسمح لدولة ما بممارسة ولايتها فيما يخص بعض الجرائم المرتكبة خارج حدودها الترابية على أساس أنها تعتبر من الأمور التي تثير القلق من طرف المجتمع الدولي وعندما لا تكون ثمة قاعدة قضائية أخرى للمتابعة. وفي العقد الأخير، تم فتح متابعات قضائية عالمية في عدة بلدان من أوروبا الغربية (بالخصوص في بلجيكا) ضد مواطنين أجانب يزعم أنهم مسؤولون عن جرائم دولية مرتكبة في بلدانهم الأصيلة. ويحاول المدعون العامون أو قضاة التحقيق الأجانب متابعة هذه الحالات بمساعدة أو ضغط في غالب الأحيان من طرف المنظمات غير الحكومية لحقوق الإنسان ومجموعات الضحايا. ولكن التشريع الوطني المتقدم في بلجيكا في هذا المجال قد ألغي مؤخرا ونظراً إلى انعدام مساندة واسعة من لدن دول العالم فمن غير المحتمل أن يصبح الاختصاص العالمي في يوم من الأيام مقبولا على نطاق واسع.

ويمكن كذلك للمحاكم الأجنبية أن توجه نحو المجالات التي يسمح فيها قضاء مؤسس على معاهدة بالقيام بذلك (مثلا الإجراءات التي اتخذت ضد بينوشي في 1999 بالمملكة المتحدة كانت على أساس الوفاء بالتزام ورد ضمن اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب) أو عندما يوجد قضاء شخصية إيجابية أو سلبية. كما أنه يمكن في الولايات المتحدة للمشتكين الأجانب أن يرفعوا دعاوى مدنية من أجل الجرائم الدولية المرتكبة من طرف المواطنين الأجانب في بلدهم الأصلي بموجب أحد النظامين التاليين: قانون رفع الشكاوى من طرف الرعايا الأجانب (ATCA) أو قانون حماية ضحايا التعذيب (TVPA). أما التحديات الموجودة عموما أمام نجاح هذه القضايا فتشمل: التمكن من حبس المتهمين عندما يكون ذلك ضروريا قانونا؛ تجاوز العراقيل القانونية المحتملة مثل قاعدة الصفة الجرمية المزدوجة، واستثناء "الجريمة السياسية"، والأنظمة المطبقة فيما يخص القيود والحصانات الدبلوماسية والرئاسية، وفي حالة القانونين السالفي الذكر، تنفيذ الأحكام.

 

ملاحظة: لمزيد من المعلومات حول الوثيقة يمكنكم العودة لنصها كاملا على موقع المركز الدولي للعدالة الانتقالية.

http://www.ictj.org




شارك هذه الصفحة: