فشل تطبيق العدالة يكشف نفاقاً غير مقبول

ريتشارد غولدستون*

قبلت بتردّد تكليفي من قبل منظمة الأمم المتحدة من أجل التحقيق في مزاعم انتهاك قانون الحرب والقانون الدولي الإنساني، خلال حرب الثلاثة أسابيع الإسرائيلية على قطاع غزة، الشتاء الماضي. القضية تنطوي على اتهامات بالغة ومشحونة سياسياً. قبلت المهمة لأن تكليف اللجنة شمل النظر في كل الأطراف: إسرائيل، حماس التي تسيطر على غزة، والفصائل الفلسطينية المسلحة الأخرى. قبلتها لأن المفوّضين الآخرين في اللجنة محترفون وملتزمون بإجراء تحقيق موضوعي مبني على الحقائق. لكن فوق كل هذا، قبلت المهمة لأنني أؤمن بشدة بحكم القانون وقوانين الحرب، والمبدأ الذي يقول إنه في النزاعات المسلحة، يجب حماية المدنيين من الأذى إلى أقصى حدود ممكنة.
وخلال القتال في غزة، جميع الأطراف استهزأوا بهذا المبدأ الأساسي. قُتل العديد من المدنيين لغير ضرورة، وأكثر منهم تأذّى أذى خطيراً. في إسرائيل، قُتل 3 مدنيين وجُرح المئات جرّاء الصواريخ التي أطلقتها «حماس» والمجموعات الأخرى. كذلك خسرت فتاتان فلسطينيتان روحيهما عندما أخطأت هذه الصواريخ هدفها.
في غزة، قُتل مئات المدنيين. قُتلوا جرّاء الهجمات غير المتكافئة على الأهداف العسكرية المشروعة، وجرّاء الهجمات على المستشفيات والمنشآت المدنية. قُتلوا جرّاء الأسلحة الدقيقة مثل الصواريخ التي أطلقتها الطائرات من دون طيار، وأيضاً جرّاء قصف المدفعية الثقيلة. وبصورة متكررة، فشلت القوات الدفاعية الإسرائيلية في التمييز تمييزاً وافياً بين المقاتلين والمدنيين، كما تفرض بصرامة قوانين الحرب.
إسرائيل على حق في أن تحديد المقاتلين في منطقة مكتظة بالسكان أمر صعب، وأن مقاتلي «حماس» اختلطوا مرات مع المدنيين. لكنّ هذه الحقيقة لا ترفع واجبات إسرائيل في اتخاذ كل الإجراءات المجدية من أجل تخفيف الأذى عن المدنيين.
وجد فريقنا لتقصّي الحقائق أن في حالات عديدة، كان يمكن إسرائيل أن تفعل أكثر من أجل تجنّب المدنيين من دون التضحية بأهدافها العسكرية الشرعية والمعلنة. كان يجب عليها أن تمتنع عن مهاجمة المباني المدنية الواضحة، وعن القيام بأعمال قد تنتج مكاسب عسكرية لكن بإزهاق العديد من الأرواح المدنية. في هذه الحالات، على إسرائيل أن تُجري تحقيقاتها، وحماس ملزمة بفعل الشيء نفسه. عليهما أن يحققا بما جرى، وأن يعاقبا بطريقة مناسبة أيّ جندي أو قائد وُجد أنه قد انتهك القانون.
لسوء الحظ، كلّ من إسرائيل وحماس لديهما سجل قاتم بخصوص إجراء تحقيقات في تصرّفات قواتهما الخاصة. أنا لا أدرك أي حالة عُوقب فيها مقاتل لـ«حماس» لأنه أطلق عمداً صاروخاً على منطقة مدنية في إسرائيل، بل على العكس، فإن قيادات «حماس» أثنوا بصورة متكررة على أفعال كهذه. وبينما بدأت إسرائيل تحقيقاتها في انتهاكات مزعومة لقواتها خلال نزاع غزة، فإنها لا تبدو جدّية وموضوعية.
وفي غياب التحقيقات المحلية ذات الصدقية، للمجتمع الدولي دور يؤديه. وإذا كان لا يمكن تحقيق العدالة للمدنيين من خلال السلطات المحلية، فعلى الحكومة الأجنبية أن تتصرف. وهناك آليات متعددة يمكن من خلالها تحقيق العدالة الدولية، ومن ضمنها محكمة العدل الدولية وممارسة الدول الأخرى للسلطة القضائية العالمية ضدّ منتهكي معاهدة جنيف. لكن جميعها تتشارك في هدف جامع: محاسبة أولئك الذين ينتهكون قوانين الحرب، التي تقوم على الفرضية التي تقول إن المقاتلين المخطئين وضباطهم يمكن أن يواجهوا العدالة، حتى وإن كانت حكومتهم أو سلطتهم الحاكمة غير راغبة في اتخاذ هذا الإجراء.
السعي وراء تطبيق العدالة في هذه الحالة أمر ضروري، لأنه يجب ألا تكون أي دولة أو جماعة مسلحة فوق القانون. تواجه الحكومات الغربية على وجه الخصوص تحدياً لأنها دفعت باتجاه المحاسبة في مناطق النزاعات كدارفور، لكن الآن عليها أن تفعل المثل مع إسرائيل، الدولة الحليفة والديموقراطية.
الفشل في تطبيق العدالة في الانتهاكات الخطيرة التي جرت خلال القتال ستكون له عواقب في غاية الضرر على العدالة الدولية، وستكشف نفاقاً غير مقبول. خدمة لمئات المدنيين الذي ماتوا من دون أي حاجة، ومن أجل المساواة في تطبيق العدالة الدولية، الجناة الذين ارتكبوا انتهاكات خطيرة يجب أن يخضعوا للمحاسبة.

* مقال نشره في صحيفة نيويورك تايمز في عدد 17 أيلول الماضي، بعدما أنهت لجنته التحقيق في العدوان الذي شنّته الدولة العبرية على قطاع غزة في 27 كانون الأول 2008 على مدى 22 يوماً.


نقلا عن جريدة الأخبار اللبنانية بتاريخ ٥ تشرين الأول ٢٠٠٩

 




شارك هذه الصفحة: