المحكمة الخاصة بلبنان: عدالة انتقائية؟   

 

منظمة العفو الدولية، مقتطفات من وثيقة رقم: 2009/001/18MDE  

 

 

1. مقدمة

في1 مارس/آذار 2009، انعقدت للمرة الأولى بصورة رسمية في لاهاي المحكمة الخاصة بلبنان (المحكمة الخاصة)، بعد سنتين من تأسيسها من قبل مجلس الأمن الدولي، وأربع سنوات من اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق، رفيق الحريري، في 14 فبراير/شباط 2005. حيث أدى التفجير الهائل الذي استهدف موكبه بالقرب من شاطئ بيروت إلى مقتل 22 شخصاً آخر، بمن فيهم حراس شخصيون وأشخاص كانوا في المكان بالصدفة، بينما جرح في الحادثة 220 شخصاً آخر.

وبعد فترة وجيزة من الاغتيال، أرسلت الأمم المتحدة بعثة لتقصي الحقائق حول عملية الاغتيال وما أجرته السلطات اللبنانية من تحقيق فيها. وأشارت البعثة إلى دور سلبي للاستخبارات العسكرية السورية ولقيادات الأجهزة الأمنية اللبنانية في البلاد، ووجدت أن ثمة نواقص خطيرة تشوب التحقيقات. وأقر مجلس الأمن توصية البعثة بفتح تحقيق مستقل وقام بإنشاء "لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة" (لجنة التحقيق). وكلِّفت هذه في وقت لاحق أيضاً بالتحقيق في حوادث قتل وهجمات أخرى بعينها. وقامت السلطات بالقبض على عدة مسؤولين رفيعي المستوى في الاستخبارات اللبنانية وآخرين ما زال بعضهم قيد التوقيف حتى الآن، علماً بأنه لم يوجه إليهم، حتى الآن على الأقل، أي اتهام.

ويشير قرار إنشاء لجنة التحقيق، ومن ثم المحكمة الخاصة، إلى خروجمهم عن نمط الإفلات من العقاب ساد في لبنان فيما مضى، وشهد تمكُّن مرتكبي أعمال القتل السياسي وغيره من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان من الإفلات من المساءلة على جرائمهم على مدار سنين عديدة. إذ ذهب آلاف اللبنانيين من المنتمين إلى مختلف الطوائف والجماعات السياسية ضحايا للقتل بدوافع سياسية والاختفاء القسري خلال سني الحرب الأهلية ما بين 1975 و 1990و ما بعدها. وظل الجناة يستفيدون من مناخ الإفلات الكامل من العقاب السائد حتى الآن بسبب تقاعس الحكومات المتعاقبة عن الاستجابة لمطالبات أهالي المختفين وسواهم بمعرفة الحقيقة وتطبيق العدالة. وفي واقع الحال، تعترض قوانين العفو التي أصدرتها السلطات اللبنانية في 1991 و2005، على وجه التحديد، سبيل إمكان تقديم المسؤولين عن أعمال القتل السياسي وغيره من الانتهاكات الجسيمة التي ارتكبت إلى ساحة العدالة، ناهيك عن التوصل إلى الحقيقة وما يعنيه ذلك من فرصة لإغلاق الأبواب أمام ارتكاب المزيد من الجرائم.

وفي الوقت نفسه، يشير نطاق الصلاحيات والولاية القضائية المحدودان للمحكمة الخاصة من النظرة الأولى إلى أن البعض سيرى فيها مثالاً على العدالة الانتقائية، التي يُقدَّم بموجبها مرتكبي جريمة قتل رفيق الحريري وعدد صغير نسبياً من الهجمات الاخرى إلى ساحة العدالة، بينما يستمر إفلات العديد من مرتكبي الجرائم الأخرى المماثلة من العقاب ومن أية مساءلة. وبالنتيجة، فإن من الأمور الأساسية لمصداقية المحكمة الخاصة ليس فحسب تسيير أعمالها في اتساق تام مع المعايير الدولية للمحاكمة العادلة، وإنما أيضاً أن تتخذ السلطات اللبنانية تدابير تكميلية للتصدي للجرائم الجسيمة ضد حقوق الإنسان التي لا تطالها الولاية القضائية للمحكمة الخاصة. والعديد من هذه الجرائم تم ارتكابها قبل اغتيال رفيق الحريري، ولكن لم يجر التحقيق فيها، كما لم يواجه مرتكبوها العدالة بعد.

ويصف هذا التقرير الموجز خلفية إنشاء المحكمة الخاصة وصلاحياتها وإجراءاتها، كما تم تحديدها حتى الآن، مع الأخذ في الحسبان الاعتبارات المتعلقة بمحاكم دولية خاصة أخرى ومحاكم خاصة مختلطة ذات أبعاد وطنية ودولية. كما يصف التقرير بإيجاز إرث الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في لبنان التي لم يتم التصدي لها بعد، والتي لا يشملها نطاق صلاحيات المحكمة الخاصة، وكذلك انتهاكات حديثة لحقوق الإنسان وأوجه الخلل في النظام القضائي التي لم تقم السلطات اللبنانية حتى الآن بمعالجتها بالقدر الكافي. ويخلص التقرير إلى تقديم توصيات باتخاذ تدابير محددة لجسر الهوة القائمة. فمثل هذه الخطوة ضرورية على نحو مُلح لكسر الحلقة المفرغة للإفلات من العقاب التي طالما شكلت مظلة للجناة من مرتكبي انتهاكات حقوق الإنسان في لبنان. وهي ضرورية كذلك، سواء من أجل تكملة عمل المحكمة الخاصة، وعلى وجه الخصوص من أجل إظهار أن المحكمة الخاصة ليست سوى جزءاً من عملية أوسع نطاقاً لطي صفحة انتهاكات الماضي وضمان تكافؤ الفرص أمام جميع ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان في التماس العدالة.

4. المحكمة الخاصة

باشرت المحكمة الخاصة بلبنان أعمالها في 1 مارس/آذار 2009، بعد أن تم إنشاؤها بموجب قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1757 الصادر في 30 مايو/أيار 2007. وجاء القرار بناء على توقيع الأمم المتحدة ولبنان اتفاقية بشأن إنشاء المحكمة، وصياغة نظامها الأساسي في وقت سابق من عام 2007. ولم يتم التصديق أبداً على الاتفاقية من جانب البرلمان اللبناني بسبب المواجهة بين الكتلتين اللبنانيتين الرئيسيتين المتعارضتين، ائتلافي 8 مارس/آذار و14 مارس/آذار، بشأن المسألة، ما أدى برئيس الوزراء اللبناني فؤاد السنيورة إلى الطلب من مجلس الأمن الدولي إعمال المحكمة الخاصة بقرار منه.

والمحكمة الخاصة في الأساس محكمة وطنية لبنانية تشتمل على بعض المكونات الدولية، حيث تضم قضاة لبنانيين ودوليين في الوقت نفسه، بينما تطبق القانون الوطني في تعريفاتها للجرائم. وسيكون مقر المحكمة الخاصة في لاهاي، وجزئياً لاعتبارات تتعلق بالأمن.

وتنتهي صلاحيات لجنة التحقيق عشية افتتاح المحكمة الخاصة، التي ستواصل التحقيقات التي بدأتها لجنة التحقيق دون انقطاع. وستُسلَّم المعلومات التي جمعتها لجنة التحقيق إلى المحكمة الخاصة، وفقاً للمادة 19 من نظامها الأساسي.

1.4 نطاق الصلاحيات

تم تحديد صلاحيات المحكمة الخاصة بموجب المادة 1 من النظام الأساسي للمحكمة، الذي يمنحها الولاية القضائية للتحقيق ومن ثم لمقاضاة القتلة المزعومين لرفيق الحريري و22 شخصاً آخر. كما تتمتعبالولاية القضائية على جرائم قتل ومحاولات اغتيال أخرى ارتكبت ما بين 1 أكتوبر/تشرين الأول 2004 و12 ديسمبر/كانون الأول 2005، أو في أي موعد لاحق تحدده الأمم المتحدة ولبنان بموافقة مجلس الأمن، ولكن فقط إذا تبين أن لها صلة باغتيال رفيق الحريري، وأنها تماثله من حيث طبيعتها وجسامتها. أما العوامل التي يمكن أن تتضمنها مثل هذه الصلة، بحسب المادة 1، فهي "مجموعة من العناصر التالية: القصد الجنائي (الدافع)، والغرض من وراء الهجمات، وطبيعة الضحية المستهدفة، ونمط الهجمات (الأسلوب الذي نفذت به)، وŘјʙØșȠالجرم".

أما نطاق الصلاحيات فهو الأضيق بين ما تمتعت به أية محكمة خاصة ذات طبيعة دولية. فهي لا تملك ولاية قضائية على عدد هائل من الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان التي ارتكبت في لبنان في السنوات أو العقود الأخيرة، ما يثير بواعث قلق بأن ثمة انتقائية سياسية تقف وراء ما يجري الترويج له من عدالة.

2.4 البنية والتشكيل

تتألف المحكمة الخاصة من أربعة أجهزة: غرف المحاكمات، والمدعي العام، والسجل، ومكتب الدفاع. وتضم غرف المحاكمات قاضياً دولياً لما قبل المحاكمة؛ وغرفة محاكمة تضم قاضياً لبنانياً واحداً وقاضيين دوليين؛ وغرفة استئناف تضم قاضيين لبنانيين وثلاثة قضاة دوليين وقاضيين مناوبين (أحدهما لبناني والآخر دولي). وقد عيَّن الأمين العام للأمم المتحدة في نوفمبر/تشرين الثاني 2007 دانييل بيلمارمدعياً عاماً، وفي الوقت نفسه عُيِّن مفوضاً للجنة التحقيق، بعد التشاور مع الحكومة اللبنانية، وبناء على توصية من لجنة اختيار هيئة المحكمة. وسيدير مأمور التسجيل شؤون مكتب السجل (قلم المحكمة)، الذي سيعالج الأمور الإدارية والتشغيلية. وقد عين الأمين العام للأمم المتحدة في مارس/آذار 2008 روبين فنسنت من المملكة المتحدة، وهو مأمور سجل سابق للمحكمة الخاصة بسيراليون، لإشغال هذا المنصب . ويتمتع مكتب الدفاع بصلاحيات تخوله العمل من أجل حماية حقوق الدفاع ويرأسه شخص يعينه الأمين العام للأمم المتحدة بالتشاور مع رئيس المحكمة الخاصة.

وتضم هيئة المحكمة الخاصة 11 قاضياً، أربعة من لبنان وسبعة من دول أخرى، تم تعيينهم بناء على قرار لجنة لاختيار القضاة عينها الأمين العام. ففي أغسطس/آب 2007، دعا الأمين العام للأمم المتحدة لبنان ودولاً أخرى إلى تقديم أسماء قضاتها المرشحين لإشغال المناصب، وقامت لجنة انتقاء القضاة في 4 ديسمبر/كانون الأول 2008 بمقابلة المرشحين ورفعت توصياتها إلى الأمين العام، الذي أقر خياراتها. وكان "مجلس القضاء الأعلى اللبناني" قد تقدم بأسماء 12 مرشحاً إلى وزارة العدل لاختيار القضاة اللبنانيين الأربعة في هيئة المحكمة. ولأسباب أمنية، لم يتم إعلان أسماء القضاة المرشحين حتى الآن. وأحد أوجه الضعف المحتملة لهذه العملية هو أن النظام الأساسي للمحكمة الخاصة لا يتضمن أية معايير تفصيلية بشأن من يتم تعيينهم، من قبيل ضرورة توافر الخبرات والتجربة في مجال القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الجنائي.

وستغطى نسبة 51 بالمئة من كلفة نفقات المحكمة الخاصة من خلال مساهمات طوعية من الدول، بينما ستتكفل الحكومة اللبنانية بتغطية نسبة 49 بالمئة المتبقية.4 وقد صرح مأمور التسجيل، روبين فنسنت، في مؤتمر صحفي عقده في 24 فبراير/شباط 2009 بأن الوضع التمويلي للمحكمة الخاصة "في صحة جيدة للغايةً". بيد أن استقلالية المحكمة الخاصة قد تتأثر سلباً إذا ما انتهى الأمر إلى تصور أنه ينبغي الاعتماد في تمويلها على كرم قلة من الدول المانحة الكبيرة. إذ تظهر تجارب المحكمة الخاصة بسيراليون وغرف المحاكمات الاستثنائية الخاصة بكمبوديا في هذا الجانب أن ثمة شكوكاً ومشكلات تشغيلية يمكن أن تنجم عن امتناع الدول عن تسديد مساهماتها بصورة ثابتة وعلى نحو كاف لقيام المحكمة بواجباتها.

أما التمويل من جانب الحكومة اللبنانية فلا يخلو من مشكلات لسببين مختلفين. فمن ناحية، يمكن للتغيير في حكومة لبنان أن يؤدي بصورة مفهومة إلى وضع يحبذ فيه من هم في سدة الحكم وقف التحقيق أو تقويضه، وقد يوقفون تمويل حصتهم من التكاليف. ومن ناحية ثانية، لا يمكن التقليل من حجم العبء المالي الذي تتطلبه نفقات التحقيقوالمحكمة. ففي 24 فبارير/شباط 2009، قال مأمور التسجيل، روبين فنسنت، إن ميزانية المحكمة الخاصة لعام 2009 سوف تبلغ 1.45مليون دولار أمريكي، وإن لبنان قد قدَّم منذ الآن دفعة أولى معتبرة. وهذا يعني أن إسهام السلطات اللبنانية سوف يزيد بعدة ملايين من الدولارات عن الميزانية السنوية المخصصة لوزارة العدل بكاملها. وسيتساءل عديدون في داخل لبنان وخارجه حول ما إذا كان الاستثمار على هذا النحو في مقاضاة من اغتالوا رفيق الحريري وما يتصل بمقتله من اعتداءات أمراً متناسباً، نظراً لضخامة عدد عمليات القتل والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان الأخرى التي يستثنيها التحقيق.

3.4 القانون والإجراءات النافذة

تملك المحكمة الخاصة الولاية القضائية للبت في عدد محدود من الجرائم وفق القانون الوطني اللبناني. فالمادة 2 من نظامها الأساسي ينص على أن هذه تنحصر في "الأحكام المتضمنة في القانون الجنائي اللبناني المتعلقة بمقاضاة ومعاقبة الأعمال الإرهابية والجرائم والأفعال الجرمية ضد الحياة والسلامة الشخصية، والشراكات غير المشروعة والامتناع عن الإبلاغ عن الجرائم والأفعال الجرمية، بما في ذلك القواعد الخاصة بالعناصر المادية للجريمة،والمشاركة الجرمية والتآمر". وخلافاً للمحاكم الأخرى ذات الطابع الدولي، لا تتمتع المحكمة الخاصة بالولاية القضائية على جرائم دولية خطيرة من قبيل جرائم الحرب أو الجرائم ضد الإنسانية.

وتملك المحكمة الخاصة سلطة فرض عقوبات يمكن أن تصل إلى وتشمل السجن المؤبد. أما عقوبتا الإعدام أو الأشغال الشاقة، المطبقتان بموجب القانون اللبناني، فقد تم استثناؤهما.

وخلافاً لما هو سائد في حالة بعض المحاكم الدولية الخاصة الأخرى ذات الطابع الدولي،5 فإن النظام الأساسي للمحكمة الخاصة بلبنان لا يتضمن أي أحكام تقيِّد الحصانة الممنوحةلرؤساء الدول، وأحياناً لبعض المسؤولين الحكوميين الآخرين رفيعي المستوى. ويمكن لمثل هذه الحصانة أن تعفي هؤلاء المسؤولين الرسميين من المسؤولية الجنائية، إذا ما وجه إليهم الاتهام، أو أن تشكل أساساً لتخفيف الحكم عنهم إذا ما أدينوا. وعلى النقيض من ذلك، تورد المادة 6، تخصيصاً، أن قرارات العفو لن تشكل عائقاً أمام المقاضاة من قبل المحكمة.

ويتضمن النظام الأساسي بعض العناصر الإجرائية، بيد أن مجموعة القواعد الرئيسية التي سيطبقها قضاة المحكمة سيتم تحديدها في "قواعد الإجراءات والأدلة". وقد تم تشكيل مجموعة عمل من الخبراء في مارس/آذار 2008 كي تتكفل بالعمل التحضيري المتعلق بصياعة هذه القواعد، التي سيتم وضع اللمسات الأخيرة عليها وتبنيها من جانب القضاة حالما يسمح الوضع العملي بذلك بعد انعقاد اجتماعهم الأول. وطبقاً للمادة 28 من النظام الأساسي، ستعالج هذه القواعد "المسار الذي تتخذه إجراءات ما قبل المحاكمة والمحاكمة نفسها وإجراءات الاستئناف، وقبول الأدلة، ومشاركة الضحايا، وحماية الضحايا والشهود، والأمور المناسبة الأخرى". وستكون اللغات الرسمية المعتمدة من جانب المحكمة الخاصة العربية والإنجليزية والفرنسية.

أما حقوق المشتبه فيهم أثناء التحقيق، والمتهمين الذين يمثلون أمام المحكمة الخاصة، فترد في المادتين 15 و16 من النظام الأساسي، اللتين تنصان أيضاً على التدابير الوقائية والأحكام المتعلقة بنزاهة المحاكمات التي يكفلها القانون الدولي. وسيكون من الأهمية بمكان احترام هذه الحقوق بثبات في التطبيق العملي.

وبموجب المادة 22 من النظام الأساسي، يمكن أن تتم إجراءات المحاكمات في غياب المتهم بحسب بعض السيناريوهات، وعلى وجه التحديد إذا كان/كانت قد"تنازل/تنازلت عن الحق في حضور المحاكمة"؛ أو "لم يتم تسليمه/تسليمها إلى المحكمة الخاصة من قبل سلطات الدولة المعنية"؛ أو "قد فر/فرت من وجه العدالة وتعذر العثور عليه/عليها بعد اتخاذ جميع الخطوات المعقولة لضمان إحضاره/إحضارها أمام المحكمة الخاصة وإبلاغه/إبلاغها بالتهم التي أكدها قاضي ما قبل المحاكمة". وتعتقد منظمة العفو الدولية أنه ينبغي للمحاكمات عموماً أن لا تجري في غياب المتهم، ما لم يكن المتهم قد تغيب عن سابق قصد عن حضور الإجراءات بعد أن تكون قد بدأت، أو سلك سلوكاً يعطل عمل المحكمة وتم إبعاده مؤقتاً. وحتى في مثل هذه الحالة، ينبغي استخدام الاتصال عن طريق الفيديو أو عبر الوسائل السمعية لإتاحة الفرصة أمام المتهم كي يتابع الإجراءات. وبالنتيجة فإنه ينبغي، في رأي منظمة العفو الدولية، إذا ما تم القبض على المتهم عقب إدانته غيابياً لسبب خلاف هذين السببين، اعتبار الحكم الصادر غيابياً باطلاً وعقد محاكمة جديدة تفصل فيها هيئة قضاة خلاف الأولى.

وأخيراً، تملك المحكمة الخاصة سلطة "تحديد الضحايا الذين تضرروا كنتيجة لارتكاب جرائم من قبل المتهم الذي تدينه المحكمة"، وذلك بحسب المادة 25 من النظام الأساسي، ولكن يظل من حق الضحية وحدها تقرير أمر "تحريك دعوى في محكمة وطنية أو أمام أية هيئة مؤهلة أخرى للحصول على التعويض". وثمة باعثا قلق محتملان في هذا الصدد. أولهما هو ما يبدو من أن الضحايا لا يستطيعون المطالبة بالتعويض، سواء أكانهذا مالياً أو في أشكال أخرى معترف بها للانتصاف، من قبيل رد الاعتبار وإعادة التأهيل والإرضاء والضمانات بعدم تكرار ما حدث، أمام المحكمة الخاصة مباشرة. وثانيهما هو عدم وجود أية أحكام محددة لطلب الانتصاف بالنسبة للأشخاص الذين يُقبض عليهم أو يتم توقيفهم على نحو غير قانوني بالعلاقة مع تحقيقات المحكمة. وفضلاً عن ذلك، فسيكون من الأهمية بمكان تأويل عبارة "ضحية" بمفهومها الأوسع لتشمل جميع من "لحق بهم الضرر"، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة، كما هو الحال بالنسبة لأفراد عائلات الضحايا ممن تعرضوا للهجمات.

5. غياب التدابير التكاملية لمعالجة الإفلات من العقاب والظلم

1.5 الانتهاكات السابقة

بينما تركز المحكمة الخاصة بلبنان على جرائم خطيرة بعينها حدثت في السنوات الأخيرة، ثمة غياب فاضح للتدابير التكميلية لمعالجة آلاف عمليات القتل والإخفاء القسري وغير ذلك من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي ارتكبت في لبنان، على أيدي فاعلين لبنانيين وغير لبنانيين، على السواء، في العقود الأخيرة.

فإبان الحرب الأهلية ما بين 1975 و1990، لقي ما لا يقل عن 100,000شخص مصرعهم، حسبما يعتقد، على أيدي مختلف أطراف النـزاع، بينما ورد أن ما لا يقل عن 17,000شخص "اختفوا" قسراً. بيد أن السلطات اللبنانية لم تتخذ أي خطوات فعالة تذكر من أجل كشف الحقيقة وتحقيق العدل للضحايا.

وثمة حالة مشابهة من الإفلات من العقاب على ما ارتكب من انتهاكات أثناء وجود القوات العسكرية الأجنبية في العقود الأخيرة. فأثناء الهجمات الإسرائيلية في 1978، قُتل ما يربو على 1,000مدني، بينما قُتل 17,000لبناني آخر أثناء الغزو الإسرائيلي للبنان في عام 1982 وما تلاه من احتلال. وأثناء الوجود السوري في لبنان في الفترة 1975 – 2005، حدثت مئات عمليات القتل والاختفاء القسري. إلا أنالسلطات الإسرائيلية أو السورية لم تجر، بحسب علم منظمة العفو الدولية، أي تحقيق مُرض في الحالات التي زُعم فيها أن قواتهما كانت مسؤولة عن انتهاكات جسيمة للقانون الدولي لحقوق الإنسان أو القانون الإنساني الدولي، بينما لم يبد المجتمع الدولي أي اهتمام بفتح تحقيقات على المستوى الدولي.

2.5 الانتهاكات القريبة والمستمرة

قُتل مئات المدنيين جراء العنف السياسي أو إبان النـزاع المسلح منذ 1 أكتوبر/تشرين الأول 2004، وهو تاريخ مباشرة لجنة التحقيق صلاحياتها المؤقتة، وتشكيل المحكمة الدولية. فقد أدى العنف السياسي إلى مقتل: عشرات المواطنين السوريين، الذين ورد أنهم قتلوا ضمن رد الفعل على اغتيال رفيق الحريري؛ وما لا يقل عن 40 مدنياً أثناء الاشتباكات المسلحة في مخيم نهر البارد للاجئين في 2007؛ وثلاثة متظاهرين أثناء مظاهرة سلمية خرجت في 29 يونيو/حزيران 2007 ما بين مخيم نهر البارد ومخيم البداوي للاجئين. وأثناء نزاع 2006 بين إسرائيل و"حزب الله"، قُتل نحو 1,000من اللبنانيين المدنيين بينهم مئات الأطفال، كما لقي ما لايقل عن 28 مدنياً مصرعهم بعد توقف العمليات القتالية جراء انفجار الذخائر العنقودية التي لم تنفجر أثناء قصف القوات الإسرائيلية للأراضي اللبنانية. ومع ذلك، فإن السلطات ما زالت غير قادرة على مقاضاة الجناة، أو غير راغبة في ذلك، حين يتعلق الأمر بنزاع 2006. وبالمثل، لم يعر المجتمع الدولي أي اهتمام لمسألةتحقيق العدالة بشأن ما حدث.

إن دور الأمم المتحدة في التحقيق في مقتل رفيق الحريري وتقديم المشتبه فيهم إلى العدالة قد استند إلى الاعتراف بأن نظام القضاء اللبناني يعاني من غياب الاستقلالية والحيْدة السياسية. وهذا الأمر وغيره من أوجه القصور موثَّق بصورة جيدة من قبل هيئات الأمم المتحدة ومنظمة العفو الدولية وغيرها من منظمات حقوق الإنسان، وهو مسألة يعترف بها كبار السياسيين اللبنانيين. بيد أنه لا يبدو أنلدى السلطات اللبنانية أي خطط ملموسة للتصدي لهذه الإخفاقات. ونتيجة لهذه النواقص، ولو جزئياً، فإن ثمة مزاعم متواترة عن استمرار تفشي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، بما فيها التعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة، والاعتقال التعسفي والعنف ضد المرأة.

ومما يثير القلق على وجه خاص وجود نظامين للمحاكم، هما المحاكم العسكرية و"المجلس العدلي". وقد أوصت "لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة" منذ 1997 بأنه ينبغي تقييد الولاية القضائية للمحاكم العسكرية لتشمل الجرائم العسكرية فحسب، بينما ينبغي وقف محاكمة المدنيين أمام هذه المحاكم. فقد فشلت المحاكمات أمام المحاكم العسكرية فشلاً ذريعاً على الدوام في تلبية مقتضيات المعايير الدولية للمحاكمة العادلة، ولا سيما بسبب كون قضاة هذه المحاكم، بصورة طاغية، من الضباط الذين لا يزالون في سلك الخدمة العسكرية، ولا يمكن بالتالي اعتبارهم قضاة مستقلين، ناهيك عن افتقارهم إلى التدريب القضائي الكافي، وإصدارهم أحكاماً لا تتضمن توضيحات وافية تعلل ما توصلوا إليه من قرارات. أما "المجلس العدلي"، فينظر إليه على نطاق واسع بأنه خاضع للاعتبارات السياسية في أدائه لمهامه؛ كما كما إن صلاحياته لا تنص على الحق في الاستئناف، حتى في القضايا التي يمكن أن تصدر فيها أحكام بالإعدام؛ بينما تخضع جلسات الاستماع التي يعقدها في كثير من الأحيان لعمليات تأخير مطوَّلة تقوض الحق في محاكمة عادلة.

وفي كل الأحوال، فإن النظام القضائي، بكافة فروعه، ما انفك يثير بواعث قلق بشأن ما يرتكب في تلافيفه من تعذيب واعتقال تعسفي، بينما يتمتع مرتكبو هذه الانتهاكات ومن يأمرون بها في ظله بالإفلات من العقاب. ففي السنوات القليلة الأخيرة، اشتكى عشرات المعتقلين من أنهم قد تعرضوا للتعذيب أو لغيره من ضروب سوء المعاملة أثناء فترة اعتقالهم، بينما تقاعست السلطات اللبنانية، في جميع الحالات تقريباً، عن ضمان التحقيق في مثل هذه المزاعم على وجه السرعة وبصورة مستقلة وغير متحيزة، وفق ما تستوجبه التزامات لبنان بمقتضى المعاهدات الدولية لحقوق الإنسان، وفي مقدمتها "اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة". وفضلاً عن ذلك، ما زالت المحاكم تقبل "الاعترافات" التي يُزعم أنها انتزعت تحت التعذيب أو الإكراه، ولا سيما أثناء احتجاز المعتقلين بمعزل عن العالم الخارجي للاستجواب، كأدلة ضدهم في المحاكمات ودون التحقق على نحو كاف من الظروف التي تم الإدلاء فيها بهذه "الاعترافات"، أو اتخاذ الخطوات المناسبة لضمان أنه لم يتم الحصول عليها تحت التعذيب أو الإكراه.

...

1.6 خاتمة

تشكل "لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة" ومعها "المحكمة الخاصة بلبنان" تحولاً كبيراً فيما يتعلقبنمط الإفلات من العقاب الذي ساد في لبنان لفترة طويلة من الزمن. بيد أنهما لا يشكلان وحدهما رداً كافياً. فما لم ترافقهما تدابير أخرى، ستظل هناك مجازفة بأن ينظر إليهما على أنهما مجرد أداة سياسية انتقائية، وستفتقران إلى المصداقية والثقة العامة اللتين ينبغي أن تتمتعا بهما إذا ما أريد لهما أن تمثلا نقلة نوعية حقاً نحو احترام أكبر لحكم القانون في لبنان. ومع مرور الوقت، يصبح من المُلح على نحو متزايد أن تقر الحكومة اللبنانية تدابير تكميلية تعالج إرث الانتهاكات الجسيمة السابقة الأخرى لحقوق الإنسان، وأن تقر كذلك أنظمة للتصدي للانتهاكات الراهنة. فإذا ما تركت المحكمة الدولية لشأن سبيلها لتسيِّر العدالة على نحو انتقائي، ثمة خطر حقيقي في أن يؤدي ذلك إلى تفاقم الانقسام السياسي داخل لبنان ويساعد على فتح جراح الماضي.

 

هوامش

1 تقرير بعثة تقصي الحقائق إلى لبنان للتحقيق في أسباب وظروف ونتائج اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري، 25 فبراير/شباط – 24 مارس/آذار 2005، رقم الوثيقة S/2005/2003 ، 24 مارس/آذار 2005.

2 أنظر التقرير الحادي عشر "للجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة"، الوثيقة رقم: S/2008/752 ، 2 ديسمبر/كانون الأول 2008، والتقرير العاشر للجنة التحقيق، الوثيقة رقم: S/2008/210 ، 28 مارس/آذار 2008.

3 أنظر، على سبيل المثال، التقرير الثالث للجنة التحقيق، الوثيقة رقم: S/2006/161 ، الفقرة 51.

4 المادة 5 من الاتفاقية المعقودة بين الأمم المتحدة والجمهورية اللبنانية بشأن إنشاء محكمة خاصة بلبنان، الملحقة بقرار مجلس الأمن الدولي 1757.

5 أنظر المادة 27 من قانون روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، والمادة 7 من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية الخاصة بيوغوسلاقيا السابقة، والمادة 6 من النظام الأساسي للمحكمة الخاصة بسيراليون.

 




شارك هذه الصفحة: