المحكمة الخاصة بلبنان: عدالة انتقائية أو محفزا للمساءلة؟

 

مقال من المركز الدولي للعدالة الانتقالية- مساهمة في مجلة موارد

 

14 شباط 2010: لقد مرت خمس سنوات على الانفجار الذي أودى بحياة رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري و 22 آخرون. بعد خمس سنوات على المطالبة "بالحقيقة" من خلال المظاهرات الحاشدة التي أعقبت حادثة الاغتيال، بقيت الحقيقة غائبة.

 

يبقى الجناة في حادثة الاغتيال غير معروفين حتى الآن بالرغم من تشكيل لجنة تحقيق دولية مستقلة من قبل الأمم المتحدة (UNIIIC)  استمرت بأعمالها لمدة أربع سنوات وإنشاء المحكمة الخاصة للبنان (STL) وولايتها التحقيق ومحاكمة المسؤولين عن هذه الجريمة.

 

بعد مرور خمس سنوات، هناك شعور بالسخرية أخذ يستبدل التوقعات الخائبة. بعد أقل من شهرين على إنشائها، وبالعمل وفق قواعد وإجراءات المحكمة، أمر قاضي المحكمة بإطلاق سراح أربعة أشخاص، كانوا قد اعتقلوا في هذه القضية، على أساس عدم كفاية الأدلة. وقبل ذلك بعدة أسابيع كان قاضي التحقيق اللبناني المكلف بهذه القضية قد قام برفع مذكرة التوقيف الصادرة غيابيا عن شخص واحد كان قد تم تعريفه كشاهد ومن ثم اعتباره مشتبها به من قبل ال UNIIIC.

 

ليس هنالك أي مشتبه بهم في القضية وليس من الواضح متى سيقوم مكتب المدعي العام باستصدار لائحة اتهام. تتساءل اليوم الأصوات التي دعمت الولادة العسيرة لهذه المحكمة إذا كانت المحكمة ستنجح في ولايتها يوما ما. يرى بعض المراقبين أن المحكمة الخاصة بلبنان يمكن أن تكون في طريقها إلى وفاة مبكرة بسبب مجموعة متغيرات صارخة في السياسية الدولية وإثر قصور التحقيق الدولي عن التوصل إلى أدلة دامغة وهو ما وصفه البعض "بخيانة الأمم المتحدة – UN Betrayal"[1]. ولكن الوقت ما زال مبكرا لاستبعاد خيار المحكمة بسبب عدم وجود حالات سابقة مشابهة نستطيع من خلالها تقييم أو توقع جدول زمني.

 

قبل عشرة أيام من الذكرى الخامسة للاغتيال سعى رئيس المحكمة الخاصة بلبنان، أنتونيو كاسيسي، لتبديد المخاوف وذلك من خلال توضيحه ولاية المحكمة الفريدة وبالتالي استحالة قياس أداءها بالمقارنة مع محاكم دولية أخرى أو مختلطة. قال أنتونيو كاسيسي لجريدة السفير[2] اليومية خلال زيارته الأولى للبنان: "إننا نتعامل مع قضية معقدة جدا متعلقة بجريمة إرهابية. جريمة هي الأولى من نوعها في حقل العدالة الدولية".

 

المحكمة الخاصة بلبنان: نموذج فريد

 

لقد تم إنشاء المحكمة الخاصة بناء على قرار مجلس الأمن1757 (2007) . وهي محكمة مختلطة أو ’هجينة‘ تهدف لمحاكمة جناة مزعومين كانوا وراء سلسلة من محاولات اغتيال واغتيالات استهدفت شخصيات سياسية وإعلامية لبنانية بارزة ، بدأت في عام 2004. تطبق المحكمة القانون اللبناني ولكن مقرها في هولندا. وتتكون المحكمة من قضاة لبنانيون ودوليون فضلا عن موظفين لبنانيين و دوليين. ويتم تمويل المحكمة من تبرعات طوعية للدول الأعضاء في الأمم المتحدة وبمساهمة من لبنان.

 

تمثل المحكمة الخاصة بلبنان في كل من لبنان ولاهاي نموذج فريد من نوعه: محكمة أنشأت للتعامل مع جرائم سياسية بما فيها " الإرهاب". و من هنا فهي تثير قضايا تشغيلية وفنية تختلف كثيرا عن سابقاتها ومنها: المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة (ICTY) و لرواندا ( ICTR) وقد تم تسميتهم ( محاكم مخصصة ad hoc tribunals). أو المحاكم "الهجينة" الخاصة بسيراليون وكمبوديا والتي ركزت على الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان. لقد استمدت تلك المحاكم شرعيتها من طبيعة الانتهاكات والتي اعتبرت ليس فقط جرائم بحق الضحايا كأفراد وإنما جرائم ضد المجتمع الدولي ككل[3]. 

 

وفي حين تستمر كل من هذه المحاكم بمواجهة العديد من التحديات مع تطور نظام العدالة الدولية الحديث العهد، ولدت المحكمة الخاصة بلبنان وسط حالة من عدم الاستقرار السياسي الحاد الذي سيطر حينها على المشهد اللبناني، وتمثل بسلسلة من الاغتيالات السياسية، وبحرب شاملة مع إسرائيل، وأشهر طويلة من الشلل السياسي تخللها جولات من العنف تذكر بشبح الحرب الأهلية اللبنانية التي استمرت زهاء 15 عاما.

 

لقد تم دمج المعايير الدولية لحقوق الإنسان في النظام الداخلي للمحكمة، كما في المحاكم التي سبقتها، على أن يحظى جميع المشتبه بهم (المادة 15) والمتهمين (المادة 16) بالضمانات الأساسية الدنيا للحصول على محاكمة عادلة. وتراعي مواد النظام الأساسي القانون الدولي لحقوق الإنسان وبالأخص المادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وتتمثل هذه الحقوق في اعتبار المتهم بريئا حتى تثبت إدانته؛ وأن يكون على معرفة تامة بالتهم الموجه إليه؛ والحق في محاكمة علنية أمام محكمة مستقلة ومحايدة بلا تأخير غير مبرر؛ والحق بالطعن في قانونية وظروف الاعتقال، بما في ذلك أي تغيير طرأ على هذه الظروف منذ الاعتقال؛والحق في التمثيل القانوني من خلال محام فرصة استشارة المحامي خلال مختلف مراحل المحاكمة. إن ضمان احترام جملة هذه الحقوق أمر بغاية الأهمية لضمان مصداقية المحكمة الخاصة بلبنان. وعلى سبيل المثال، شكل الفشل في احترام حقوق المتهمين[4] من المسؤولين العراقيين السابقين بشكل مستمر ولا لبس فيه أمام المحكمة العراقية الخاصة، مادة رئيسية لانتقاد أدائها.

 

بالإضافة إلى ما سبق، وشأنها شأن جميع المحاكم التي ساهمت في إنشائها الأمم المتحدة، لا يمكن للمحكمة الخاصة بلبنان تطبيق عقوبة الإعدام على الرغم من أن العديد من الجرائم الواقعة ضمن ولايتها تعاقب بعقوبة الإعدام بموجب القانون اللبناني.

 

وعلى الرغم من أوجه التشابه التي سبق ذكرها- فضلا عن غيرها- بين المحكمة الخاصة بلبنان وغيرها من المحاكم الدولية، فإن اختصاص المحكمة الخاصة بلبنان يجعل منها نموذجا فريدا، واختصاصها أضيق من المحاكم الدولية الأخرى، وولايتها لا تشتمل على محاكمة انتهاكات القانون الدولي الإنساني أو الجنائي. وتعرف المادة الأولى من النظام الداخلي للمحكمة ولايتها على أنها "تطال الأشخاص المسؤولين عن الهجوم الذي وقع في 14 شباط 2005 وقتل فيه رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري كما قتل وجرح فيه أشخاص آخرون"، كما أن ولايتها تمتد لهجمات أخرى إذا كانت على صلة بذلك الهجوم بحسب قواعد العدالة الجنائية وإذا ما كانت من نفس الطبيعة أو بحجم الهجوم الذي استهدف الحريري.

 

إن المحكمة الخاصة بلبنان تتعامل مع مجموعة محددة من الاغتيالات السياسية وقعت في فترة محددة، وهي بالحد الأدنى سوف تعمل على محاسبة الأشخاص المسؤولين، عن الهجوم الذي قتل الحريري، من خلال محاكمة عادلة ومحايدة. وفي لبنان الذي شهد اغتيالات سياسية كثيرة، بما في ذلك اغتيال رئيسي جمهورية وثلاثة رؤساء حكومات، يمكن أن تشكل المحكمة، في حال نجاحها بداية مرحلة من المساءلة حول أعمال العنف هذه.

 

وتشكل المحكمة الخاصة بلبنان بفعل نظامها آلية انتقائية للعدالة، ولدت بمشيئة دولية- مشيئة لا تتوافر لمعالجة إرث لبنان الثقيل في مجال انتهاكات حقوق الإنسان أو حتى الانتهاكات حديثة العهد.

 

نظام عدالة بمستويين؟

 

شهد لبنان حربا وحشية بين عامي 1975 و 1990، أدت إلى مقتل ما لا يقل من 140.000 من المدنيين. واستمرت انتهاكات حقوق الإنسان فيما عانى لبنان الاحتلال السوري والإسرائيلي. ولم يتم التحقيق تقريبا في أي من الجرائم التي وقعت في المرحلتين التين سبق ذكرهما. لم يتم الكشف عن المقابر الجماعية؛ ويبقي العديد من الأشخاص ’مفقودين‘ أو بلا أثر؛ كما لم يتم الاعتراف بمحنة الضحايا. وبقيت المساءلة حول 15 عاما من القتال محجوبة بموجب قانون عفو عام لم يعالج جذور الحلقة المفرغة لجولات العنف التي تعصف بلبنان فضلا عن تفته السياسي. وفي عام 2006، قتل أكثر من 1000 مدني خلال حرب استمرت شهر مع إسرائيل.

 

لقيت الانتهاكات الأساسية لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي التي وثقها خبراء الأمم المتحدة المستقلين[5]، والجماعات الدولية لحقوق الإنسان اهتماما محدودا جدا من قبل المجتمع الدولي[6]. كذلك، لم تفعل السلطات اللبنانية سوى القليل للرد على تلك الانتهاكات[7].

 

وفيما خصها، لم توفر السلطات اللبنانية أية سياسات خاصة تخفف من معاناة الضحايا. لم يفي المجلس النيابي اللبناني، وعلى سبيل المثال، بوعده بنشر تقرير عن الضحايا المدنيين الذين سقطوا خلال حرب تموز 2006. وفي حين ورد في خطاب القسم والبيان الوزاري تعهد بمعالجة موضوع عشرات آلاف من المفقودين في الحرب الأهلية، على السلطات أن تقوم بخطوات ملموسة لمعالجة هذه المسألة بشكل جدي. ولم تقم السلطات بأي تحقيق رسمي في مقتل العديد من المدنيين أثناء جولات العنف التي حدثت في مايو/ أيار 2008 بين فصائل داخلية متناحرة.

 

جاء دخول المحكمة الخاصة بلبنان في مواجهة هذا التاريخ المطول من الإفلات من العقاب، وفي محاولة لوقف عمليات الاغتيال السياسي. وبحسب التعريف، سوف تكون العدالة التي سوف ترسيها المحكمة انتقائية بطبيعتها بموازاة الجرائم الأخرى التي حصلت في لبنان.

 

إن إرث المحكمة الخاصة بلبنان يمكن أن يشكل إلهاما بما يتعلق بانتهاكات حقوق الإنسان الواسعة الانتشار. إن وجود المحكمة بحد ذاته يمكن أن يشكل تذكيرا للسياسيين اللبنانيين والمشرعين بأهمية المساءلة حول انتهاكات حقوق الإنسان. في حين وضعت المحكمة لبنان في قلب مشهد العدالة الدولية، أدخلت المحكمة معايير العدالة الدولية إلى الخطاب العام اللبناني ولو على نطاق محدود، من خلال التدريب الذي نظمه مكتب التوعية الخاص بالمحكمة في لبنان وغيره من جماعات المجتمع المدني المحلي والدولي والذي استهدف إعلاميين، ومحامين، وقضاة وتلامذة. وبدأ صناع القرار بمناقشة إدخال إصلاحات تتلاءم أكثر والمعايير الدولية، مثل فترة احتجاز إداري محدودة وإلغاء عقوبة الإعدام.

 

لقد ناصرت جماعات الضحايا المطالبة بالحقيقة حول اغتيال الحريري لوضع قادتهم أمام مسؤولياتهم في الكشف عن حقيقة مصير أقربائهم الذين فقدوا في حرب 1975- 1990 وهم يسعون وراء معالجة قضائية أمام المحاكم اللبنانية لجلاء الحقيقة. وفي حين يبقى التقاضي جاريا، فإن تجاوب القضاء إيجابي حتى الآن باعترافه بحق الضحايا بالوصول للمعلومات.

 

إن هذه مؤشرات تغيير في العقلية السائدة اليوم، ولكنها مؤشرات إيجابية ويمكن أن تبشر بعملية واسعة النطاق تعالج انتهاكات حقوق الإنسان السابقة والحديثة. ولا يمكن بطبيعة الحال أن ننسب هذه المتغيرات لإنشاء المحكمة الخاصة فحسب، إلا أن وجود المحكمة بحد ذاته، والآمال المعلقة عليها أو خلاف ذلك، والمفاهيم التي تدخلها إلى الخطاب العام، تسهم في ولادة ثقافة من المساءلة وحكم القانون بغض النظر عن نجاح أو فشل المحكمة في ولايتها.



 

 

[1] Michael Young, A UN Betrayal in Beirut, February 14, 2010, http://www.nytimes.com/2010/02/14/opinion/14young.html

[2] As-Safir, 5 February 2010, Number 1151, p. 3, http://www.assafir.com/Article.aspx?ArticleId=567&EditionId=1455&ChannelId=33754

 

 

 

 

 

 

 

[3] International Center for Transitional Justice, Handbook on the Special Tribunal for Lebanon, 2008.

[4] Ibid.

[5] Report of four UN Special Rapporteurs on their Mission to Lebanon and Israel (A/HRC/2/7), 2 October 2006. 

[6] Amnesty International, Out of All Proportion: Civilians Bear the Brunt of the War, Report November 2006; Human Rights Watch, Fatal Strikes: Israel’s Indiscriminate Attacks Against Civilians in Lebanon, Report, August 2006.

[7] Marieke Wierda, Habib Nassar and Lynn Maalouf, Early Reflections on Local Perceptions, Legitimacy and Legacy of the Special Tribunal for Lebanon, Journal of International Criminal Justice 2007 5(5):1065-1081.

 




شارك هذه الصفحة: