دخول البروتوكول رقم 14 المضاف إلى الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان حيز التنفيذ

الدكتور محمد أمين الميداني

رئيس المركز العربي للتربية على القانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان، ستراسبورغ، فرنسا

 

المقدمة

كنا قد قدمنا، في دراسة سابقة نُشرت بدمشق عام 2005، "البروتوكول رقم 14 المضاف إلى الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان" (1)، ونُشرت لنا على هذا الموقع دراسة أخرى تتعلق بهذا البروتوكول، وعنوانها: "البروتوكول 14 (مكرر) وتفعيل آلية المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان" (2).

 

          لقد صادقت، خلال فترة قصيرة، كل دول منظمة مجلس أوروبا، وعددها 47 على البروتوكول رقم 14 باستثناء دولة واحدة وهي الاتحاد الروسي. وكان من بين شروط دخول هذا البروتوكول حيز التنفيذ هو مصادقة كل دول هذه المنظمة عليه، وهو ما دفع لاحقا خبراء مجلس أوروبا لاعتماد البرتوكول رقم 14 (مكرر)، في محاولة منهم لتسريع النظر في القضايا التي تعرض على المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان والبت فيها، وبانتظار مصادقة الاتحاد الروسي على البروتوكول 14.

 

وكان أن وافق أخيرا البرلمان الروسي، وفي جلسته تاريخ 15/1/2010، وبأغلبية 392 صوتا، مقابل 56 صوتا على المصادقة على البروتوكول 14. وصادق لاحقا المجلس الفيدرالي الروسي، وبتاريخ 27/1/2010، على هذا البروتوكول، وتم أخيرا تسليم وثائق التصديق إلى الأمين العام لمجلس أوروبا، وسيدخل أخيرا البروتوكول رقم 14 حيز التنفيذ في 1/6/2010.

 

ونريد أن ننتهز مناسبة دخول البروتوكول رقم 14 المضاف إلى الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان حيز التنفيذ في حق كل الدول الأعضاء في مجلس أوروبا، لنقدم مجددا أحكام هذا البروتوكول، ونرى ما هي التطورات التي أدخلها على آلية هذه الاتفاقية الأوروبية.

 

سنبدأ إذن، بالتذكير بالاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان والآلية التي اعتمدتها والتطورات التي طرأت عليها (أولا)، لننتقل بعدها للأسباب التي دفعت بخبراء مجلس أوروبا لتعديل آلية حماية حقوق الإنسان (ثانيا)، ونستعرض بعدها مراحل اعتماد البروتوكول رقم 14 (ثالثا)، وأخيرا ما تضمنه هذا البروتوكول من تعديلات على هذه الآلية (رابعا).

 

 

 

 

أولا

الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان وآليتها

 

إن أول اتفاقية جماعية تم تحضيرها وصياغتها في رحاب منظمة مجلس أوروبا، هي "اتفاقية حماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية" (3)، التي تم التوقيع عليها في مدينة روما في 4/10/1950، والتي دخلت حيز التنفيذ في 3/9/1953.

 

          وتم أيضا تحضير عدة بروتوكولات أضيفت إلى هذه الاتفاقية، بقصد إضافة بعض الأحكام عليها، أو الإقرار بمزيد من الحقوق والحريات، كالبروتوكول الأول، والبروتوكول رقم 4، أو تعديل بعض موادها، كالبروتوكولين رقم 3 ورقم 4 ، أو منح المحكمة الأوروبية صلاحيات إضافية، كالبروتوكول رقم 2، أو إلغاء عقـوبة الإعدام كالبروتوكول رقم 6، أو إدخال تعديلات جذرية على آلية الاتفاقية، كالبروتوكول رقم 11. وتشكل اتفاقية حماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية، بالإضافة إلى البروتوكولات المضافة إليها، وعددها حتى الآن 14 بروتوكولا، ما يُسمى بالاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان.

 

          لم تقتصر الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان بالنص على الحقوق والحريات الأساسية للكائن البشري وتقريرها (4)، بل سعت لحماية هذه الحقـوق والحريات والسهر على تطبيقها من خلال تأسيس هيئة قضائية وهي: المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان.

 

          فقد كرست هذه الاتفاقية الأوروبية جزئها الثاني (المواد من 19 إلى 51) للبحث في تأليف هذه المحكمة وصلاحياتها واختصاصاتها ونشاطاتها (5).

 

          لقد مرت آلية الحماية التي أسستها الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان بعدة مراحل بين أعوام 1953-2004.

 

          فقد اعتمدت هذه الحماية بداية على هيئتين: اللجنة الأوروبية والمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان. ولم يكن بالإمكان تقدم شكاوى الأفراد، أو مجموعات الأفراد أو المنظمات غير الحكومية إلى اللجنة الأوروبية لحقوق الإنسان إلا إذا قدمت الدولة المشتكى منها بلاغا يسمح بقبول تقديم الشكاوى ضدها. كما كان من المفروض انتظار دخول البروتوكول رقم 9 المضاف إلى الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان حيز التنفيذ ليتمكن الأفراد، أو مجموعات الأفراد أو المنظمات غير الحكومية من تقديم شكواهم أمام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان.

 

          وجاء اعتماد البروتوكول رقم 11، ودخوله حيز التنفيذ في 1/11/1998، ليلغي اللجنة الأوروبية لحقوق الإنسان، ويكلف المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان وحدها مهمة السهر على احترام الدول الأطراف في الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان لما نصت عليه من حقوق وحريات. وتتمثل الخطوة الهامة في السماح لهذه المحكمة الأوروبية بقبول الشكاوى الفردية من دون حاجة لموافقة مبدئية من قبل هذه الدول الأطراف.

 

ثانيا

أسباب تعديل آلية حماية حقوق الإنسان

 

جاء اعتماد البروتوكول 14 المضاف إلى الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان كآخر المستجدات، وكأفضل ما توصل إليه خبراء مجلس أوروبا في سعيهم الدؤوب لتحسين آلية هذه الاتفاقية الأوروبية وتطويرها.

 

          وتتضمن مواد البروتوكول رقم 14 أحكاما خاصة بتحسين عمل المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، والإسراع في الإجراءات أمامها، وتقصير مهلة إصدار أحكامها. فقد بينت سنوات التسعينيات من القرن الفائت بأن هذه المحكمة أصبحت ضحية نجاحها في تحقيق حماية فعلية للحقوق والحريات التي نصت عليها الاتفاقية الأوروبية، وسعيها للفصل فيما يعرض عليها من شكاوى حكومية أو فردية يدعي فيها أصحابها بأنهم ضحايا انتهاك الدول الأطراف في الاتفاقية لموادها وأحكامها.

 

          فقد تزايدت بشكل كبير هذه الشكاوى المقدمة إلى المحكمة الأوروبية، ويعود ذلك إلى انضمام عدد من دول أوروبا الشرقية والوسطى إلى مجلس أوروبا وتصديقها على الاتفاقية الأوروبية مما سمح بالتالي بتقديم مختلف أنواع الشكاوى (6). فقد انضمت 13 دولة أوروبية إلى المجلس ما بين عام 1998، تاريخ دخول البروتوكول رقم 11 حيز التنفيذ، وتاريخ اعتماد البروتوكول رقم 14 في 15/5/2004، ليصبح حاليا عدد الدول الأعضاء في المنظمة 47 دولة، مما استدعى تعديل آلية الحماية التي اعتمدتها الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان.

 

ثالثا

مراحل اعتماد البروتوكول رقم 14

 

تدارس المؤتمر الوزاري الأوروبي حول حقوق الإنسان والذي انعقد في مدينة روما في شهر تشرين الثاني/نوفمبر 2000 بمناسبة الاحتفال بمرور نصف قرن على اعتماد الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان؛ آلية هذه الاتفاقية والمصاعب التي تعترض تطبيقها من قبل المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان حين تنظر في القضايا المعروضة عليها، وسعيها للبت في هذه القضايا وإصدار أحكامها في أقصر مهلة. واتخذ المؤتمر قرارا في هذا الصدد تحت عنوان: "التطبيق المؤسساتي والعملي لحماية حقوق الإنسان على المستويين الوطني والأوروبي".

 

          كما دعا المؤتمر لجنة وزراء مجلس أوروبا (7)، لتقديم دراسة معمقة وفي أقرب الآجال حول مختلف الأشكال والوسائل لضمان فعالية عمل المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان نظرا لتزايد القضايا التي تعرض عليها . وأكد المؤتمر على الحاجة لاتخاذ الإجراءات الضرورية تبعا لتزايد هذه القضايا، من أجل مساعدة المحكمة في عملها، وعلى أهمية تقديم اقتراحات في هذا الخصوص.

          وتم بالفعل تشكيل فريق عمل من طرف ممثلي وزراء هذا المؤتمر، في الشهر الثاني من عام 2001، لدراسة الإمكانيات المناسبة لضمان فعالية نشاط المحكمة الأوروبية. وقدم هذا الفريق تقريره إلى لجنة وزراء مجلس أوروبا في 27/9/2001.

          وقامت قبل ذلك اللجنة الإدارية لحقوق الإنسان بدورها من خلال تشكيل فريق بهدف إعداد تقرير حول تعزيز آلية حماية حقوق الإنسان. وتم تقديم هذا التقرير في الشهر السادس من عام 2001، إلى فريق العمل المشار إليه آنفا.

 

          وقامت لجنة الوزراء، وبهدف تنفيذ ما جاء في تقرير فريق العمل، بزيادة ميزانية المحكمة الأوروبية ما بين أعوام 2003-2005، مما سمح بزيادة عدد القانونيين والموظفين التابعين لهذه المحكمة، وذلك بقصد دعم الأمانة العامة لمجلس أوروبا والمكلفة بالسهر على حسن تنفيذ قرارات المحكمة الأوروبية.

 

          وعملت المحكمة الأوروبية بدورها على تحسين أدائها، تبعا لما جاء في تقرير فريق العمل، واتخذت مجموعة من الإجراءات، كما عدلت نظامها الداخلي المرة الأولى في شهر تشرين الأول/أكتوبر من عام 2002، ومرة ثانية في شهر تشرين الثاني/نوفمبر من عام 2003.

 

          وكلفت لجنة وزراء مجلس أوروبا اللجنة الإدارية لحقوق الإنسان بتحضير البروتوكول رقم 14، وقامت هذه الأخيرة بمهمتها هذه مستعينة بمقترحات كل من الجمعية الاستشارية أو الجمعية البرلمانية لمجلس أوروبا (8)، والمحكمة الأوروبية، ومؤسسات المجتمع المدني، والمفوض الأوروبي لحقوق الإنسان (9)، وبعض الدول الأعضاء في مجلس أوروبا.

 

          وأحالت اللجنة التنظيمية في الشهر الرابع من عام 2004 تقريرها إلى لجنة الوزراء. وتضمن هذا التقرير مشروع تعديل الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان.

          واعتمد الاجتماع الوزاري في دورته 114، تاريخ 12-13/5/2004 البروتوكول رقم 14 الذي عدّل آلية الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان. كما صرحت الدول الأعضاء في مجلس أوروبا من خلال اجتماعات لجنة الوزراء، بضرورة تعديل الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، والتزمت بالتصديق على البروتوكول رقم 14 خلال عامين.

 

رابعا

التعديلات التي تضمنها البروتوكول رقم 14

 

يجب أن نوضح بداية بأنه تم استبعاد عدة اقتراحات خاصة بالتعديلات التي يمكن أن يتضمنها هذا البروتوكول. وتم الإبقاء على بعضها اعتمادا على قاعدتين أساسيتين: يجب أن تتم، في نطاق الاختصاص القضائي للمحكمة (تصفية) القضايا المعروضة على المحكمة الأوروبية من قبل جميع قضاتها، بحيث ينظرون جميعهم مع تلك القضايا، هذا من ناحية. لا يجوز زيادة عدد قضاة هذه المحكمة ما لم يتم أصلا تعديل الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، من ناحية ثانية.

          إن الهدف الأساسي من اعتماد البروتوكول رقم 14 هو تحسين آلية الاتفاقية الأوروبية وهو ما يمكن أن نلخصه بالجوانب التالية:

 

 

 

1 - تعديل ولاية انتخاب القضاة ومددهم

 

          نصت المادة 2 من البروتوكول رقم 14 على أن ولاية انتخاب قضاة المحكمة الأوروبية ستصبح واحدة ولفترة تسع سنوات، أي غير قابلة للتجديد، مما يعني إلغاء الفقرة 2 من المادة 22 من الاتفاقية الأوروبية (10)، وهو ما نصت عليه المادة الأولى من هذا البروتوكول. فطالما أن مدة انتخاب القضاة ستكون واحدة، فلم يعّد هناك إجراءات لشغل المقاعد التي أصبحت شاغرة تبعا للتعديلات التي سيدخلها البروتوكول رقم 14.

 

          ولكن لم يتم تعديل الفقرة الأولى من المادة 22 من الاتفاقية الأوروبية حتى يتاح لكل الأطراف السامية المتعاقدة في الاتفاقية الأوروبية تقديم ثلاثة مرشحين من الجنسين.

 

          وأكدت، من ناحية ثانية، المادة 2 من البروتوكول رقم 14 انتهاء ولاية أي من قضاة المحكمة الأوروبية متى بلغ سن السبعين.

 

          كما نصت المادة 3 من هذا البروتوكول على إلغاء المادة 24 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان (11).

 

2 - تصفيه القضايا

 

          كلفت المادة 7 من البروتوكول رقم 14 قاض واحد من قضاة المحكمة الأوروبية بمهمة البت في قبول الشكاوى الفردية أو رفضها، أو شطبها، من أمام المحكمة، ويكون قراره نهائيا في الوقت الذي كان تبت هذه الأخيرة بتلك الشكاوى من قبل لجنة مؤلفة من ثلاثة قضاة. وسوف يساعد هذا القاضي في مهمته تلك عدد من المقررين، وليس من الضروري أن يكونوا قضاة بل يمكن أن يتم اختيارهم من بين أعضاء قلم المحكمة.

 

3 - إجراءات خاصة بالقضايا المكررة

 

          كلفت المادة 8 من البروتوكول رقم 14 اللجنة المؤلفة من ثلاثة قضاة بالنظر في القضايا المكررة، أي تلك الخاصة بشكاوى تتعلق بادعاءات سابقة بمخالفة مواد الاتفاقية الأوروبية من قبل الدول الأطراف. وأصبح من حق هذه اللجنة أن تقوم بهذه المهمة من ناحية الشكل والموضوع أيضا إذا كان موضوع القضية المعروضة على المحكمة قد سبق أن كان محل اجتهاد سابق لها.

 

4 - النظر في القضية من حيث الشكل والموضوع في آن واحد

 

          سمحت الإمكانية التي أعطاها المادة 9 من البرتوكول رقم 14 للمحكمة للنظر في القضية من حيث الشكل والموضوع في آن واحد، بالتعامل بمرونة أكبر مع الشكاوى التي ستعرض عليها، في الوقت الذي كان يحق لها فيه أنها ستنظر في أية قضية على مرحلتين: شكلا وموضوعا.

 

5 - حق لجنة الوزراء بالتقاضي أمام اللجنة الكبرى للمحكمة الأوروبية

 

          أعطت المادة 10 من البروتوكول رقم 14 للجنة وزراء مجلس أوروبا حق التقاضي أمام اللجنة الكبرى للمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، وتقديم شكوى أمامها ضد دولة متعاقدة طرف في الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، والتي ترفض أن تنفذ قرار نهائي لهذه المحكمة يتعلق بقضية هي طرف فيها، ولكن بعد أن يتم لفت نظر هذه الدولة عن تقصيرها في هذا الخصوص.

 

          يهدف إذن التعديل الذي ينص عليه هذا البروتوكول إلى إعطاء الفرصة للمحكمة الأوروبية لتقرير فيما إذا كانت هذه الدولة قد أخلت بالتزاماتها التي تفرضها عليها الفقرة الأولى من المادة 46 من الاتفاقية الأوروبية (12).

 

          كما يجوز للجنة الوزراء، وفي بعض الظروف، أن تطلب من المحكمة الأوروبية تفسير حكم سبق أن أصدرته.

 

6 - اعتماد معيار جديد لقبول الشكاوى

 

          سمحت المادة 12 من البروتوكول رقم 14 للمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان إذا تبين لها بأن المشتكى لم يتضرر فعليا، ولم تُنتهك عمليا حقوق الإنسان المنصوص عليها في الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان أو أحد بروتوكولاتها، أن تقرر بأن الشكوى المقدمة إليها لا تستحق أن يُنظر فيها من حيث الموضوع، في الوقت الذي يجب أن تحرص فيه هذه المحكمة على عدم رفض الشكاوى التي لم يتم النظر فيها بشكل فعلي من قبل القضاء الوطني لصاحب الشكوى. فليس القصد إذن من هذه المادة هو الحد من حق الأفراد بتقديم شكواهم، ولا منع المحكمة من النظر فيها.

 

7 - مشاركة مفوض حقوق الإنسان

 

          أجازت المادة 13 من البروتوكول رقم 14 لمفوض حقوق الإنسان (12)، أن "يقدم ملاحظات كتابية ويشارك في جلسات أية قضية معروضة أمام غرفة أو الغرفة الكبرى"، وفي هذا تعزيز لدور هذا المفوض، وتكليفه بمهمة جديدة يتابع من خلالها احترام الدول الأطراف في الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان لالتزاماتهم بمقتضى أحكامها.

 

8 - النظر الوجاهي للقضية

 

          أكدت المادة 14 من البروتوكول رقم 14 على أن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان تنظر في القضايا المعروضة عليها بشكل "وجاهي"، ولها الحق أن تجري "في حال اللزوم تحقيقا عن التصرفات الفعلية" التي قدمت من خلالها الدول الأطراف في الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان "كل التسهيلات اللازمة" في هذا الخصوص.

 

 

9 - تعزيز التسوية الودية

 

          تهدف كل الآليات الدولية والإقليمية لحماية حقوق الإنسان إلى إيجاد تسوية ودية مرضية لكل أطراف أية شكوى معروضة عليها.

 

          ويسعى البروتوكول رقم 14 بدوره لتعزيز دور التسوية الودية بين ضحية انتهاك أحكام الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان والدولة المشتكى منها، وذلك طوال مراحل القضية المعروضة على المحكمة الأوروبية. ويعود للجنة الوزراء أن تسهر على تنفيذ أحكام هذه المحكمة فيما يتعلق بهذه التسوية، حسب المادة 15 من البروتوكول رقم 14.

 

10 - انضمام الاتحاد الأوروبي للاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان

 

            يستطيع الاتحاد الأوروبي، وحسب المادة 17 من البروتوكول رقم 14، أن ينضم إلى الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان وهو الأمر الذي سبق أن بُحث مرارا وتكرارا فيما يتعلق بحق انضمام السوق الأوروبية المشتركة، قبل أن تتحول إلى الاتحاد الأوروبي، إلى هذه الاتفاقية الأوروبية. وكان الجواب بالإيجاب دائما، إلا أن البروتوكول رقم 14 أراد أن يؤكد هذه الإمكانية، ويبدد أي شكوك وتساؤلات في حق هذا الاتحاد بالانضمام إلى الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان.

 

الخاتمة

 

تعكس مواد البروتوكول رقم 14 الاهتمام المستمر والمطرد لخبراء مجلس أوروبا بآلية الاتفاقية الأوروبية لحماية حقوق الإنسان، وتحسينها وتطويرها وزيادة فعاليتها من خلال ما تضمنه من تعديلات على آلية عمل المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان الهيئة الوحيدة المكلفة بالسهر على تطبيق أحكام هذه الاتفاقية الأوروبية.

 

          وتعددت أهداف مواد هذا البروتوكول وتنوعت مراميها من خلال تعديل طريقة انتخاب القضاة ومددهم، واعتماد معيار جديد لقبول الشكاوى، والنظر فيها من حيث الشكل والموضوع في نفس الوقت، وتعزيز السعي لإيجاد تسوية ودية بين طرفي النزاع المعروض على المحكمة الأوروبية، والسرعة في البت في القضايا المعروضة عليها.

 

          كما أضفى هذا البروتوكول طابعا قضائيا إضافيا من خلال السماح للجنة الوزراء بالتقاضي أمام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في حال امتناع دولة طرف في الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان عن تنفيذ قرارات هذه المحكمة وأحكامها، في حين أن لجنة الوزراء لم يكن أمامها إلا تهديد هذه الدولة بالطرد من مجلس أوروبا في حال امتناعها عن تنفيذ قرارات المحكمة الأوروبية.

 

          كما كان البروتوكول رقم 14 واضحا وصريحا حين سمح للاتحاد الأوروبي بالانضمام إلى الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، وهو ما يتماشى ويتوافق مع أهداف وغايات كل من منظمة مجلس أوروبا، والاتحاد الأوروبي.

          وأخيرا، سمح هذا البرتوكول لمفوض حقوق الإنسان في منظمة مجلس أوروبا بالمشاركة في القضايا المعروضة على المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان من خلال تقديمه لملاحظات كتابية إليها وكذلك المشاركة في جلساتها.

 

 

الهوامش

 

(1) نشرت هذه الدراسة في مجلة (المحيط)، دمشق، العدد 8، شباط/فبراير 2005، ص 6 وما بعدها.

(2) أنظر هذه الدراسة على موقع (مساواة)، حزيران/يونيو 2009.

(3) أنظر نصوص مواد هذه الاتفاقية والبروتوكولات المضافة إليها في: حقوق الإنسان، مجموعة وثائق أوروبية، ترجمة الدكتور محمد أمين الميداني، والدكتور نزيه كسيبي، الطبعة الثانية، منشورات المعهد العربي لحقوق الإنسان، 2001، ص 35 وما بعدها.

(4) أنظر عرض لهذه الحقوق والحريات وتحليلها في محمد أمين الميداني، النظام الأوروبي لحماية حقوق الإنسان، الطبعة الثالثة، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت، 2009، ص 43 وما بعدها. (لاحقا، الميداني، النظام الأوروبي).

(5) أنظر بخصوص هذه المحكمة واختصاصاتها ونشاطاتها، المرجع السابق، ص 127 وما بعدها.

(6) يمكن أن نعطي بعض الأمثلة: ففي خلال 44 عاما من عمل المحكمة الأوروبية تم إصدار 38389 قرارا وحكما، في حين أصدرت هذه المحكمة خلال خمس سنوات 61633 قرارا وحكما. وأصدرت هذه المحكمة، في عام 2009، 1652 حكما، تتعلق بنحو 2395 قضية، في حين عُرضت عليها 1880 قضية في عام 2008. وكان أمام المحكمة 119300 قضية لتنظر فيها عام 2009، مقابل 97300 قضية في عام 2008.

(7) أنظر بخصوص لجنة الوزراء واختصاصاتها ونشاطاتها، الميداني، النظام الأوروبي، ص 31 وما بعدها.

(8) أنظر تأليف هذه الجمعية الاستشارية أو البرلمانية في المرجع السابق، ص 34 وما بعدها.

(9) أنظر بخصوص هذا المفوض الأوروبي، الميداني، النظام الأوربي، ص 260 وما بعدها.

(10) تنص الفقرة 2 من المادة 22 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان على ما يلي: "2-تتبع نفس الإجراءات لاستكمال انتخاب قضاة المحكمة لدى انضمام أطراف سامية متعاقدة جديدة ولشغل المقاعد التي أصبحت شاغرة".

(11) تنص المادة 24 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان على ما يلي: "لا يعزل القاضي من وظيفته إلا إذا قرر القضاة الآخرون، بأغلبية الثلثين، بأنه لا يفي بالشروط المطلوبة".

(12) تنص الفقرة الأولى من المادة 46 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان على ما يلي: "1-تتعهد الأطراف السامية المتعاقدة بأن تحترم الأحكام النهائية للمحكمة في النزاعات التي تكون طرفا فيها".

 

 

نقلا عن موقع مساواة للتربية على حقوق الإنسان والثقافة المدنية

http://www.musawah.net




شارك هذه الصفحة: