المحكمة الجنائية الدولية : إشكالية تعريف جريمة العدوان

غصون رحال / محامية وباحثة في مجال حقوق الانسان

  مقدمة :

تعود فكرة تأسيس محكمة جنائية دولية مختصة بنظر جريمة العدوان تاريخيا الى مؤتمر باريس عام 1918 الذي انبثقت عنه لجنة نادت بتأسيس "هيئة قضائية عليا" تختص بمحاكمة من يرتكبون جرائم الحرب– بمن فيهم رؤساء الدول. لكن النقاش حول بنود النظام الذي ستتشكل على أساسه تلك الهيئة القضائية توقف مع بداية الحرب الباردة في العام 1950، ليصار إلى تفعيله ثانية في العام 1993، غير أنه لم ير النور حتى إقرار نظام روما الأساسي الخاص بالمحكمة الجنائية الدولية عام 1998.

إن إنشاء المحكمة الجنائية الدولية غالبا ما يشار إليه على انه سابقة مهمة في التاريخ الانساني، فهي تعبر عن خلاصة الجهد الانساني منذ القرن الثامن عشر، حيث باءت كل الجهود لإنشاء مثل هذه المحكمة بالفشل بسبب معارضة الدول الكبرى لها. حيث ظلت الحرب عملا من أعمال السيادة التي لم يجرمها القانون الدولي حتى نهاية القرن التاسع عشر، إلى أن تداعت الدول الكبرى، إثر الحرب العالمية الأولى، لوضع مبادئ قانونية جديدة تهدف الى تقييد استخدام القوة وتفضيل الطرق السلمية لحل النزاعات بينها في مؤتمر فرساي عام 1919. وقد انبثق عن هذا المؤتمر تشكيل عصبة الأمم التي تضمن ميثاقها التفريق بين نوعين من الحروب: الحرب المشروعة والحرب غير المشروعة.

 

تبع ذلك مؤتمر جنيف عام 1924 الذي نص البروتوكل المنبثق عنه على تسوية النزاعات بالطرق السلمية وعدم اللجوء الى الحرب الا في حالة الدفاع الشرعي عن النفس أو بقرار من عصبة الأمم.

وتتابعت الجهود لوضع تعريف لجريمة العدوان أو الحرب غير المشروعة في ميثاق بريان- كيلوج عام 1927 ومبادرة الاتحاد السوفييتي التي شكلت أول وثيقة تحدد أركان وعناصر جريمة العدوان أو الأفعال العدوانية. نصت الوثيقة مثلا، على أن إعلان الحرب من قبل دولة على دولة أخرى، أو غزو أراضي دولة أخرى حتى بدون إعلان الحرب يعد عملا من أعمال العدوان.

 

وحاولت الدول الأعضاء في منظمة الأمم المتحدة إدراج تعريف لجريمة العدوان في ميثاق الأمم المتحدة، إلا أن محاولتها باءت بالفشل أيضا وجاء ميثاق الأمم المتحدة خاليا من أي تعريف لجريمة العدوان.

 

ورغم فشل كل الجهود المبذولة لوضع تعريف لهذه الجريمة، إلا أن هناك اختراقين مهمين لا بد من الاشارة لهما بهذا الخصوص وهما: لائحتي محكمة نورمبرغ، ومحكمة طوكيو لمحاكمة مجرمي الحرب اللتان تشكلتا إثر انتصار الحلفاء في الحرب العالمية الثانية، وتم من خلالهما ولأول مرة في التاريخ، تقديم رؤساء الدول الى المحاكمة بتهمة "التآمر على ارتكاب جرائم عدوانية وجرائم ضد السلام العالمي"، وذلك على الرغم من أن ميثاق المحكمتين خلا من تعريف جريمة العدوان.

والاختراق الثاني والأهم هو التعريف الذي وضعته اللجنة المنبثقة عن الجمعية العمومية للأمم المتحدة عام 1976، والذي يشكل أساسا قانونيا يمكن الاعتماد عليه لتعريف تلك الجريمة على الرغم من عدم موافقة جميع الدول الاعضاء على كافة بنوده.

 

المحكمة الجنائية الدولية وجريمة العدوان:

عقد المشاركون في مؤتمر الأمم المتحدة للتحضير لميثاق روما عام 1998 العزم على الحفاظ على الروابط الانسانية والإرث الثقافي لبني البشر، وعلى أن لا يتسامحوا مجددا مع مرتكبي الجرائم الأشد خطورة على الانسانية جمعاء مثل جرائم الحرب، والجرائم ضد الانسانية وجرائم الابادة وجرائم العدوان. وبذلك قرروا رفع الحصانة عن مرتكبي تلك الجرائم من أجل الحد من ارتكاب مثل تلك الجرائم المرعبة مستقبلا.

وبالرغم من تلك العزيمة الجادة، إلا أن مؤتمر روما فشل في اعتماد أي من التعريفات المقترحة ضمن مسودة النظام، وجاءت النسخة النهائية لنظام روما خالية من أي تعريف لجريمة العدوان، حيث نصت المادة ( 5/2) من النظام على أن المحكمة ستمارس صلاحيتها بالنظر في جريمة العدوان في حال تم تبني نص يتوافق مع المادتين (121 و 123) لتحديد تعريف يمكّن المحكمة من ممارسة اختصاصها بالنظر في هذه الجريمة على أن يكون هذا النص منسجما مع ميثاق الأمم المتحدة.

 

بالنتيجة، تبنت الهيئة العامة في جلستها الأولى المنعقدة في أيلول/ سبتمبر من العام 2002 قرارا بتشكيل "فريق عمل خاص Special Working Group" من أجل متابعة العمل على وضع تعريف خاص لجريمة العدوان ليصار إلى عرضة في اجتماع الهيئة العامة المخصص لمراجعة نظام روما الأساسي والمقرر في العام 2009.

 

منذ ذلك الوقت ومجموعة العمل تجتمع بصورة دورية ومنتظمة إما في اجتماعات عادية أو غير عادية لمناقشة النقاط الخلافية حول التعريف والتي انحصرت في أربع نقاط أساسية هي:

1-    أركان جريمة العدوان- تعريف الأفعال التي ترتكبها الدولة؛

2-    شروط ممارسة الاختصاص؛

3-    أركان جريمة العدوان- تعريف الأفعال التي يرتكبها الأفراد؛

4-     تحديد صلاحية المحكمة في ضوء صلاحيات مجلس الأمن الواردة في ميثاق الأمم المتحدة.

 

بعد خمس سنوات من النقاش والعمل ما زالت هذه النقاط موضع خلاف بين الدول. وفي حين تم مؤخرا وضع وثيقة لتعديل نظام روما الأساسي تتضمن تعريفا مقترحا لجريمة العدوان وتحدد أركانه، فإن الخلاف في الاختصاص ما بين المحكمة ومجلس الأمن لا يزال قائما.

 

ويتضمن الاقتراح الذي تمت الموافقة عليه من قبل الهيئة العامة للدول التي صادقت على نظام روما، في دورتها السابعة التي انعقدت في نيويورك في الفترة من 9-13 شباط 2009، الموافقة على تعريف مقترح كأساس للنقاش أثناء اجتماع الهيئة العامة المنوي عقده في كامبالا- أوغنده في عام 2010.

وينص الاقتراح على أن جريمة العدوان تعني: الضربة الأولى من قبل دولة ضد دولة أخرى بدون مبرر قانوني، أو بدون أن يكون هناك عمل استفزازي من جانب الدولة المعتدى عليها وأن يكون على مدى واسع النطاق. وتقع مسؤولية ارتكاب هذه الجريمة على رئيس وقادة الدولة المعتدية.

 

وتتضمن أركان جريمة العدوان الأفعال التالية:

-         غزو أو مهاجمة دولة أخرى؛

-         الاحتلال المسلح لدولة أخرى، وإن كان مؤقتا؛

-         قصف دولة أخرى؛

-         إيقاع الحصار على دولة أخرى؛

-         السماح لدولة ثانية بارتكاب فعل من أفعال العدوان على دولة ثالثة؛

-         إرسال فرق مسلحة لإيقاع أفعال قاسية ضد دولة أخرى.

مع الإشارة إلى أن التعريف المقترح لا يشمل أفعال الإرهاب التي ترتكبها منظمات إرهابية أو منظمات لا ترتقي الى مصاف دول مثل تنظيم القاعدة.

 

غير أن الدول الأعضاء لا زالت على خلاف حول دور مجلس الأمن في تحديد فعل العدوان، الذي له وفقا لميثاق الأمم المتحدة، صلاحية تحديد أفعال العدوان. وتصر الدول الخمس دائمة العضوية على مبدأ أن يكون لمجلس الأمن حصريا تحديد ما إذا شكلت أفعالا ما، قامت بها دولة ضد دولة أخرى فعلا من أفعال العدوان، علما بأن المادة (16) من نظام روما تمنح مجلس الأمن الحق بممارسة صلاحياته الواردة في الفصل السابع، بإصدار قرار بوقف عمل المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية لمدة 12 شهرا إذا شكلت تحرياته تهديدا للعملية السلمية.

 

السؤال الذي يتوجب طرحه في مثل هذا الموقف هو: ما هو مفهوم العدوان في نظر القانون الدولي وما هي العوامل التي أدت إلى إعاقة التوصل الى تعريف محدد لهذه الجريمة؟

 

1- مفهوم العدوان:

يعد مفهوم العدوان مفهوما شائكا وواسعا يشتمل على العديد من العوامل والأركان. وربما يعد تعريف العدوان أطول عملية قانونية استنفذت الكثير من الوقت والجهد في تاريخ صناعة القوانين. فمنذ أن أطلق الفيلسوف اليوناني مو تي هذا المصلح عام 400 قبل الميلاد، وطالب الدول بالابتعاد عن اللجوء للأعمال العدوانية، مناديا بتجريم الحرب واعتبارها جريمة عظمى، والمجتمع الدولي يجاهد من أجل الوصل إلى تعريف محدد لهذه الجريمة التي اعتبرها العديد من ممثلي الدول منذ مؤتمر باريس عام 1919 مستحيلة التعريف.

 

وتكمن إشكالية تعريف جريمة العدوان بأنها جريمة واسعة لا يمكن تغطية جميع أركانها في زمن محدد كونها جريمة متجددة قد تحتوي على أركان وعناصر مستجدة لا يمكن التنبؤ بها. واعتبر الكثير من الدارسين أن المفهوم المتفق عليه- أي انتهاك سيادة الدولة على وحدة أراضيها أو الفعل الذي ترتكبه دولة ذات سيادة ضد دولة أخرى ذات سيادة لسبب غير مبرر- هو مفهوم ضيق لا يغطى نواحي جانبية تعد أعمالا عدوانية، مثل حق الشعوب بالحرية وعدم الخضوع لدولة أخرى، أو العدوان الثقافي والأيديولوجي والاستغلال الذي تمارسه دولة ما بحق دولة أخري. بالإضافة إلى انه يحصر أعمال العدوان بالدول ذات السيادة ولا يشمل الأعمال العدوانية التي ترتكبها المنظمات الارهابية التي لا ترتقي الى مصاف الدول، كما أنه لا يشمل الضربات الاستباقية pre-emptive strikes  التي تقوم بها بعض الدول.

 

2- تعريف العدوان:

 

هناك العديد من المعوقات التي تقف أمام الوصول إلى تعريف شامل لجريمة العدوان منها ما هو سياسي ومنها ما هو قانوني. ولعل المعوقات السياسية لها الغلبة بهذا الخصوص نظرا لطبيعة جريمة العدوان ومسؤولية القادة عنها. فجريمة العدوان يرتكبها رؤساء الدول كونهم المعنيون بإصدار القرارات المتعلقة بشن الحروب. والمسؤولية عنها تطال كل من اتخذ قرار الحرب، أو شارك في اتخاذه، وكل من عمل على التحضير له وكل من قام بتنفيذه، فليس من المستغرب اذن أن تعرقل الدول الكبرى عملية الوصول إلى تعريف لهذه الجريمة يستنى من خلاله تقديم رؤساء تلك الدول للمحاكمة. وطالما كان هناك نفور ما بين رؤساء الدول وممثلي المنظمات الدولية الذين نادوا بضرورة إنشاء محكمة جنائية دولية مختصة بمحاكمة مرتكبي جريمة العدوان. فالدول عادة ما تصر على إبقاء مصالحها العليا وقراراتها المتعلقة بحماية الأمن القومي خارج نطاق السلطة القضائية.

 

أما المعوقات القانونية، فلها أسباب مرتبطة بطبيعة القانون الدولي الذي يرى العديد من المختصين أنه قانون يفتقر الى سلطة مركزية عليا قادرة على إتخاذ قرارات حاسمة ونزيهة بخصوص النزاعات الدولية، وتنفيذ تلك القرارات. فالمجتمع الدولي قائم على مبدأ سيادة الدولة، والحقوق المتساوية، والتعاون بين الدول. وعليه، ليس هناك نظام قوي قادر على إجبار الدول على احترام القانون الدولي دون رغبتها الحقيقية في التعاون من أجل تنفيذ القرارات الدولية، وأكبر مثال على ذلك دولة اسرائيل.

 

ومن الجدير بالذكر أيضا، أن طريقة تشكيل فريق العمل الخاص بتعريف جريمة العدوان ضمن المحكمة الجنائية الدولية يشوبها القصور وعدم المصداقية. فمن المعروف أن المحكمة الجنائية الدولية هي هيئة تشريعية بالإضافة إلى كونها هيئة قضائية، فهي تختص بصياغة القوانين الخاصة بها وتعديلها وتطبيقها، مما يجعل الدول الأطراف هيئة ذات صفة تشريعية. ومن المبادئ الأساسية لعمل المشرّع توفر المناخ التشريعي المستقل عن السلطة السياسية.

 

إن نظرة معمقة لتركيبة الفريق الخاص بتعريف جريمة العدوان، تدل على الصبغة السياسية التي يتسم بها هذا الفريق، فأعضاء الفريق معينون من قبل حكوماتهم لتمثيل مصالح دولهم، وهملا يتمتعون باستقلالية تمكنهم من اتخاذ القرارات بمعزل عن النظام السياسي للدول التي ينتمون إليها، مما يجعل عملهم لأجل تحقيق المصلحة القصوى للمجتمع الدولي- وهو الهدف الأسمى لتشكيل المحكمة الجنائية الدولية- أقل شأنا من غايتهم في تغليب مصلحة دولهم في مسار المناقشات.

وأوضح دلالة على ما سلف الانقسام الحاد الذي ظهر بين الدول في اللجنة التحضيرية لمؤتمر روما، وأثناء مناقشات المؤتمر، حيث انقسمت الدول الأطراف الى ثلاث مجموعات. المجموعة الأولى بقيادة كندا وأستراليا وطالبت بمحكمة ذات اختصاص أوتوماتيكي ومدعي عام قوي ومستقل، والمجموعة الثانية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية وتضم الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي وطالبت بألا يكون للمحكمة اختصاص أوتوماتيكي وان تنحصر صلاحية تحديد أفعال العدوان في مجلس الأمن. والمجموعة الثالثة وضمت دول عدم الانحياز التي طالبت بألا يكون لمجلس الأمن حصريا صلاحية تحديد ارتكاب فعل العدوان، وبأن تمنح المحكمة صلاحيات مستقلة وقوية.

 

كما أن عضوية الفريق مفتوحة أمام كافة الدول سواء تلك التي صادقت على نظام روما الأساسي أم لا، مما يثير التساؤل حول نوايا مندوبي الدول التي عارضت تشكيل المحكمة الجنائية منذ البداية، أو تلك التي انسحبت منها، وجدّيتهم في التوصل إلى تعريف لتلك الجريمة.

 

بالنتيجة، يجب إعادة النظر في تركيبة الفريق بحيث يتم اعتماد نموذج أكثر مصداقية، يتبنى اختيار ممثلين مستقلين ومحايدين، يعملون في مناخ من الحرية والاستقلالية بعيدا عن الضغوط السياسية، على غرار ممثلي اللجان التابعة للإتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان، أو اللجنة القانونية الدولية التابعة للأمم المتحدة. وبخلاف ذلك ستبقى التدخلات السياسية للدول الأطراف وتفضيل المصالح الخاصة على مصالح ضحايا جرائم العدوان هي الغالبة. 

 المراجع:

 

 

Antonio Cassese (2003) “International Criminal Law” Oxford University Pres 
 
Ann Van Thomas and A.J. Thomas ( 1972) “The Concept of Aggression in International Law”, Southern Methodist University Press
 
Benjamin B. Frencz, (1975), Defining International Aggression: The Search For World Peace, Oceana Publications, INC, Volume one
 
The United Nations Diplomatic Conference of Plenipotentiaries on the Establishment of an International Criminal Court. A/CONF.183/2/Add.2 , 14 April 1998
 
International Criminal Court http://www.icc-cpi.int/asp.html 
Intercessional Meeting of the Special Working Group on the Crime of Aggression, June 8-11, 2006
 
·  Official Records of the Assembly of States Parties to the Rome Statute of the International Criminal Court (ICC-ASP/1/3/Add.1)
 
PRESS CONFERENCE ON SPECIAL WORKING GROUP ON CRIME OF AGGRESSION    13  February 2009 
 

 




شارك هذه الصفحة: