العدالة طريق السلام ؟ - المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي

الأستاذ الدكتور هانس-بيتر كول

قاضي ونائب رئيس ثانٍ في المحكمة الجنائية الدولية

النص النهائي - تُرجِم عن الألمانية

إن هذا العدد من مجلة موراد المخصص للمحاكم الدولية، وبصورة خاصة للمحكمة الجنائية الدولية لهو بالتأكيد مكان ملائم للحديث عن موضوع منع جرائم الحرب واستهلّ مقالتي بالتذكير بإيجاز ببعض التواريخ الأساسية التي تبرز معالم محددة في تطور المفاهيم القانونية وتضع المحكمة الجنائية الدولية في سياقها التاريخي.  

- 1859 – هنري ديوران يؤلف كتابه ”ذكرى سولفرينو“ تأثرا بما رآه من قسوة ومعاناة في معركة سولفرينو ويقترح تدابير أدت إلى تأسيس اللجنة الدولية للصليب الأحمر.

- 1872 – السويسري غوستاف مونييه، خليفة هنري ديوران، يصوغ أول مجموعة من النظم الأساسية لمحكمة جنائية دولية.

- 1907 – اتفاقية لاهاي المتعلقة بقوانين وأعراف الحرب البرية ترسى أساس مفهوم جرائم الحرب المعاصر.

- 1921 - 1927 – انتهت معظم المحاكمات المعقودة في ليبسيغ لمحاكمة نحو 740 1 ألمانيا متهمين بارتكاب جرائم حرب برد الدعوى. صدرت 6 أحكام بالإدانة و6 أحكام بالبراءة ولم تُنفَّذ أي عقوبة بأكملها.

- 1945/1947 – المحكمتان العسكريتان الدوليتان في نورمبرغ وطوكيو تضعان مبدأ مسؤولية كل فرد عن أفعاله بموجب القانون الجنائي حتى وإن كان ممثلا رفيع المستوى للدولة أو جهازها العسكري.

- 1948 – المادة السادسة من اتفاقية منع الإبادة الجماعية تشير إلى إنشاء محكمة جنائية دولية.

- 10 كانون الأول/ديسمبر 1948– للمرة الأولى في تاريخ البشرية، يُعترَف للإنسان بحقوق غير قابلة للتصرف ينبغي لجميع الدول حمايتها من الأعمال التعسفية أو أعمال العنف وذلك في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي أصدرته الأمم المتحدة.

- 1949– اتفاقيات جنيف الأربع تضع أساس القانون الإنساني الدولي الحديث وتحدد ما يُحظَر على الأطراف المتحاربة القيام به من الآن فصاعدا.

- 1993/1994 – إنشاء محكمتين خاصتين للتعامل مع المشكلات الناجمة عن تفكك يوغوسلافيا والنزاع في رواندا.

- 17 تموز/يوليو 1998 – بعد جهود حثيثة، بل جهود جبّارة، مؤتمر روما ينتهي أخيرا نهاية ناجحة. نظام روما الأساسي، وهو المعاهدة المؤسِّسة للمحكمة الجنائية الدولية، يُعتمَد بأغلبية 120 صوتا مقابل 7 وامتناع 21 دولة عن التصويت ومعارضة والولايات المتحدة وإسرائيل والعراق وليبيا وثلاثة بلدان أخرى.

تؤكد النهاية الناجحة التي انتهى إليها المؤتمر في روما قولا مأثورا لفيكتور هيغو اتخذه وفدنا الألماني إلى المؤتمر شعارا ومبدأ توجيهيا له، بناء على اقتراحي، وهو ”ليس ثمة ما هو أقوى من فكرة آن أوانها“.

هذه المعاهدة، أي نظام روما الأساسي، أنشأت أول محكمة جنائية دولية دائمة؛ والمواد 6 و7 و8 تدوِّن بتفصيل شامل الأفعال التي تشكل جرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب. وستتولى محكمتنا المقاضاة في هذه الجرائم حينما تخفق أنظمة العدالة الجنائية الوطنية في ذلك. والمحكمة الجنائية الدولية هي أول محكمة جنائية دولية عالمية دائمة وهي مصممة بحيث تفي بالاحتياجات المستقبلية أي أن ما من عدالة انتقائية ولا ”عدالة منتصرين“. فالمحكمة تقوم على المبدأ القانوني العام القائل بأن ”الكل سواسية أمام القانون، والعدالة بالقسطاس للجميع“ وعلى الدعم الحر والطوعي من المجتمع الدولي.

ويغطي هذا المقال أربع مجموعات من المسائل:

أولا: ما هو نظام اختصاص المحكمة الجنائية الدولية، وما هي أهم المبادئ الأساسية التي تقوم عليها؟ حينما نتحدث عن السلام عن طريق العدالة، يجب علينا أن نعرف أيضا ما هي المؤسسات التي يقع على عاتقها ضمان القيام بذلك. ثانيا: ما الوضع الراهن في المحكمة؟ ما القضايا التي تنظر فيها حاليا؟ ما القيود التي تقيد عمل المحكمة وما التحديات التي تواجهها حاليا؟ ثالثا: ما الدور الذي تنهض به المحكمة فيما يتعلق بمنع النزاعات وحفظ السلام؟ هل من أمارات ملموسة لمثل هذا الدور المحتمل؟ وما الذي يمكن أن نقوله بشأن العلاقة بين جهود حفظ السلام والمقاضاة الجنائية؟  ورابعا وأخيراً: ما هي الآفاق المستقبلية؟

1. المبادئ الأساسية        

بادئ ذي بدء، ولكي يفهم القارئ ماهية المحكمة الجنائية الدولية، لا بد له أن يدرك تماماً حدود اختصاص المحكمة ونظام المقبولية الذي تعتمده.  فليس لاختصاص المحكمة شمول عالمي، بل إنه يقتصر بصورة واضحة على أفضل أسس الاختصاص المعترف بها عامةً والمتفق عليها. ويشمل اختصاص المحكمة:

·         مواطني الدول الأطراف؛

·         الجرائم المرتكبة في إقليم إحدى الدول الطرف.

·         بالإضافة إلى ذلك، يجوز لمجلس الأمن إحالة حالات إلى المحكمة الجنائية الدولية بغض النظر عن جنسية المتهم أو مكان الجريمة.

·         ولمجلس الأمن أيضاً سلطة إرجاء تحقيق أو مقاضاة لمدة سنة واحدة وذلك لمصلحة الحفاظ على السلام والأمن الدوليين. 

والمحكمة الجنائية الدولية هي محكمة يُلجأ إليها في المقام الأخير. وهذا ما يُعرف بمبدأ التكامل.  

ومبدأ التكامل من المبادئ الأساسية التي يستند إليها نظام روما الأساسي. ويعني هذا المبدأ:

 

- في الظروف العادية، تضطلع الدول بالتحقيق في الجرائم أو مقاضاة مرتكبيها.

·         لا يجوز للمحكمة التدخل إلا في الحالات التي تكون فيها الدول غير راغبة في الاضطلاع بالتحقيق في الجرائم أو مقاضاة مرتكبيها أو غير قادرة حقاً على ذلك. فإن مسؤولية التحقيق والمقاضاة تبقى منوطة بالدول.

·         وفضلاً عن ذلك، لا يجوز قبول الدعاوى إلا إذا كانت تبلغ من الخطورة حداً يبرر تدخل المحكمة. 

 أن الدعاوى لا تكون مقبولة أمام المحكمة إلا إذا كانت الدولة صاحبة الاختصاص في المسألة غير راغبة أو غير قادرة حقا على الاضطلاع بالمقاضاة. يتبيّن بذلك أن المحكمة الجنائية الدولية، على خلاف ما يؤكد البعض، لا تمثل تهديداً لسيادة الدول ولا تهديداً لمبدأ استقلال المحاكم الوطنية؛ بل على النقيض تماماً حيث تُعزز سيادة الدول من خلال المحكمة الجنائية الدولية ومبدأ التكامل ، كما هو منصوص عليه في المادة 17 من نظام روما الأساسي الذي يعترف بأسبقية المقاضاة الوطنية. وبذلك فهو يؤكد من جديد على سيادة الدول وعلى حقها السيادي والأولي في ممارسة ولايتها القضائية الجنائية.  ولولا ذلك لما أصبحت 110 دول من مختلف أنحاء العالم، بما في ذلك الأردن وجيبوتي، أعضاء في المحكمة الجنائية الدولية.

وتنص الفقرة الأولى من المادة الخامسة من النظام الأساسي على أن الاختصاص الموضوعي للمحكمة الجنائية الدولية يقتصر حصرا على جريمة الإبادة الجماعية (5 أفعال محددة) والجرائم ضد الإنسانية (15 فعلا محددا) وجرائم الحرب (50 فعلا محددا) وجريمة العدوان. إلا أنه لا يزال يتعين تحديد الأركان المشكِّلة لهذه الجريمة الأخيرة كما يتعين، فضلا عن ذلك، استجلاء الأمر فيما يتعلق بمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة (أنظر على وجه الخصوص المادة 39 من ميثاق الأمم المتحدة التي تعطي مجلس الأمن حق تحديد ما إذا كان فعل ما يشكل عدوانا) والشروط التي يجوز للمحكمة الجنائية الدولية بموجبها ممارسة اختصاصها على جريمة العدوان.

كما أن ثمة قيودا على الأركان الموضوعية للجرائم ذلك أنه يتعين أن تتخذ القضية بعدا محددا أو أن تجتاز عتبة محددة. فعلى سبيل المثال، ينبغي عملا بالمادة 6 من النظام الأساسي أن تكون الإبادة الجماعية موجهة على الدوام ضد جماعة وطنية أو إثنية أو عرقية أو دينية بأكملها بصفتها تلك. ولكي تشكل الجريمة جريمة ضد الإنسانية عملا بالمادة 7 من النظام الأساسي، يُشترَط أن تكون الجرائم الفردية جزءا من هجوم واسع النطاق أو منهجي موجه ضد السكان المدنيين. وتمارس المحكمة الجنائية الدولية اختصاصها على جرائم الحرب عملا بالمادة 8 خاصة إذا كانت هذه الجرائم جزءا من خطة أو سياسة أو إذا ارتكِبت على نطاق واسع. وهذه النقطة الأخيرة تعنى أن المحكمة لن تنظر، كقاعدة عامة، في جريمة حرب منعزلة فردية ارتكبها شخص واحد أو جنود فرادى.

فيما يتعلق بالاختصاص الزمني، لا تمارس المحكمة الجنائية الدولية اختصاصها إلا على الأفعال التي وقعت بعد بدء نفاذ نظام روما الأساسي في 1 تموز/يوليو 2002 حصرا. ومن ثم فإن المحكمة ليست مؤسسة القصد منها الانتصاف من المظالم التاريخية.

واختصاص المحكمة الشخصي أيضا محدود جدا. بل إنه لا يُمارَس إلا في ثلاث حالات فقط. أولا، إذا ارتكِبت في إقليم دولة طرف؛ ثانيا، إذا كان مرتكب الجريمة من رعايا دولة طرف؛ ثالثا، إذا أحال مجلس الأمن الحالة إلى المحكمة (كما هي الحال في قرار مجلس الأمن رقم 1593 بشأن دارفور/السودان الذي صدر عام 2005). وفي هذا الصدد، ينبغي التشديد على أن المحكمة تعتمد في المقاضاة اعتمادا تاما وكاملا على التعاون الفعّال مع الدول الأطراف، وفي المقام الأول في المسألة الحاسمة المتمثلة في القبض على المشتبه بهم وتقديمهم إلى المحكمة في لاهاي. فالمحكمة ليس لها شرطة ولا صلاحيات إنفاذ ولا جنود. وما من إجراءات جنائية دون إلقاء القبض – وبذلك فإن قدرة المحكمة على أداء عملها تعتمد في نهاية المطاف على عمليات إلقاء القبض التي تنفذها الدول الأطراف.

2. وضع المحكمة   

ما هو الوضع الحالي للمحكمة، وما المرحلة التي بلغها إنشاء الهياكل في قلم المحكمة ومكتب المدعي العام ودوائر المحكمة؟

لقد كانت البداية شاقة ومتواضعة مع فريق متقدم مؤلف من خمسة أفراد يشغل المبنى الإداري المؤلف من 15 طابقا في لاهاي في 1 تموز/يوليو 2002، يوم بدء نفاذ نظام روما الأساسي، للبدء بإنشاء المحكمة. لكن ما هو الوضع الراهن في المحكمة، وما الذي حدث منذ عام 2002؟ لذلك أقتبس ببعض النقاط الهامة التي وردت في تقرير رئيس المحكمة، الزميل القاضي الكوري سانغ-هيون سونغ في 29 تشرين الأول/أكتوبر، إلى الأمم المتحدة في نيويورك:

" لقد قطعت المحكمة بالفعل شوطا طويلا. فقد تطلب الأمر تطوير البنية الأساسية الإدارية في الدوائر ومكتب المدعي العام وقلم المحكمة بأكملها من الصفر. وافتُتِح خمسة ”مكاتب ميدانية“ في دول أفريقية ومكتب للاتصال بالأمم المتحدة في نيويورك. وفي السنوات القليلة الماضية تحول تركيز النشاط تدريجيا من إنشاء المحكمة إلى اتخاذ إجراءات ملموسة في مسائل المقاضاة والمسائل القضائية. وازداد عدد موظفي المحكمة من 5 موظفين إلى قرابة الألف. وما فتئت إجراءات التعاون القضائي تزداد فعالية.

وقد دخل مكتب المدعي العام والدائرتان التمهيدية والابتدائية ودائرة الاستئناف حيز التشغيل الكامل ويتدبر كل منها كمية كبيرة من العمل. وأحالت دول أطراف (أوغندا وجمهورية الكونغو الديمقراطية وجمهورية أفريقيا الوسطى) ثلاث ”حالات“ إلى المدعي العام فيما أحال مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة حالة واحدة (دارفور/السودان) (وينظر المدعي العام حاليا في حالات أخرى بعضها خارج أفريقيا كأفغانستان وكولومبيا). وأصدر القضاة أربعة عشر أمرا بالقبض أو بالحضور. وتجرى أمام المحكمة حاليا ثلاث محاكمات لأربعة متهمين محتجزين لديها. كما اعتمدت الدوائر التمهيدية تهما وافتتحت الدوائر الابتدائية الأولى والثانية والثالثة بالفعل أولى المحاكمات الرئيسية. وفي عام 2008 أصدر القضاة سبعمائة وقرارين زاد عدد صفحاتها الإجمالي عن 9 آلاف صفحة. كما أصدرت دائرة الاستئناف قرارات نهائية بشأن مسائل أساسية تتعلق بالنظام الأساسي. وعالجت المحكمة أكثر من 1877 طلبا قدمه المجني عليهم للمشاركة في الإجراءات ومُنِح 743 منهم حق المشاركة."

ما هي القضايا التي تنظر فيها المحكمة حاليا؟ نطلق على مسألة ما مصطلح "قضية" حينما يوجد لها في المحكمة   سجل محدد، وبعبارة أخرى، أي حينما يُطلَب إصدار أمر بالقبض أو بالحضور بحق شخص مسمى محدد أو حينما يصدره القضاة. لذا وعلى أساس هذا التعريف فإن المحكمة الجنائية الدولية تنظر حاليا في 14 قضية تتعلق بما يلي:

·        أربعة مشتبه بهم رفيعي المستوى من السودان هم: الرئيس السوداني الحالي عمر حسن أحمد البشير، ووزير الشؤون الإنسانية السابق أحمد محمد هارون، وقائد الجنجويد علي محمد عبد الرحمن؛ وقد صدرت أوامر بالقبض بحق هؤلاء الأشخاص. كما صدر أمر بالحضور بحق قائد الجبهة المتحدة للمقاومة بحر إدريس أبو قردة في 7 أيار/مايو.

·        أربعة متهمين من جمهورية الكونغو الديمقراطية. توماس لوبانغا دييلو، وجيرمان كاتانغا، وماتيو نغوجولو شوي، وبوسكو نتاغاندا. ولوبانغا وكاتانغا وشوي محتجزون بالفعل لدى المحكمة. وقد بدأت محاكمة المتهم لوبانغا في كانون الثاني/يناير 2009 بتهم تتعلق أساسا بتجنيد أطفال. واُفتَتحت الإجراءات بشأن كاتانغا وشوي في 24 تشرين الثاني/نوفمبر 2009.

·        أربعة من قادة ما يُعرف بجيش الرب للمقاومة الأوغندي صدرت بحقهم أوامر بالقبض عام 2005. ومن دواعي الأسف الشديد أن أوامر القبض هذه لم تُنفَّذ بعد.

·        جان بيير بيمبا، نائب رئيس الكونغو السابق؛ وهو محتجز حالياً لدى المحكمة الدولية بانتظار بدء محاكمته قريباً بعد أن اعتمدت الدائرة التمهيدية الثانية التهم الموجهة إليه.

 

إلا أنه رغم هذه الإنجازات، ورغم هذا التقدم، يظل تحويل مؤسستنا إلى محكمة عالمية يعترف بها الجميع وتعمل بصورة كاملة وحقيقية أمرا بالغ الصعوبة. وسيتعين على أناس عديدين أن يواصلوا بذل جهود حثيثة وأن يتحلوا بالصبر الجميل. والأسباب كثيرة أغلبها يعود إلى الخصائص والقيود المتأصلة في النظام التي يتعين على المحكمة ببساطة التعايش معها والتي لا يستطيع حتى كبار ممثليها تغييرها مهما حاولوا.

أولا: يتمثل أحد التحديات الهامة في الصعوبة غير المسبوقة، بل الصعوبة الهائلة، التي تواجهها المحكمة في الحصول على الأدلة المطلوبة إذ يتعين عليها إجراء التحقيقات المعقدة اللازمة في مناطق تبعد آلاف الكيلومترات عن لاهاي يكون السفر فيها شاقا والأمن غير مستتب. وحتى عندما يتم جمع أدلة كافية لتبرير إصدار أمر بالقبض، نكون في أمّس الحاجة إلى أن تكون الدول الأطراف مستعدة لوضع أوامر القبض موضع التنفيذ وتقديم المشتبه بهم إلى المحكمة في لاهاي.

ثانيا: جريمة الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب هي جرائم عادة ما تُرتكَب أثناء نزاعات مسلحة بناء على أوامر ”عليا“ يصدرها حكام شتىّ يبذلون في الوقت ذاته قصارى جهدهم لتمويه مسؤوليتهم عن هذه الجرائم. لذا فإن المحكمة، في أدائها مهامها، ستجد نفسها واقعة بشكل يكاد يكون حتميا بين مطرقة سياسات القوة الوحشية من جانب وسندان القانون وحقوق الإنسان من جانب آخر. وبالتالي، فإن عمل المحكمة سيستمر في أحيان كثيرة في مواجهة العراقيل من جراء الرياح السياسية غير المواتية أو الانتقادات السياسية الآتية من كل حدب وصوب. فعلى سبيل المثال، ما فتئت عناصر معينة سواء داخل الجامعة العربية في القاهرة أو في الاتحاد الأفريقي في أديس أبابا تحاول تصوير المحكمة على أنها مؤسسة معادية للعرب أو للأفارقة، على حد قولهم – وهي تهمة يرفضها جميع القضاة في المحكمة وبصورة خاصة القضاة الأفارقة الخمسة رفضا قاطعا.

ثالثا: من الراجح أن عدد الدول الأطراف كان سيفوق البلدان المائة وعشرة التي انضمت إلى المحكمة لو أن إدارة بوش لم تباشر، من عام 2002 إلى عامي 2005/2006 حملتها الموثقة لتقويض المحكمة بغية ثني أكبر عدد ممكن من الدول عن الانضمام إلى نظام روما الأساسي.

3. العدالة طريق السلام؟ -

هل ثمة صلة بين المقاضاة في الجرائم الدولية والسلام بين الأمم؟ وإذا كان الأمر كذلك، فما طبيعة هذه الصلة وكيف تؤثر المقاضاة في الجرائم التي تنتهك القانون الدولي في العلاقات الدولية؟ هل ثمة أحيان، في نزاع جار مثلا، يكون للسلام فيها الأسبقية على القانون، لأن مقاضاة من هم في السلطة من شأنها أن تقوض جهود صنع السلام، ولأن نزع فتيل النزاع يقتضي تعاون هؤلاء الحكام أو لأن إصدار أوامر بالقبض عليهم سيؤجج النزاع من جديد؟ أم أن المسار الصحيح، على العكس، هو ما شدَّد عليه كلّ من كوفي أنان وبان كي-مون مراًراً في السنوات الأخيرة من أنه ”لا سلام دون عدالة“. فمنذ صيف عام 2008، انضم أناس عديدون إلى الجدل القائم بشأن العلاقة بين السلام والعدالة؛ والحجج غالبا ما تكون انفعالية ومتعارضة فيما بينها تعارضا بائنا ولا سيما بشأن موضوع دارفور/السودان وموضوع أمر القبض على الرئيس السوداني البشير الذي أصدره قضاة الدائرة التمهيدية الأولى.

إن النقطة الأولى بديهية، لكن ربما يجدر التشديد عليها ثانيةً: إن القسط الأعظم من مسؤولية الحفاظ على السلم والأمن في العالم لا يزال يقع على الدول والحكومات ومجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. هذه حقيقة وهكذا ينبغي أن تبقى الأمور. فالمحاكم الدولية، بما فيها المحكمة الجنائية الدولية، لا تستطيع النهوض بتلك المهمة. وكل ما يسعنا عمله إنما هو المقاضاة في الجرائم التي تنتهك القانون الدولي ومعاقبة مرتكبيها متقيدين في ذلك تقيدا صارما بنظام روما الأساسي بوصفه نظاما غير سياسي وقضائيا محضا يتسم بالموضوعية وعدم التحيز والحياد.

ثانيا: يقر نظام روما الأساسي، وهو المعاهدة التي أنشئت بموجبها المحكمة، صراحة في المادة 16 بأنه في حالات محددة قد يكون ثمة تضارب، أو بالأحرى تضارب في الغايات، بين المساعي السياسية الرامية إلى إقرار السلام والمقاضاة الدولية في الجرائم التي تنتهك القانون الدولي. فالمادة 16 تنص على أنه يجوز لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، بقرار يصدر عن المجلس بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، أن يرجئ إجراءات المحكمة لمدة اثني عشر شهرا، إذا رأى ضرورة ذلك. إلا أنه يتعين أن يتفق أعضاء مجلس الأمن الدائمين الخمسة جميعهم (أي ينبغي ألا يستخدم أحدهم حق الفيتو) على أن الحالة ذات طابع يبرر إعطاء الأولوية للمساعي السياسية. وحتى الآن لم يحدث أن كان هناك مثل هذا الاتفاق بين أعضاء مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة حتى عند صدور أمر القبض على البشير.

ثالثا: يتردد كثيراً أن المحاكم الجنائية الدولية، بما فيها المحكمة الدولية، تعرقل صنع السلام، أي أنها، بعبارة أخرى، تقف حجر عثرة في سبيل إقرار السلام وحل النزاعات. ويذهب مؤيدو هذه النظرية إلى أن المحاكم، بإصرارها على المقاضاة في الجرائم، قد تعيق إجراء مزيد من المفاوضات والصفقات المحتملة مع الحكام، الأمر الذي من شأنه أن يضع حدا للنزاع ويمنع وقوع مزيد من الخسائر.

لكن، أمن المستحيل حقا السعي إلى تحقيق السلام والعدالة كليهما؟ أيجوز حقا اتهام المحكمة الجنائية الدولية؟ أم أن ثمة مؤشرات على أن للعدالة الجنائية الدولية، ولا سيما من ناحيتي المنع والردع، أثرا ايجابيا في النزاعات وأنها يمكن بذلك أن تسهم في إقرار السلام بين الدول؟

قبل بضعة أشهر، أصدرت منظمة حقوق الإنسان الأمريكية ”منظمة رصد حقوق الإنسان“ (Human Rights Watch) في نيويورك دراسة تجريبية عن هذه المسألة ذاتها عنوانها ”بيع العدالة بثمن بخس: أسباب أهمية المساءلة للسلام“. تتناول هذه الدراسة المستجدات التي طرأت في 20 بلدا شهد نزاعات على مدار السنوات العشرين المنصرمة. وتشير نتائج الدراسة إلى أن السلام والعدالة ليسا على طرفي نقيض – بل إن العكس هو الصحيح ويتضح ذلك جليا من عنوان النسخة الألمانية للت قرير الذي يمكن ترجمته إلى الإنكليزية بعبارة ”المحاكمة على انتهاكات حقوق الإنسان – التنازل عن العدالة غالبا ما يكون ثمنه باهظا“.

وعلى ضوء هذا النوع من التقارير وخبراتي الشخصية، أود أن أشارك القراء الملاحظات التالية:

أولا: ثبتت عمليا في أغلب الأحيان أن رفض إصدار عفو عام أو غير من الوعود بعدم المقاضاة لا يؤدي إلى انهيار محادثات السلام (مثال ذلك، جمهورية الكونغو الديمقراطية وأوغندا).

فضلا عن ذلك، ثبت بالتجربة أن إصدار أوامر بالقبض على الحكام المتهمين بارتكاب جرائم تنتهك القانون الدولي ومقاضاتهم غالبا ما تكون مقدمة لسقوطهم من سدة الحكم (قضايا كراجيتش وتشارلز تايلور وميلوسوفيتش).

كما ثبت عمليا أن التردد السياسي بدلا من التهديد بمساءلة الحكام من شأنه أن يشجعهم على ارتكاب جرائم تنتهك القانون الدولي (رواندا 1994).

وتأكد بالتجربة أن في المحاكمات العادلة وقاية من منكري الوقائع التاريخية (أرجو أن تتذكروا أيضا محاكم نورمبرغ 45/1946).

كما أثبتت التجربة أن المساءلة الدولية عادة ما تجعل الدول المتضررة أكثر وعيا إلى ضرورة إعادة إقامة نظام عدالة جنائية فعّال في بلدانها (أنظر مثلا البوسنة وأوغندا).

السؤال التالي هو: بأي قدر تسهم محكمتنا في ضمان السلام عن طريق المنع والردع؟

هذا سؤال صعب؛ ويجب تحاشي التنبؤات المفرطة في التفاؤل. فبادئ ذي بدء، يتعين على المرء أن يتذكر أنه لا يجب المبالغة في تقييم القدرات الحقيقية للمحاكم عموما والمحكمة الجنائية الدولية خصوصا على المنع والردع. وحتى في السياق الوطني، فوجود الشرطة ومحاميّ الادعاء والمحاكم لا يمنع ذوي الطبيعة المستهترة والعنيفة من ارتكاب جرائم خطيرة.

إضافة إلى ذلك، يصعب تحديد أو إثبات إلى أي مدى تسهم المحكمة في منع الجرائم. إذ لم تصدر، حتى الآن، أي دراسات تجريبية بشأن إسهام المحاكم الدولية في منع الجرائم. وبمعنى ما، يمكن القول بأن المحاكم قد نجحت في منع وقوع الجرائم نظرا لعدم وقوع جرائم خطيرة تنتهك القانون الدولي وعدم وقوع ضحايا لهذه الجرائم.

لذا فما من بيانات موثوقة عن الأثر الرادع للمحكمة. ولكن يمكن العثور على بعض الأدلة الملموسة التي تشير إلى أن للمحكمة أثرا في منع الجرائم:

·        جمهورية أفريقيا الوسطى: كان صدور بيان صحفي في ربيع عام 2003 يفيد بأن المحكمة الجنائية الدولية قد بدأت بإجراء تحقيقات عاملا أساسيا – وفقا لما أفادت به تقارير عديدة – في قرار الغزاة الكونغوليين الانسحاب من البلد.

·        كوت ديفوار: في 17 تشرين الثاني/نوفمبر 2004، أفاد مركز أخبار الأمم المتحدة بأن نداءات عاجلة من أجل السلام وجِّهت عبر المذياع والتلفاز بعد يوم واحد من تصريح خوان منديز المستشار الخاص للأمم المتحدة آنذاك بأن الحالة هناك تدخل في اختصاص المحكمة الجنائية الدولية.

·        أوغندا: حينما صدرت أوامر القبض على جوزيف كوني وقادته الأربعة عام 2004، توقف تدفق المجندين على تنظيمه القائم على العنف ”جيش الرب للمقاومة“ بصورة كادت أن تكون فورية؛ بعد ذلك بدأت الجماعة بالتفكك واندثرت اندثارا شبه كامل.

·        كولومبيا: صرّح المدعي العام أوكامبو مرارا بأن كثافة وتواتر الجرائم في كولومبيا قد انخفضا منذ أن ذاع خبر أن مكتب المدعي العام في المحكمة الجنائية الدولية يعكف على النظر في الجرائم التي ارتكبت في البلد.

·        السودان: بعد صدور أول أمرين بالقبض على سودانيَين مشتبه بهما، شوهد انخفاض ملحوظ – وفقا لتقارير موثوقة رفعها مراقبو الأمم المتحدة – في الهجمات على السكان المدنيين في دارفور.

·        الأطفال الجنود: أفادت جريدة ”لوموند“ الفرنسية في 5 شباط/فبراير 2009 بأن عدد الجنود الأطفال في انخفاض. وذهب الكاتب إلى أن أحد الأسباب التي يعزى إليها ذلك هو القضية المرفوعة على توماس لوبانغا (بتهم تتعلق أساسا بتجنيد أطفال). ورأت ”لوموند“ أن هذا يمثل ”تحذيرا واضحا“ لجميع زعماء الحرب من أنهم سيعاقبون على تجنيد الأطفال.

 

تبقى نقطة أخيرة: إن المحكمة الجنائية الدولية تسعى لمساءلة كبار مرتكبي الجرائم، أي الرؤوس المدبرة التي تقف وراء مرتكبي الجرائم، أولئك الذين يصدرون الأوامر، القادة السياسيون والعسكريون الذين يشتبه في أنهم مسؤولون عن أشد الجرائم خطورة. وحجتهم المعتادة هي أن أفعالهم وسياساتهم كانت ترمي إلى بلوغ أهداف سياسية مشروعة. أنا أدرك أن عمل المحكمة الجنائية الدولية عادة ما سيتأرجح على الحد الفاصل بين القانون والسياسة. وهذا الإدراك يؤثر في رؤيتي الشخصية وهي أنه يجب، بل ينبغي، أن يكون الأمر واضحا تمام الوضوح للقادة السياسيين والعسكريين من أن ثمة حدودا، ونقطة فاصلة، لا يمكن تجاوزها.

هذه النقطة الفاصلة هي مسألة ما إذا كانوا مستعدين، في سبيل سياسات القوة والأهداف التي يسعون إليها، لعبور الجسر المؤدي إلى ارتكاب جرائم دولية من قبيل الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية أو جرائم الحرب الواسعة النطاق. أما إذا أمكن إثبات أن قائدا مجرما قد عبر هذا الجسر، هذه النقطة الفاصلة، وأسفر ذلك عن ارتكاب جرائم واسعة النطاق، فلا بد وأن يكون هذا جسر اللاعودة، تماما كما كانت الحال في محاكمات نورمبرغ عامي 45/1946.

4. الآفاق والرؤية المستقبلية

 

لا بد من التذكير في الختام أن القوانين الجنائي الحديثة وقانون المحكمة الجنائية الدولية محاولات مبتكرة لتعزيز حقوق الإنسان المعترف بها عالميا. إلا أن الرؤية الواقعية هي أن هذه الحقوق تدور باستمرار في رحى ما يبدو أنه معركة أبدية بين القوة الوحشية والمساعي الرامية إلى تعزيز سيادة القانون. وعلينا أن نفترض أن تأثير ما يعرف بالسياسة الواقعية، والاستخفاف بالمبادئ، وازدراء القانون، وما يرتبط بذلك من كبوات وخيبات أمل سيتواصل عن طريق التشكيك المستمر في القانون الجنائي الدولي في مجمله. فضلاً عن ذلك، فإن مسألة ما إذا كان بمقدور المحكمة الجنائية الدولية أن تسهم في منع الجرائم على النحو المنشود تتوقف على عوامل أخرى عديدة.

فقبل كل شيء تحتاج المحكمة إلى دعم سياسي وعملي متواصل من دولها الأطراف التي آمل أن يفوق عددها الرقم الحالي البالغ مائة وعشر دول. ويتعلق ذلك خصوصا بالمسألة الجوهرية، بل الحاسمة، المتمثلة في دعم المحكمة عن طريق إلقاء القبض على المشتبه به ونقلهم إلى لاهاي.

إن الدول لم توافق على أن يكون للمحكمة الجنائية الدولية صلاحية إلقاء القبض. لذا فعلى الدول أن تنشئ وحدات خاصة تتكفل بإلقاء القبض نيابة عن المحكمة، أو أن تضع هياكل وطنية تحت تصرف المحكمة لأنه إذا تعذر على نظام جنائي، على مدار فترة من الزمن، تنفيذ أوامر القبض على المشتبه بارتكابهم أشد الجرائم خطورة، فقد تكون عاقبة ذلك أن يصبح هذا النظام حبراً على ورق.

والمسألة بالأساس مسألة بسيطة: بدون قبض، ما من محاكمة. وبدون محاكمة، ما من منع ولا ردع.

واسمحوا لي أن انهي كلمتي بتحذير أطلقته مرات عديدة من قبل وهو أن المحكمة إذا قورنت بالمشكلات والأزمات العنيفة التي تعصف بالعالم ستكون دوما ضئيلة وضعيفة، هي رمز أكثر منها قوة. وناهيك عن الأسباب الأخرى، فسبب التكلفة والقدرة الاستيعابية وحدهما، لن يكون بإمكان المحكمة إجراء سوى بضعة محاكمات اتعاظية. 

 لكن أولئك الذين يسعون جاهدين إلى تعزيز العدالة الدولية وحماية حقوق الإنسان، بما في ذلك بالاستعانة بالمحاكم الجنائية الدولية، فرصتهم اليوم أفضل في إحراز تقدم ورؤية آمالهم تتحقق مقارنة بما كانت عليه الحال في القرنين التاسع عشر والعشرين. والمراقبون من أمثالي يرون أمارات واضحة على أن تعريف نظام روما الأساسي للمعايير القانونية والأفعال التي تستوجب العقاب قد بدأ يؤتي ثماره ويزداد الاعتراف به. والأمثلة التي سيقت فيما سبق تثبت أن المحكمة لها بالفعل من المقومات ما يجعلها قادرة على منع الجرائم.

لذا فإن الأمر الأكثر الأهمية الآن هو أن نبقى على سواء السبيل رغم كل الصعوبات والمشكلات. فالمرء إذا تذكر أن المحكمة الجنائية الدولية في عام 1996 لم تكن سوى مجرد حلم مثالي وإذا نظر إلى ما أُنجز منذئذ، لاتضح له أمر واحد هو أن عملنا هو أبعد ما يكون من كونه مجرد محاولة يائسة.

  




شارك هذه الصفحة: