المحكمة الجنائية الدولية ضرورة للشرق الأوسط

أبدى العالم العربي وبلدان ما يعرف تقليديا بـِ"الشرق الأوسط" (هاميزراخ هاتيخون بالعبرية وخاورميانه بالفارسية  و أورتادوو بالتركية) في معظمها حتى الآن تحفظات عن الانضمام إلى المحكمة الجنائية الدولية. وهذه المحكمة التي تتخذ من لاهاي مقرا لها هي أول مؤسسة قضائية دولية دائمة مختصة بمحاكمة الأفراد المشتبه بهم في ارتكاب جرائم إبادة جماعية وجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وجريمة العدوان، وستمارس المحكمة اختصاصها على هذه الجريمة الأخيرة حالما يُعتمد تعريف قانوني لها بصورة نهائية (المادة 5(2) من نظام روما الأساسي). وكثيرون في هذه المنطقة، ومنهم قادة ومسؤولون حكوميون شرق أوسطيون، ينظرون ببساطة إلى المنظمات (القانونية والمالية والسياسية والعسكرية) الدولية بريب شديد. فهم يرون فيها مجرد أدوات لِـ"القوى الغربية" الكبرى تستخدمها، حسبما تقول هذه الحجة، لتعزيز مصالحها السياسية والوطنية تحت عباءة حماية حقوق الإنسان، من بين أمور أخرى. وإذا ما أردنا الصراحة، فإن هذه الآراء والتصورات تعود بجذورها التاريخية في المقام الأول إلى تجربة الاستعمار والتلاعب الأجنبي بمقدرات الشرق الأوسط فضلا عن سجل مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة الحافل بالتدخلات السياسية. ويقال إن الرد الشرق الأوسطي غير المرحب بأمر القبض الذي أصدرته المحكمة الجنائية الدولية بحق الرئيس السوداني الحالي عمر حسن أحمد البشير إنما ينبثق عن هذه التصورات الراسخة ذاتها.
ودون الخوض في ما إذا كانت هذه الانتقادات العامة محقة أم لا، فإن هذه الآراء في ما يتعلق بالمحكمة الجنائية الدولية لا تستند إلى أساس سليم بل إنها ويا للأسف تستخدم لعرقلة تقدم حقوق الإنسان وحمايتها لمصلحة شعوب المنطقة. والأمر المأسوي هو أن هذه بلاد شهدت على مر التاريخ نزاعات لا تعد ولا تحصى، وما زالت تشهد معاناة الملايين من سكانها الذين وُطئت ولا تزال حقوقهم الإنسانية الأساسية بالأقدام. ومن شأن فهم أوضح للأجهزة القانونية للمحكمة واستقلالها أن يبيّن أن هناك في الواقع علاقة تكافلية بين المحكمة الجنائية الدولية والشرق الأوسط وبصورة أكثر عمومية بين المحكمة وجميع الدول ذات السيادة التي تهتم اهتماما جادا بقضية حقوق الإنسان، وضمان عدم إفلات مرتكبي الجرائم الدولية المروعة من العقاب. وهذه الفرصة لإقامة شراكة ذات منفعة متبادلة لم تستغل بعد استغلالا كاملا.
والمملكة الأردنية الهاشمية هي حتى الآن الدولة الوحيدة في المنطقة التي صدقت على المعاهدة التي أسست بموجبها المحكمة (نظام روما الأساسي: بالعربية والإنكليزية والفرنسية) وبذا أصبحت الممثل الوحيد للشرق الأوسط في المحكمة. هذا الوضع الراهن آن له أن يتغير. ويرمي هذا التعليق بالأساس إلى الرد على بعض الشواغل والأفكار الخاطئة التي حالت حتى الآن دون شغل دول المنطقة ما تستحقه من مكانة بين دول المحكمة الأطراف الـ110 التي ما فتئت تزداد عددا.

1 – التحفظات الخاطئة عن التصديق على المحكمة واختصاصها واستقلالها
لا تستند الأفكار الخاطئة التي مفادها أن المحكمة مُسيَّسَة أو يسهل على "القوى الكبرى" استغلالها بما يشكل تهديدا لسيادة الدول إلى معلومات سليمة، وهي ناشئة عن سوء فهم عمل أجهزة المحكمة. ففي البنية القانونية للمحكمة في الواقع طبقات فوق طبقات من الحماية تعمل على كفالة استقلالها واحترامها سيادة الدول.

1(1) مبدأ التكامل

على سبيل المثال لا الحصر، للدول الأطراف في المحكمة دائما الأسبقية في ممارسة اختصاصها على مواطنيها حتى إذا كانوا متهمين بجرائم تدخل في اختصاص المحكمة. ويعني اختبار التكامل وفقا للمادة 17 من النظام الأساسي عمليا أن المحكمة تعمل كمحكمة ملاذ أخير وتعطي أولوية الاختصاص للمحاكم الوطنية (أنظر الفقرة 10 من الديباجة والمادة 1 من النظام الأساسي) ولا تمارس اختصاصها إلا إذا كانت الدولة الطرف "غير راغبة أو غير قادرة حقا" على الاضطلاع بالتحقيق أو مقاضاة مرتكبي الجرائم المحددة التي تدخل في اختصاصها (المادة 17(1) (أ)- (ب)). وينبغي أن تكون الجرائم أيضا "على درجة كافية من الخطورة" لكي تستوجب تدخل المحكمة (المادة 17 (1) (د)).
فضلا عن ذلك، فإن الحجة القائلة بأن اختبار التكامل سيكون في مصلحة الدول الغربية التي لديها نظم قانونية راسخة هي حجة ليست دقيقة برمتها. فاختبار التكامل لا يقاس بمعيار كوني مرجعي بل يسترشد بالأحرى بالمعايير المحددة في المادة 17 من النظام الأساسي ويطبَّق على أساس كل حالة على حدة بما يتفق مع خصوصيات النظام القانوني المعني. وفي الواقع فإن المحكمة تحترم استقلال النظم القانونية الوطنية احتراما كاملا. بيد أنه ينبغي بطبيعة الحال أن تكون الإجراءات على الصعيد الوطني حقيقية ومحايدة ومستقلة وأن تُتخَذ "بنية تقديم الشخص المعني إلى العدالة" وأن تحترم "مبادئ أصول المحاكمات التي يعترف بها القانون الدولي" (المادة 17(2)). وإلا اعتُبِرت الدولة المعنية "غير راغبة" في الاضطلاع بالتحقيق، وإذا استدعى الأمر، المقاضاة.
ويتعلق اختبار "عدم القدرة" على التحقيق أو المقاضاة الوارد في المادة 17(3) من النظام الأساسي بـ"الانهيار الكلي أو الجوهري أو عدم توافر" النظام القضائي الوطني أو بالحالات التي يكون النظام فيها "غير قادر على إحضار المتهم أو الحصول على الأدلة والشهادة الضرورية أو غير قادر لسبب آخر على الاضطلاع بإجراءاتها". والغرض من المتطلبات القانونية المنصوص عليها في المادة 17(3) هو الاستجابة، على سبيل المثال، لحالات فشل الدول وغيرها من القضايا التي لا تتيح فيها ديناميات السياسة الداخلية والواقع على الأرض إجراء عمليات مقاضاة قانونية. ومن الحالات الأخرى التي قد تعتبر فيها الدولة غير قادرة على التحقيق والمقاضاة بصورة كافية الحالات التي تعمل فيها الأنظمة القانونية الوطنية في خضم نزاع جار أو بعد انتهاء النزاع. إذن فالقصد من تقويم التكامل ليس التدقيق في الطبيعة الموضوعية لنظام قانوني وطني ما.
فضلا عن ذلك، فإن من شأن مبدأ التكامل أن يؤدي عمليا إلى نزوع الدول التي صدقت على النظام الأساسي، من أجل تعزيز أسبقية اختصاصها، إلى سن تشريعات وإقامة مشاريع تهدف إلى تمتين أنظمتها القانونية الوطنية وإدماج الجرائم الدولية التي تدخل في اختصاص المحكمة في قانونها الوطني مما يشكل بجلاء نتيجة فرعية إيجابية للتصديق سعيا إلى تحقيق الهدف الشامل المتمثل في تعزيز حقوق الإنسان.
وأخيرا، يجدر التشديد على نقطة مهمة ترد في ورقة السياسة الخاصة بمكتب المدعي العام. واسترشادا بصياغة الديباجة (الفقرة 4) وأحكام النظام الأساسي الأخرى ذات الصلة (المادة 5(1))، فإن عمليات المقاضاة التي تجريها المحكمة الجنائية الدولية لا تتعلق إلا بأولئك الذين "يتحملون المسؤولية الكبرى" عن " أشد الجرائم خطورة موضع اهتمام المجتمع الدولي" والتي تدخل في اختصاص المحكمة. ويعني ذلك في الواقع أن مكتب المدعي العام لن يهتم كقاعدة عامة إلا "بكبار القادة" ولن يحقق في كل انتهاك محتمل يرتكبه أشخاص يشغلون مرتبة أدنى في الهرم التراتبي. هذه السياسة هي مبدأ آخر من المبادئ العديدة التي تتبعها المحكمة لتقليل تدخلها في مجال يدخل في نطاق سياسة الدول. كما يقصر مبدأ "الدرجة الكافية من الخطورة" الذي تتضمنه المادة 17 (1) (د) من النظام الأساسي أيضا تدخل المحكمة فقط على الحالات الاستثنائية التي تبلغ فيها "خطورة" الأعمال التي تشكل الجرائم المعنية ومدى المشاركة في ارتكابها عتبة واضحة تبرر اتخاذ المحكمة مزيدا من الإجراءات.

1(2) الشروط المسبقة وممارسة الاختصاص

تمارس المحكمة اختصاصها على الأشخاص الطبيعيين وتنسب المسؤولية الجنائية الفردية إلى أولئك الذين: (1) إما بصفتهم مواطني دولة طرف، ارتكبوا جرائم تدخل في اختصاص المحكمة؛ (2) أو ارتكبوا هذه الجرائم في إقليم دولة طرف. فضلا عن ذلك، تمارس المحكمة اختصاصها زمنيا دون تطبيقه بأثر رجعي. لذا لا يجوز أن يكون للمحكمة اختصاص إلا في ما يتعلق بالجرائم المرتكبة بعد بدء نفاذ النظام الأساسي (بتاريخ 1 تموز 2002). وفي ما يتعلق بالدول التي صدَّقت على النظام الأساسي بعد بدء نفاذه، يجوز للمحكمة ممارسة اختصاصها على الجرائم المرتكبة بعد تاريخ تصديق الدولة على النظام الأساسي. وهناك استثناء من هذه القاعدة تنص عليه المادة 12 (3) من النظام الأساسي حيث يجوز لدولة ما إصدار إعلان بموجب هذا الحكم تقبل فيه اختصاص المحكمة في ما يتعلق بجريمة أو بجرائم ارتكبت في السابق (على أن يكون التاريخ الفاصل هو 1 تموز 2002).
ويجوز للمحكمة ممارسة اختصاصها عندما يحيل كل من دولة طرف أو مجلس الأمن حالة ما إلى المدعي العام أو أخيرا عندما يباشر المدعي العام تحقيقا من تلقاء نفسه (المادة 13). وفي حال مباشرة المدعي العام تحقيقا من تلقاء نفسه، يعود في جميع الحالات للدائرة التمهيدية المؤلفة من مجموعة من القضاة الدوليين - وهي جهاز قضائي مستقل ومنفصل – أمر النظر في الأدلة والبت في ما إذا كان للمحكمة اختصاص أم لا وما إذا كان هناك "أساس مشروع" يتيح للمدعي العام الشروع في إجراء التحقيق (المادة 15(3 – 4)). والدائرة التمهيدية هي أيضا التي تقرر ما إذا كان يتعين إصدار أمر بالقبض استجابة لطلب أودعه المدعي العام (المادة 58). وحتى إذا كان المدعي العام يجري تحقيقا، يجوز للدولة الطرف التي يجري التحقيق بشأن أحد مواطنيها، أن تبلغ المدعي العام في غضون فترة محددة بأنها تجري أو ستجري تحقيقاتها الخاصة بشأن الجرائم المعنية. وإذا تمّ ذلك بحسن نية، يمكن الدولة الطرف عندئذ الاضطلاع بالمقاضاة على الصعيد الوطني. إضافة إلى ذلك، يعد مبدأ عدم جواز المحاكمة على الجرم ذاته مرتين أحد المبادئ الراسخة في النظام الأساسي للمحكمة فلا يجوز لها أن تعيد مقاضاة شخص سبق أن حاكمته محكمة وطنية على جرائم تدخل في نطاق اختصاص المحكمة (المادة 20). وفي هذه الحالة أيضا، يتعين أن تكون المحاكمة التي تجرى على الصعيد الوطني عادلة ومحايدة وليست مجرد حيلة لحماية الشخص من المسؤولية الجنائية.
والأمر الأكثر أهمية هو أنه حتى عندما يحيل مجلس الأمن حالة ما إلى المدعي العام بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة (المادة 13 (ب)) – وهو ما حدث في حالة السودان على سبيل المثال – وخلافا للاعتقاد الشائع، فإن المدعي العام ليس ملزما تلقائيا بقبول الإحالة. فعندئذ يقوم مكتب المدعي العام بتقويم المعلومات والأدلة الواردة من جميع المصادر تقويما مستقلا وتحديد ما إذا كان هناك "أساس معقول للشروع" في إجراء تحقيق (المادة 53). ووفق تعبير مكتب المدعي العام، فإن "آلية التحريك لا تغير بأي حال من الأحوال نهج المكتب في اختيار الحالات أو القضايا أو الأشخاص الواجب التحقيق بشأنهم. وسيان ما إذا كانت الحالة قد أحالتها دولة طرف أو مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة فاختيار الحالات، والقضايا الداخلة في نطاق هذه الحالات، والأشخاص الواجب التحقيق بشأنهم إنما هو على الدوام قرار مستقل يتخذه الادعاء استنادا إلى النظام الأساسي والأدلة المتوافرة."
إن آليات الاستقلال هذه هي الشرط الذي لا غنى عنه لضمان مشروعية المحكمة وصدقيتها. وموجز القول هو أن المحكمة تعمل بصورة مستقلة قانونا وفعلا.
إذن من شأن ما تقدَّم أن يوضح للمنتقدين من الشرق الأوسط السبب في أنه يمكن المحكمة، في هذه المرحلة من تطورها، أن تنظر في قضايا تتعلق بالدول الأفريقية الثلاثين، أو الدول الثمانين الأخرى التي صدقت على النظام الأساسي للمحكمة لكن لا يمكنها ذلك في حالات أخرى. ومن الجدير بالذكر أيضا أنه سبق لمكتب المدعي العام أن أجرى تحليلا دقيقا لادعاءات تتعلق بارتكاب جيش المملكة المتحدة (المملكة المتحدة دولة طرف) جرائم حرب وجرائم إبادة وجرائم ضد الإنسانية في العراق. بل إن مكتب المدعي العام خلص إلى أنه استنادا إلى "جميع المعلومات المتوافرة [...] ثمة أساس معقول للاعتقاد بأن جريمتين تدخلان في اختصاص المحكمة قد ارتكبتا ألا وهما القتل العمد والمعاملة اللاإنسانية" ("جرائم الحرب": المادة 8). بيد أنه على أثر إجراء تحليل شامل، خلص المكتب إلى أن القضية لا تستوفي عتبة الخطورة المنصوص عليها في المادة 17. فقد جرى استنادا إلى المواد التي قدِّمت إلى مكتب المدعي العام تحديد "ما بين 4 و12 مجنيا عليهم في جريمة القتل العمد إضافة إلى عدد محدود من المجني عليهم في جريمة المعاملة اللاإنسانية" اللتين ارتكبهما جيش المملكة المتحدة.
فضلا عن ذلك، خُلِص إلى أن القضية تستوفي اختبار التكامل وهو ما يعني "أن إجراءات وطنية [في المملكة المتحدة] بوشرت في ما يتعلق بكلٍ من الحوادث ذات الصلة" قيد النظر. إضافة إلى ذلك، أكد المدعي العام للمحكمة أن مكتبه بصدد تحليل الحالة في أفغانستان وهي دولة طرف. وأنه يجمع معلومات لتحديد ما إذا كان سيباشر تحقيقات رسمية بشأن جرائم ادعي ارتكابها في إقليم أفغانستان وموعد هذه التحقيقات. كما ردَّد المدعي العام اخيرا التصريحات التي سبق له الإدلاء بها ومفادها أن مكتبه يجمع معلومات بشأن جرائم حرب محتملة ارتُكِبت في أفغانستان تتعلق بكل من حلف شمال الأطلسي (الناتو) وقوات "طالبان". وخارج القارة الأفريقية أيضا، يعكف مكتب المدعي العام على إجراء تحقيقات أولية في جورجيا وفي قطاع غزة. ومن الجدير بالاهتمام أن بعثة تقصي الحقائق التي كلفها مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة مهمة التحقيق في حرب غزة عام 2008 قد خلصت إلى أن ثمة أدلة تشير إلى أن كلا من قوات الدفاع الإسرائيلية والجماعات المسلحة الفلسطينية ارتكبت أعمالا ترقى إلى جرائم حرب وربما جرائم ضد الإنسانية. وأوصت اللجنة التي ترأسها القاضي ريتشارد غولدستون في تقريرها المؤلف من 574 صفحة السلطات الإسرائيلية والفلسطينية بإجراء تحقيقات "ذات صدقية" ومقاضاة من ادعى ارتكابهم انتهاكات وتقديم تقارير بما تحرزه من تقدم إلى مجلس الأمن في غضون ستة أشهر. وما هو أكثر أهمية لأغراض هذا التعليق أن التقرير خلص إلى أنه إذا لم يستجب الطرفان، يتعين على مجلس الأمن بعد انقضاء المهلة المحددة إحالة الحالة إلى مدعي عام المحكمة الجنائية الدولية. وما إذا حدث ذلك أو لم يحدث أمر سيُعرَف في الوقت المناسب وسيتوقف على مجرى الأمور في مجلس الأمن.
فالمسألة إذن، إذا نظرنا فيها بموضوعية، ليست مسألة "تحيز" في أسلوب عمل المحكمة إنما هي ببساطة أن اختصاص المحكمة تقيده في المقام الأول حقيقة أن دول الشرق الأوسط – في ما خلا الأردن – من بين دول أخرى قد امتنعت حتى الآن عن التصديق على النظام الأساسي للمحكمة. وهذا الواقع المقيِّد يمكن أن يتغير لمنفعة جميع من يقدرون حقوق الإنسان فعلا مع تزايد عدد الدول التي تصدق على النظام الأساسي.

2 - منافع التصديق

إن العبر الأليمة التي نستخلصها من تاريخ المنطقة الحديث، الذي يزيده واقع المنطقة الجغرافي السياسي وأهميتها الاستراتيجية تعقدا، تأتلف لكي تؤيد الرأي القائل بأن التصديق على النظام الأساسي للمحكمة الجنائية يمكن أن يكون في الواقع ذا فائدة من خلال العمل كآلية ردع وتوفير ملاذ قانوني في حال تعرض دول المنطقة للعدوان من جانب دول مجاورة. ومن بين أمثلة النزاعات المهينة التي نشبت بين دول المنطقة في الآونة الأخيرة غزو العراق لإيران والكويت عامي 1980 و1990 على التوالي، وهجوم إسرائيل على لبنان عام 2006، والحروب التي شُنَّت على إسرائيل أثناء الحرب العربية - الإسرائيلية عام 1948 أو حرب يوم الغفران، على سبيل المثال لا الحصر. فضلا عن ذلك، يمكن المحكمة حماية دول المنطقة من التهديدات الخارجية من قبيل حرب الخليج عام 1990 أو الغزو الأميركي للعراق عام 2003.
إن دول الشرق الأوسط، حينما تصبح دولا أطرافا، ستسهل على المحكمة ممارسة اختصاصها على الجرائم التي يشملها النظام الأساسي والتي ترتكبها قوة عسكرية أجنبية أو جماعات مسلحة في أقاليمها حتى إن لم يكن المعتدي (المعتدون) من مواطني دولة طرف. والمثال الحي الذي يبرز أهمية التصديق هو حرب أوسيتيا الجنوبية التي نشبت عام 2008. فجورجيا كانت دولة طرفا وقت نشوب النزاع الذي كان الجيش الروسي يجري إبانه عمليات في إقليم جورجيا. وقد ترتب على حقيقة كون جورجيا صدقت على النظام الأساسي أن كان للمحكمة اختصاص إقليمي وأنه كان بإمكانها التحقيق في جرائم ادعي أن جميع أطراف النزاع ارتكبتها في إقليم جورجيا. ويشمل هذا الجيش الروسي رغم أن روسيا ليست دولة طرفا في المحكمة. ومسألة جورجيا هي حاليا قيد التحليل من جانب مكتب المدعي العام.  
ومن نافل القول إن التصديق سيكون من شأنه أيضا أنه إذا ارتكبت دول أطراف الجرائم المنصوص عليها في النظام الأساسي للمحكمة في إقليمها أو في سواه ضد سكانها أو ضد مواطني دولة أخرى، سواء أكانت دولة طرفا أم لا، فإن أفعالها ستخضع للنظر بموجب اختصاص المحكمة – وهو ما يعد أيضا نتيجة إيجابية إذا كنا بحق ملتزمين بحماية حقوق الإنسان ووضع حد للإفلات من العقاب. وفي كل حالة من هذه الحالات، ينبغي استيفاء اختبار التكامل وغيره من المسائل المتعلقة بالمقبولية قبل أن تمارس المحكمة اختصاصها الفعلي. إلا أنه يمكن المرء أن يرى كيف أن من الممكن أن يكون للتصديق: (1) أثر رادع للمعتدين المحتملين؛ (2) وأن يوفر ملاذا قضائيا لمقاضاة الانتهاكات التي ترتكبها أطراف داخلية وخارجية؛ (3) والمساعدة على غرس ثقافة حقوق الإنسان والوعي بالقانون الجنائي الدولي في المنطقة.

3 – حقوق الدفاع أمام المحكمة

من بين مواضع القلق الأخرى التي تغذي التحفظات عن الانضمام إلى المحكمة السؤالان الآتيان: ما هو مآل مواطني الدولة حال مشاركتهم في الإجراءات أمام المحكمة؟ وماذا يُضمَن لهم من تمثيل ودفاع قانونيين؟ وهذان سؤالان مشروعان يجدر بكل دولة ذات سيادة أن تطرحهما قبل أن تقدم مواطنيها للمحاكمة أمام ولاية قضائية أخرى.
ومن وجهة النظر القانونية، فإن النصوص القانونية للمحكمة حافلة بالضمانات في ما يتعلق بحقوق الدفاع. كما يشتمل النظام الأساسي على ضمانات أساسية من بينها النص على مبدأ عدم جواز المحاكمة عن الجريمة ذاتها مرتين (المادة 20) ومبدأ حظر سن قوانين بأثر رجعي (المادة 22) ومبدأ أسباب امتناع المسؤولية الجنائية (المادة 31) ومبدأ قرينة البراءة (المادة 66). كما أن حقوق المتهم في محاكمة عادلة ومحايدة وعلنية منصوص عليها ضمن جملة أمور في المادة 67 من النظام الأساسي، وحقوق الدفاع المنصوص عليها في المادة 67 تتسق والصكوك الدولية التي تكفل الضمانات ذاتها (مثلا المادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والمادة 6 من الاتفاقية الأوروبية لحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية) وتكفل الرقابة القضائية من جانب دوائر المحكمة ممارسة هذه الحقوق ممارسة فعالة. فضلا عن ذلك، تضع القاعدة 20 من القواعد الإجرائية وقواعد الإثبات التزاما قطعيا على عاتق مسجل المحكمة بأن ينظم "قلم المحكمة على نحو يمكّن من خدمة حقوق الدفاع، تمشيا مع مبدأ المحاكمة العادلة."
واستنادا إلى الدروس المستفادة من تجربة المحاكم الخاصة المختلطة والمحاكم الخاصة التابعة للأمم المتحدة، وبغية تحقيق "تكافؤ الإمكانات" بين الادعاء والدفاع، تطبق المحكمة أشد المنظومات صرامة. فمن ضمان حق المدعى عليهم في اختيار محامي الدفاع الرئيس عنهم من بين نخبة من المحامين المستقلين المؤهلين والاستعانة بفرق قانونية كفؤة تستفيد من مساعدة قانونية كبيرة يقدمها المكتب العمومي لمحامي الدفاع إلى وجود منظومة معونة قانونية مواتية ومنسقة وغيرها من خدمات الدعم، تعد ركيزة الدفاع أمام المحكمة في حال جيدة ويتواصل تدعيمها.
كما أن باب القبول في قائمة المحامين لدى المحكمة الذين يحق لهم تمثيل المشتبه بهم والمتهمين في الإجراءات التي تجري أمام المحكمة مفتوح لجميع المحامين من أرجاء العالم كافة ممن يستوفون شروطا معينة تتعلق بضمان النوعية (انظر القاعدة 22 من القواعد الإجرائية وقواعد الإثبات: بالعربية والانكليزية والفرنسية؛ والبند 67 من لائحة المحكمة: بالعربية والانكليزية والفرنسية). وخليق بالمحامين المؤهلين من الشرق الأوسط وسائر أنحاء العالم أن يقدموا طلبات لإدراج أسمائهم في قائمة المحامين لدى المحكمة من أجل المشاركة في إجراءاتها مشاركة مباشرة والمساهمة في ارثها القضائي ونقل ما يكتسبونه من معارف إلى الولايات القضائية في بلدانهم. ولا يُشترَط أن يكون المحامون من مواطني دولة طرف لتقديم طلبات إدراج أسمائهم في قائمة المحامين لدى المحكمة.
لقد قصدت المحكمة الجنائية الدولية منذ نشأتها أن تكون مؤسسة قضائية نموذجية قادرة على تقديم عدالة رفيعة المستوى. وبرهنت عمليا على أنها تعي حقيقة أن وجود ركيزة دفاع قوي في المحكمة وإجراء محاكمات عادلة أمام هيئة قضائية مستقلة تحترم حقوق الدفاع هما عاملان أساسيان لضمان تحقيق المبادئ والأهداف النبيلة المنصوص عليها في ديباجة النظام الأساسي. فضلا عن ذلك، فإن وجود دفاع تتوافر له مقومات البقاء وإجراء محاكمات عادلة أمران ذوا أهمية بالغة في تحقيق الولاية القضائية العالمية – وهو هدف هام من أهداف المحكمة. وأخيرا، من شأن المحاكمات التي تجرى بالالتزام بأعلى المعايير القضائية وباحترام حقوق المدعى عليهم في ما يتعلق بأصول المحاكمات أن تحول دون حصول النتيجة السلبية التي يمكن أن تحدث في الحالات التي تصدر فيها الإدانات اللازمة لكن يتعرض فيها المجني عليهم للإيذاء ثانيةً وللانتقاص من معاناتهم على يد منتقدي المنظومة الذين يصفون الإجراءات بأنها متحيزة أو يعتريها عيوب تتعلق بأصول المحاكمات. والمحكمة واعية تمام الوعي لهذه الشواغل. ولئن كان هناك دوما متسع للتحسين، فإن التقويم الموضوعي لسجل المحكمة حتى الآن يثبت أن المحكمة تبذل قصارى جهدها لتحاشي مثل هذه النتيجة غير المرجوة وضمان محاكمة الأشخاص الخاضعين لإجراءات أمامها محاكمة عادلة. وقرار الدائرة الابتدائية الأولى بتعليق الإجراءات في قضية المدعي العام ضد توماس لوبانغا دييلو هي خير مثال على ذلك.
فقد حكم قضاة الدائرة الابتدائية في هذه القضية بأن عجز الادعاء عن الكشف للدفاع عن أدلة نفي في حوزته حصل عليها بموجب اتفاقات سرية مع الأمم المتحدة عملا بالمادة 54 (3) (هـ) من النظام الأساسي قد أضر بحق المتهم في أن يحاكم محاكمة عادلة. ولدى استئناف القرار، قضت دائرة الاستئناف بتثبيت قرار الدائرة الابتدائية بتعليق الإجراءات. وثمة أمثلة أخرى عديدة في السوابق القضائية المتنامية للمحكمة وفي سياسات قلم المحكمة وأساليب عمله.
وبالتالي، سيُمنَح أي شخص يمثل أمام المحكمة جميع أشكال التسهيلات والمساعدة القانونية والضمانات المطلوبة سعيا لكفالة محاكمته محاكمة عادلة.

4 -  عدم وجود قضاة متخصصين بالتقاليد الإسلامية

من الشواغل الأخرى التي جرى الإعراب عنها أنه ليس في المحكمة قضاة متخصصون في القانون الإسلامي. وتجري الحجة المجرى التالي: لما كان قضاة المحكمة من غير المتفقهين في دقائق القانون الإسلامي، فإنهم سيحاكمون دول الشرق الأوسط – التي تستوحي نظمها القانونية في مجملها من الشريعة الإسلامية – على نحو غير عادل. وهذا أيضا تصور خاطئ. فالترتيب الهرمي للقانون الواجب التطبيق في المحكمة تحدده المادة 21 من النظام الأساسي التي تنص على أن تطبق المحكمة في المقام الأول النصوص القانونية الخاصة بالمحكمة، وفي المقام الثاني المعاهدات الدولية الواجبة التطبيق ومبادئ القانون الدولي والسوابق القضائية المقررة في القانون الدولي حيثما يكون ذلك مناسبا، وأخيرا، بعد استنفاد هذين المصدرين، يجوز الاعتداد بالمبادئ العامة للقانون التي تستخلصها المحكمة من القوانين الوطنية للنظم القانونية في العالم. لذا فإن دراسات القاضي الدينية أو خلفيته الشخصية ليست لها أهمية لأنه ليس لها من تأثير في القانون الذي يتعين تطبيقه. ويعني هذا أنه أيا كان المعتقد الشخصي لقاضي المحكمة الجنائية الدولية سواء أكان علمانيا أو مسلما أو يهوديا أو مسيحيا فهو ملزم التزاما صارما بتطبيق مصادر القانون المحددة في المادة 21 من النظام الأساسي وبالترتيب المنصوص عليه. وفي أفضل الأحوال، قد يكون لدراسة القاضي الدينية أو خلفيته الوطنية تأثير عند اللجوء إلى القوانين الوطنية كملاذ أخير. وحتى عندئذ، يجوز الاستناد إلى القوانين الوطنية شريطة ألا تتعارض مع النظام الأساسي "ولا مع القانون الدولي ولا مع القواعد والمعايير المعترف بها دوليا."
وعلى أية حال، إذا أصبحت أي دولة شرق أوسطية دولة طرفا، سيكون لها الحق في تسمية مرشحيها لانتخابهم قضاة في المحكمة (المادة 36). ويشترط النظام الأساسي أيضا أن يُختَار القضاة على نحو يراعى فيه تمثيل جميع النظم القانونية في العالم والتوزيع الجغرافي العادل (المادة 36(8)). لذا فمن الإنصاف الخلوص إلى أن هناك احتمالا قويا لانتخاب قاض من هذا البلد. فضلا عن ذلك، من شأن عضوية المحكمة أن يكون للمدعين العامين والقضاة والمحامين وغيرهم من المهنيين ذوي الصلة الحق في التقدم لشغل وظائف في جميع أجهزة المحكمة ليشهدوا عن كثب كيفية عمل المحكمة وفي الوقت ذاته المساهمة في تطورها.

5 - عقبة "النسبية الثقافية"

إن القصد من القانون الإنساني الدولي والقانون الجنائي الدولي هو الردع وتقليل احتمال وقوع الحرب والمعاناة الناجمة عنها إلى أقل حد ومحاسبة المسؤولين عن ارتكاب أشد الجرائم خطورة التي تثير قلق المجتمع الدولي عن أفعالهم. ووجه الحرب القبيح واحد في كل مكان وزمان. وكذلك شأن القوانين التي سُنَّت لإضفاء العقلانية على جنون الحرب. ومن هنا فإن الموقف القائل بأن هذه القوانين ذات توجهات "غربية" ولذا يجب ألاّ تطبَّق على المجتمعات الإسلامية الشرقية يتهاوى أمام المراقب الأمين بأقل قدر من التفحص الموضوعي. وينطبق هذا بصورة خاصة في ضوء حقيقة أن القرآن ذاته، إلى جانب تبنيه مفهوم "العدالة" باعتباره أحد مبادئه الأساسية، يتضمن أحكاما عديدة تحدد السلوك غير المقبول أثناء القتال. فعلى سبيل المثال، لا يجوز وفقا للقانون الإسلامي شن الحرب إلا دفاعا عن النفس (سورة البقرة، الآيات 190-193). فضلا عن ذلك، يؤكد علماء المسلمين أن المفاهيم من قبيل "مبدأ التمييز"، وهو مبدأ مؤداه أنه ينبغي للمتحاربين التمييز بين المدنيين والمقاتلين، ومبدأ "الضرورة والتناسب"، ومعاملة أسرى الحرب معاملة حسنة (الآية الخامسة من سورة التوبة والآية الرابعة من سورة محمد) وتحريم قتلهم واسترقاقهم ونهبهم وتدمير الأعيان المدنية واستخدام الأسلحة السامة كلها مبادئ إسلامية منصوص عليها في القرآن والحديث (أي التقاليد الشفوية التي تستند إلى ما صدر عن النبي محمد من أقوال وسلوك أثناء حياته).
لذا فإن الزعم بأن بعض أحكام النظام الأساسي قد لا تكون مطابقة لأحكام القانون الإسلامي (الشريعة) – التي لا تطبَّق تطبيقا صارما إلا في حفنة من دول الشرق الأوسط – ولذا لا يمكن هذه البلدان التصديق على النظام الأساسي هو موقف واضح تهافته للعيان لا سيما أن دولا أطرافا عديدة في المحكمة تعتمد دساتير إسلامية والإسلام فيها هو الديانة الرسمية أو ديانة غالبية سكانها (قرابة الخمسين في المئة أو أكثر). ويتضمن الجدول المرفق قائمة بهذه البلدان والتفاصيل ذات الصلة.
وبالنظر إلى ما تقدَّم، فإذا اتخذت دول الشرق الأوسط موقفا متصلبا إزاء التصديق في الوقت الذي ترحب فيه الدول الأطراف في المحكمة بالقرن الحادي والعشرين بصدر مفتوح وتنتفع بآليات الحماية التي توفرها المحكمة، ستجد المنطقة نفسها مكشوفة ومعزولة عن مجتمع دولي ما فتئ يتزايد ترابطا. إن من مصلحة دول الشرق الأوسط، التي تقع في منطقة معروفة تاريخيا بكثرة صراعاتها، أن تسلِّم بأن الانضمام إلى المحكمة هو في واقع الأمر من صميم مصالحها الوطنية. وإذا كانت هذه الدول ترغب في إدماج عناصر من الفقه الإسلامي، من بين عناصر أخرى، في قانون المحكمة، أي عناصر تتسق في منطقها ونهجها مع المعايير القانونية المقبولة عالميا، فبإمكانها أن تفعل ذلك بالمشاركة والانخراط لا بالابتعاد والانعزال.

6 – حصانة رئيس الدولة أو الحكومة

تخترق المادة 27 من النظام الأساسي الحصانة التقليدية الممنوحة لرئيس الدولة أو الحكومة بأن وسَّعت نطاق اختصاص المحكمة ليشمل جميع أولئك الذين يرتكبون جرائم شنيعة بغض النظر عن مناصبهم أو مراكزهم. فالحصانة الممنوحة لرؤساء الدول لا تحول دون ممارسة المحكمة اختصاصها. وتتماشى هذه القاعدة مع سوابق أقدم في هذا المجال دُوِّنت في قوانين وصدرت بها أحكام قضائية على السواء (انظر مثلا اتفاقية منع الإبادة الجماعية (المادة 4)؛ وميثاق محكمة نورمبرغ العسكرية الدولية (المادة 7)؛ والنظام الأساسي لميثاق المحكمة العسكرية الدولية للشرق الأقصى (المادة 6)؛ والمحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة (المادة 7(2))؛ المحكمة الجنائية الدولية لرواندا (المادة 6(2)) والمحكمة الخاصة لسيراليون (المادة 6 (2)). أنظر أيضا المادة 6 من النظام الأساسي للمحكمة الخاصة بلبنان في ما يتعلق بعدم صلاحية أوامر العفو؛ وحكم دائرة الاستئناف في المحكمة الخاصة لسيراليون الصادر بتاريخ 31 أيار 2004 بشأن تشارلز تايلور؛ وحكم الدائرة الابتدائية في المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة الصادر بتاريخ 8 تشرين الثاني 2001 بشأن ميلوسوفيتش وحكم الدائرة الابتدائية في المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة الصادر بتاريخ 8 تموز 2009 بشأن كارادزيتش، على سبيل المثال لا الحصر). ويمكن القول هنا إن المعايير غير القابلة للتقييد المانعة للجرائم الدولية المروعة من قبيل الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب هي قواعد آمرة ولا  يُعقل أن تعتبر داخلة في نطاق ممارسة الدولة لمهماتها المشروعة لتبرير الحماية من طريق الحصانة.
ولئن كان رؤساء الدول وغيرهم من كبار المسؤولين الحكوميين في الشرق الأوسط وغيره قد يشعرون بالقلق إزاء هذا الحكم، فإن الامتناع عن التصديق استنادا إلى هذا السبب وحده لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يكون متوافقا مع التزام حقيقي بقضية حقوق الإنسان على الصعيدين المحلي والدولي. وإننا جميعا ولا شك متفقون على أنه يجب عدم استخدام مبدأ الحصانة في القانون الدولي كدرع لحماية أعداء الجنس البشري من المقاضاة الواجبة.  
وأخيرا، فإنه بالتأكيد لموقف نبيل أننا نريد تطبيق العدالة بالتساوي على جميع أولئك الذين يرتكبون جرائم تهز الضمير الإنساني. وينبغي لنا أيضا أن نفهم أنه إذا كان ثمة مؤسسة قضائية دولية تقوم على تاريخ وأساس سليمين ولها من المقومات ما يمكّنها من أن تكون محكمة دولية للعدالة الجنائية بحق فإن هذه المحكمة هي المحكمة الجنائية الدولية. فليس بالرفض يمكننا أن نضمن بصورة أفضل أن يظل ميزان العدالة الدولية مستقيما ومنزها عن التدخل السياسي إنما بالانخراط في المحكمة ودعمها. إن التصديق على النظام الأساسي ومساعدة المحكمة على تحقيق الولاية القضائية العالمية هما الكفيلان بتمكين المحكمة من أن تلقي بشباكها إلى مدى أوسع كيما تمسك بجميع أولئك الذين يتحملون المسؤولية الجنائية سواء في الداخل أو في الخارج.
The original version of this article is published by "jurist"

سام ساسان شوامانيش      
(محام دولي سبق له العمل في مؤسسات قضائية دولية عدة. وهو مستشار قانوني لدى المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي بهولندا، المنصب الذي يشغله منذ عام 2005. والآراء التي يعبر عنها في هذه المقالة هي آراؤه الشخصية ولا تعبِّر بالضرورة عن آراء المحكمة الجنائية الدولية)

 

نقلا عن جريدة النهار بتاريخ 24 كانون الثاني 2010




شارك هذه الصفحة: