الاتجار بالبشر

 

 

يشكّل الاتجار بالبشر نشاطاً ضخماً سرّياً عابراً للدول، تقدر قيمته الإجمالية بمليارات الدولارات. ويشمل الرجال والنساء والأطفال الذين يقعون ضحية الخطف، والقسر أو الاستدراج لممارسة أشكال مهينة من الأعمال لمصلحة المتاجرين بهم. وهذا يعني، بالنسبة إلى الرجال، العمل القسري في ظل ظروف غير إنسانية لا تحترم فيها حقوق العمل. وبالنسبة إلى النساء، يعني في العادة خدمة منزلية، لا تختلف غالباً عن الرق، والاستغلال الجنسي والعمل في الملاهي الليلية. وبالنسبة إلى الأطفال يعني استخدامهم القسري كمتسولين أو باعة جوّالين أو سوّاقين للجمال أو يؤدي بهم إلى الاستغلال الجنسي بما فيه النشاطات الإباحية. وهي تبدأ مع بعض الأطفال بداية فاجعة بتجنيدهم في صفوف المقاتلين، أحياناً في الجيوش النظاميّة، وأحياناً في الميليشيات التي تقاتل تلك الجيوش.

لا تتوافر معلومات دقيقة حول الاتجار بالبشر. ذلك أن معظم هذه العمليات الإجرامية تتخفى تحت ستار نشاطات شرعية، وتتشابك في مسارات عابرة للحدود يصعب استقصاؤها أو تتبع تحركاتها. وفي البلدان التي انهارت فيها السلطة المركزية تنشط حلقات التهريب علناً. وفي أغلب الأحيان، يتستّر الاتجار بالبشر في البلدان الأخرى وراء وكالات التوظيف والاستخدام. وتمارس خلف هذه الواجهة أقبح ضروب الاستغلال ويضلّل الضحايا بإقناعهم بأنها مجرد وسيط وحلقة وصل تربط ما بين "العميل" وسوق العمل أو ربّ العمل المحتمل. والواقع أن هذه الوكالات تغرق ضحاياها بالوعود المعسولة التي لا يتكشف زيفها إلا بعد أن ينهوا رحلتهم عبر قنوات مريبة ومحفوفة بالمخاطر في أكثر الأحيان، فتتبدد صورة الفردوس الموعود الذي يبغون الوصول إليه في أوروبا أو الخليج، على سبيل المثال، أو عندما يكتشف هؤلاء الضحايا أن الأعمال والوظائف التي تنتظرهم لا صلة لها بالعمل الذي وعدوا به في الأصل، لا من حيث نوعه ولا قانونيته ولا شروطه.

 في البلدان العربية يتسم الاتجار بالبشر بخصائص محددة واضحة، أولاها أن هذه البلدان تؤدي أدواراً مختلفة، وفي بعض الحالات أدواراً متعددة. فقد تكون الدولة هي وجهة هذه الظاهرة كما في الحال في كل بلدان الخليج، وإلى حد ما في الأردن ولبنان، وقد تكون ممراً للعبور، كما بالنسبة إلى الأردن ولبنان والجزائر ومصر والمغرب، أو قد تكون هي نفسها مصدر الأشخاص الذين يتم الاتجار بهم، كما هي الحال بالنسبة إلى الأردن وتونس والجزائر والسودان والصومال والمغرب.

ولا تمثل البلدان العربية المصدر الوحيد لضحايا الاتجار بالبشر في المنطقة، فقد تحوّلت هذه البلدان إلى أحد أهم مقاصد الاتجار بالأشخاص الوافدين من مختلف بقاع الأرض: جنوب  شرق أسيا وشرق أوروبا وأسيا الصغرى ووسط أسيا. والمآل الأخير لهذا الاتجار هو، في المقام الأول، بلدان الخليج ودول أخرى مثل الأردن ولبنان ومصر. كما تمثل بلدان جنوب الصحراء الأفريقية مصدراً آخر وتتدفق أعداد لا حصر لها من الأشخاص من هذه المناطق إلى دول شمال أفريقيا مثل تونس وليبيا والمغرب، بقصد العبور إلى أوروبا. قد لا يحالف الحظ بعضهم في هذه المحاولة، فتنقطع بهم السبل إلى إن تتاح لهم الفرصة المنشودة، وفي تلك الإثناء، يضطرون إلى كسب لقمة العيش بأداء أعمال يدوية وضيعة إذا حالفهم الحظ، أو يتحولون متسولين وباعة جوالين أو يضطرون إلى احتراف البغاء. وإضافة إلى تلك النشاطات العابرة للحدود فإن الحلقات في دائرة المتاجرة بالبشر قد تنحصر، من المنبع إلى المصب، في بلد واحد كما هي الحال في كل من جيبوتي والسودان والصومال وموريتانيا، وبنسبة أقل في تونس ومصر.

والنهاية الأقل سوءاً التي تنتظر ضحايا الاتجار هي أن يعملوا خدماً في المنازل. غير أن كثيرين ممن وقعوا فريسة لهذه العملية ينتهي بهم المطاف إلى مصير أسوأ، وذلك حين يرغمون على معاناة أوضاع أقرب ما تكون إلى العبودية، ويضطرون إلى العمل خدما لدى الميليشيات المتحاربة في السودان والصومال أو حتى مصدراً للمتعة لدى أفرادها. وفي حالات أخرى، إذا لم ينته بهم الأمر في وضع أشبه بالعبودية في المنازل في الخليج أو موريتانيا أو مالي، على سبيل المثال، فإنهم قد يصدرون إلى الميليشيات في البلدان المجاورة مثل " جيش الرب للمقاومة" في أوغندا، الذي يستخدم الأطفال والأسرى من جنوب السودان.

 

يستخدم المتاجرون أساليب مختلفة لترويع الضحايا والسيطرة عليهم. فقد يجري، ببساطة، احتجاز المستحقات المالية لبعضهم. غير أن ثمة عددا من الوسائل الأخرى ومنها:

  • الاسترقاق بالمديونية، أو بقيود مالية أخرى لاستبقاء الضحايا في حالة الاتكال، بما فيها احتجاز أجورهم باعتبارها "أمانات".
  • فرض الحجر عليهم ومنعهم من التواصل مع الناس، ومراقبة اتصالاتهم بمن هم خارج البيت أو الموقع والحد منها.
  • فصلهم عن عائلاتهم وأقاربهم وجماعاتهم الدينية.
  • مصادرة جوازات سفرهم وتأشيرات دخولهم ووثائقهم الثبوتية.
  • اللجوء إلى العنف، أو التهديد باستخدامه، ضد الضحايا وعائلاتهم.
  • التهديد بإذلالهم عن طريق فضح ظروفهم لعائلاتهم.
  • إبلاغ الضحايا بأنهم سيواجهون السجن أو الترحيل بسبب مخالفتهم قوانين الهجرة، إذا أقدموا على الاتصال بالسلطات.

 

نقلا عن الفصل الرابع - "انعدام الأمن الشخصي للفئات الضعيفة" - من تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 2009 -الذي يصدر عن المكتب الإقليمي للدول العربية في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي- والذي جاء تحت عنوان: "تحديات أمن الإنسان في البلدان العربية".




شارك هذه الصفحة: