العمّال السوريّون في لبنان: مشاكل وآلام

بعد اغتيال السيد رفيق الحريري، تعرّض العمال السوريون في لبنان لأعمال انتقامية. فبحسب تقرير لمنظمة العفو الدوليّة، قُتل ما يقارب العشرين عاملاً سورياً، عن طريق حرق مساكنهم أو رميهم من أعلى المباني التي يعملون فيها أو طعنهم في الشارع. وبين 27 شباط/ فبراير و23 آذار/ مارس 2005، أحصيت 31 عملية إشعال حرائق إجرامية لمساكن العمال المؤقتة. ودفع مناخ انعدام الأمن هذا مئات آلاف العمال السوريين إلى الإسراع في مغادرة لبنان، حتى من دون تقاضي أجورهم التي كانوا يطالبون مستخدميهم بها بدون جدوى. وكانت الحكومة اللبنانية قد أكدت في أيار/ مايو 2005 أنها ستتخذ الإجراءات الكفيلة بالحدّ من دخول العمّال السوريين، وذلك تأميناً لفرص العمل للبنانيين. وبالفعل، تم اتّخاذ قرارات في ربيع 2005 تفرض حيازة العمال السوريين على إجازة عمل.

يعمل السوريون في مجالات لا تتطلّب مؤهّلات كبيرة، فهم يشكّلون القسم الأساسي من اليد العاملة في قطاعَي البناء والزراعة، وفي قطاعي الفنادق والمطاعم يتنافسون مع المصريين، أما في رفع النفايات فمع السريلانكيين. في المقابل، لا وجود عملياً لخادمات منازل سوريات في لبنان حيث تطغى على هذا القطاع السريلانكيات والفيليبينيات والإثيوبيات. فالسواد الأعظم من اليد العاملة السورية هو ذكوريّ إذاً، ومن يصطحبون معهم عائلاتهم هم فقط حجّاب البنايات السكنية عندما يحصلون على مسكن مجّانيّ أو العمّال الزراعيين لأنه من السهل إيجاد عمل للنساء والأطفال في هذا القطاع. إنّها في غالب الأحيان هجرة مؤقّّتة تهدف إلى جمع رأسمال صغير يسمح بالزواج أو الحصول على منزل أو تأمين دخل إضافي للعائلة.
وعدد العمال السوريين في لبنان غامض لافتقادهم إلى إجازات عمل أو وثائق إقامة. لكن، وكما بالنسبة لغياب أيّ إحصاء رسمي للسكان منذ عام 1932، تتعمّد الحكومة اللبنانية هذا الغموض من أجل إعطاء الوضع طابعاً دراماتيكياً: حتّى الحديث عن «مليون سوري» عند الضرورة. وكانت منظمة العفو الدولية قد قدّرت عدد العمال السوريين مطلع شباط/ فبراير 2005، قبل اغتيال رفيق الحريري، بما بين 400 و600 ألف.

 

تواجه سوريا بطالة مستشرية ومتزايدة منذ عشر سنوات. ففي مطلع التسعينات، توقفت الدولة عن امتصاص غياب فرص عمل من خلال التوظيف في القطاع العام. وهي تراهن على القطاع الخاص للحدّ من البطالة بعد أن اعتقدت أنها أعطته الإمكانات اللازمة لنموّه. لكن ذلك لم يعط النتائج المرجوّة لجهة العمالة، حيث ارتفعت البطالة من 7،4% عام 1994 إلى 12،3% عام 2003، وفق إحصاءات رسمية تعتبر عموماً متفائلة إلى حدّ كبير؛ فالخبير الاقتصادي السوري نبيل سكّر يقدّر نسبة البطالة في حدّها الأدنى بـ20%. وفي شمال شرق البلاد مثلاً، في محافظة الحسكة ذات الغالبية الكردية، وبالتالي المهملة من قبل النظام، تصل البطالة رسمياً إلى 26،5% ويتم تداول نسبة 50% كرقم أقرب إلى الحقيقة. وقد عرفت هذه المحافظة، بين 1994 و2004، أكبر نسبة نزوح في سوريا، إذ إن البطالة المستشرية تدفع بأهل الريف نحو حزام البؤس في دمشق أو باتجاه لبنان. في هذه الحالة، لم يقتصر النزوح على شبان غير متزوجين، بل طال عائلات بأكملها طاردها البؤس لتتحول إلى بروليتاريا ريفية حقيقية تنتقل بحسب توفّر فرص العمل بين لبنان وسوريا وتقيم في ظروف سكنية تعيسة.


يشكّل لبنان إذاً صمام أمان للنظام البعثي الذي يجد فيه متنفّساً للبطالة لديه. فتبعاً للسنوات، هناك دائماً ما بين 10 و15 في المئة من القوة العاملة السورية تعمل في لبنان. وبدون لبنان، يمكن أن ترتفع البطالة في سوريا من مستوى الـ20 إلى الـ30 في المئة، ما يمكن أن يخلق مشكلة أمام سوريا، حتى ولو كان التضامن العائلي يسمح بامتصاص النتائج الاجتماعية للبطالة. ويمكن تقدير ما يُدخله العمال السوريون من لبنان في السنة العادية، أي بدون حرب أو ركود اقتصادي، بما يقارب المليار دولار. وخلافاً لعائدات النفط، يتم توظيف هذا المبلغ مباشرة في الاقتصاد السوري، ما يؤدّي إلى تحريك لا يستهان به للاستهلاك.

 

لا يمكن أن ننكر بأن الوجود الكثيف لليد العاملة السورية مسؤول جزئياً عن البطالة التي تطال العمال اللبنانيين غير المتمتعين بالكفاءات أو ممن ليس لديهم منها الكثير. ويتنافس هؤلاء بصورة مباشرة مع العمال السوريين الذين يقبلون بأجور بخسة وظروف عمل لا يقبل بها اللبنانيون. فكلفة الحياة أعلى بثلاثة أضعاف مما هي عليه في سوريا، إلى درجة أن أجراً يقل عن 20 دولاراً يومياً أو 400 دولار في الشهر لا يكفي اللبناني لإعالة أسرته. وبحسب تحقيق أجرته جامعة القديس يوسف عام 2003، تحتاج الأسرة اللبنانية الى 600 دولار شهرياً كحدّ أدنى من أجل حياة مقبولة. «اللبنانيون لا يرغبون في العمل، إنهم متعلّمون ولا يقبلون الأعمال الوضيعة»: تلك هي بعض الحجج التي يسوقها أرباب العمل تبريراً لاستخدامهم اليد العاملة الأجنبية. لكن الواقع أن اللبنانيين لم يحصّلوا جميعهم دروساً جامعية، إذ يسهل في شمال لبنان والبقاع والجنوب وضواحي بيروت العثور على يد عاملة غير مؤهّلة، قادرة على الحلول محلّ العمّال الأجانب، وخصوصاً السوريين. لكن كلفة العمّال اللبنانيين هي أعلى، وهم أقلّ ليونةً، وهم قادرون على المطالبة بحقوقهم: الضمان الاجتماعي ودوام العمل الأسبوعي (45 ساعة مقابل 60 إلى 80 بالنسبة للسوريين)، ومن الصعب صرفهم ببساطة عند تباطؤ الحركة الاقتصادية...
وفي غياب اليد العاملة السورية، سيضطر أرباب العمل اللبنانيون إلى زيادة الأجور، ما سيتسبب في تراجع القدرة التنافسية في الزراعة والصناعة والسياحة ما دام لبنان يعتمد سياسة اقتصادية ليبرالية ومفتوحة. كذلك سترتفع تكاليف البناء. وهكذا يقدّر عدد اللبنانيين في سن العمل في عام 2003 بـ 1،4 مليون نسمة من أصل العدد الإجمالي للقاطنين 3،2 ملايين. نسبة البطالة تصل إذاً إلى 11،5% إذا ما اعتمدنا عدد الناشطين الباحثين عن عمل، بينما التعريف الأوسع الذي يشمل من توقفوا عن البحث عن عمل أو يصنفون أنفسهم «عمّالاً مستقلّين»، قد يوصل النسبة إلى 20%، أي 280 ألف شخص. بالطبع لن يستعيد اللبنانيون جميع الوظائف التي يخليها السوريون، لكن قد يسمح ذلك بالحدّ من نسبة البطالة الواسعة التي تعاني منها الفئات الشعبية اللبنانية. ذلك أن «العاملين في قطاع الفنادق والبناء والصناعة هم الأكثر معاناةً من البطالة»، أي تحديداً حيث المنافسة السورية هي الأقوى.


يتيح اتهام العمال السوريين نزع فتيل التوتر بين الطوائف اللبنانية، بتوجيه الغضب والرغبة في الانتقام نحو أناس لا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم، سواءً تعلّق الأمر بمشاكل اقتصادية أو سياسية. فهذه الكتلة من العمال المحرومين تساهم في منح اللبنانيين شعوراً بالتفوّق على جارهم العربي، وبالتالي تعزيز الوحدة الوطنية الهشّة في بلاد الأرز. فغالبية اللبنانيين لا تعرف سوريا إلا من خلال عمّالها وجيش احتلالها الذي تشبه حياة عناصره ظروف حياة العمال المدنيين. في الحالتين، تمثُل أمام ناظر اللبنانيين أمثلةٌ ملموسةٌ عن الفشل الاقتصادي للنظام البعثي. وفي سوريا، يتم استخدام الاعتداءات الدورية التي يتعرّض لها العمال السوريون في لبنان للتشهير بحكومة فؤاد السنيوره، وريث رفيق الحريري، ولحثّ السوريين على عدم السفر إلى لبنان. بالطبع، يعاني السوريون الاستغلال في لبنان، لكن ظروف العمل كما الأجور ليست أفضل في سوريا. في وجه هذا الواقع الذي يتجاهله المسؤولون السوريون، لا يبدو سهلاً وقف الهجرة العمالية إلى لبنان.
سوريا ولبنان يكمّلان واحدهما الآخر سياسياً واقتصادياً من أجل المحافظة على أقليّتين حاكمتين. فوجود لبنان يوفّر على سوريا القيام بإصلاحات اقتصادية وسياسيّة تعيد النظر في سلطة تعتمد على العصبية. أمّا في لبنان فيسمح اللجوء إلى اليد العاملة السورية باستمرار الضغط على الأجور استعباداً للطبقة العاملة اللبنانية التي لا يبقى أمامها من خيار سوى الالتحاق بزبانية رب عمل نافذ يحرمها من حقوقها السياسية. وهكذا على طرفَي الحدود، يُنعت من يعارض نظامَي الاستغلال بعملاء الأجنبي في سوريا وبالموالين لسوريا في لبنان.
فابريس بالانش
، باحث واستاذ في جامعة ليون الثانية
(نشرت هذه المادة بالتنسيق مع «ليموند دبلوماتيك»)

نقلا عن جريدة الأخبار عدد السبت ٢١ نيسان ٢٠٠٧

 




شارك هذه الصفحة: