العمال الفلسطينيون: جحيم الفردوس المفقود

بقلم مراد البسطامي*

 

"يجب إخراج غزة من تل أبيب" جملة كثيراً ما رددها رئيس الوزراء الإسرائيلي الراحل إسحق رابين الذي تمنى قبلها أن يصحو يوماً ويجد البحر وقد ابتلع غزة، بالتأكيد ردد هذا الكلام قبل أن يتحول إلى "حمامة سلام"؛  وللمفارقة أطلق رابين هذا الخطاب بينما كان يقيم في منزل رئاسة الوزراء الواقع في بداية شارع غزة الشهير في القدس الغربية، الفاصل بين حي الطالبية وهو الحي الذي ترعرع به إدوارد سعيد، وحي "رحافيا" اليهودي ؛ هذا الحديث غير اللائق جاء احتجاجا على العمالة الفلسطينية الوافدة والقاطنة في تل أبيب حينها، والتي للأسف ساهمت في بناء أكثر المستوطنات الموجودة حالياً، تماماً كما فعل من قبل نظرائهم الجزائريون إبان فترة الاستعمار وما بعده، وهذه بالمناسبة سمة عامة للدولة الاستعمارية التي تستخدم أبناء المستعمرات ليكونوا أحد أدوات النخر، ولعل أفلام Days of Glory)) و "العدو الحميم"[1] لأبرز تجسيد لهذه ظاهرة.

 

هي مأساة وملهاة إذن أن يشارك بعض الفلسطينيين الذين تحولو الى "أشياء" في بناء المستوطنات الاسرائيلية، و أكثرهم من الفلاحين واللاجئين الذين تركوا أرضهم أو مخيمهم لسد الرمق و بحثاً عن لقمة العيش، بعد أن ربطت إسرائيل الاقتصاد الفلسطيني بالاقتصاد الإسرائيلي، ولكونها بحاجة إلى الأيدي العاملة الماهرة والرخيصة والقريبة السكن. و الحديث هنا يتم عن مرحلة مستمرة امتازت بها فترة أواخر السبعينات و الثمانينات، وصولاً إلى أواخر التسعينات، قبل أن يتم استبدال هؤلاء ببروليتاريا رثة أخرى قادمة من الصين و إثيوبيا ودول أوروبا الشرقية بسبب اندلاع الانتفاضة. وقد يتساءل القارىء كم كان المشهد بائساً  على ذلك العامل، اللاجئ خصوصاً، عندما كان يطلب منه أن يبني بيتاً، أو حديقة مكان أرضه التي رحّل هو أو عائلته منها بالقوة في العام 1948. هي بالتأكيد لحظات صعبة على العامل يريد أن يطعم أولاده ليئمنهم من خوف. "يتوجب على أية نظرية جديدة الإقرار بأن الامبريالية كانت وظيفة لتعاون أو عدم تعاون ضحاياها، أي لسياستهم الأهلية مثلما كانت وظيفة للتوسع الأوروبي وكذلك الإقرار بأنه لولا التعاون الطوعي أو القسري الذي أبدته النخب الحاكمة، والتعاون الأهلي حين أزف أوانه، لما تمكن الأوروبيون من غزو وحكم إمبراطوريتهم غير الأوروبية، لقد جوبه ذلك الحكم بالمقاومة منذ الوهلة الأولى واقتضت الحاجة استمرار وجود التوسط البلدي لتفادي المقاومة أو كبح جماحها"[2].

 

في حين قابل الفلسطينيون هذا الخطاب ويقابلونه بقصد أو بدون قصد عن طريق ارتداء الكوفية[3] في الطريق إلى العمل ، كونها مناسبة لرحلة الشتاء والصيف، أو بتكلم العربية بصوت عالي في مكان العمل سواء كان ذلك في القدس الغربية أو في أماكن البناء الشاهقة في تل أبيب، أو حتى بترديد بعض الأغاني الكيدية لفيروز من تلحين الأخوين رحباني مثل ( سنرجع يوماً إلى بيتنا)، و (أذكر يوماً كنت بيافا). والتي تبدو للوهلة الأولى مثل تلك التراتيل الجماعية التي كان يرددها ’العبيد‘ الأفارقة العاملين في حقول القطن إبّان فترة العبودية، والتي لم تكن أهازيج وأغاني بقدر ما كانت هي إشارات مشفرة لرفاقهم الهاربين و المختبئين من السيد الأبيض في حقول القطن. هذه الأهازيج والأغاني تطورت فيما بعد لتصبح أحد أروع أنواع الموسيقي الغربية، و التي تعرف اليوم بموسيقى الجاز. وكان هناك نوعان من ’العبيد‘ إبان فترة العبودية: الذين يعملون في الحقول؛ والذين يعملون في المنازل. وكان ’عبيد‘ الحقول أكثر تمرداً وهرباً وقوة، بينما كان ’عبيد‘ المنازل أكثر تأقلماً وإخلاصاً للسيد الأبيض الذي يطعمهم من بقايا ما يأكل، ويلبسهم من بقايا ما رث من ملابس، فكانوا يدعون له في الصلوات ويتشبهون به، حتى أن بعض هؤلاء ’العبيد‘ سمّى أبناءه تيمناً بالسيد الأبيض  و"يبدو أنه ما زال لدينا الكثير من عبيد المنزل في هذه الأيام"[4].

 

لن أخوض هنا في التجاوزات التي يتعرض لها العمال الفلسطينيين من مطاردة و استغلال وانتهاك لبعض الحقوق، فالعلاقة بين العربي الفلسطيني والإسرائيلي في مكان العمل كانت دائماً علاقة عامل ومشغّل أو "سيد وعبد" إذا ما صح المجاز، وبالتأكيد لن تجد إسرائيلياً يعمل موظفاً لدى الفلسطينيين. أما المشغّل الإسرائيلي "المعلّم"، الذي يتحدث بعربية ركيكة تعلمها على الأغلب في الجيش، والمستشرق في نفس الوقت، فردة فعله حول ما يقوم به العمال الفلسطينيون ممن يملكون تصاريح عمل أو لا يملكون، كانت وفق طبيعة العمل والمزاج السياسي في ذلك اليوم، فإما أن يتجاهل الموضوع وكأن شيئاً لا يحدث، كون عمل هؤلاء أهم من مظهرهم، فيجلس معهم على مائدة الطعام ليمارس ذاته الاستشراقية فيتحدث عن الحمص، ويطلق معهم بعض النكات البذيئة، وفي مواقف أخرى ساخنة يطلب من العمال وبنبرة غضب وضع موسيقى عبرية أو غربية بدلاً منها، على حين يهمس لمسؤول العمال العربي المطيع دوماً والأشد صرامة وإخلاصاً للعمل من السيد نفسه، بضرورة جعل العمال يستخدمون اللغة العبرية فيما بينهم، والتنفيس عن ذلك من خلال بعض النكات. ولكن أليست هذه وظيفة المزاح وبعض النكات؟.كذلك كان من الضروري على العمال أن يحلقوا لحاهم وشواربهم التزاماً بأعراف العمل، أو بكلمات أخرى "لكي لا يبدو عرباً"، فمصلحة العمل تتطلب هذا النوع من الإجراءات التي تبدو في بعض الأحيان لا شعورية لكي يبدو مكان العمل أكثر قبولاً أمام بعض الزبائن الإسرائيليين المتخمين الذين يتهامسون فيما إذا كان الطبّاخ الذي صنع لهم الطعام عربياً أم لا.

 

 وفي بعض الحالات كان يطلب بطريقة مواربة ولكن بخجل ودون إجبار، من بعض العمال الفلسطينيين البائسين أن لا يستخدموا أسمائهم العربية في مكان العمل خصوصاً اسم " محمد" أو "موخمد" على طريقة المعلّم الإسرائيلي، إذ كان ينادي بقصد أو غير قصد أسماء العمال العرب بأسماء عبرية مثل مناداة "موسى" بإسم "موشيه" الذي يشبه موسى إلى حد ما، وهي عملية تشبه بالمناسبة ما تقوم به بعض الميليشيات المسلحة في بعض دول إفريقيا عندما تختطف الأطفال من طفولتهم لتجعل منهم جنودا أشاوس، فتغير أسمائهم وتطلق عليهم أسماء دموية مثل ( أبو الجماجم وأبو الموت وأبو عفريت...الخ)؛ لكي تصبح أفعالهم مثل أسماءهم. وللمفارقة توجد نفس هذه التقنية في نظام السجن؛ حيث يصبح السجين مجرد رقم وزنزانة. وهنا يقول فيريري "من أجل أن ينجح الغزو الثقافي لا بد لمن تم غزوهم أن يقتنعوا بتدني مكانتهم من حيث الجوهر، وبما أن لكل شيء نقيضه وما دام من تم غزوهم يعتبرون أنفسهم أحط مكانة فإنهم يعترفون بالتالي، برفعة مكانة الغزاة ومن ثم تصبح قيم الآخرين أي الغزاة النموذج بالنسبة لهم، وكلما ازداد تعميق الغزو وأصبح من تم غزوهم أكثر اغترابا عن روحية ثقافتهم وعن ذاتهم؛ كلما ازدادت رغبتهم في أن يكونوا مثل الغزاة يسيرون مثلهم يلبسون مثلهم ويتكلمون مثلهم"[5].

 

 تقابل هذه الهجمة إما بحالة من المقاومة والتي تؤدي بالعادة إلى الطرد من مكان العمل بحجة السرقة أو عدم اللباقة واللامهنية، أو بحالة من الاغتراب والتماهي مع السيد،  بحيث يشعر الواقع تحت الاحتلال بالخجل تجاه لغته واسمه وثقافته، الأمر الذي يؤدي ببعض هؤلاء العمال إلى الارتماء في أحضان و ثقافة المستعمر، فيلبس و يتصرف ويتكلم مثله، حتى عندما يعود إلى قريته أو حيه الذي يتميز بسكن أقل مستوى، وبعد جولة في المدينة في أيام السبت والعطل ترافقها الموسيقى العبرية الصاخبة التي لا يفهم أكثر كلماتها ولكن يرددها، تبدأ رحلة البحث عن صديقة إسرائيلية تقبل بالخروج مع شاب عربي، حسب نظرية "جئتكم غازياً"[6] ، ولكن عليه أولاً أن يقنعها انه ليس متطرف كنوع من التعويض الدفاعي،  بكلمات أخرى ليصبح "بشرة سوداء، قناع أبيض"[7]. حيث يشعر المحتلون عند نقطة معينة بجاذبية لا تقاوم تجاه المستعمرين وطريقة حياتهم، فالمستعمرين يريدون بأي ثمن في حالة اغترابهم كما يقول فيريري أن يشبهوا مضطهديهم وان يقلدوهم ويتبعوهم خصوصاً لدى الطبقة الوسطى الذين يتحرقون لأن يصبحوا أندادا للأشخاص رفيعي الشأن من الطبقة العليا[8]. هذه الظاهرة شّخصها من قبل ابن خلدون عندما تحدث عن فتنة المنتصر "والسبب في ذلك أن النفس ابدً تعتقد الكمال فيمن غلبها وانقادت إليه إما لنظره بالكمال بما وقر عندها من تعظيمه، أو لما تغالط به من انقيادها ليس لغالب طبيعي إنما هو لكمال الغالب، فإذا غالطت بذلك واتصل لها صار اعتقاداً فانتحلت جميع مذاهب الغالب وتشبهت به"[9].

 

تخدم هذه السياسات التي يفرضها الكولونيالي في المستعمرات أو حتى في مكان العمل المركز الكولونيالي، من خلال خلق نظام ريعي وعلاقة زبائنية مع السكان بحيث يصبح  المستعمر معتمد كلياً في معيشته على السيد، فالسيد يريد من هؤلاء أن يكونوا أقوياء جسدياً؛ ضعفاء نفسياً حسب مقولة (Keep the body, Take the Mind) ، بينما تؤدي مجمل هذه السياسات إلى حالة من الظلم الاجتماعي National Oppression)) التي تحدث عنها فانون[10]،  حيث ينتشر الفقر والجوع والبطالة في أوساط المحتلين خصوصاً النخب المثقفة، بينما يعيش المستوطنون والمنتفعين من المشروع الاستعماري في حالة معاكسة من الرفاه ورغد العيش، ، في حين تسعى عامة الشعب بالعادة إلى التبرير كونها إرادة الله والى محاولة التأقلم مع الأوضاع الجديدة التي يفرضها المستعمر، أو من خلال إظهار عجز الإرادة. " فهم يكتشفون أنهم لا يستطيعون العيش بشكل حقيقي بدون حرية، ومع ذلك يخافونها رغم رغبتهم في الوجود الحقيقي أنهم يجمعون في الوقت ذاته بين أنفسهم والمضطهد الذين استلهموا وعيه، والصراع يكمن في الاختيار بين أن يكونوا أنفسهم كلية أو أن يكونوا منقسمين مجزأين، بين أن يلفظوا المضطهد القابع في داخلهم أو لا يلفظوه، بين التضامن الإنساني والاغتراب، بين إتباع الأوامر و الايعازات أو التمتع بالاختيار، بين أن يكونوا متفرجين أو أن يكونوا لاعبين...مشلولة قدرتهم على الخلق وإعادة الخلق مخصيه قدرتهم على تغيير العالم"[11].

 

* سيرة موجزة للكاتب:

 من سكان القدس المحتلة، عمل سابقاً كمساعد أكاديمي في جامعة بيرزيت ومؤخراً في اليونيسيف، له عدة مقالات وأبحاث منشورة.



[1]  مترجم من الفرنسية

[2]  سعيد، إدوارد. 1993. الثقافة والامبريالية.ترجمة كمال أبو ديب.بيروت: دار الآداب، ص318

هذا قبل أن تصبح الكوفية رمزاً ثورياً أو صرعه[4].

[4]  هذه الجملة مقتبسة من فيلم مالكوم اكس.

[5]  فيريري،باولو.2003. نظرات في تربية المعذبين في الأرض.ترجمة مازن الحسيني.رام الله: دار التنوير للنشر والترجمة، ص 141

[6]   هذه المقولة مقتبسة من رواية "موسم الهجرة للشمال"للطيب صالح.

[7]  أنظر أيضا إلى Fanon, Frantz. 1967.Black Skin, White Masks. New York. : Grove Press

[8]  فيريري،مصدر سبق ذكره، ص38

[9]  ابن خلدون، عبد الرحمن. 2004. المقدمة. تحقيق حامد احمد الطاهر.ط1. القاهرة: دار الفجر للتراث، ص192.

[10]  Fanon, Frantz. 1963. The Wretched of the Earth. New York: Grove Press

[11]  فيريري، مصدر سبق ذكره، ص21

.



شارك هذه الصفحة: