بيروت الأخرى: "Les femmes bonnes"

فتحي بن الحاج يحي

 

جئت بيروت لبضعة أيام وعدت منها بانطباعات متضاربة. أحلاها أنّه يصعب على المرء أن لا يحبّ هذه المدينة وأن لا يخاف عليه. وقد تختلف المشاعر من زائر إلى آخر حسب ما جاء يبحث عنه فيها ووفق ما يحمله من تصوّرات عنها ومن مقارنات بمدينته وبلده تظلّ تمثّل، بالضرورة، الخلفية الخفية لمقاربته.

وأنا جئتها من تونس. لم أشعر بنفسي غريبا في الشارع البيروتي وفي تواجد المرأة والبنت في الفضاء العامّ بشكل "طبيعي"، وفي إطلالة بيروت على البحر، وفي سهولة التواصل مع النّاس والتحدّث إليهم، وفي مظاهر الحداثة المادية التي تتجاوز ما عندنا في ميدان حركة المال من مصارف وغيرها. والحداثة أيضا مسألة ذهنية تمسّ علاقة الفرد بجسده وبوجوده وبسيطرته على صورته ومظهره وعلاقته مع الآخر وقبوله له كمختلف عنه عقائديا أو سياسيا أو سلوكيا... وهي مسألة معقّدة لن أخوض فيها، فالمقارنة ستجرّ إلى دعوة قضايا التاريخ الخاصّ بكلّ بلد وتركيبته السوسيولوجية وأوضاعه السياسية في علاقة بموقعه من الخريطة الجغرافية- السياسية...

من اللّحظات الحلوة التي عشتها مشاهدتي لفيلم لبناني للمخرجة الشابة كورين شاوي، عنوانه

 "Les femmes bonnes" بما قد يوحي بمعاني مزدوجة، مقصودة أو غير مقصودة، يمكن ترجمتها بـ"النساء الخادمات" أو "النساء الطيبات" أو "المرأة المخفية وراء الخادمة"...

في بلد يطغى عليه الهاجس السياسي وتلفّه خيوط عنكبوتية تكمن عقدها خارج لبنان، إلى درجة أصبحت معها كلمة "الاستقلال" تعني بالضرورة الاحتماء بإحدى المظلاّت المتهافتة على بلد يوفّر فيه الواقع الطائفي وضعف الدّولة المركزية وتعقيد الخريطة السياسية للمنطقة... فرصة وذريعة لتحويله إلى بيدق في لعبة تتضارب فيها مصالح قوى دولية وإقليمية متنازعة، يصعب أن تتوافر فيه للشباب فسح فكرية ثقافية للنّظر في أحواله الخاصّة أو في أحوال بعض المظاهر الاجتماعية من نوع وضع العمال المهاجرين فيه أو ظاهرة الخادمات المستوردات من بلاد آسيا البعيدة وأحوالهن.

كورين شاوي اختارت هذه الصعوبة وأن تطرق موضوعا "صغيرا" قياسا بالهموم الكبرى للبنان. وموضوع فيلمها قد يصنّف في خانة الهامشيات من القضايا لو أنها لم تفتح من خلال كاميراتها الوحيدة ألف زاوية نظر، دون الحاجة إلى كاميرات إضافية وتقنيات باهظة الثمن. قالت قبل العرض إنها بدأت التصوير سنة 2000 لتنهيه عام 2005. خمس سنوات من حياة شابة سيريلانكية قادها القدر إلى عائلة الشاوي ببيروت. وهي عائلة قد لا تخدم أريحيتها و"ليبرالية" علاقتها مع البنت أغراض فيلم يوحي عنوانه بمأساة مرتقبة ومعروفة العناوين مسبقا.

الأمّ تلعب دور الأمّ في الفيلم وتلعب دور الأمّ في حياة الخادمة (للأسف الشديد لم أحتفظ باسمها وبجلّ الأسماء الأخرى. عندي مشكلة ذاكرة مع الأسماء! (والأمّ صاحبة شخصية قويّة، فحنانها يتدفّق على نسق سلطوي "أبويّ"  طريف تتلقّاه البنت السيريلانكية كدلالات محبّة واحتضان لها بقدر ما يربكها في أخذ قرارات مصيرية في حياتها: هل تعود إلى بلدها بعد انقضاء إقامتها القانونية لتتزوّج الخطيب الذي ينتظرها؟ إنّها تحبّه لكن بلغها أنّه معدم وعاطل عن العمل و كذب عليها، فما العمل؟ وإن رجعت إلى بيروت ثانية ماذا سيكون من أمرها فهي لن تستطيع العمل ثانية في البيت نفسه، لأسباب قانونية، معقّدة بالنسبة لي ولم أفهم تفاصيلها، ولكنّها ستصبح تفاصيل مدام شاوي وبناتها والأب المقحم إقحاما في هذه القضية. كان لا ينظر إلى الكاميرا ويقف من العدسة كما يقف من القضية، أي لا يريد مواجهة الأمر صراحة أو لا يستطيع فهو يعارض منهمكا في الأكل. وفي الحقيقة لا يعارض وإنّما "يعقّدها" لينتهي به الأمر إلى قبول لا مفرّ منه أمام "دولة بحاله". فالأمّ ستتفنّن في قطع جميع السّبل وفرز الخيوط واستعراض جميع الإمكانات والحلول الممكنة. شيء وحيد كانت تطلبه من البنت السيريلانكية :"إذا عدتِ إلى بيروت من دون زيارتي... فسأعثر عليك أيّا كنت... وسأقتلك!".

أخت كورين الكبرى شخصية طريفة هي الأخرى. هي لا تساوم كثيرا. تقول للـ"خادمة" :"أنت متردّدة...دعك منه... لماذا اللّهفة والتسرّع في الزّواج؟. ..."حدسها النسائي يجعلها لا تتوجّس خيرا في الرّجال، وصلابتها الأيديولوجية لا تساعد كثيرا البنت السيريلانكية على التجديف في متاهة حياتها وربط الخيوط أو فرزها بين احتياجات ومشاعر متداخلة كحاجتها إلى الرّجل جنسانيا وعاطفيا ومستقبليا وأموميا واجتماعيا وربّما دينيا... ليس من السّهل على امرأة في وضعها أن تعرض عن الحبّ وحتى إن كان يلبس ثوب البؤس الجنسي والعاطفي.

هذا الحبّ سيتراءى أيضا لـ"علي" المصري الذي يعمل في بيروت دون جواز إقامة. ترك زوجته، التي يحكي عنها دون ذكر اسمها، في مصر ليستوطن حياة البنت السريلانكية ومشاعرها. لا نعلم كيف ألقت بها الأقدار من بلد زاده طوفان "تسونامي" مصيبة على مأساة لترمي بها في أحضان رجل عربي مسلم يقيم في غير بلده بصفة لا شرعية ويجد في شرعه ما يمنحه راحة البال بمعاشرة ثانية دون علمها بالأولى.

لقاء الأمّ مع "علي" وقدرتها على التأثيث لوضع إنساني تلقائي مثّل مشهدا آخر رائعا من الفيلم أصبحت فيه الكاميرا "كاميرا خفية" تتيح للواقع، دون أيّ تدخّل فيه، سبك سيناريو كانت ربّما ستعجز عليه في سيناريو مكتوب مسبقا.

أشياء أخرى كثيرة في الفيلم سيقف عليها المشاهد كما سيقف على ولادة سينمائية شابّة تنبئ لمساتها الخفية وقدرتها على استنطاق الواقع وخبايا الذّات، بأقصى ما يمكن اقتصادا في الخطاب خارج ثقافة الكلمة والخطاب والشعارات الكبرى، وبأنّ قائمة سينمائياتنا ستزداد مع الزّمن ثراء.. وكم نحن في حاجة إلى نظرات ومداخل جديدة ترفع الحُجُب عن واقعنا وتتيح لنا تصويره على حقيقته دون تأويل وأحكام أخلاقوية مسبقة ومسقطة.

 

كاتب تونسي

نقلا عن جريدة النهار الصادرة بتاريخ 7-2-2006

 




شارك هذه الصفحة: